ذات صلة

حرب التكنولوجيا بين الولايات المتحدة والصين: أين تقف تركيا؟

في السنوات الأخيرة، تصاعد التنافس التكنولوجي الجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة بشكل ملحوظ. وقد أدّى تدهور العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة خلال العقد الماضي إلى تقليص فرص أنقرة في الاستفادة من هذا الصراع بصفتها حليفاً لواشنطن. تسعى تركيا من جانبها لتحقيق طموحاتها ضمن إطار ما يُعرف بالثورة الصناعية الرابعة، مع تركيز خاص على الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة بتكاليف مناسبة، وهو ما تتيحه شركات التكنولوجيا الصينية من خلال فرص جذابة.

لكن، وبالنظر إلى عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ووضعها كمرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن اقترابها المتزايد من المنظومة التكنولوجية الصينية يجب أن يثير انتباه صناع القرار في بروكسل. من الضروري أن يعزز الاتحاد الأوروبي سياساته تجاه تركيا بهدف بناء تعاون أعمق لمواجهة التحديات الجيواقتصادية الراهنة بشكل مشترك.

على الصعيد الداخلي، يلعب الرئيس رجب طيب أردوغان دوراً محورياً في دعم المشاريع التكنولوجية التركية. فهو يدعم بشكل مباشر مشروع أول سيارة كهربائية محلية الصنع (Togg)، ويشارك في محادثات فيديو مع شخصيات مرموقة مثل أول رائد فضاء تركي، كما يحرص سنوياً على حضور مهرجان “Teknofest” الشبابي، حيث يسلّط الضوء على إنجازات تركيا المتقدمة في مجال الصناعات الدفاعية.

تعكس هذه المبادرات بوضوح طموح أنقرة في أن تصبح تركيا واحدة من أبرز القوى الابتكارية على الساحة العالمية في القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، فإن مدى قدرة البلاد على تحقيق الأهداف الطموحة التي حددتها ضمن إطار مبادرتها الوطنية للتكنولوجيا (Milli Teknoloji Hamlesi) يبقى موضع تساؤل، خاصة في ظل تصاعد حدة الحرب التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة، وهي معادلة دولية شديدة التعقيد لا يمكن تجاهلها.

وقد اكتسب هذا التنافس أهمية أكبر بعد إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، إذ تعود جذور التوتر التكنولوجي بين بكين وواشنطن إلى فترة رئاسة باراك أوباما، لكنه بلغ ذروته خلال الولاية الأولى لترامب (2017–2021)، لا سيما مع توجيه اتهامات بالتجسس إلى شركة هواوي الصينية العملاقة عام 2019. منذ ذلك الحين، تصاعد الصراع بشكل لافت، وامتد ليشمل قطاعات حيوية مثل أشباه الموصلات، والبطاريات المتقدمة.

رغم تغير الإدارة في واشنطن، لم تتراجع حدة هذه المواجهة. بل على العكس، واصلت إدارة جو بايدن نهجها المتشدد تجاه الصين، بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، من خلال سنّ تشريعات استراتيجية مثل قانون رقائق الكمبيوتر والعلوم وقانون خفض التضخم في عام 2022، والتي هدفت إلى إعادة توطين البحث العلمي والتصنيع المتقدم داخل الولايات المتحدة، لا سيما في مجالات التكنولوجيا الحساسة.

وفي ظل هذا السياق الدولي المتحوّل، تحتدم المنافسة بين العملاقين في ثلاث مجالات محورية تُشكّل مستقبل التكنولوجيا: الذكاء الاصطناعي، المركبات الكهربائية، وتقنيات الجيل الخامس (5G). وهذا ما يضع تركيا أمام تحديات معقّدة في سعيها لتأمين موقع تنافسي مستقل في النظام التكنولوجي العالمي، وسط لعبة توازن دقيقة بين مصالحها الجيوسياسية وتطلعاتها التقنية.

هل ترغب أن نُكمل بإبراز السيناريوهات المستقبلية الممكنة لتركيا في ظل هذا المشهد المتغيّر؟

فرضت الولايات المتحدة في إطار تصعيدها المستمر ضد الشركات الصينية قيوداً صارمة على هواوي، ومنعتها من العمل داخل أراضيها، كما أجبرت شركة بايت دانس، المالكة لتطبيق “تيك توك”، على بيع عملياتها في السوق الأمريكية. ولم تقتصر الإجراءات على قطاع التكنولوجيا الرقمية، بل شملت أيضاً فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على واردات السيارات الكهربائية الصينية، في خطوة تهدف إلى تقويض تنافسية الشركات الصينية في السوق الأمريكية.

