ملخّص:
يُعتبر نظام الطاقة في الولايات المتحدة أساساً مهماً لاقتصادها وقدرتها التنافسية. في عام ٢٠٢٢، كان مزيج الطاقة في البلاد متنوعًا بشكل جيد، حيث يتكوّن ثلثا الطاقة المستهلكة من الغاز الطبيعي والنفط، بينما تتوزع النسبة المتبقية من مصادر مثل الفحم والطاقة النووية والطاقة المتجددة بشكل متساوٍ تقريبًا. باستخدام احتياطياتها الضخمة من الوقود الأحفوري وتطبيق تقنيات جديدة في استخراج الموارد، تمكنت الولايات المتحدة من زيادة إنتاجها من الوقود الأحفوري بشكل كبير على مدار العقد الماضي، وأصبحت منذ عام ٢٠١٩ مُصدِّرًا صافياً للطاقة لأول مرة منذ عقود.
ومع تصاعد التوترات العالمية إثر الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، زادت صادرات الولايات المتحدة من الوقود الأحفوري بشكل كبير، حيث سعى الاتحاد الأوروبي إلى تعويض النقص في وارداته من الطاقة الروسية. وتعتبر الولايات المتحدة أيضاً أكبر منتج للطاقة النووية في العالم، حيث تمثل حوالي ٣٠٪ من إجمالي توليد الكهرباء النووية عالميًا.
خلال إدارة بايدن، حافظ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على علاقة وثيقة، حيث تَشاركا قِيماً مشتركة تتعلق بمجال الطاقة وأهمية التحوّل نحو الطاقة النظيفة. وفي هذا الإطار، تعاون الطرفان من خلال العديد من القنوات والمنتديات الدولية، مثل قانون خفض التضخم في الولايات المتحدة، والصفقة الخضراء الأوروبية في الاتحاد الأوروبي، التي ركّزت على أهداف مشتركة مثل إزالة الكربون وتعزيز مصادر الطاقة المتجددة. ومع ذلك، على الرغم من هذه الأهداف المتشابهة، اختلفت الرؤى والوسائل التي اعتمدها كل طرف لتحقيق هذه الأهداف، مما أوجد فرصًا للتعاون وأيضًا للتنافس بين الجانبين.
مع ذلك، تغيّرت الأمور مع إدارة ترامب الجديدة التي اتبعت سياسة طاقة أكثر جرأة تستند إلى الوقود الأحفوري، مما قد يقلل من التعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ويؤدي إلى توترات في علاقات الطاقة بين الطرفين، كما حدث في ولاية ترامب السابقة.
مقدّمة:
أولاً: في عام 2020، كان الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة لتلبية احتياجاته، حيث استورد 57.5% من الطاقة التي استهلكها، وكان ما يقرب من ربع تلك الطاقة يأتي من روسيا. بشكل أكثر تحديداً، كانت روسيا أكبر مورّد للاتحاد الأوروبي للغاز الطبيعي، حيث كان يعتمد الاتحاد الأوروبي على الواردات بنسبة 83.6%، وكان 41.1% من تلك الواردات تأتي من روسيا. كما كانت روسيا المورّد الأكبر للنفط الخام (حيث اعتمد الاتحاد الأوروبي على الواردات بنسبة 96.2%، و25.7% من هذه الواردات كانت من روسيا)، والفحم الحجري (حيث اعتمد الاتحاد الأوروبي على الواردات بنسبة 10.5%، وكانت نسبة 52.7% من هذه الواردات تأتي من روسيا).
ولكن بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 2022، شرع الاتحاد الأوروبي في اتخاذ خطوات جادة لتقليل اعتماده على صادرات الطاقة الروسية، وذلك عبر تنويع مصادر الطاقة والبحث عن بدائل لتأمين احتياجاته من الطاقة، في إطار الجهود المستمرة لتقليل التأثيرات السلبية لهذه الاعتمادات على الأمن الطاقي في أوروبا.
في أيار/مايو 2022، قدّمت المفوضية الأوروبية خطة REPowerEU، التي تهدف إلى تقليص اعتماد الاتحاد الأوروبي على الوقود الأحفوري الروسي بشكل كبير قبل عام 2030، معتمدًا على أموال الجيل التالي من الاتحاد الأوروبي. تضمنت الخطة مجموعة من الإجراءات لتقليل الاعتماد السريع على الوقود الأحفوري الروسي وتسريع التحول إلى الطاقة المتجددة. من بين التدابير المخطط لها، تم التركيز على توفير الطاقة، وتسريع التحوّل إلى الطاقة المتجددة، والعمل مع الشركاء الدوليين لتأمين مصادر طاقة بديلة.
في هذا السياق، تبنّى الاتحاد الأوروبي أيضًا استراتيجية الطاقة الخارجية التي تم اعتمادها في أيار/مايو 2022، وهدفت إلى زيادة التعاون مع دول غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي لتعزيز مصادر الطاقة البديلة. ونتيجة لذلك، شهد عام 2022 زيادة ملحوظة في شحنات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تعزيز التعاون مع دول مثل النرويج وأذربيجان، خصوصاً في إطار ممر الغاز الجنوبي. كما تم استكشاف إمكانيات التصدير مع دول أفريقية مثل أنغولا ونيجيريا والسنغال، وكذلك مع مصر وإسرائيل، مع توقيع اتفاقيات سياسية لزيادة إمدادات الغاز الطبيعي المسال.
تضمن هذا التعاون أيضًا استمرار الحوار مع كبار منتجي الطاقة في الخليج وأستراليا، فضلاً عن تنسيق السياسات مع شركاء الاتحاد الأوروبي الجدد مثل الجزائر. هذا التعاون الجديد كان له تأثيرات إيجابية متعددة، بما في ذلك تنويع مصادر الطاقة في الاتحاد الأوروبي وتعزيز الابتكار في قطاع الطاقة.
علاوة على ذلك، كانت هذه الإجراءات بمثابة دعوة لدول مجموعة السبع لتسريع التحول إلى الطاقة الخضراء، مع تبني سياسات مثل قانون خفض التضخم في الولايات المتحدة وخطة REPowerEU في الاتحاد الأوروبي وبرنامج التحول الأخضر في اليابان.
بالنسبة لشركاء الاتحاد الأوروبي، أتاح هذا التعاون أسواقًا جديدة أو أكبر لمواردهم. الإيرادات الإضافية الناتجة عن مبيعات النفط والغاز يمكن أن تحسن آفاقهم الاقتصادية، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، مثل التضخم وارتفاع الدين الحكومي، فضلاً عن تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي أثر بشكل خاص على سلاسل إمداد الغذاء والأسمدة.
هذا الوضع الجديد في سوق الطاقة الأوروبية يحمل معه مجموعة من المخاطر التي يجب أخذها بعين الاعتبار. أولاً، تؤدي الزيادة الكبيرة في واردات الغاز الطبيعي المسال، التي تواكب خطّة REPowerEU لتنويع مصادر الطاقة، إلى الاعتماد على دول بعيدة مثل قطر والولايات المتحدة. هذا يعني أن هناك تأثيرات بيئية إضافية ناجمة عن عمليات نقل الغاز الطبيعي المسال، والتي تتطلب وسائل نقل بحرية تتسبب في انبعاثات إضافية تؤثر سلبًا على البيئة.
ثانيًا، يمكن أن يؤدي تدفق الغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي إلى حرمان بعض الدول النامية من الإمدادات التي كانت تعتمد عليها في الماضي. هذا قد يضطر هذه الدول إلى الاعتماد على الفحم الأكثر تلويثًا كمصدر بديل للطاقة، مما يؤدي إلى زيادة في الانبعاثات الكربونية في تلك الدول على المدى القصير، وهو ما يتناقض مع أهداف التحول الأخضر العالمية.
