نحو مستقبلٍ للذكاء الاصطناعي المسؤول:
يبزغ فجر عصر جديد تقوده ثورة الذكاء الاصطناعي، واعدًا بمرحلة ديناميكية من الابتكار التكنولوجي الهائل، ومُمهّدًا الطريق نحو مستقبل تشكّله قدرات الآلات لخدمة مصالح البشرية. إن الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتزايد تأثيرها في مختلف مناحي الحياة لا يترك مجالًا للشك في أننا نعيش لحظة محورية في مسار الحضارة الإنسانية.
وفي ظل هذا التحوّل الجذري، تتنامى الحاجة إلى فهم ماهيّة “الذكاء الاصطناعي المسؤول”—مفهوم بات محوريًا في النقاشات العالمية. ما الذي يعنيه أن يكون الذكاء الاصطناعي مسؤولاً؟ من يحدّد ذلك؟ وكيف يمكننا، كمجتمع عالمي، رسم ملامح مستقبل يُوظّف فيه الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي، عادل، وشفاف؟
كانت هذه الأسئلة في صميم اجتماع المائدة المستديرة الذي استضافته دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن فعاليات القمة العالمية للحكومات. حيث جمع اللقاء نخبة من الخبراء من القطاعين العام والخاص، إلى جانب ممثلين عن الأوساط الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية، لمناقشة عدد من القضايا الجوهرية، من أبرزها: تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، قابلية تفسير خوارزمياته، وأهمية تحقيق العدالة التكنولوجية.
وقد عكست النقاشات المتعمّقة في هذا الاجتماع الحاجة المُلحّة إلى تنسيق الجهود العالمية لرسم إطار أخلاقي وتشريعي وتقني لاستخدام الذكاء الاصطناعي. فمع التسارع الهائل في تطوّر هذه التكنولوجيا، تبرز الحاجة إلى حوار مستمرّ وتعاون دولي واسع يضمن أن يكون هذا التقدّم لصالح الجميع، دون استثناء.
وفي نهاية المطاف، لا يكفي أن نبتكر؛ بل علينا أن نُحسِن التوجيه. ومن خلال التعاون البنّاء، يمكننا ترسيخ مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول، لنُحقّق مستقبلًا تُسخَّر فيه التكنولوجيا لخدمة الإنسان، لا العكس.
مقدّمة للورقة البيضاء:
تُعدّ القمّة العالمية للحكومات منصة سنوية مرموقة تجمع نخبة من قادة الفكر وصنّاع السياسات والخبراء من القطاعين العام والخاص، إضافة إلى روّاد التكنولوجيا والصناعة، للمشاركة في حوارات استراتيجية تستشرف المستقبل. ومنذ انطلاقها في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2013، شكّلت هذه القمّة مساحة عالمية رفيعة المستوى لطرح ومناقشة أبرز التحدّيات والفرص التي تواجه البشرية في مختلف المجالات.
وفي هذا السياق، جاءت هذه الورقة البيضاء بعنوان “نحو مستقبل مسؤول للذكاء الاصطناعي“ لتوثّق وقائع اجتماع المائدة المستديرة الذي جمع شخصيات دولية بارزة من روّاد الذكاء الاصطناعي، وممثّلين عن الحكومات، والمؤسسات الأكاديمية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص.
وقد وفّر هذا الاجتماع منصة عالمية متعددة الأطراف لنقاش معمّق حول سُبل بناء إطار تنظيمي شامل يدعم تطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة وأخلاقية. كما سعى إلى استكشاف الطرق الكفيلة بضمان أن يكون مستقبل الذكاء الاصطناعي مُتمحورًا حول الإنسان، وهادفًا إلى تعزيز الرفاه الجماعي، مع احترام القيم المشتركة ومبادئ العدالة، والشفافية، والمساءلة.
مسرد المصطلحات:
نظرًا للتطوّر السريع في مفاهيم وتقنيات الذكاء الاصطناعي، قد تتباين معاني بعض المصطلحات حسب السياق. يقدّم هذا المسرد لمحة عامة عن أبرز التعريفات المعاصِرة والمستخدمة في سياق الذكاء الاصطناعي المسؤول:
الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence – AI)
يشير إلى النظرية وتطوير الأنظمة الحاسوبية القادرة على أداء مهام تتطلّب عادةً ذكاءً بشريًا، مثل الإدراك البصري، والتعرّف على الكلام، واتخاذ القرارات، والترجمة بين اللغات.
نموذج الذكاء الاصطناعي (AI Model)
هو مكوّن أساسي ضمن نظام الذكاء الاصطناعي، يُدرّب على التعرّف على الأنماط ضمن البيانات من أجل تقديم تنبّؤات أو قرارات. على سبيل المثال، يمكن لنموذج أن يتعلّم كيفية التعرّف على الأشياء في الصور أو تحويل الكلام المنطوق إلى نص مكتوب.
نظام الذكاء الاصطناعي (AI System)
برنامج حاسوبي متكامل يهدف إلى تحقيق أهداف محددة من خلال التعلّم من البيانات. قد تشمل وظائفه التنبّؤ، إنشاء المحتوى، تقديم التوصيات، أو اتخاذ قرارات تؤثر على الواقع المادي أو الرقمي. بعض الأنظمة تكون قابلة للتكيُّف والتحسين الذاتي مع مرور الوقت.
الأتمتة (Automation)
تشير إلى استخدام الآلات أو الأنظمة التقنية لأداء مهام أو عمليات، غالبًا ما تكون متكررة، دون تدخّل بشري مباشر. تُستخدم في الصناعات والمرافق وقطاعات متعددة لتحسين الكفاءة وتقليل الأخطاء البشرية.
السيارات ذاتية القيادة (Autonomous Vehicles)
مركبات قادرة على التوجيه والتنقُّل بشكل مستقل، باستخدام أنظمة استشعار ومعالجة ذكية، دون الحاجة إلى تدخّل بشري مباشر أثناء القيادة.
التحيّز (Bias)
ميول منهجية في البيانات أو النماذج الحسابية قد تؤدّي إلى نتائج غير عادلة أو تمييزية تجاه أفراد أو مجموعات. يمكن أن يكون التحيّز متأصلاً في البيانات التدريبية أو في تصميم النظام نفسه.
التعلُّم العميق (Deep Learning)
فرع من التعلّم الآلي يستخدم الشبكات العصبية الاصطناعية لمحاكاة طريقة تعلّم الدماغ البشري. يسمح هذا الأسلوب للأنظمة باستخلاص أنماط معقدة من كميات ضخمة من البيانات، ويُستخدم في تطبيقات مثل التعرّف على الصور والكلام والترجمة.
الأخلاقيات (Ethics)
المبادئ الأخلاقية التي تُوجّه سلوك الأفراد أو الممارسات في نشاط معيّن. في سياق الذكاء الاصطناعي، تُشير الأخلاقيات إلى القيم والمبادئ التي تُوجّه تطوير واستخدام الأنظمة الذكية بما يخدم الصالح العام ويمنع الأضرار.