في المقابل، لم تقف بكين مكتوفة الأيدي، وردّت بإجراءات مضادة كان أبرزها فرض قيود على تصدير المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، وهي مواد حيوية في تصنيع الأجهزة الإلكترونية وأشباه الموصلات.

وقد شهدت الحرب التكنولوجية فصلاً جديداً ومفاجئاً مطلع عام 2025، مع إطلاق شركة صينية ناشئة في هانغتشو نموذج اللغة الكبير DeepSeek، الذي يُعتبر النسخة الصينية المنافسة لـ ChatGPT. اللافت في هذا التطور أن النموذج الصيني لم يأتِ فقط بنتائج تقنية واعدة، بل أظهر قدرة على مجاراة النماذج الأمريكية بتكاليف أقل بكثير، مما يعكس مرونة وفعالية الشركات الصينية في مواجهة العقوبات والتضييقات الغربية.

وقد أحدث هذا الإطلاق صدمة حقيقية في وادي السيليكون، وتسبب في تراجع كبير لأسهم شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية في البورصات خلال يناير 2025، مما يعكس القلق المتزايد من التقدم الصيني السريع في هذا المجال. هذه المستجدات تؤكد أن الحسم في هذه “الحرب التكنولوجية” لا يزال بعيد المنال، وأن ميزان القوى لا يميل بشكل قاطع إلى أي من الطرفين.

غير أن هذه المواجهة لا تقتصر آثارها على الصين والولايات المتحدة وحدهما، بل تمتد لتطال العالم بأسره، لا سيما الدول النامية التي تواجه تحديات كبيرة في اللحاق بركب الابتكار. وتأتي تركيا في مقدمة الدول التي تتأثر بهذه المنافسة، نظراً لاعتمادها الكبير على الشراكات الدولية في سعيها لتحقيق قفزات نوعية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.

وبينما تسعى أنقرة إلى تعزيز قدراتها التكنولوجية عبر مبادرات وطنية طموحة، تجد نفسها مضطرة للعب دور متوازن في بيئة جيوسياسية مضطربة، حيث يتعين عليها الاختيار بعناية بين تعميق التعاون مع الغرب أو الانفتاح بشكل أكبر على الصين، بما يحقق مصالحها الوطنية دون المساس بتحالفاتها الدولية.

تركيا: هل تحقّق أقصى استفادة من حرب التكنولوجيا الصينية الأمريكية؟

نظرًا للطبيعة الضبابية التي اتّسمت بها السياسة الخارجية التركية خلال أكثر من عقد، يصعب تحديد موقف أنقرة الواضح من الحرب التكنولوجية المستمرّة بين الصين والولايات المتحدة. فبينما تُعتبر تركيا حليفًا تقليديًا لواشنطن وعضوًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن إعلان الحلف الصين “منافسًا استراتيجيًا” خلال قمة مدريد عام 2022 لم ينعكس بوضوح في سلوك أنقرة. على العكس، ترى تركيا في صعود الصين فرصة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي، لا تهديدًا مباشراً، وتواصل انفتاحها على تكتلات دولية تقودها بكين، مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة البريكس+.

ينعكس هذا التباين الجيوسياسي في كيفية تعاطي تركيا مع الصراع التكنولوجي بين القوتين العظميين. فعلى الرغم من طموحاتها لتطوير قدراتها في مجالات التكنولوجيا المتقدّمة خلال القرن الحادي والعشرين، كما يتجلى في مشاريع مثل تطوير الطائرات المسيّرة، وإطلاق السيارة الكهربائية المحلية “Togg”، وإنشاء أول حاسوب كمّي محلي الصنع، فإن تركيا لا تزال بعيدة عن الانضمام إلى صفوف الدول الرائدة عالميًا في مجال الابتكار.