ثالثًا، في حين أن دولًا غنية بالهيدروكربونات مثل النرويج وقطر والمملكة العربية السعودية قد بدأت في تبني مبادرات لتسريع التحول إلى الطاقة المتجددة، فإن دولًا أخرى مثل الجزائر وأذربيجان تحتاج إلى استثمار كبير في استكشاف الغاز والنفط وتوسيع البنية التحتية المرتبطة بها. هذا قد يؤدي إلى تحويل الأموال بعيدًا عن تمويل مشروعات التحول الأخضر، ويزيد من المخاطر البيئية والاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن التوسع في استخراج الوقود الأحفوري.
علاوة على ذلك، فإن الزيادة في واردات الغاز الطبيعي المسال تُعتبر عبئًا ماليًا إضافيًا على دول الاتحاد الأوروبي، خاصةً في ظل التكاليف المرتبطة بإنشاء بنية تحتية جديدة لاستقبال الغاز المسال. كما أن الغاز الطبيعي المسال، وبخاصة في عام 2022، كان يتسم بأسعار أعلى بكثير من الغاز عبر الأنابيب، مما يزيد من التكاليف المالية على الدول الأعضاء في الاتحاد.
وفي الوقت الذي تأثرت فيه اقتصادات العديد من دول الاتحاد الأوروبي بتداعيات جائحة كوفيد-19 وارتفاع مستويات الديون السيادية، فإن هذه التكاليف الإضافية قد تزيد من الضغط على اقتصادات تلك الدول. من جانب آخر، قد تقلل الإيرادات الإضافية التي تحققها بعض دول المصدر من رغبة الناخبين في مساءلة حكوماتهم، مما يعزز الفساد والمحسوبية في تلك الدول. هذا الأمر قد يساهم في تعزيز السلطة في الأنظمة الاستبدادية ذات السجل الضعيف في مجال حقوق الإنسان، وهو ما قد يقوّض أهداف الاتحاد الأوروبي في تعزيز الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان في العالم.
إذن، على الرغم من الفوائد التي تحققها زيادة التنوع في مصادر الطاقة بالنسبة للاتحاد الأوروبي، إلا أن هذا الوضع يحمل تحديات عديدة يجب معالجتها بحذر لضمان تحقيق التوازن بين تأمين إمدادات الطاقة وتنفيذ التحول الأخضر مع الحفاظ على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
الاقتصاد والطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية:
الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها رابع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، تمتلك اقتصادًا ضخمًا يعد الأكبر عالميًا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، حيث يمثل حوالي 25% من الاقتصاد العالمي. مع تعداد سكان يبلغ 345 مليون نسمة في عام 2024، تشهد البلاد نموًا اقتصاديًا مستمرًا بنسبة 2.8% وفقًا لأرقام صندوق النقد الدولي. على الرغم من النمو الاقتصادي، يواجه الاقتصاد الأمريكي تحديات مثل ارتفاع معدل التضخم الذي يصل إلى حوالي 3%، ومعدل البطالة الذي يُقدر بـ 4.1%. كما يُسجل الاقتصاد الأمريكي عجزًا قدره 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مع مستوى ديون يتجاوز 121% من الناتج المحلي الإجمالي.
فيما يتعلق بنظام الطاقة، تشهد الولايات المتحدة تحولًا كبيرًا في مشهدها الطاقي. وفقًا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، زاد إنتاج الطاقة المحلي بشكل ملحوظ من 72 إكساجول في عام 2010 إلى 96 إكساجول في 2022. يعود هذا الارتفاع إلى زيادة إنتاج النفط والغاز، حيث أصبح الغاز الطبيعي يشكل 37% من إجمالي الإنتاج في عام 2022، يليه النفط بنسبة 34%. وتساهم مصادر أخرى للطاقة مثل الفحم (13%) والطاقة النووية (9%) والطاقة المتجددة (8%) بنسب أقل.
هذا التحول في إنتاج الطاقة جعل الولايات المتحدة تصبح مُصدِّرًا صافياً للطاقة منذ عام 2019 لأول مرة منذ عقود، مما يعزز من مكانتها كلاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمي. وبفضل احتياطياتها الهائلة من الوقود الأحفوري، وابتكاراتها في تقنيات استخراج الطاقة، تُعد الولايات المتحدة من القوى المهيمنة في مجال الطاقة، ليس فقط على الصعيد المحلي ولكن أيضًا على الساحة الدولية.
النفط:
وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، تمتلك الولايات المتحدة احتياطيات مؤكدة من النفط الخام ومكثفات النفط المستأجرة تبلغ 48.3 مليار برميل في عام 2023. للمقارنة، فإن دولًا مثل فنزويلا والسعودية وإيران تمتلك احتياطيات أكبر بكثير، حيث تمتلك فنزويلا 303 مليارات برميل، والمملكة العربية السعودية 267 مليار برميل، وإيران 208 مليارات برميل.
بدأ إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة في الانخفاض تدريجيًا بعد أن بلغ ذروته في عام 1970 عند 9.6 مليون برميل يوميًا، ووصل إلى 5 ملايين برميل يوميًا في عام 2008. ومع ذلك، شهد الإنتاج الأمريكي زيادة ملحوظة بعد عام 2009، بفضل تبني تقنيات جديدة مثل الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي. هذا الارتفاع في الإنتاج سمح للولايات المتحدة بأن تصبح أكبر منتج للنفط الخام في العالم على مدار السنوات الست الماضية، حيث بلغت حصتها في الإنتاج العالمي من النفط الخام 23.2% في عام 2021.
وصل الإنتاج الأمريكي إلى ذروته في ديسمبر 2023، حيث بلغ أكثر من 13.3 مليون برميل يوميًا، متفوقًا على جميع الدول الأخرى. وقد جاء هذا الارتفاع بشكل رئيسي من حوض بيرميان في غرب تكساس وجنوب شرق نيو مكسيكو، وهو أحد أكبر الأحواض الرسوبية المنتجة للنفط في الولايات المتحدة.
تؤكد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن هذا الرقم القياسي للإنتاج الأمريكي لا يُحتمل أن يُحطم في أي دولة أخرى في المستقبل القريب، نظرًا لأن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي تمتلك القدرة الإنتاجية لهذه المستويات العالية من النفط الخام.
الغاز:
في أوائل عام 2023، بلغت الاحتياطيات المؤكدة من الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة 691 تريليون قدم مكعب. مقارنةً بذلك، تمتلك روسيا احتياطيات ضخمة تصل إلى 1688 تريليون قدم مكعب، بينما تمتلك إيران 1200 تريليون قدم مكعب، وقطر 843 تريليون قدم مكعب.
شهد إنتاج الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة زيادة ملحوظة، حيث بلغ في عام 2023 مستوى قياسيًا بلغ 37.8 تريليون قدم مكعب، وهو ارتفاع عن 36.3 تريليون قدم مكعب في عام 2022. ويُنتج الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة من آبار الغاز الطبيعي والنفط البرية والبحرية، بالإضافة إلى طبقات الفحم.
وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن معظم الزيادات في الإنتاج على مدى العشرين عامًا الماضية تعود إلى تطبيق تقنيات جديدة مثل التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي، التي كانت لها دور كبير في تعزيز الإنتاج، خصوصًا في الصخر الزيتي والتكوينات الجيولوجية الأخرى.
في عام 2022، تجاوز إنتاج الغاز في الولايات المتحدة استهلاكها المحلي بنحو 13%. وهذا يعكس التحول الكبير في دور الولايات المتحدة في أسواق الغاز، حيث أصبحت منتجًا ومصدرًا كبيرًا للغاز الطبيعي، مما ساعدها على تقليل اعتمادها على الواردات وتعزيز مكانتها كمصدر للطاقة عالميًا.