التعلُّم الفيدرالي (Federated Learning)
طريقة تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى نقل البيانات إلى خادم مركزي. بدلاً من ذلك، يتم تدريب النموذج محلياً على أجهزة متعددة (مثل الهواتف أو الخوادم)، ويتم تجميع النتائج لتحسين النموذج العام، ما يُحافظ على خصوصية البيانات ويقلّل من مخاطر الأمان.
الضبط الدقيق (Fine-Tuning)
عملية تكييف نموذج ذكاء اصطناعي مُدرَّب مسبقًا ليؤدي مهمّة جديدة أو أكثر تخصّصًا. يتم ذلك من خلال تدريب إضافي باستخدام بيانات مرتبطة بالمهمّة المستهدفة، مما يسمح للنموذج بتقديم أداء أفضل في هذا السياق المحدّد.
نموذج الأساس (Foundation Model)
نموذج كبير الحجم ومتعدد الاستخدامات يمكن تخصيصه لأداء مجموعة متنوعة من المهام. يتم تدريب هذه النماذج على كميات ضخمة من البيانات غير المصنّفة أو المصنّفة، وتُستخدم كأساس لتطوير تطبيقات أكثر تخصّصًا مثل الترجمة، توليد الصور، أو المساعدة في البرمجة.
الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)
نوع من الذكاء الاصطناعي مُصمّم لإنشاء محتوى جديد، مثل نصوص، صور، أصوات، فيديوهات، أو شيفرات برمجية. يستخدم تقنيات تعلُّم الآلة، ويُدرب على مجموعات بيانات ضخمة لتوليد مخرجات تُحاكي الإبداع البشري.
الذكاء الاصطناعي العام (Artificial General Intelligence – AGI)
مفهوم يشير إلى أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على أداء جميع المهام الفكرية أو البدنية التي يُمكن للإنسان أداؤها، مع قدرات تعلم وتكيّف مشابهة للبشر، ما يجعلها قادرة على حل مشكلات غير محددة سلفًا أو التصرّف في مواقف غير معروفة.
الهلوسة (Hallucination)
تحدث عندما يُنتج نموذج الذكاء الاصطناعي معلومات خاطئة أو مختلقة تبدو مقنعة أو منطقية. تُعدّ من التحدّيات الشائعة في نماذج اللغة التوليدية، وقد تؤدّي إلى معلومات مضلّلة أو قرارات غير دقيقة.
نموذج اللغة الكبير (Large Language Model – LLM)
نموذج ذكاء اصطناعي توليدي، مُدرّب على كمّيات هائلة من البيانات النصية، لفهم وتوليد نصوص شبيهة بالبشر. يُستخدم في تطبيقات مثل الترجمة، التلخيص، كتابة النصوص، والإجابة على الأسئلة، ويُعد أحد النماذج الأساسية في الذكاء الاصطناعي الحديث.
التعلُّم الآلي (Machine Learning)
فرع من الذكاء الاصطناعي يُركّز على تطوير خوارزميات تتعلّم من البيانات وتحسّن من أدائها دون الحاجة إلى برمجة صريحة. من خلال أنماط البيانات، يمكن للخوارزميات اتخاذ قرارات أو تقديم تنبؤات.
انحياز النموذج (Model Bias)
التحيّز المنهجي في نتائج نموذج الذكاء الاصطناعي، غالبًا بسبب بيانات تدريب غير متوازنة أو تصميم النموذج نفسه. قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة تجاه فئات معيّنة، مثل التحيّز ضد الجنس أو العرق أو الفئة العمرية.
قابلية شرح النموذج (Model Explainability)
القدرة على توضيح كيف ولماذا يتّخذ نموذج الذكاء الاصطناعي قراراته أو يُنتج مخرجاته. تُعدّ ضرورية للشفافية، والمساءلة، والثقة، خاصة في المجالات الحسّاسة مثل الرعاية الصحية أو التمويل.
معلمات النموذج (Model Parameters)
هي القيم التي يتحكّم بها نموذج الذكاء الاصطناعي أثناء التدريب، وتُستخدم لضبط كيفية معالجة البيانات وتوليد المخرجات. يشمل ذلك الأوزان (weights) والانحرافات (biases) في الشبكات العصبية، وهي أساس تحسين الأداء.
تدريب النموذج (Model Training)
العملية التي يتعلّم من خلالها نموذج الذكاء الاصطناعي أداء مهمة معيّنة من خلال التعرّف على الأنماط والعلاقات في كميات كبيرة من البيانات. على سبيل المثال، يتعلّم النموذج التعرّف على القطط من خلال عرض آلاف الصور المصنّفة له.
الذكاء الاصطناعي الضيّق (Narrow AI)
نوع من الذكاء الاصطناعي يُصمَّم لأداء مهمة محددة واحدة بكفاءة، مثل الترجمة الآلية أو التعرّف على الصوت. لا يمتلك هذا النوع من الذكاء أي فهم أو وعي خارج نطاق المهمّة التي صُمّم لها.
الشبكة العصبية (Neural Network)
نموذج حسابي مستوحى من البنية العصبية للدماغ البشري، يُستخدم لمعالجة البيانات وتعلّم الأنماط المعقّدة. تُعدّ عنصراً أساسياً في تقنيات التعلّم العميق.
التدريب المسبق (Pretraining)
مرحلة أولى من تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي على بيانات عامة وغير مخصّصة، بهدف تزويده بفهم شامل قبل ضبطه لاحقاً لأداء مهمة محددة. تُستخدم هذه التقنية بكثرة في تدريب نماذج اللغة الكبيرة.
التعلّم المعزَّز (Reinforcement Learning)
فرع من التعلّم الآلي يتعلّق بتعليم “الوكيل” كيفية اتخاذ قرارات من خلال التفاعل مع البيئة وتلقّي مكافآت أو عقوبات بناءً على أفعاله، بهدف تعظيم المكافأة التراكمية على المدى الطويل.
الروبوتات (Robotics)
مجال متعدد التخصصات يجمع بين الهندسة والبرمجة لإنشاء آلات قادرة على أداء مهام تلقائية. يشمل ذلك تصميم وبناء وتشغيل الروبوتات التي قد تكون مستقلة أو شبه مستقلة.
الملخّص التنفيذي:
شهدت السنوات الأخيرة انتقال الذكاء الاصطناعي من نطاق البحث العلمي والخيال إلى أحد الركائز الأساسية في حياتنا اليومية. ولتطبيقاته، التي تتراوح من الأتمتة البسيطة إلى أنظمة صنع القرار المعقدة، آثار عميقة ليس فقط على النمو الاقتصادي والكفاءة، بل أيضًا على القيم المجتمعية وحقوق الأفراد والمعايير الأخلاقية.
وبينما نقف على أعتاب ما يُسمّيه الكثيرون “عصر الذكاء الاصطناعي”، تبرز الحاجة الملحّة إلى أطر عمل مسؤولة وأخلاقية تتّسم بحوكمة فعّالة لتطوير هذه التكنولوجيا ونشرها. إذ إن القدرات المتنامية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك قدرتها على التعلّم والتكيّف واتخاذ قرارات مستقلة، تطرح تحديات جديدة ومعقدة للأطر التنظيمية والأخلاقية التقليدية.