في الواقع، تتخلّف تركيا حتى داخل محيطها الإقليمي، حيث تُعد إسرائيل من أبرز الدول المبتكرة، بينما تتحوّل الإمارات إلى مركز متنامٍ للتكنولوجيا المتقدمة. وتبدو الفجوة أكثر وضوحًا في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، وتقنيات الجيل الخامس، وتصنيع أشباه الموصلات المتقدّمة، وهي ميادين تفتقر تركيا فيها إلى بنية تحتية حقيقية، ولا تمتلك فيها قدرة تنافسية تُذكر، خصوصًا في التقنيات فائقة الدقة مثل رقائق 5 نانومتر.

حتى الآن، لم يساهم التصعيد في المنافسة الجيوسياسية بين بكين وواشنطن في معالجة هذه الثغرات التقنية في تركيا، بل أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى خياراتها الاستراتيجية. وبينما تعتمد أنقرة على الشراكات الدولية لتحقيق طموحاتها في التكنولوجيا، فإنها تجد نفسها مضطرة إلى التوازن بين الضغوط الغربية وفرص التعاون الشرقي، في معادلة دقيقة تفتقر إلى الحسم وتُهدّد بإبطاء مسارها نحو التحوّل إلى قوة تكنولوجية صاعدة.

لو التزمت تركيا بسياسة خارجية تقليدية موالية للغرب، لكان من الممكن أن تحقق مكاسب كبيرة من النزاع التكنولوجي المتصاعد بين الصين والولايات المتحدة. فمنذ جائحة كوفيد-19، بدأت الشركات الغربية متعدّدة الجنسيات في اعتماد استراتيجيات مثل “دعم الأصدقاء” و”القرب الجغرافي”، بهدف تقليل اعتمادها على سلاسل التوريد الصينية وتنويع مصادر الإنتاج. وقد استفادت دول آسيوية مثل الهند وماليزيا وفيتنام من هذه الاستراتيجية، وأصبحت وجهات بديلة بارزة للتصنيع عالي التقنية.

رغم أن تركيا تمتلك مقومات قوية تجعلها مرشحة للاستفادة من هذا التحوّل—مثل موقعها الجغرافي القريب من أوروبا، وتوفّر قوة عاملة ماهرة ومنخفضة التكلفة نسبياً—فإنها لم تحقّق أي مكاسب تُذكر من هذا التحوّل العالمي، بسبب عوامل سياسية بالدرجة الأولى. إذ لم تسهم السياسة الخارجية التركية المتذبذبة، وميلها في بعض الأحيان إلى التقارب مع بكين وموسكو، في تعزيز موقعها كشريك موثوق للغرب في المجال التكنولوجي.

ويظهر هذا التهميش بوضوح في قواعد الذكاء الاصطناعي التي أعلنتها إدارة بايدن في كانون الثاني/يناير 2025، والتي منعت تصدير الرقائق الأمريكية المتقدّمة إلى دول غير مدرجة ضمن قائمة تضم 18 حليفاً موثوقاً فقط، مثل ألمانيا، فرنسا، أستراليا، واليابان. غياب تركيا عن هذه القائمة يعود على الأرجح إلى الغموض الجيوسياسي في مواقفها. ونتيجة لذلك، قد تواجه أنقرة في المستقبل قيوداً على استيراد الرقائق الحساسة من شركات مثل NVIDIA، مما يحدّ من قدرتها على اللحاق بركب التكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، فإن ضعف حضور تركيا في سلاسل التوريد العالمية الخاصة بالتكنولوجيا المتقدمة جنّبها التعرّض المباشر للعقوبات الأميركية المشددة على صادرات أشباه الموصلات إلى الصين. فتركيا، بخلاف دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، لا تلعب دوراً محورياً في هذه السلاسل، ولا تملك شركات بحجم ASML الهولندية أو TSMC التايوانية. ورغم وجود مبادرات محلية مثل مشروعي “Çakıl” و”Yonca” في مجال الرقائق، فإن البلاد لا تزال بعيدة سنوات عن القدرة على تصميم أو تصنيع رقائق بحجم 5-7 نانومتر.

هذا الوضع يعني أن تركيا ليست مضطرة لاتخاذ موقف واضح في الحرب التكنولوجية الدائرة بين بكين وواشنطن، لكنها في الوقت نفسه لا تحصد أياً من فوائد الانحياز إلى أحد المعسكرين. كما أن اعتماد الصناعات التركية على السوق العالمية للرقائق يمثّل نقطة ضعف استراتيجية، تجعلها عرضة لتقلبات الأسعار والاضطرابات المحتملة في سلاسل التوريد العالمية إذا استمر التصعيد بين الصين والولايات المتحدة.