الغاز الصخري:
الصخر الزيتي هو نوع من الصخور الرسوبية الدقيقة الحبيبات التي تتشكل عندما يتعرض الطين والطمي إلى ضغط، وتختلف مكوناته وخصائصه حسب العناصر التي يحتوي عليها. على سبيل المثال، يحتوي الصخر الزيتي الأسود على مواد عضوية يمكن أن تتحول إلى النفط والغاز الطبيعي تحت ظروف معينة من الحرارة والضغط.
وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يوجد الغاز الطبيعي المستخرج من الصخر الزيتي الأسود في حوالي 30 ولاية أمريكية. من أبرز هذه الولايات تكساس، حيث يتواجد صخر بارنيت الشهير، بالإضافة إلى بنسلفانيا، وأوهايو، وفرجينيا، وماريلاند، حيث يتواجد صخر مارسيلوس. تعد هذه المناطق من أبرز المواقع المنتجة للغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، مما ساهم بشكل كبير في زيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي، ويُعتبر هذا المصدر أحد العوامل الرئيسية التي ساعدت الولايات المتحدة في أن تصبح منتجًا ومصدرًا كبيرًا للطاقة.
الفحم:
تعتبر الولايات المتحدة من أكبر الدول امتلاكًا لاحتياطيات الفحم على مستوى العالم، حيث تقدر احتياطياتها القابلة للاستخراج بحوالي 250 مليار طن قصير، مما يعادل نحو 22% من الاحتياطيات العالمية. بالمقارنة مع الدول الأخرى، تمتلك روسيا 15%، وأستراليا 14%، والصين 14%، والهند 11% من الاحتياطيات العالمية.
حوض نهر باودر في ولايتي وايومنغ ومونتانا يُعدّ أكبر رواسب الفحم من حيث الحجم في الولايات المتحدة. ورغم هذه الوفرة الكبيرة في الفحم، إلا أن دوره في مزيج الطاقة الأمريكي قد تضاءل بشكل كبير في السنوات الأخيرة. يعود ذلك إلى عدة عوامل رئيسية، أهمها المخاوف البيئية المتعلقة بانبعاثات الكربون الملوثة الناتجة عن حرق الفحم، بالإضافة إلى التقدم التكنولوجي في مجال استخراج الغاز الطبيعي من الصخر الزيتي باستخدام تقنيات التكسير الهيدروليكي (الفرَاكينغ)، مما ساعد في تقليص أسعار الغاز الطبيعي بشكل ملحوظ. نتيجة لذلك، أصبح الغاز الطبيعي خيارًا أكثر تنافسية من الفحم في توليد الكهرباء.
وبذلك، رغم أن الفحم كان ولا يزال مصدرًا كبيرًا للطاقة في الولايات المتحدة، إلا أن التوجه نحو الطاقة النظيفة والانتقال إلى مصادر طاقة أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا على البيئة قد أدى إلى تقليص دور الفحم بشكل تدريجي في مزيج الطاقة الأمريكي.
الطاقة النووية:
على الرغم من أن الولايات المتحدة لا تمتلك احتياطيات كبيرة من اليورانيوم مقارنةً مع دول مثل أستراليا وكندا وكازاخستان وناميبيا والنيجر، إلا أنها تعد أكبر منتج للطاقة النووية في العالم. حيث تُنتج حوالي 30% من إجمالي الكهرباء النووية على مستوى العالم. ويُعتبر هذا التفوق ناتجًا عن امتلاكها 94 مفاعلاً نووياً تجارياً نشطًا في 54 محطة طاقة نووية، تمتد عبر 28 ولاية. هذه المفاعلات مجتمعةً أنتجت 772 تيراواط/ساعة من الكهرباء في عام 2022، وهو ما يعادل حوالي 18% من إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد.
رغم أن متوسط عمر هذه المفاعلات النووية يبلغ حوالي 42 عامًا، فإن الولايات المتحدة قد استمرت في تشغيل هذه المحطات النووية بنجاح، مع مفاعلات حديثة مثل مفاعل “فوجتل 3″، الذي يعد الأحدث في البلاد. كما أن الحكومة الأمريكية دعمت تطوير الطاقة النووية من خلال قانون خفض التضخم، الذي قدم حوافز استثمارية وضريبية للمحطات النووية القائمة وكذلك لتطوير مفاعلات نووية جديدة وأحدث.
بالإضافة إلى دورها الكبير في إنتاج الطاقة النووية، فإن الولايات المتحدة تُعد لاعبًا أساسيًا في السوق العالمي للطاقة النووية، حيث تقوم بتصدير التكنولوجيا النووية والخدمات ذات الصلة إلى العديد من الدول حول العالم.
مصادر الطاقة المتجدّدة:
تُعد الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة محركًا رئيسيًا في تحول النظام الطاقي، حيث شهدت البلاد نموًا ملحوظًا في استخدام هذه المصادر منذ التسعينيات. حتى تلك الفترة، كانت الطاقة الكهرومائية والخشب هي المصادر الرئيسية للطاقة المتجددة، لكن مع مرور الوقت، ازدادت أهمية مصادر أخرى مثل الوقود الحيوي والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية.
بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، بلغ إنتاج واستهلاك الطاقة المتجددة مستويات قياسية في عام 2022. ففي عام 2023، شكلت الطاقة المتجددة حوالي 9% من إجمالي استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة، بينما شكّلت حوالي 21% من إجمالي توليد الكهرباء في البلاد. من بين مصادر الطاقة المتجددة، تُعتبر طاقة الرياح هي المصدر الأكثر استخدامًا (بنسبة 10%)، تليها الطاقة الكهرومائية (6%)، ثم الطاقة الشمسية (3.4%)، والكتلة الحيوية (1.2%)، وأخيرًا الطاقة الحرارية الأرضية (0.4%).
عام 2022 كان عامًا مهمًا في هذا التحول، حيث تجاوز إنتاج الطاقة المتجددة السنوي في الولايات المتحدة إنتاج الفحم لأول مرة في التاريخ، مما يعكس التغيرات الكبيرة في مزيج الطاقة الأمريكي نحو مصادر أكثر استدامة. هذه التحولات تؤكد التوجه القوي نحو تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وزيادة الاستثمار في تقنيات الطاقة المتجددة، التي تُعتبر مفتاحًا لتحقيق أهداف الولايات المتحدة في تقليل انبعاثات الكربون ومكافحة التغير المناخي.
التطورات الأخيرة:
وفقًا لأحدث الأرقام، تسهم مصادر الطاقة المتجددة بأكثر من 30% من قدرة توليد الطاقة في الولايات المتحدة، وتشكّل حوالي 25% من إنتاج الكهرباء في البلاد. وتشير تقارير معهد الموارد العالمية (WRI) إلى أن الطاقة الشمسية تعد المصدر الأسرع نموًا للطاقة في الولايات المتحدة، على الرغم من وجود بعض التأخيرات في تنفيذ المشاريع بسبب مشاكل في سلسلة التوريد. في عام 2023، قامت الولايات المتحدة بتركيب 31 غيغاواط من الطاقة الشمسية، مما يمثل زيادة بنسبة 55% عن عام 2022، ليصل إجمالي القدرة المركبة للطاقة الشمسية إلى 161 غيغاواط في بداية عام 2023، وهو ما يكفي لتلبية حوالي 5% من احتياجات الكهرباء في البلاد.
من ناحية أخرى، مثلت طاقة الرياح حوالي 11% من إجمالي توليد الكهرباء في الولايات المتحدة في عام 2024، رغم أن هذا القطاع شهد نموًا أبطأ في عام 2023 مقارنة بالسنوات السابقة. كما شهد قطاع تخزين البطاريات نموًا كبيرًا في عام 2023، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه، حيث يُتوقع أن يتضاعف التخزين في عام 2024.