وقد أثارت قضايا مثل خصوصية البيانات، والانحياز الخوارزمي، ومساءلة أنظمة الذكاء الاصطناعي نقاشاً حادّاً بين صناع السياسات وخبراء التكنولوجيا، بل وامتدّت هذه النقاشات إلى أوساط عامة الناس. وتؤكد هذه المخاوف الحاجة إلى وضع إرشادات سياساتية متينة تُعزّز الابتكار، وفي الوقت ذاته تضمن حماية الحقوق والقيم، في قطاع يتطلّب بطبيعته تعاوناً دولياً ومتعدد التخصصات.
تسعى هذه الورقة البيضاء، المستندة إلى وقائع اجتماع المائدة المستديرة ضمن فعاليات القمّة العالمية للحكومات تحت عنوان “نحو مستقبل من الذكاء الاصطناعي المسؤول“، إلى رسم معالم طريق يُسهم فيه الذكاء الاصطناعي في تعزيز رفاه البشرية، مع تقليص المخاطر وتبديد المخاوف، باعتبار ذلك من أكبر التحديات المعاصرة.
وتُقرّ وثيقة “الازدهار المُمكّن بالذكاء الاصطناعي للبشرية“ بأن الذكاء الاصطناعي ليس سوى أداة؛ ومثل أي أداة أخرى، فإنه يعكس القيم التي يحملها مطوّروه ومستخدموه. ولهذا، يُعدّ اتباع نهج متعدد التخصصات، يدمج بين علوم الحاسوب والقانون والأخلاق وعلم النفس البشري والاقتصاد والسياسة، ضرورة حتمية لصياغة سياسات عادلة وفعّالة.
وقد شكّلت العديد من أطر السياسات الحالية نقطة انطلاق لهذا المسعى. فعلى سبيل المثال، أرست اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي (GDPR)، والمبادئ التوجيهية الأخلاقية للذكاء الاصطناعي الموثوق، معايير مبكرة تُراعي الخصوصية والاعتبارات الأخلاقية. كما يوفّر النقاش الأكاديمي حول الانحياز الخوارزمي ومواءمة القيم الإنسانية رؤى ثاقبة حول تعقيدات الحوكمة التقنية.
وعلاوة على ذلك، تُجسّد التشريعات الوطنية وفوق الوطنية، مثل قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، محاولات جادّة لمعالجة التحديات المتعددة الأوجه التي تطرحها تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
وفي هذا السياق، تُبرز الرؤية الاستراتيجية التي أظهرتها دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال تعيينها أول وزير للذكاء الاصطناعي في العالم عام 2017، التزامها الريادي بقضية الذكاء الاصطناعي المسؤول، وتأكيدها على ضرورة إعطاء الأولوية لهذه القضية في أعلى مستويات صنع القرار السياسي.
يهدف هذا الكتاب الأبيض إلى البناء على هذه السوابق لتلخيص ووصف ومناقشة المناقشات الداخلية المتعلّقة بإطار عمل شامل لمستقبل الذكاء الاصطناعي المسؤول. من خلال تسليط الضوء على مناقشات متعدّدة التخصُّصات تتناول مبادئ رئيسية مثل الشفافية والمساءلة والتمثيل والإنصاف واحترام الخصوصية – كل ذلك في إطار السعي نحو الابتكار المُمَكِّن للإنسان. وبذلك، فإننا لا نتناول التحدّيات المباشرة فحسب، بل نلخِّص أيضاً أسُس مستقبل يكون فيه الذكاء الاصطناعي قوةً للخير، تُعزِّز القدرات البشرية وتُثري نسيج المجتمع. جمعت جلسة المائدة المستديرة للقمّة العالمية للحكومات بعنوان “نحو مستقبل الذكاء الاصطناعي المسؤول” وجهات نظر متنوِّعة حول التطوير الأخلاقي والشفّاف والمسؤول اجتماعياً للذكاء الاصطناعي. وتُلخّص هذه الورقة البيضاء أهم الرؤى والتوصيات التي تمخّضت عنها المناقشات، مؤكِّدةً على الحاجَة إلى وضع مدوّنة أخلاقية عالمية للذكاء الاصطناعي، وتنظيم قائم على النتائج، قائم على جهود تعاونية وإنسانية.
مقدّمة عن المائدة المستديرة:
بدأت جمعية المائدة المستديرة جلساتها بمناقشات معمّقة حول التحدّيات والفرص المتاحة لتنظيم الذكاء الاصطناعي. وكان هناك إجماع بين المشاركين على أن “المشكلة قد كُشفت”، ما يجعل من مسألة تنظيم الذكاء الاصطناعي تحدياً حتمياً، وليس خياراً. وفي هذا الإطار، أكّد المشاركون على ضرورة أن يستند أي تنظيم إلى نهج يتمحور حول الإنسان.
وقد أُشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعُد مجرّد تقنية ناشئة، بل أصبح جزءاً لا يتجزّأ من حياتنا اليومية، ما يفرض الحاجة إلى استخدامه بشكل أخلاقي وشفّاف. وانطلاقاً من ذلك، تم التأكيد على أن الاستدامة لا تقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل تشمل أيضاً الحفاظ على فرص العمل للعمال ذوي الياقات الزرقاء والبيضاء على حدٍّ سواء.
وخلال النقاش، طُرِحت دعوة لتبنّي خطاب أكثر تفاؤلاً بشأن الذكاء الاصطناعي، يُسهم في تغيير النظرة السائدة التي تعتبره “شراً مفروضاً”، إلى كونه أداة فعّالة يمكن من خلالها تحسين جودة الحياة. كمثال على ذلك، تم التطرّق إلى أهمية الخرائط الرقمية الشخصية، وكيف يمكن لغيابها أن يُؤثر سلباً على حياة الأفراد.
وقد شُجّع المشاركون على مواصلة الحوار مع خبراء عالميين رائدين، لتحديد ما هو ممكن تقنياً وما لا يزال خارج الإمكان، مع الأخذ بعين الاعتبار البُعد السياسي والأيديولوجي الذي غالباً ما يحدّد الأولويات في هذا المجال.
اتفق المجتمعون أيضاً على أن الجهات الفاعلة “السيئة” غالباً ما تتحرّك بوتيرة أسرع من نظيراتها “الجيدة”، متجاهلةً في كثير من الأحيان القوانين والأطر الأخلاقية والمعايير التنظيمية. من هنا، برزت الحاجة إلى تطوير مدوّنة أخلاقية عالمية للذكاء الاصطناعي، ترتكز على تمكين الإنسان، وتعزيز الثقة، وتستند إلى مداخلات من القاعدة إلى القمة والعكس بالعكس.
ولم تُعتَبَر هذه المدونة مجرد أداة إضافية، بل ضرورة ملحّة لضمان مستقبل مسؤول وشامل للذكاء الاصطناعي، يعكس قيم العدالة، والمساواة، والشفافية.
الذكاء الاصطناعي وتحوّل الحوكمة الرقمية:
تواجه الحكومات اليوم تحدياً متزايداً في إدارة كمّيات هائلة من البيانات الآنية لتلبية احتياجات المواطنين وتقديم الخدمات بفعالية. وتُعدّ جودة بيانات الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزّأ من هذا التحدّي المتنامي.