هل ننتقل إلى النظام البيئي التكنولوجي الصيني؟

بالنظر إلى تطوّرات السنوات الخمس الماضية، يبدو من الطبيعي التساؤل عن موقع تركيا المستقبلي داخل النظام البيئي التكنولوجي الصيني، خاصةً في ظل التحوّلات المتسارعة في العلاقات الثنائية بين البلدين. ففي عام 2020، عندما أعلنت الحكومة التركية عن شراء لقاح صيني لمواجهة جائحة كوفيد-19، أثار القرار موجة من الاستغراب والانتقادات، سواء داخلياً أو خارجياً. وُصف هذا الخيار حينها بأنه انعكاس لتوجّه “أوراسي” متزايد في سياسة أنقرة، فيما عبّر البعض عن قلقهم من الاعتماد على منتجات صينية وُصفت بأنها “رخيصة ومنخفضة الجودة”.

لكن منذ ذلك الحين، أصبح التعاون المتزايد بين تركيا والصين في مجال التكنولوجيا واقعاً مألوفاً، ولم يعد يُنظر إليه كمفاجأة. واعتباراً من عام 2025، تستضيف تركيا مصانع لعدد من أكبر شركات التكنولوجيا الصينية، مثل “شاومي” و”أوبو”، اللتين تنشطان في إنتاج الهواتف الذكية للأسواق المحلية وربما الإقليمية. كما أصبح “علي بابا”، عملاق التجارة الإلكترونية الصيني، مساهماً رئيسياً في شركة “تريند-يول”، أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في تركيا.

ومن المرجّح أن تتولى شركة “هواوي” بناء شبكة الجيل الخامس في البلاد بحلول عام 2026، مما يكرّس حضور الصين في البنية التحتية الرقمية التركية. في الوقت نفسه، تحظى العلامات التجارية الصينية للهواتف الذكية، بالإضافة إلى تطبيق “تيك توك”، بشعبية واسعة بين المراهقين الأتراك، بينما يزداد إقبال المستهلكين من الفئات الأكبر سناً على السيارات الكهربائية الصينية، التي سجّلت مبيعاتها نمواً كبيراً في السوق التركية خلال السنوات الأخيرة.

ورغم امتلاك تركيا لمشروعها الخاص في هذا المجال، متمثلاً في العلامة التجارية المحلية للسيارات الكهربائية “توج” (Togg)، إلا أنه من غير المرجّح أن تتمكّن من منافسة المنتجات الصينية من حيث السعر أو الجودة في المستقبل القريب. يعود ذلك إلى الفجوة الواسعة في قدرات الإنتاج، والدعم المؤسسي، وسلاسل التوريد، التي تمنح الشركات الصينية ميزة تنافسية يصعب تعويضها في الأمد القصير.

تشير هذه المعطيات إلى أن تركيا باتت تشكّل جزءاً من بيئة النفوذ التكنولوجي الصيني، سواء من خلال الاستهلاك أو من خلال الاستثمارات والبنية التحتية، وهو واقع مرشّح للتعزيز مستقبلاً في ظل غياب بدائل استراتيجية واضحة على المستوى المحلي.

تحرص تركيا على تطوير تقنياتها “المحلية والوطنية” (يرلي في ميلي) الخاصة بالقرن الحادي والعشرين، وهو توجه تدعمه الحكومة التركية بقوة. لكن نظرًا لعدم كونها من بين روّاد الابتكار العالمي، يتعين على تركيا إبرام اتفاقيات تعاون مع دول أخرى لتأمين وصول أسهل إلى أحدث التقنيات بأسعار معقولة. في هذا السياق، تقدم الشركات الصينية المدعومة بشكل كبير سلسلة من المزايا التي تجعلها شريكًا جذابًا في هذا المجال.