ومع ذلك، فإن السياسات الأخيرة للإدارة الأمريكية تحت قيادة الرئيس ترامب تشير إلى تحوّل محتمل في سياسة الطاقة، وهو ما قد يؤثر على التوسع المستقبلي لمصادر الطاقة المتجددة. في حال تم تأكيد هذا التحوّل في السياسة، من المرجح أن يتباطأ النمو المستمر لمصادر الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة، مما سيعكس التوجهات التي كانت قائمة في السنوات الأخيرة.
العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مجال الطاقة
صادرات الطاقة الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي
الغاز الطبيعي المُسال:
منذ أول شحنة من الغاز الطبيعي المُسال من الولايات المتحدة إلى أوروبا في أبريل 2016، شهدت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الأمريكي زيادة تدريجية، وذلك بفضل اتفاقية تم التوصل إليها في يوليو 2018 بين رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك، جان كلود يونكر، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. بحلول نهاية عام 2021، كانت الولايات المتحدة قد صدّرت 12.6% من إجمالي واردات الغاز الطبيعي الأوروبية. وخلال هذه الفترة، بلغ إجمالي صادرات الغاز الطبيعي المُسال الأمريكي نحو 64 مليار متر مكعب.
وبعد اندلاع حرب روسيا على أوكرانيا، قرّر الاتحاد الأوروبي تقليل اعتماده على الغاز والنفط الروسي، مما أدى إلى زيادة كبيرة في واردات الغاز الطبيعي المُسال، والتي وصلت إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق بمتوسط سنوي بلغ 14.9 مليار قدم مكعب يوميًا في عام 2022. أصبحت الولايات المتحدة الوجهة الرئيسية لهذا الغاز، حيث بلغت صادراتها إلى أوروبا 6.8 مليار قدم مكعب يوميًا. في عام 2023، استمرت هذه الاتجاهات، مع تصدير الولايات المتحدة 7.1 مليار قدم مكعب يوميًا (48% من إجمالي صادراتها) إلى الاتحاد الأوروبي.
على الرغم من الفوائد التي جلبها هذا التعاون، يشير خبراء مثل دانيال س. هاميلتون وجوزيف ب. كوينلان إلى أن هذه الزيادة في صادرات الغاز الطبيعي الأمريكي تفيد الولايات المتحدة أكثر من الاتحاد الأوروبي. ففي عام 2022، بلغت تكلفة واردات الغاز للاتحاد الأوروبي حوالي 400 مليار دولار أمريكي، أي أكثر من ثلاثة أضعاف مستويات 2021، مما يشير إلى العبء المالي الكبير الذي يتحمله الاتحاد الأوروبي في هذه العملية.
رغم أن أسعار الغاز انخفضت بشكل كبير في عام 2023، إلا أنها ظلت أعلى من متوسطها التاريخي، مما يضيف ضغوطًا إضافية على تكلفة الكهرباء في الاتحاد الأوروبي. هذا الارتفاع في الأسعار يثير مخاوف بشأن فقدان القدرة التنافسية الصناعية لدول الاتحاد الأوروبي. وفي يناير 2024، أوقفت إدارة بايدن مؤقتًا الموافقات على تصدير الغاز الطبيعي المُسال، بهدف تقييم تأثيره على الأسعار المحلية للطاقة والانبعاثات العالمية للغازات المسببة للاحتباس الحراري. وهذه الخطوة أثارت تساؤلات حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قد استبدل اعتماده على روسيا بالاعتماد على الولايات المتحدة لتحقيق أمن الطاقة، مع ما يصاحب ذلك من تبعات اقتصادية وبيئية.
النفط”
يشير هاميلتون وكوينلان إلى تحوّل مماثل في أسواق النفط الأوروبية، حيث شهدت واردات النفط من روسيا انخفاضًا كبيرًا منذ عام 2022. وفقًا لبيانات يوروستات، انخفضت حصة النفط الروسي في واردات الاتحاد الأوروبي من 21% في الربع الثاني من عام 2022 إلى 1% في عام 2024. في الوقت نفسه، زادت شحنات النفط إلى أوروبا من الولايات المتحدة، حسب بيانات كبلر. وفي الربع الثالث من عام 2023، أصبحت الولايات المتحدة أكبر مورد للنفط إلى الاتحاد الأوروبي، حيث شكّلت حوالي 18% من إجمالي واردات النفط الأوروبية، فيما حلّت النرويج وكازاخستان في المرتبتين الثانية والثالثة بنسبة 14% و8% على التوالي.
هذا التغير في مصادر واردات النفط الأوروبية يمكن تفسيره جزئيًا بالعقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، والتي أدت إلى تقليص قدرة روسيا على تصدير النفط إلى أوروبا. من جهة أخرى، سعت روسيا لتجاوز هذه العقوبات عبر أساليب مثل “أسطول الظل” – وهي شبكة من الشركات التي تتيح لروسيا تصدير النفط إلى دول ثالثة مثل الهند. هذه الدول تقوم بتكرير النفط الروسي ثم تصديره إلى أوروبا، مما يساهم في تدفق النفط الروسي إلى السوق الأوروبية رغم العقوبات. وقد دعا البرلمان الأوروبي إلى فرض عقوبات أكثر استهدافًا على هذا الأسطول لتقليص هذه الممارسات.
هذه التحولات في أسواق النفط تؤكد على التغيرات الكبيرة التي شهدتها علاقات الطاقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، حيث تسعى أوروبا إلى تقليل اعتمادها على النفط الروسي بالتزامن مع زيادة وارداتها من الولايات المتحدة، وهو ما يعكس تحولًا في هيكل سوق الطاقة العالمي.
الفحم:
تُظهر هذه التطورات التغيرات الكبيرة في أسواق الفحم بعد غزو روسيا لأوكرانيا في 2022، حيث فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات شديدة على صادرات الفحم الروسي في إطار الحزمة الخامسة من التدابير التقييدية. قبل هذا القرار، كانت روسيا مصدرًا رئيسيًا للفحم إلى الاتحاد الأوروبي، حيث استقبلت أوروبا حوالي 84.6 مليون طن قصير من الفحم الروسي في عام 2021، وهو ما يمثل نحو 33% من إجمالي صادرات الفحم الروسية. ولكن بعد بدء فرض العقوبات، توقّف الاتحاد الأوروبي تقريبًا عن استيراد الفحم من روسيا، وبدأ في البحث عن مصادر بديلة للفحم، بما في ذلك كولومبيا، جنوب إفريقيا، والولايات المتحدة.
نتيجةً لذلك، شهدت الولايات المتحدة زيادة ملحوظة في صادرات الفحم إلى الاتحاد الأوروبي، حيث ارتفعت من 6.4 مليون طن قصير قبل الغزو إلى 14 مليون طن قصير بعد دخول العقوبات حيز التنفيذ. في عام 2023، استمر هذا الاتجاه في الارتفاع، حيث بلغت صادرات الفحم الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي حوالي 10.5 مليون طن قصير.
ومع ذلك، وفي عام 2024، حدث انخفاض كبير في الصادرات الأمريكية من الفحم إلى الاتحاد الأوروبي بسبب الشتاء المعتدل، مما أدى إلى زيادة استخدام الغاز الطبيعي من قبل شركات الطاقة وكذلك زيادة توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، وهو ما قلل من الطلب على الفحم. وفي النصف الأول من عام 2024، بلغت صادرات الفحم الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي حوالي 2.4 مليون طن قصير، مما يعكس التغيرات في استهلاك الطاقة في أوروبا وحالة السوق العالمية للطاقة.
هذه التحولات تشير إلى المرونة في أسواق الطاقة وكيف أن الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة تواصل تعزيز دورها كمورد للطاقة في ظل التغيرات الجيوسياسية والتوجهات الاقتصادية المختلفة.