ومع تراكُم البيانات عبر مختلف جوانب المجتمع، تزداد الحاجة إلى أدوات متقدّمة قادرة على معالجة هذا الزخم من المعلومات. وفي هذا السياق، يُعدّ الذكاء الاصطناعي أداة لا غنى عنها، لما يتمتّع به من قدرة على تحليل وتفسير مجموعات البيانات المعقّدة بطرق هادفة، تُسهم في تحسين جودة القرارات الحكومية وصياغة السياسات العامة وتطوير الخدمات المقدَّمة.
يُمثّل دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في الهياكل الحكومية تحوّلاً جذرياً في طريقة عمل الحكومات وتفاعلها مع المواطنين، مما يجعله عنصراً محورياً في استراتيجيات الحوكمة الرقمية الحديثة. ومن خلال هذا التكامل، تُصبح الحكومات أكثر قدرة على الاستجابة بذكاء ومرونة لاحتياجات الأفراد والمجتمعات.
وضع مدوَّنة أخلاقية للذكاء الاصطناعي:
أكدت حلقة النقاش أهمية تطوير مدوّنة أخلاقية شاملة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، على أن تُصاغ من خلال تعاون عالمي فعّال يشمل مختلف الجهات المعنية والمنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة، واليونسكو، ومجموعة العشرين، والمنتدى الاقتصادي العالمي، وغيرها من الأطراف الفاعلة في ميدان حوكمة الذكاء الاصطناعي.
الهدف من هذا التعاون هو تفادي التجزئة التنظيمية وسباقات التسلّح التقنية التي قد تنشأ نتيجة تضارب المصالح أو غياب التنوّع والشمولية، أو اعتماد أنظمة متقادمة لا تراعي التحوّلات المستقبلية. وأُشير في النقاش إلى وجود نحو 160 دليلاً إرشادياً عالمياً حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، حيث تقود اليونسكو الجهود في هذا المجال، في حين يُنظر إلى الأمم المتحدة كجهة مرموقة يمكن أن تُشكل مرجعية عالمية موحَّدة في هذا السياق، رغم التحديات الكبيرة التي يفرضها التوصل إلى توافق دولي بهذا المستوى.
وقد أشاد المشاركون بدور دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أظهرت ريادة واضحة في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن بنية حكومتها، معتبرين إياها جهة مثالية لاستضافة مثل هذه النقاشات العالمية. واستناداً إلى نماذج ناجحة، مثل “قمة سلامة الذكاء الاصطناعي” التي استضافتها المملكة المتحدة في نوفمبر 2023، تقود دولة الإمارات دعوة لتعزيز الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، مع الإعداد لمحادثات مستقبلية على مستوى قادة الدول، بالتعاون مع شركاء دوليين، لدفع هذا الملف قدماً نحو مستقبل أكثر شفافية ومسؤولية.
الوضوح، والشفافية، والتتبُّع:
شُدّد خلال النقاش على أهمية الوضوح والشفافية في أنظمة الذكاء الاصطناعي، مع دعوات واضحة لتعزيز الأدوات التي تُمكّن المستخدمين من الحصول على إجابات واضحة وسهلة الفهم. وتأتي المبادرات مفتوحة المصدر في مقدمة هذه الجهود، لما توفره من شفافية في آليات اتخاذ القرار، مما يجعلها أداة جوهرية لبناء الثقة المجتمعية.
وقد تم تسليط الضوء على مصدر رئيسي من مصادر القلق العام، والمتمثل في الإحساس بوجود “أنظمة مغلقة” تعمل كصناديق سوداء، غير مفهومة أو متاحة للجمهور. هذا الشعور يتفاقم بفعل الأمثلة السلبية المعروفة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل الصور المزيفة، أو أتمتة الوظائف بشكل يهدد سبل عيش بعض الفئات، بالإضافة إلى غياب الوعي بحالات الاستخدام الإيجابية اليومية، كبرامج الملاحة الذكية التي تعتمد على بيانات حركة المرور اللحظية. وقد أسهمت سنوات من سرديات الخيال العلمي في تعميق هذا الخوف.
طرحت مسألة “قابلية التفسير” للذكاء الاصطناعي لأول مرة ضمن هذه النقاشات، حيث أكّد المندوبون على ضرورة تطوير أدوات تتيح للمستخدمين التفاعل مع النموذج بشكل مباشر، وطرح أسئلة مثل: لماذا توصل النموذج إلى هذا التنبؤ؟ وما البيانات أو الحقائق التي استند إليها؟
تهدف هذه الأدوات إلى فتح “الصندوق الأسود” وإتاحة رؤية أوضح لكيفية عمل النموذج، إلا أن النقاش كشف أيضاً عن تحدٍ متكرر، حيث تكون الإجابة على مثل هذه الأسئلة غير مُرضية، وتُختزَل غالباً في عبارة مبهمة مثل: “استُخدمت مجموعة بيانات تدريب محددة”، دون تقديم تفاصيل كافية لفهم القرار فعلياً.
قابلية التفسير والتتبع: التحدّي الهيكلي في تنظيم الذكاء الاصطناعي
قد يؤدّي استخدام مجموعات تدريب مختلفة إلى مخرجات متباينة من نماذج الذكاء الاصطناعي، وهو ما طُرح باستمرار كإشكالية من منظور السياسات العامة. ومع أن تتبّع هذه الاختلافات أمر بالغ الأهمية لصانعي القرار، إلا أن تحقيقه يصطدم بحدود الإمكانيات الحالية، خاصةً في ظل بنية نماذج اللغات الكبيرة (LLMs).
اتّجه النقاش إلى حسم الجدل لصالح وضع تشريعات تستهدف استخدامات محدّدة بدلاً من محاولة تنظيم المدخلات أو البيانات الأولية. وفي هذا السياق، ازدادت الدعوات إلى اعتماد بنى مفتوحة المصدر، والتي توفّر قدراً من الشفافية التلقائية حول كيفية بناء النماذج، وُصفت بأنها “أفضل ما يمكن تحقيقه حالياً”. ومع تطوّر البنى التحتية للذكاء الاصطناعي بشكل متسارع، قد تبرز فرص أقوى وأكثر إقناعاً لإقرار تشريعات مرنة ومواكِبة.
ناقشت الجمعية بإسهاب مسألة قابلية التفسير، مشيرةً إلى القيود الجوهرية التي تعاني منها النماذج الحالية القائمة على تقنيات التعلم الآلي الانحداري. إذ إنها في شكلها الراهن:
- معرّضة للهلوسة (توليد معلومات غير صحيحة أو غير منطقية).
- غير قادرة على التخطيط أو التفكير المنهجي.
- تفتقر إلى الذاكرة الدائمة.
- لا تمتلك فهماً حقيقياً للعالم المادي أو ما يُعرف بـ”الحس السليم”.
بالتالي، فإن مستوى قابلية التفسير والتتبّع المطلوب لضمان الموثوقية غير ممكن في ظل هذه البنية، رغم أهمية هذا المطلب. وستتطلّب إمكانية تحقيق ذلك تغييرات جوهرية في بنية النماذج نفسها. ورغم غياب طريقة واحدة واضحة لتحقيق تفسير كامل للنموذج، أُشير إلى أن الذكاء الاصطناعي المستقبلي، إذا ما أصبح مزوّداً بذاكرة مستمرة، وقدرة على التفكير المنطقي، وفهم أكثر دقة للعالم، فسيكون أكثر موثوقية وقابلية للفهم.