فيما يتعلق بنقل التكنولوجيا، تعتبر أنقرة أن الصين أكثر انفتاحًا من الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية. وقد تجلّى ذلك بشكل واضح في عام 2013، عندما فازت شركة دفاع صينية بعقد لتزويد تركيا بصواريخ جوية في مناقصة رسمية. تم ذلك جزئيًا بفضل موقف الصين الإيجابي تجاه مشاركة التكنولوجيا. ومع ذلك، أُلغيت الصفقة في وقت لاحق بسبب الاحتجاجات الشديدة من شركاء تركيا في حلف الناتو، ما أدى إلى تراجع أنقرة عن الاتفاق.

رغم ذلك، لا تزال وعود الشركات الصينية بنقل التكنولوجيا تعد معيارًا مهمًا لصانعي القرار الأتراك. ففي سبتمبر 2024، وبعد أكثر من عقد من إلغاء صفقة الصواريخ الجوية، كانت هذه الوعود هي الدافع الرئيسي لأنقرة لقبول استثمار شركة BYD الصينية العملاقة في قطاع السيارات الكهربائية.

يتجلّى التوجه التركي التدريجي نحو منظومة الابتكار الصينية بشكلٍ واضح في قطاع السيارات في البلاد. ففي منتصف القرن العشرين، كان المستثمرون الرئيسيون في صناعة السيارات التركية من الشركات الأمريكية والأوروبية الكبرى مثل فورد ومرسيدس ورينو وفيات. ومع بداية التسعينيات، توسّع هذا الاستثمار ليشمل شركات يابانية وكورية جنوبية. إلا أن الاستثمار الأجنبي في القطاع توقّف منذ ذلك الحين، ليواجه القطاع اليوم تحديين كبيرين: الأول هو التحوّل التكنولوجي من إنتاج سيارات ذات محركات احتراق إلى سيارات كهربائية، والثاني هو صعود الصين كقوة عالمية في صناعة السيارات.

رغم أن استثمار شركة BYD الصينية في تركيا، الذي يبلغ مليار دولار أمريكي، قد يبدو ضئيلاً مقارنةً بالاستثمارات الكبيرة للعلامات التجارية الغربية في السوق التركي، إلا أن هذا الاستثمار قد يفتح الطريق لشركات صينية أخرى لتوسيع وجودها في تركيا. إذا تبعت شركات السيارات الصينية الأخرى خطى BYD، فإن ذلك قد يسرّع التحوّل التركي نحو التكنولوجيات الصينية. ويكتسب استثمار BYD أهمية خاصة في سياق الحرب التكنولوجية الصينية الأمريكية، حيث أصبحت صناعة السيارات الكهربائية ساحة معركة رئيسية بين الصين والدول الغربية. فالسيارات الكهربائية الصينية تواجه تعريفات جمركية بنسبة 100% في الولايات المتحدة، فضلاً عن الرسوم التعويضية في الاتحاد الأوروبي. في هذا السياق، يتيح اتفاق الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي، إضافةً إلى القرب الجغرافي لتركيا من أوروبا، للشركات الصينية فرصة الوصول إلى أسواق السيارات الأوروبية.

كما أن التنافس العالمي المتزايد على بطاريات الليثيوم ومكوّناتها الثمينة يعزز من اعتماد تركيا على سلاسل التوريد المتمركزة في الصين، والتي تهيمن عليها شركات السيارات العملاقة مثل CATL وBYD. إضافة إلى ذلك، يعكس الدور المتزايد لشركة هواوي في البنية التحتية للاتصالات التركية قرب تركيا المتزايد من النظام البيئي التكنولوجي الصيني. على الرغم من أن هواوي كانت هدفًا رئيسيًا للتدابير الأمريكية ضد الصين منذ عام 2019، فإن القضايا المتعلقة بخصوصية البيانات والتجسس التي وُجهت إليها لم تثير جدلًا عامًا في تركيا. فعلى العكس، يزور نواب البرلمان التركي مقر شركة هواوي خلال رحلاتهم إلى الصين، ويعمل طلاب الهندسة في جامعة إسطنبول التقنية في مركز البحث والتطوير التابع لها. الأهم من ذلك أن هواوي تمثل شريكًا رئيسيًا في البنية التحتية للاتصالات التركية، بما في ذلك التعاون مع أكبر مشغلي شبكات الهاتف المحمول في البلاد مثل تركسل وتورك تيليكوم. وبينما لم تُغلق باب المناقصة الرسمية لتوفير شبكة الجيل الخامس في تركيا بعد، من المرجح أن تظل هواوي أكبر مزوّد لهذه التكنولوجيا في البلاد.