التعاون في مجال الطاقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة:
تُبرز بيترا دولاتا العلاقات الطاقوية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كعلاقة تقوم على التعاون والتنافس في نفس الوقت. مرّت هذه العلاقة بثلاث مراحل رئيسية منذ التسعينيات، بدايةً بالتركيز على مسائل التجارة الدولية مثل تحرير الأسواق وإنشاء منظمة التجارة العالمية. ثم تلت مرحلة جديدة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حيث بدأ الطرفان بالتركيز على تقليل الاعتماد على واردات الطاقة، وأسفرت عن إنشاء مجلس الطاقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. في المرحلة الأخيرة، وبعد عام 2010، مع الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط والغاز الأمريكي، استفادت الولايات المتحدة من تصدير الطاقة، مما ساعد الاتحاد الأوروبي على تقليل اعتماده على روسيا خاصة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا. اليوم، يواصل التعاون بين الطرفين عبر قنوات متعددة مثل مجلس الطاقة وفريق العمل بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن أمن الطاقة، مما يعكس عمق العلاقة المتجددة والمترابطة في مجال الطاقة.
تأسَّس مجلس الطاقة رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في عام 2009، ويعقد اجتماعات سنوية تجمع ممثلين رفيعي المستوى من الجانبين، مثل الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، والمفوّضين الأوروبيين في مجالات الطاقة، ووزراء الخارجية والطاقة الأمريكيين. يهدف المجلس إلى تعميق الحوار والتعاون في مجالات أمن الطاقة، التكنولوجيا، والأسواق.
يعمل المجلس من خلال ثلاث مجموعات عمل مختصة في تكنولوجيا الطاقة، سياسة الطاقة، وأمن الطاقة، وقد اجتمع 11 مرة منذ تأسيسه، آخرها في مارس 2024. في هذا الاجتماع، أكّد الطرفان على أهمية التعاون في مواجهة التحديات الطاقوية العالمية، خاصة فيما يتعلق بالتخلص التدريجي من الفحم، ودعم أوكرانيا في مواجهة التحديات المرتبطة بموارد الطاقة الروسية. كما أكّد المجلس على ضرورة تعزيز التكامل الإقليمي واستثمارات الطاقة في المناطق المجاورة لأوروبا مثل أوكرانيا، مولدوفا، وغرب البلقان.
إضافة إلى ذلك، التزم الجانبان بتعميق التعاون في مختلف المحافل الدولية، والعمل معًا لتحقيق الانتقال نحو الحياد المناخي من خلال تشجيع الاستثمارات والسياسات التكميلية. ومنذ عام 2009، نُظّمت العديد من المنتديات بين الشركات في إطار المجلس، مثل منتدى الغاز الطبيعي المسال في 2019، والمفاعلات النووية المعيارية الصغيرة في 2020، وطاقة الرياح البحرية في 2022.
في إطار مجلس التجارة والتكنولوجيا بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة (TTC)، يتم التنسيق بشأن قضايا حيوية تتعلق بانتقال الطاقة والصناعة. منذ تأسيسه، عقد المجلس ست اجتماعات، حيث تم مناقشة مجموعة من المواضيع الهامة التي تشمل إزالة الكربون من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. هذا التعاون يسعى إلى تعزيز العمل المشترك بين الجانبين لتحقيق الأهداف البيئية والاقتصادية في قطاع الطاقة.
في الاجتماع الأخير الذي عقد في أبريل 2024، رحّب الطرفان بالتوصيات الفنية التي تهدف إلى تحديث وتوسيع البُنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية، وهي توصيات أعدّها بشكل مشترك مركز الأبحاث المشترك للاتحاد الأوروبي ومختبر أرجون الوطني التابع لوزارة الطاقة الأمريكية. وهذه الخطوة تمثل جزءاً من الجهود الرامية إلى دعم التحول إلى مصادر طاقة نظيفة وتحقيق أهداف الحياد المناخي.
علاوة على ذلك، يعكف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على تعبئة مبادرة عبر الأطلسي بشأن التجارة المستدامة (TIST)، التي أُطلقت في ديسمبر 2022. تهدف هذه المبادرة إلى تعزيز التجارة في المنتجات التي تساهم في تسريع الانتقال إلى صافي صفر انبعاثات، مما يعزز التعاون بين الطرفين في هذا المجال الحيوي والمهم.
تأسست فرقة العمل الأوروبية الأمريكية المعنية بأمن الطاقة في 25 مارس 2022، بمبادرة من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن. تهدف الفرقة بشكل أساسي إلى تقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على واردات الطاقة الروسية، وذلك من خلال مجموعة من الوسائل، بما في ذلك تقليل الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي وتنويع مصادر الإمدادات بما يتماشى مع الأهداف المناخية.
في بيان مشترك في مارس 2023، أكّد الرئيس بايدن والرئيسة فون دير لاين التزامهما المشترك بتعزيز أمن الطاقة واستدامتها في أوروبا. ركز البيان على تنويع مصادر الطاقة، وتقليل استهلاك الوقود الأحفوري، والتأكيد على التعاون المستمر بين الجانبين لتأمين مصادر الطاقة المستدامة في المستقبل.
تجتمع فرقة العمل بوتيرة أعلى من مجلس الطاقة، حيث عقدت 11 اجتماعًا منذ إنشائها في عام 2022. في اجتماعها الأخير في أكتوبر 2023، ناقشت الفرقة قضايا هامة مثل تنويع مصادر إمدادات الغاز الطبيعي في أوروبا، واستراتيجيات خفض الطلب على الغاز، وكيفية تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة في إطار الاستجابة الجماعية للعدوان الروسي على أوكرانيا.
إلى جانب التعاون الثنائي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، يشمل العمل المشترك على القضايا الطاقية والمناخية أيضًا التعاون المتعدد الأطراف. من أبرز هذه المبادرات التعهُّد العالمي للميثان وشراكات التحوّل العادل للطاقة (JETPs)، التي تهدف إلى تحقيق أهداف مناخية مشتركة وتوفير حلول مستدامة للطاقة.
المنافسة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة:
كما ذُكر سابقاً، تباينت وجهات النظر بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مجال الطاقة منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، خاصة بعد الزيادة الكبيرة في إنتاج الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي والنفط. هذا التحوّل في الإنتاج الأمريكي كان جزءاً من العوامل التي ساهمت في توتر العلاقات بين الجانبين، إلى جانب الموقف العدواني لإدارة ترامب في مسائل الطاقة، مما أدى إلى توترات دبلوماسية واقتصادية.
لكن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة شهدت تحسناً ملحوظاً مع تولي إدارة بايدن. فبينما كان لخيارات إدارة بايدن فيما يتعلق بالطاقة المتجددة تقارب كبير مع الخيارات الأوروبية، إلا أن الاختلافات الاستراتيجية بشأن كيفية التوفيق بين تحقيق أهداف أمن الطاقة والحفاظ على القدرة التنافسية الاقتصادية تبقى حاضرة. الولايات المتحدة كانت في موقف مميز بعد غزو روسيا لأوكرانيا، حيث ملأت الفراغ الذي نشأ بسبب قطع الاتحاد الأوروبي علاقاته مع روسيا، وهو أحد أكبر مستوردي النفط والغاز الطبيعي.
وفي هذا السياق، جاء قانون خفض التضخم الأمريكي ليشكل نقطة تباين رئيسية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ينص هذا القانون على أكثر من 20 حافزاً ضريبياً تشجع الشركات والأفراد على الاستثمار في تقنيات وموارد الطاقة النظيفة. لكن أحد القضايا المثيرة للجدل هو أن هذه الحوافز تفضّل الشركات الأمريكية على الشركات الأجنبية، وهو ما أثار قلق الاتحاد الأوروبي. يقدم القانون أيضاً ائتمانات ضريبية لإنتاج الكهرباء المتجددة، بالإضافة إلى تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه. يُقدّر أن القانون سيُوجّه ما يقرب من 400 مليار دولار أمريكي في السنوات المقبلة لدعم مشاريع الطاقة النظيفة في الولايات المتحدة، مما يعزز من مكانتها الاقتصادية في هذا القطاع، ولكنه قد يُعقد التنافس في الأسواق العالمية.