أعرب بعض المشاركين عن رغبتهم في توضيح كيفية عمل النماذج الحالية لتسليط الضوء على سبب صعوبة التفسير. وجرى تشبيه آلية عملها بلعبة الشطرنج: في كل لحظة، هناك العديد من “الحركات” الممكنة. في الشطرنج، قد يبلغ عددها 30، بينما في نماذج LLMs، قد تصل إلى 30,000 خيار. يقوم النموذج بترتيب هذه الخيارات، ويختار ما يراه أفضل “خطوة تالية” — ولكن بدلاً من تحريك قطعة على لوحة، فإنه يُنتج كلمة أو رمزاً.
وُصف هذا بكونه “الحدس الداخلي” للنموذج. وعندما يُطلب من النموذج تفسير سبب اتخاذه لقرار معيّن، فإنه لا يُقدّم تبريراً حقيقياً، بل يختار ببساطة الكلمة التالية الأكثر ترجيحاً لإكمال السياق، مما قد يؤدي إلى اختلاق معلومات — أي ما يُعرف بالهلوسة.
دار نقاش في الجمعية حول ما إذا كانت نماذج الذكاء الاصطناعي تمتلك فهماً حقيقياً لـ”العالم الواقعي”. وقد انقسمت الآراء بين وجهة نظر ترى أن هذه النماذج تفتقر تماماً إلى الفهم الحقيقي، وأخرى تعتبر أن لديها قدراً محدوداً جداً من الفهم، يتجلّى من خلال ما يُشبه “الحدس” الإحصائي. ومع ذلك، لم يُسفر النقاش عن إجماع واضح بين المندوبين.
على امتداد الحوار، شدّد الحضور مراراً على أهمّية إمكانية التتبّع كشرط أساسي لاستخدام الذكاء الاصطناعي بثقة على نطاق واسع. فرغم تعقيد البيانات التي تُغذّي هذه النماذج، تظل الحاجة ماسّة إلى إمكانية ربط كل قرار أو مخرَج بمصدره من البيانات الخام.
ويُعدّ هذا الجانب بالغ الأهمية، إذ لا يمكن تصحيح أو مراجعة قرارات الذكاء الاصطناعي بفعالية — وبالتالي لا يمكن الوثوق بها — ما لم تكن قابلة للتتبّع. فالتقنية التي تفتقر إلى الشفافية في آلية اتخاذ القرار، تُضعِف من مصداقيتها وتُعقّد من إمكانية المساءلة، وهما عنصران جوهريان لجعل الذكاء الاصطناعي قابلاً للتطبيق العملي في البيئات الحسّاسة مثل السياسات العامة، والقضاء، والرعاية الصحية.
مسارات التدقيق:
سُلِّط الضوء خلال النقاش على مفهوم مسارات التدقيق كعنصر محوري في تطوير الذكاء الاصطناعي المسؤول. ويُعدّ بناء الثقة حجر الأساس لتشجيع تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي وقبولها على نطاق واسع من قِبل المجتمع. فالثقة تنبع من قدرة المستخدمين على فهم القرارات التي تتّخذها الأنظمة الذكية والاعتماد عليها بثقة.
وفي ظلّ الهيمنة الحالية لتقنيات التعلّم الآلي والتعلّم العميق، غالباً ما توصف عملية اتخاذ القرار في أنظمة الذكاء الاصطناعي بأنها “صندوق أسود“ – حيث تُقدَّم المخرجات دون تفسير واضح للأسس التي استندت إليها. هذا الغموض يُضعف الثقة ويُثير الشكوك، خاصةً عند تطبيق الذكاء الاصطناعي في مجالات حسّاسة.
وقد طُرح خلال النقاش مثال لتجربة في نظام العدالة الجنائية بأحد ولايات الغرب الأوسط في الولايات المتحدة، حيث استُخدمت تقنيات التعلّم الآلي في تقييم القضايا. وأُشير إلى أن القبول العام باستخدام مثل هذه التقنيات لا يمكن أن يتحقّق إلا في حال وجود مسار تدقيق واضح، يتضمّن أدوات قابلة للتفسير وإجابات تُراعي النزاهة والعدالة.
وأكّد المندوبون أن قابلية التفسير لا تقتصر على الشفافية التقنية، بل تشمل أيضاً جودة بيانات التدريب. وقد استُشهد بمثال حديث يوضّح محدودية الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبّي للأطفال، حيث كانت دقة التنبؤ متدنية للغاية – قُدّرت بنسبة 15%. ويُرجّح أن السبب يعود إلى عدم تمثيل البيانات المستخدمة للتركيبة السكانية المتنوّعة للمرضى، ما يؤثّر سلباً على كفاءة النموذج.
هذا المثال يُبرز بشكل واضح أن أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة وملاءمة بيانات التدريب، ويعزّز بذلك الحُجّة القائلة بأن قابلية التفسير الحقيقية لا تتحقّق دون أساس بيانات قوي ومتنوع.
على الرغم من احتمالية عدم دقة بعض الأنظمة، فإن الاعتراف بحدودها وفهم تحيّزاتها يمكن أن يُسهم في تعزيز الثقة بين المستخدمين. إذ إن تقديم رؤى واضحة حول عملية صنع القرار، بما في ذلك البيانات ومنهجيات التدريب المستخدمة، يُتيح للأفراد فهم السياق الذي أُنتِجت فيه النتائج بشكل أفضل.
فيما يتعلق بإمكانية حدوث أخطاء، فإن السر يكمن في ضمان شفافية هذه الأخطاء، مما يسمح بالتصحيح والتعديل عند الحاجة. هذا النهج لا يُسهم في بناء الثقة فحسب، بل يعزِّز أيضاً من العلاقة التعاونية بين البشر وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
جوهر هذا النقاش يتركز في حقيقة أن قبول الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لا يتأتى إلا من خلال قدرتنا على إضفاء الشفافية والقابلية للتفسير على هذه الأنظمة. هذا سيُسهم في تأسيس أساس من الثقة يُشجِّع على المشاركة الفعّالة والتكامل بين المجتمع وهذه التقنيات المتطورة.
تعزيز الثقة من خلال الحوكمة:
تم التأكيد على أن تعزيز الثقة يعدّ أمرًا بالغ الأهمية في عملية تبنّي الذكاء الاصطناعي. وشدّد المندوبون على ضرورة أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي قابلة للتفسير، خاصة في المجالات الحيوية مثل الرعاية الصحية، حيث يمكن أن تُسفر الأخطاء عن عواقب وخيمة. وذُكر مثالٌ يُوضح أنه حتى إذا قدّم الذكاء الاصطناعي إجابات خاطئة، فإن وجود قابلية تفسير كافية يُتيح لنا تحديد أين وسبب حدوث الخطأ.