أخيرًا، قد يُؤثر إطلاق الصين لنموذج DeepSeek اللغوي الكبير على خيارات تركيا في مجال الذكاء الاصطناعي. فهذه النسخة الأرخص بكثير من ChatGPT قد تضاهي تقنيًا نظيرتها الأمريكية، مما يجعلها أكثر ملاءمة للدول النامية لتكرارها والبناء عليها. في المستقبل، قد يُلهم DeepSeek المهندسين الأتراك للانفتاح على التقنيات الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يعزز ارتباط تركيا بالنظام التكنولوجي الصيني.

التوقعات:

في ظل إدارة ترامب الجديدة، من المرجَّح أن تتصاعد التوترات الجيوسياسية بين الصين والولايات المتحدة، مما سيؤدي إلى نشوء نقاط ضعف جديدة للدول الأخرى. مع احتمال فرض مزيد من العقوبات والتعريفات الجمركية، سيزداد الانفصال في مجال التكنولوجيا وقد يُعيد تشكيل الساحة العالمية للابتكار، مما يقلص من هامش المناورة للدول مثل تركيا.

ومع ذلك، وبالنظر إلى قرب تركيا الجغرافي من أوروبا، وكونها مرشّحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وانتمائها إلى الاتحاد الجمركي، فإن القرارات التي سيتخذها الاتحاد الأوروبي في مجال التكنولوجيا قد تكون أكثر أهمية بالنسبة لأنقرة. فإذا تم تطبيق سياسات جديدة وفعّالة في الاتحاد الأوروبي، قد لا يكون التوجه التركي التدريجي نحو النظام البيئي التكنولوجي الصيني أمراً محتوماً أو نتيجة حتميّة. خلقت الحكومة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب بيئة جيوسياسية مضطربة حتى عام 2025، مع آثار سلبية على العلاقات عبر الأطلسي وآفاق النمو الاقتصادي والأمن في أوروبا.

لحماية مرونتها وتقليل المخاطر في هذا العالم المتقلب، ينبغي على تركيا والاتحاد الأوروبي تكثيف تعاونهما في مجالات العلوم والتكنولوجيا. وهذا سيسمح للطرفين بتجنّب خطر الهيمنة الأمريكية والصينية في الثورة الصناعية الرابعة. في الواقع، تمتلك أنقرة وبروكسل آليات قائمة بالفعل لتعزيز تمويل البحث والتطوير والتبادل الأكاديمي، مثل برنامجي هورايزون وإيراسموس. وقد لعبت هذه المبادرات دوراً مهماً في تعزيز العلاقات بين المواهب العلمية التركية والأوروبية، بالإضافة إلى دعم إطلاق شركات التكنولوجيا المبتكرة في كل من أوروبا وتركيا.

من المهم أن يضع صُناع القرار في ألمانيا والدول الأوروبية الرئيسية الأخرى سياسات لتعزيز التعاون مع تركيا في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الجيل الخامس، وأشباه الموصلات. إذا لم يحدث ذلك، فقد يؤدي إلى تمكّن الشركات الصينية من كسب نفوذ غير مستحق في السوق التركية، التي تربطها علاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي عبر اتفاقية الاتحاد الجمركي. علاوة على ذلك، فإن الدور المتزايد للصين في صناعة التكنولوجيا التركية قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى تقويض تأثير المعايير والقيم الأوروبية المتعلقة بالفضاء الرقمي في تركيا. على الرغم من التراجع الديمقراطي في البلاد، لا تزال اللوائح التكنولوجية التركية مستوحاة إلى حد كبير من تشريعات الاتحاد الأوروبي؛ لكن هذا الوضع قد يتغير إذا استمرّ نمو نفوذ شركات التكنولوجيا الصينية في تركيا.

إذا تحقق ذلك، فقد يُسهم النموذج الصيني في جذب تأييد عدد أكبر من صُناع السياسات الأتراك لوجهة النظر الاستبدادية لبكين، التي تضع أهداف الدولة فوق حقوق الأفراد والخصوصية.

تشاغداش أونغور

نيسان/أبريل 2025

رابط البحث

https://www.swp-berlin.org/publikation/the-us-china-tech-war-where-does-turkey-stand