تنفيذ الاتحاد الأوروبي لمبادرات تعزيز قدرته التنافسية الصناعية وضمان استقلاليته الاستراتيجية جاء بشكل واضح في إطار التزامه بتحقيق أهداف المناخ. حتى قبل أزمة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا، عرضت الرئيسة فون دير لاين خطة “الصفقة الخضراء الأوروبية”، التي تهدف إلى تحويل الاتحاد الأوروبي إلى اقتصاد مستدام وتعزيز تنافسيته. الخطوة الأولى في هذا الاتجاه كانت قانون المناخ الأوروبي، الذي تم اعتماده في تموز/يوليو 2021، وهو يحدد هدف الاتحاد الأوروبي بأن يصبح محايدًا مناخيًا بحلول عام 2050، مع هدف وسيط يتمثل في خفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 55% على الأقل بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 1990.
في إطار هذه المبادرات، أطلق الاتحاد الأوروبي عدة برامج وتشريعات، أبرزها حزمة “اللياقة لـ 55“، التي تضمنت تعديلات على التشريعات الحالية وإدخال آليات قانونية جديدة مثل آلية تعديل حدود الكربون (CBAM)، التي تفرض ضريبة على السلع المستوردة بناءً على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن إنتاج هذه السلع. هذه المبادرات تهدف إلى تعزيز التحول الأخضر في الاتحاد الأوروبي، ولكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات كبيرة بسبب اعتماده على الوقود الأحفوري المستورد.
يُظهر موجز سياسات صادر عن مركز أبحاث بروغل في كانون الأول/ديسمبر 2024 أن تكلفة الغاز والكهرباء في الاتحاد الأوروبي لا تزال أعلى بكثير مقارنة بالولايات المتحدة، حيث كانت أسعار الغاز في الاتحاد الأوروبي في عام 2024 أعلى بخمس مرات في المتوسط، وأسعار الكهرباء الصناعية أعلى بحوالي 2.5 مرة مقارنةً بالولايات المتحدة. هذا التفاوت في الأسعار يعكس التحديات الكبيرة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي في الحفاظ على تنافسيته الصناعية في ظل سياسات الطاقة الخضراء.
لتجاوز هذه التحديات الاقتصادية والطاقية، اعتمد الاتحاد الأوروبي آلية الإنعاش والمرونة (RRF)، التي خصصت 184 مليار يورو لدعم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في تنفيذ تدابير متعلقة بالطاقة، وذلك بهدف التعافي من أزمة كوفيد-19 والاستعداد بشكل أفضل للتحولات الخضراء والرقمية. هذا الدعم يهدف إلى تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي على الصمود أمام الأزمات المستقبلية، وتحقيق أهدافه في التحول نحو اقتصاد مستدام ومنخفض الكربون.
تُعدّ آلية الإنعاش والمرونة (RRF) جزءًا أساسيًا من خطة REPowerEU التي تبلغ قيمتها 300 مليار يورو، وهي تهدف إلى تقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على واردات الوقود الأحفوري من روسيا وتسريع الانتقال نحو الطاقة النظيفة. تعمل هذه الخطة على تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي على التنوع في مصادر الطاقة وزيادة الاستثمار في التقنيات المتجددة والطاقة النظيفة، وهي تعد ردًا مباشرًا على تداعيات الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة العالمية. من خلال هذه الخطة، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز أمن الطاقة والاستقلالية الاستراتيجية، مع الالتزام بتحقيق أهداف المناخ.
في سياق تعزيز القدرة التنافسية للصناعات الأوروبية ذات الانبعاثات الصفرية، وعلى إثر قانون خفض التضخّم في الولايات المتحدة، اقترحت المفوضية الأوروبية في شباط/فبراير 2023 خطة الصفقة الخضراء الصناعية. على الرغم من أنه لم يتم تخصيص أموال محددة من الاتحاد الأوروبي لهذه الخطة، إلا أنها تضمنّت مبادرات هامة تم تبنيها بالفعل، مثل:
- قانون الصناعة ذات الانبعاثات الصفرية (NZIA)، الذي يحدد التقنيات الاستراتيجية الأساسية للتحول إلى الطاقة النظيفة. يهدف هذا القانون إلى تسهيل الوصول إلى الاستثمارات لهذه التقنيات وتسريع إجراءات منح التصاريح، مما يعزز من قدرة الصناعات على الانتقال إلى إنتاج منخفض الكربون أو خالٍ من الكربون.
- قانون المواد الخام الحيوية (CRMA)، الذي يحدد المواد الخام الاستراتيجية اللازمة للتحول الأخضر والرقمي. يضع هذا القانون هدفًا للاتحاد الأوروبي لاستخراج 10% من هذه المواد الخام محليًا، ومعالجة 40% من استهلاكها السنوي، وإعادة تدوير 25% من هذه المواد بحلول عام 2030. من خلال هذا القانون، يتم إعطاء الأولوية للمشاريع المتعلقة بالمواد الخام الاستراتيجية للاستثمار، كما سيتم تسريع إجراءات منح التصاريح لتلك المشاريع، مما يسهم في تعزيز استقلالية الاتحاد الأوروبي في هذه المواد الحيوية.
من خلال هذه المبادرات، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق تحول صناعي يعزز قدرته التنافسية في مجال الطاقة النظيفة والمستدامة، مع ضمان استدامة سلسلة الإمدادات المتعلقة بالمواد الخام الأساسية والابتكار التكنولوجي في الصناعات منخفضة الكربون.
يواصل الاتحاد الأوروبي تعزيز جهوده في مجال البحث والابتكار لدعم الانتقال إلى الطاقة النظيفة وتحقيق أهداف الصفقة الخضراء الأوروبية. في هذا السياق، يُخصَّص برنامج التمويل الحالي “أفق أوروبا“ (2021-2027) ما يقرب من 40 مليار يورو للاستثمار في البحث والابتكار، حيث يهدف إلى تمويل المشاريع التي تدعم التحول البيئي، مثل تقنيات الطاقة النظيفة، وحلول إزالة الكربون، وتحسين الكفاءة الطاقوية.
إضافة إلى ذلك، يوفر صندوق ابتكار نظام تداول الانبعاثات التابع للاتحاد الأوروبي 40 مليار يورو إضافية حتى عام 2030 لدعم المشاريع التجريبية التي تركز على إزالة ثاني أكسيد الكربون في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. تهدف هذه المشاريع إلى اختبار تقنيات جديدة تسهم في تقليل انبعاثات الكربون بشكل كبير، وهو ما يُعد خطوة حاسمة لتحقيق الحياد المناخي بحلول منتصف القرن.
علاوة على ذلك، تستفيد 13 دولة عضو منخفضة الدخل في الاتحاد الأوروبي من صندوق التحديث، الذي يخصص 57 مليار يورو حتى عام 2030 لتحديث أنظمة الطاقة في تلك الدول وتحسين كفاءتها. تهدف هذه الأموال إلى مساعدة الدول الأقل قدرة على التحول الأخضر، من خلال دعم مشاريع لتحسين كفاءة استخدام الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مما يساهم في تسريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة والحد من الانبعاثات في هذه الدول.
بذلك، يُعد الاتحاد الأوروبي من خلال هذه المبادرات مثالاً على التزامه بتطوير حلول مبتكرة ومستدامة، مع التركيز على تحقيق تكامل بين السياسات البيئية والأهداف الاقتصادية والاجتماعية.