يُعكس هذا النقاش الجاري حول تصنيف مستويات المخاطر عند استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يُلزم التنظيم في مجالات مثل التمويل والرعاية الصحية والتعليم والاستدامة بوضع لائحة صريحة تُحدّ من المخاطر والضرر المحتمل. وفي هذا السياق، أشار بعض المندوبين إلى أن للذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في الحوكمة العالمية، مما يمكّنه من مركزية الخدمات العامة، وبالتالي خدمة مصالح جميع شرائح المجتمع بشكل أفضل.
الإنسان في قلب الحدث:
يُعدُّ دمج البصيرة البشرية في تشغيل الذكاء الاصطناعي أمرًا بالغ الأهمية، وذلك لأن الاعتماد على البيانات وحدها قد يدفع الذكاء الاصطناعي نحو حلول سهلة قد تكون محدودة. أما بالنسبة للحلول غير الشائعة، التي قد تكون مبتكرة، فقد يكون من الضروري وجود شخص مطلع على العملية ليكون قادرًا على التوجيه والتدقيق. ومن بين الطرق التي يمكن أن تساعد في منع التوجه نحو الحلول الأبسط هي استخدام خبراء متعددي الوكلاء، يتم تدريبهم على مجموعات بيانات مختلفة ومتنوعة، وجعلهم يتواصلون مع بعضهم البعض قبل تقديم الحلول.
كما تناولت الجمعية الحاجة إلى سيادة الذكاء الاصطناعي وبنية تحتية مفتوحة المصدَر لدعم اللغات واللهجات المتنوعة، مما يسهم في تخصيص أسهل للمنصات وضمان توافق ثقافي أكبر مع المكان الذي ستُستخدم فيه منصات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، حذّرت الجمعية من المخططات التنظيمية التي قد تعيق تطور الذكاء الاصطناعي. وأكّد المندوبون على أهمية إجراء تغييرات في التخطيط والبنية التحتية، لتهيئة البيئة المناسبة لذكاء اصطناعي أكثر موثوقية خلال السنوات الخمس القادمة. ويعتمد ذلك على بنية تحتية قادرة على تلبية متطلبات الذاكرة الدائمة، وفهم العالم بشكل أفضل. يُعتبر هذا النوع من الذكاء الاصطناعي الموثوق هو الذكاء الاصطناعي الجيد.
كانت الرسالة الثابتة هي أنه لا داعي للخوف من الذكاء الاصطناعي بسبب محدودية قدرته على التعامل مع “العالم الحقيقي“ في الوقت الحالي. وفي هذا السياق، تم التأكيد على أن أفضل دفاع ضد مشكلات الذكاء الاصطناعي الحالية هو تطوير البنية التحتية اللازمة لتطوير هذا النوع من الذكاء الاصطناعي.
على نطاق أوسع، وفي سياق أهداف الحوكمة، أكّدت المناقشات على أهمية وضع أهداف واضحة ضمن إطار مُتّفق عليه، يضمن التنسيق بين الأطراف المعنية. ومع ذلك، تم الاعتراف بالتحدّي الحالي المتمثِّل في قابلية التفسير ضمن بنية النماذج الحالية، حيث غالبًا ما تكون الخيارات محدودة وتستند فقط إلى الحدس، مما يجعل من الضروري تطوير الأنظمة لتحقيق تفسير أكثر وضوحًا ودقة.
دور الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدَر:
أكّد المندوبون على أهمية الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدَر كعنصر أساسي في تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بشكل مستدام وآمن. وكان هناك إجماع في الجمعية على ضرورة الالتزام بالمفهوم الأوسع للمصدر المفتوح، وخاصةً النماذج التأسيسية التي يمكن أن تُشكِّل لبنة أساسية مشتركة في بناء الذكاء الاصطناعي. وقد أشار المندوبون إلى أنه “لسنا بحاجة إلى مئات النماذج التأسيسية المختلفة“، محذرين من أن عدم فتح هذه النماذج قد يؤدي إلى تشتت التقنيات وتطوير حلول متباينة في المجال.
أضاف أحد المندوبين أن الضغط على منصات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدَر سيظل موجودًا، مهما كانت اللوائح التنظيمية السارية، على غرار ما حدث مع الإنترنت وبنيته التحتية. وأشار المندوبون إلى لينكس كمثال على نجاح البرمجيات مفتوحة المصدَر، حيث إنه غير خاضع للتنظيم ومع ذلك انتشر بشكل واسع في مختلف القطاعات. لم تُقاضَ مؤسسة لينكس أو لينوس تورفالدز، مبتكر لينكس، بسبب أخطاء أو أعطال في النظام، ولا يمكن تحميلهم مسؤولية فشل النظام، رغم أنه يُستخدم في مجموعة واسعة من التقنيات.
على الرغم من عدم وجود رقابة تنظيمية صارمة، يُشغّل لينكس العديد من الأنظمة المدمجة في السيارات والمركبات، ويستخدمه ميتَا (الشركة الأم لفيسبوك) في العديد من خدماتها. كما يعتمد الإنترنت على لينكس، وتُشغّل أبراج الهواتف المحمولة بنظام لينكس، وكذلك جميع هواتف أندرويد. يُظهر هذا الانتشار الواسع والموثوقية العالية أن البرمجيات مفتوحة المصدر تمكن الأنظمة من أن تكون آمنة وموثوقة دون الحاجة إلى قيود تنظيمية صارمة.
وفي سياق الذكاء الاصطناعي، إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُصبح بُنية تحتية أساسية، فإن المندوبين أكدوا أن الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدَر قد يجب أن يعمل على نفس الأساس الذي عملت عليه الأنظمة الأخرى مثل لينكس، لضمان الشفافية، والمرونة، والاستدامة على المدى البعيد.
السلامة والرقابة والخصوصية:
أكّدت الجمعية على أهمية فهم المدخلات واعتماد نهج عملي يركّز على التطبيق في تطوير الذكاء الاصطناعي. كما سلّط المندوبون الضوء على مجموعة من الجوانب الأساسية التي يتوجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار لضمان الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، مثل:
- السلامة لضمان عدم تأثير الأنظمة على الأفراد أو المجتمع بشكل سلبي.
- الرقابة لضمان إمكانية المراجعة الدائمة للأنظمة وضبطها بشكل فعّال.
- الخصوصية من خلال حماية البيانات الشخصية للأفراد.
- الإنصاف لتجنب التحيزات في الأنظمة والتأكد من تقديم فرص عادلة للجميع.
- الأمن لضمان حماية الأنظمة من الهجمات والتلاعبات.
- الشفافية لتوضيح كيفية اتخاذ الأنظمة للقرارات.
- إمكانية التفسير لضمان فهم الناس لكيفية عمل هذه الأنظمة.
كما حثّ المندوبون على وضع معايير واضحة مع مستويات لقبول المخاطر لتحديد المخاطر المقبولة وغير المقبولة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
التحدّيات القضائية والابتكار:
أثار المندوبون من بلدان الجنوب العالمي مخاوف تتعلق بعدم التوافق القضائي، خاصة فيما يتعلق بتطوير الذكاء الاصطناعي القائم على البيانات. وناقشوا أن الترخيص قد يعيق الابتكار ويؤدي إلى تحيّزات في نماذج الذكاء الاصطناعي. تم تقديم مثال على هذا التحيّز، حيث أن 2% فقط من مدخلات نماذج اللغات الكبيرة مكتوبة باللغة الإسبانية. تحدّى المندوبون من بلدان الجنوب المندوبين الأكثر تخصّصاً في هذا السياق، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي الأصغر حجماً قد يكون حلاً فعالاً لدول الجنوب، والذي يمكن أن يعمل مع بيئة بيانات منخفضة الحجم ولكن عالية الجودة.
التنظيم ضد الضرر والذكاء الاصطناعي المسؤول:
أكدت الجمعية على أن العملية المدارة بالمعايير ضرورية لكسب الثقة في مجال الذكاء الاصطناعي. وكان هناك تأكيد على أن تنظيم العنصر البشري أمر أساسي، خاصة مع التوقعات التي تشير إلى أن مُدخلات المعاملات البشرية ستنخفض مع مرور الوقت.
سَدّ الفجوة مع الجمهور وصانعي السياسات:
أقرّت الجمعية بأهمية سد الفجوة بين تطوّرات الذكاء الاصطناعي والسياسات العامة. وأشاروا إلى أنه من الضروري أن تخضع الجهات التنظيمية نفسها إلى تدريب على الذكاء الاصطناعي لتتمكن من وضع سياسات فعّالة. وذكر المندوبون أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد أظهرت قيادة واضحة في هذا المجال، مما يعكس تقدمها في دمج الذكاء الاصطناعي في السياسات الحكومية.
الأمن السيبراني كعنصر أساسي:
سلّط المندوبون الضوء على الدور الحاسم للأمن السيبراني في حوكمة الذكاء الاصطناعي، حيث أكدوا على أنه عنصر أساسي لضمان سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي واستمراريتها. كما أشار أحد المندوبين إلى مشكلة اللغات قليلة الاستخدام والتحيُّز المتأصِّل في نماذج اللغات الكبيرة الحالية بسبب نقص البيانات المتاحة لتلك اللغات. وأوضح مندوب آخر أن هذه نقاط الضعف اللغوية والثقافية ليست مقتصرة فقط على دول الجنوب، بل هي مشكلة عالمية، مشيراً إلى مثال اللغة الإستونية، التي يتحدث بها مليون شخص فقط، مما يعكس التحديات التي تواجه جميع المجتمعات في هذا السياق.
معالجة الجهات الفاعلة السيئة وضمان الثقة الرقمية:
أثار المندوبون مخاوف بشأن تفوّق الجهات الفاعلة السيئة على الجهات الفاعلة الجيدة في تطوير الذكاء الاصطناعي. وقد اقترحوا إنشاء قطاع موازٍ “للثقة الرقمية” للتحقق من النماذج وتحديد المخاطر، مشيرين إلى أن التنظيم الصارم قد لا يكون فعّالًا بسبب تعقيدات الأمور والتناقضات التي تم مناقشتها سابقًا. كما أُثيرت المخاوف من “التحكيّم التنظيمي”، حيث قد يختار الأفراد ممارسة أعمالهم في المناطق التي تشهد تنظيمات أقل صرامة، بينما قد تمكّن الجهات الفاعلة السيئة من تجاوز اللوائح والتجاهل للاعتبارات الأخلاقية.
ضمان إنفاذ اللوائح:
تمّ تسليط الضوء على تحدّيات إنفاذ اللوائح في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث أكّد أحد مندوبي الشركات الناشئة على ضرورة وجود لوائح دقيقة تُطبَّق على المهندسين لضمان العمل بمعايير قانونية وأخلاقية. كما تمّ التطرّق إلى مسألة فقدان الوظائف التي قد تنجم عن استخدام الذكاء الاصطناعي، مع اقتراح آليات للتخفيف من هذه المخاوف مثل حماية المُبلّغين عن المخالفات.
الذكاء الاصطناعي السيادي وخدمات السحابة اللامركزية:
تمّ النقاش أيضًا حول الذكاء الاصطناعي السيادي وأهمية خدمات السحابة المستقلة واللامركزية في دعم تطوير الذكاء الاصطناعي المسؤول. أُعرب عن القلق بشأن تركيز مقدّمي الخدمات الرئيسيين على عدد قليل من الدول، مما قد يؤدي إلى تنظيم يضر بالعالم بأسره. هذا القلق يُثير احتمال ظهور تقسيم غير عادل في استخدام الذكاء الاصطناعي بين الدول، بحيث يكون هناك “من يملكون” التكنولوجيا و”من لا يملكونها”.
عدم تماثل المعلومات والهيئات التنظيمية:
ناقش المندوبون أيضًا مشكلة عدم تماثل المعلومات، مع التأكيد على ضرورة الاستثمار في الهيئات التنظيمية. تمّ الإشارة إلى أهمية تدريب القضاة بشكل خاص لضمان التطبيق الفعّال للتشريعات. كذلك، تمّ تناول مسألة حقوق الطبع والنشر في عصر الذكاء الاصطناعي وكيف يمكن أن يتطلب ذلك تحديثًا للتشريعات بما يتناسب مع المتغيرات التكنولوجية الحديثة.
التحديات على مستوى الإنسان والنظام
إمكانية الوصول إلى الإنترنت عالمياً وتأثير الذكاء الاصطناعي
التفاوتات العالمية والتحديات الثقافية:
سلّط المندوبون الضوء على التفاوتات العالمية الناجمة عن عدم إمكانية الوصول إلى الإنترنت، والتأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي يومياً. وقد يؤدّي هذا إلى تهميش بعض الفئات بشكل أكبر، حيث إن عدم المساواة في الوصول إلى التكنولوجيا قد يحدّ من قدرة بعض الثقافات على الحفاظ على تراثها الرقمي. في هذا السياق، تمّت مناقشة ضرورة إعطاء الأولوية لرقمنة التراث الثقافي، حتى يتمكن الذكاء الاصطناعي من الاستفادة منه، مما يضمن جيلاً أكثر شمولاً. ومع ذلك، أُقرّ بأن الفجوة في الموارد المالية بين البلدان تُفاقم التحدي في ضمان التمثيل العادل.
تعزيز الشمولية وتقليل التحيّز:
تمّت مناقشة أهمية تنوّع الآراء في تطوير الذكاء الاصطناعي للحَدِّ من التحيُّز. واقترح المندوبون العمل الإيجابي على البيانات لتعزيز الشمولية، مع التركيز على الوعي الثقافي الرقمي والتراث. لتوضيح أهمية هذا السيناريو، تمّ مناقشة أمثلة على التحيّزات القائمة على تباين المدخلات وبيانات التدريب، مثل استخدام نماذج طب الأطفال التي تم تدريبها على بيانات لرجال بالغين، ثم تُستخدم في حالات تشمل الأطفال.
الاعتراف بوجهات النظر المختلفة ودمجها
على المستوى المحلي، أشار المندوبون إلى ضرورة تفاعل قادة المؤسسات مع مجموعة تمثيلية من الموظفين. حيث أن المنظور المُستمد من نهج تنازلي يختلف عن المنظور المُستمد من نهج تصاعدي، مما يسمح برؤية أكثر شمولية للمواقف التي سيتم فيها استخدام الذكاء الاصطناعي ونشره. ينبغي أن يشمل ذلك رواد الأعمال وأصحاب المصلحة الرئيسيين الآخرين لضمان فهم شامل لكيفية تطبيق الذكاء الاصطناعي.