يشير ميلان إلكربوت وآخرون إلى أن الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى سياساته الهادفة إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، أطلق العديد من الآليات المالية لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والأسر المحتاجة. من أبرز هذه الآليات صندوق المناخ الاجتماعي الذي تم تخصيص 72 مليار يورو له في الفترة بين 2025 و2032. يهدف هذا الصندوق إلى تحسين كفاءة استخدام الطاقة في المباني السكنية، بالإضافة إلى دعم إزالة الكربون من أنظمة التبريد والتدفئة.
وبالإضافة إلى الصندوق الاجتماعي، تدعم سياسة التماسك الأوروبية مشاريع الطاقة المتجددة من خلال صندوق الانتقال العادل وصندوق التماسُك، حيث تُخصص حوالي 85 مليار يورو لدعم مشاريع الطاقة المتجددة، مما يساعد في تحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي في التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
وتكمل هذه التدابير الأوروبية سياسات الدعم التي تقدّمها الدول الأعضاء بشكل فردي. على سبيل المثال، تدعم جميع الدول الأعضاء تقريباً شراء المركبات الكهربائية، حيث بلغت قيمة هذا الدعم في عام 2022 حوالي 6 مليارات يورو، بمتوسط دعم قدره 6000 يورو لكل مركبة كهربائية. كما تم إنفاق ما يقرب من 41.51 مليار يورو في عام 2022 على حماية البيئة وتوفير الطاقة، وهو ما يُعدّ الهدف السياسي الذي أنفقت عليه الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أكثر من أي أهداف أخرى، وفقًا لتقرير المفوضية عن مساعدات الدولة لعام 2023.
من جهة أخرى، رأس المال الخاص يساهم بشكل كبير في هذه التحولات. وفقًا لشركة مورنينغ ستار للأبحاث الاستثمارية، وصلت الأصول في الصناديق المرتبطة بالمناخ في الاتحاد الأوروبي إلى 447 مليار دولار أمريكي بحلول سبتمبر 2023.
لكن، يُشير الباحثون إلى أن بعض هذه التدابير قد لا تحقق التأثير المتوقع. على سبيل المثال، إعانات السيارات الكهربائية قد لا تُسهم بالضرورة في شراء السيارات الكهربائية الأوروبية، حيث قد تجد الشركات الأوروبية منافسة من السيارات المستوردة. كما أن الأنظمة مثل نظام تداول الانبعاثات قد تواجه تحديات مثل تسرب الكربون، حيث قد ينتهي الأمر بالشركات إلى نقل أنشطتها إلى دول لا تفرض مثل هذه القيود، مما يضر بالقدرة التنافسية الأوروبية ويقلل من فعالية السياسة.
إجمالاً، رغم الجهود الكبيرة التي يبذلها الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في تعزيز التحول الأخضر، يجب مراعاة هذه التحديات والآثار الجانبية عند تقييم فعالية هذه السياسات في المدى الطويل.
التوقعات
إمكانات تعزيز التعاون:
في تقريرهما لعام 2024 حول العلاقات عبر الأطلسي، أشار هاميلتون وكوينلان إلى دور الشركات الأمريكية في أوروبا في دفع عملية انتقال الاتحاد الأوروبي إلى الطاقة المتجددة. منذ عام 2007، تمثل هذه الشركات أكثر من نصف اتفاقيات الشراء طويلة الأجل في قطاع الطاقات المتجددة في الاتحاد الأوروبي. ومن جهة أخرى، تُهيمن شركات الاتحاد الأوروبي على الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع الطاقة الأمريكي، مما يعكس التعاون المتبادل بين الطرفين في هذا المجال.
وبالاستناد إلى هذا التعاون، يُمكن للتدابير والموارد التي تهدف إلى تشجيع تطوير تقنيات الطاقة النظيفة تعزيز العلاقات التجارية بين جانبي الأطلسي. في هذا السياق، أكدت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها أن التحول المستدام يحمل إمكانات غير مُستغلة. وفقًا للتقرير، إذا أوفَت جميع الدول بالتزاماتها المناخية بالكامل، فإنه من الممكن توليد 650 مليار دولار أمريكي سنويًا لتطوير التقنيات الخضراء بحلول عام 2030.
بالإضافة إلى ذلك، الابتكارات التكنولوجية مثل الأساليب الجديدة لتخزين الطاقة قد تساهم في تقليل اعتماد الشركاء على المواد الخام الأساسية، مما يؤدي إلى تحسين كفاءة استخدام الموارد وتحقيق أهداف الاستدامة. ومع ذلك، يشير المؤلفون إلى أنه حتى إذا لم تتحقق الإمكانات المحددة في تقرير وكالة الطاقة الدولية بالكامل، فإن هناك فرصًا كبيرة للاستثمار في تقنيات الطاقة المتجددة على جانبي المحيط الأطلسي.
وتُعد تقنيات النقل النظيف من المجالات التي يمكن استغلالها بشكل أكبر، خصوصًا من خلال زيادة رأس المال المُخاطر لدعم الابتكار والتطوير في هذا القطاع، مما يُمكن أن يسهم في تحفيز الانتقال إلى النقل المستدام.
إجمالاً، يُشير التقرير إلى أن التعاون عبر الأطلسي في مجال الطاقة المتجددة يمتلك إمكانيات كبيرة لتسريع التحول العالمي نحو الاستدامة مع تعزيز الروابط الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
التداعيات المُحتملة لتغيير الإدارة الأمريكية:
بعد انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2024 في الولايات المتحدة، التي أعادت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ومنحت الجمهوريين أغلبية في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، يتوقع الخبراء أن تشهد سياسة الطاقة الأمريكية تحولًا كبيرًا. بناءً على التعهُّدات الانتخابية لترامب، وكذلك القرارات والإعلانات الأولية التي اتخذها في أسبوعه الأول في المنصب، يتضح أن سياسات الطاقة ستتغير بشكل ملحوظ.
في بداية فترة ولايته الجديدة، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا يُعلن حالة طوارئ وطنية في مجال الطاقة، وذلك بهدف زيادة سرعة إصدار التصاريح المتعلقة بالطاقة، وكذلك بناء البنية التحتية اللازمة لزيادة الإنتاج. كما قرر رفع الإيقاف الذي كان مفروضًا على موافقات تراخيص تصدير الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يُعتبر خطوة حاسمة لدعم نمو صناعة الطاقة الأمريكية.
من خلال هذه السياسات، يرى خبراء المجلس الأطلسي أن إدارة ترامب تسعى لتحقيق هدفين رئيسيين في مجال الطاقة:
- محليًا: يُتوقع أن تؤدي زيادة إنتاج الغاز الطبيعي إلى خفض أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء في الولايات المتحدة، مما يسهم في تقليل التضخم وتحسين الاقتصاد المحلي.
- دوليًا: من المتوقع أن تُسهم هذه السياسات في زيادة صادرات الوقود الأحفوري من الولايات المتحدة، مما يعزز مكانتها الجيوسياسية ويُسهم في تعزيز أمن الطاقة لدى حلفائها وشركائها في أوروبا وآسيا. هذه الخطوة تُعد جزءًا من محاولة ترسيخ دور الولايات المتحدة كمصدر رئيسي للطاقة، مما يعزز نمو الاقتصاد الأمريكي ويُسهم في تحسين علاقاتها الدولية.
إجمالاً، فإن العودة إلى سياسات الطاقة التي تتسم بالتوسع في الإنتاج والتصدير يمكن أن تُحدث تأثيرات كبيرة في السوق العالمية للطاقة، وتُعيد رسم التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وبقية الدول.
في ظل إدارة ترامب الجديدة، واصل الرئيس معارضته لقانون خفض التضخُّم، وأشار غروس وسال إلى أن تعديل تشريع بهذا الحجم يتطلب تدخلًا من الكونغرس، وهو أمر لا يمكن اعتباره حتميًا. على الرغم من أن العديد من الاستثمارات التي يمولها هذا القانون تُنفَّذ في مناطق يُمثّلها الجمهوريون، فقد اعتبر المؤلفان الوقف المؤقت للصرف بموجب القانون إجراءً معقولاً من قبل الإدارة الجديدة.
من ناحية أخرى، استمرت الحملة الانتخابية لترامب في تنفيذ وعودها، مثل الانسحاب من اتفاقية باريس الخاصة بتغير المناخ، وهي خطوة أخرى جرى اتخاذها في إطار إصرار الإدارة على التحول بعيدًا عن السياسات البيئية التي تبنتها إدارة بايدن.
عمومًا، يتوقع المراقبون أن تشهد السياسات الأمريكية في مجال الطاقة المتجددة تحولًا ملحوظًا في المستقبل القريب، حيث من المتوقع تقليص دعم الطاقة المتجددة الذي شهد زيادات كبيرة في فترة إدارة بايدن. ويتضمن ذلك وقف تطوير مشاريع طاقة الرياح البحرية، وتقليص الدعم المالي للسيارات الكهربائية، على الرغم من النمو الكبير الذي شهدته هذه المجالات في السنوات الأخيرة.
كما يرى غروس وسال أن هذه السياسات قد تتأثر بشكل كبير بقرارات المحكمة العليا الأمريكية الأخيرة بشأن القانون الإداري، مما قد يزيد من تعقيد تنفيذ هذه السياسات.
من أهم الآثار المترتبة على هذا التغيير في سياسة الطاقة الأمريكية هو إرسال إشارة إلى الاتحاد الأوروبي ودول أخرى مفادها أن دعم الولايات المتحدة للانتقال العالمي إلى الطاقة النظيفة ليس ثابتًا، بل هو عرضة للتغيير مع كل إدارة جديدة. هذا التغيير يمكن أن يؤدي إلى زيادة الفرص لبلدان أخرى مثل الصين التي قد تستفيد من هيمنة تصنيع التكنولوجيا النظيفة ومعالجة المعادن الأساسية اللازمة للانتقال إلى الطاقة المتجددة.
بالتالي، قد يؤدي هذا التحول في السياسة الأمريكية إلى إعادة تشكيل الديناميكيات الجيوسياسية في مجال الطاقة النظيفة، مما يتيح فرصًا جديدة لدول أخرى للمنافسة في هذه الصناعة الحيوية.
التأثير المحتمَل على العلاقات عبر الأطلسي:
يشير غولدوين وكلابو إلى أن السياسات التجارية في مجالي الطاقة والصناعة ظلت ثابتة إلى حد كبير خلال فترة إداريتي ترامب وبايدن، مما يعني أنه لا ينبغي توقع تغييرات جذرية في هذا الصدد. وبالنسبة للسياسات المتعلقة بصادرات الغاز الطبيعي، يُعتقد أن إدارة ترامب لن تعرض صادرات الغاز الأمريكي للخطر، خاصة في ضوء الفرص المتاحة لزيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي. هذا يحدث في وقت حساس، حيث أدى قرار أوكرانيا بوقف عبور الغاز الروسي إلى تعميق الحاجة الأوروبية لمصادر بديلة من الغاز، وهو ما يفتح المجال أمام زيادة الإمدادات الأمريكية من الغاز الطبيعي المسال.
لكن، وفي الوقت نفسه، يشير غولدوين وكلابو إلى أن إدخال لوائح جديدة من الاتحاد الأوروبي، مثل تلك المتعلقة بـ انبعاثات الميثان المستوردة أو اتفاقية الحد من الانبعاثات عبر الأطلسي (CBAM)، قد يثير إجراءات انتقامية من إدارة ترامب. هذه اللوائح قد تؤثر على صادرات الطاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فالاتفاقيات التي تهدف إلى تقليل الانبعاثات الكربونية قد تصطدم بمواقف سياسية متباينة، مما قد يؤدي إلى تصعيد تجاري من الجانب الأمريكي، خاصة في ظل سياسة ترامب التي تفضل تقليص القيود البيئية.
في النهاية، بينما تظل السياسات التجارية الأمريكية مستقرة بشكل عام في هذا المجال، قد تُواجه التبادلات التجارية في قطاع الطاقة تحديات بسبب التوترات السياسية والتجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمعايير البيئية وتنظيم الانبعاثات.
في مذكّرة بروغل الصادرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، يجادل تاجليابيترا وتراسي بأن إدارة ترامب، من خلال سياساتها وقراراتها، ستؤدي إلى زيادة الفجوة في أسعار الطاقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. إذ تعهّد ترامب بخفض أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء إلى النصف في غضون عام، مما يعزز قدرة الولايات المتحدة التنافسية في أسواق الطاقة ويجعل الاتحاد الأوروبي في وضع صعب من حيث تكاليف الطاقة. وبذلك، من المتوقع أن يترك الاتحاد الأوروبي معزولاً من حيث الدبلوماسية المناخية في ظل هذه التحولات، حيث ستسهم السياسات الأمريكية في تقويض التقدم الأوروبي في هذا المجال.
ويشدد المؤلّفان على أن الاتحاد الأوروبي يجب ألا يقتصر على التكهن بالخطوات المستقبلية للإدارة الأمريكية أو محاولة التخفيف من الأضرار المحتملة، بل يجب أن يتخذ خطوات استباقية لتقوية السياسة الصناعية النظيفة في أوروبا. ومن أجل ذلك، يشير المؤلّفان إلى أن المفوّضية الأوروبية الجديدة قد بدأت بالفعل في وضع الأسس لهذه السياسة الصناعية النظيفة. على الرغم من أن المفوّضية قد بدأت ولايتها حديثاً، إلا أن بعض الخطوات الأولية تشير إلى توجه الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز الاستدامة وتوسيع قدرته التنافسية.
في رسائل مهمتهم، تم تكليف أربعة مفوّضين، وهم: تيريزا ريبيرا (إسبانيا)، ستيفان سيجورني (فرنسا)، فوبكي هوكسترا (هولندا)، ودان يورغنسن (الدنمارك)، بعدة مهام أساسية لتحقيق الأهداف الصناعية الخضراء في الاتحاد الأوروبي، مثل:
- خفض أسعار الطاقة وتخفيف اعتماد الاتحاد الأوروبي على النفط والغاز.
- زيادة إزالة الكربون في صناعة الاتحاد الأوروبي مع تعزيز قدرتها التنافسية.
- إعداد وتنفيذ خطة عمل لضمان أسعار طاقة معقولة في إطار الصفقة الصناعية النظيفة.
- وضع إطار عمل جديد للمساعدات الحكومية لتسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة.
- تقديم قانون لإزالة الكربون الصناعي وتسريع نشر المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة.
- تنشيط آلية الطلب الكلي، بما في ذلك الهيدروجين، وزيادة المشتريات المشتركة للوقود.
- مراجعة سياسات الضرائب، مثل ضريبة الطاقة واستكشاف آليات لزيادة استخدام نظام ضريبة القيمة المضافة لتحقيق إزالة الكربون.
وبهذا، يهدف الاتحاد الأوروبي إلى تقوية قدرته التنافسية وزيادة سرعة تحوله نحو الطاقة النظيفة، مع تقليل التبعية للطاقة التقليدية وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية في المستقبل.
شراكات الطاقة في الاتحاد الأوروبي: الولايات المتحدة
خدمة أبحاث البرلمان الأوروبي | EPRS
المؤلف: أنجيلوس ديليفورياس
آذار/مارس 2025
رابط البحث:
https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/BRIE/2025/769500/EPRS_BRI(2025)769500_EN.pdf