الاختراقات الضرورية:
أشار المندوبون إلى أهمية وجود اختراقين تكنولوجيين قد يساعدان في معالجة بعض المخاوف: الأول هو الحصول على مجموعات بيانات صغيرة ولكن عالية الجودة، يليها تغذية هذه البيانات المُنسقة في النماذج بشكل استراتيجي.
التفاعل البشري مع العالم الرقمي
مستقبل التفاعل مع العالم الرقمي:
ناقشت الجمعية مستقبلاً يتغيّر فيه تفاعلنا مع العالم الرقمي، حيث نتعامل مع المساعدين الإلكترونيين المدعومين بالذكاء الاصطناعي بدلاً من محرّكات البحث التقليدية. سيحدث هذا التحوّل في “الواقع الرقمي” تغييرات جذرية في حياتنا الرقمية. كما شدّدت الجمعية على أهمية تدريب القضاة والجهات التنظيمية لتتمكن من اتخاذ قرارات مدروسة بشأن الذكاء الاصطناعي. لكن، لم يكن القضاة والجهات التنظيمية وحدهم من يحتاجون للتثقيف، بل اتفق المندوبون على أهمية تطوير المهارات الأساسية التي تساعد الأفراد في تجنب المخاطر المحتملة مثل الوقوع ضحية للهلاوس الناتجة عن الذكاء الاصطناعي التوليدي.
التأثيرات المحتملة على طبيعة علاقتنا بالتكنولوجيا:
من المتوقع أن تتغير طبيعة علاقتنا بالعالم الرقمي بشكل كبير في المستقبل، وقد تزداد الحاجة إلى وضع معايير للتخلّص من السموم الرقمية. كما قد يتطلب الأمر دراسة كيفية أن يكون الانقطاع المنتظم عن التكنولوجيا مورداً بشرياً أساسياً، مع التركيز على الجانب الإنساني في هذا السياق.
تثقيف مستخدمي الذكاء الاصطناعي:
ناقشت الجمعية ضرورة توسيع نطاق التثقيف ليشمل جوانب متنوعة من الذكاء الاصطناعي وليس فقط الذكاء الاصطناعي التوليدي. حيث أشار المندوبون إلى أن تقنيات أخرى مثل نظرية الرسم البياني أو الشبكات العصبية قد تكون أكثر ملاءمة لبعض الاستخدامات من الذكاء الاصطناعي التوليدي. وبالتالي، لا يجب استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لمجرد استخدامه، بل يجب تحديد الأنسب لكل موقف.
التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للذكاء الاصطناعي”
ناقشت الجمعية قضية فقدان الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث تطرّق النقاش إلى التأثير المحتمل على الوظائف الإدارية واليدوية. كما أُقرّ بأنه لا يمكن مقارنة تأثير الذكاء الاصطناعي بالتقنيات السابقة، حيث أن النمو السكاني العالمي قد يؤدي إلى نقص في العمالة في المستقبل القريب، ما قد يجعل الذكاء الاصطناعي عاملاً مساعداً في هذه الحالة. ومن المهم أن تتحمل الجهات التنظيمية مسؤولية نمذجة الذكاء الاصطناعي وفهم عواقبه الاقتصادية والاجتماعية لتطوير استراتيجيات فعّالة في التعامل مع هذه التغيرات.
قوّة الحاسوب:
اتّفق المندوبون على أننا لسنا بحاجة إلى 100 نموذج أساسي مختلف للذكاء الاصطناعي، بل نحتاج إلى عدد قليل منها فقط. وقُدِّم مثال يتعلّق باللغات الإقليمية في الهند. فبدلاً من وجود نماذج منفصلة، يمكن ضبط إطار عمل أساسي لكل لغة على حدة. ومن هذا، يمكننا أن نستنتج أن عدم وجود نماذج أساسية مفتوحة المصدَر سيؤدّي إلى عدد من الاختلافات المغلقة المصدَر، مما سيزيد من الحاجة إلى تكلفة مجتمعية أكبر مرتبطة بقوّة الحوسبة.
خاتمة”
سلّطت مناقشات الجمعية الضوء على التحديات المعقدة التي يواجهها تطوير الذكاء الاصطناعي المسؤول، حيث يتطلب ذلك موازنة دقيقة بين الابتكار والتنظيم. وقد تم التأكيد على الحاجة إلى مدوّنة أخلاقية عالمية تضمّ الشفافية، وسهولة التفسير، والشمولية كركائز أساسية لبناء الثقة وضمان الاستخدام المسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
كان هناك اتفاق واسع على ضرورة التعلّم من تجارب تنظيم التقنيات السابقة، حيث تم التأكيد على أن الاعتبارات الأخلاقية غالباً ما تكون مدفوعة بالتكنولوجيا نفسها، وكذلك بالطبيعة الناشئة لتقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة. وفي هذا السياق، تم التأكيد على ضرورة التركيز على تطوير مبادئ أخلاقية عالمية، مع الاستفادة من الأطر التنظيمية الحالية لتوفير الضوابط المناسبة للذكاء الاصطناعي، دون الحاجة إلى سن تشريعات تستهدف المخاطر التي تكون منخفضة أو معدومة.
وقد تم التأكيد بوضوح على أن الخصائص التشبيهية للذكاء الاصطناعي قد أثارت تساؤلات بين عامة الناس، بالإضافة إلى ردود فعل متشككة من المشرّعين الذين يفتقرون في كثير من الأحيان إلى الفهم العميق للتكنولوجيا. وُأعرب عن القلق من أن التشريع السريع والمبالغ فيه لمواجهة مخاوف المحاكاة المجسّمة قد يعيق البحث العلمي ويمنع تحقيق اختراقات في تقنيات الذكاء الاصطناعي غير المحاكاة. لذلك، كان من الضروري التركيز على تمكين الأبحاث التي ستقودنا نحو الجيل التالي من منصات الذكاء الاصطناعي.
من جانب آخر، تم التأكيد على أهمية تثقيف الحكومات والسكان في جميع أنحاء العالم في مجال الذكاء الاصطناعي، وتشجيع استخدام الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدَر حيثما أمكن. كما تم التأكيد على أهمية استخدام الأطر التنظيمية القائمة لضمان وجود الحواجز المناسبة، وتوسيع قاعدة البيانات العالمية لتشمل جميع اللغات والثقافات في العالم، بهدف تمكين الذكاء الاصطناعي من أن يكون أكثر شمولاً وتنوعاً.
وفي الختام، تم التأكيد على ضرورة تبنّي مستقبلٍ عالميٍّ للذكاء الاصطناعي بقيادة الإنسان، حيث تُشكّل الأفكار التي تمّ تداولها خلال المائدة المستديرة أساساً للمناقشات الحالية والجهود التعاونية نحو بناء مستقبلٍ مسؤول ومستدام للذكاء الاصطناعي.
عمر سلطان العلماء
وزير الدولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد
رابط البحث:
https://ai.gov.ae/wp-content/uploads/2025/01/Towards-a-Future-of-Responsible-AI-EN-White-Paper.pdf

