ذات صلة

سوريا الجديدة: وقف انجراف خطير

مجموعة الأزمات الدولية

ما الجديد؟

تواجه الحكومة السورية المؤقتة تحديات كبيرة في مرحلة انتقالية حساسة، في ظل استمرار القمع، والحرب الأهلية، والعقوبات المفروضة على البلاد. وفي إطار سعيها لإعادة بناء الدولة، أطلقت عملية سياسية تقول إنها تعبّر عن تطلعات شرائح واسعة من المجتمع السوري.

ما الأهمية؟

تمر سوريا بمرحلة حرجة أشبه بعيش على “الوقت المستقطع”. فالحكومة المؤقتة تعاني من نقص حاد في التمويل، وقواتها الأمنية منهكة، بينما يتفاقم الفقر وتتصاعد حدة التمرّد، خصوصاً في المناطق الطرفية. كما تتدخل أطراف خارجية في المشهد السوري، بينما تُقيّد العقوبات الغربية جهود إعادة الإعمار وتمنع انفراط عقد الدولة أو العودة إلى صراع داخلي شامل.

ما العمل؟

ينبغي على الحكومة المؤقتة تنفيذ إصلاحات متوازنة تشمل الجوانب الأمنية والاقتصادية والإدارية، مع إدراك الترابط بينها. ويُعدّ توفير الأمن للمجتمعات الضعيفة – لا سيما الطائفة العلوية التي كانت تمثل دعامة أساسية للنظام السابق – خطوة ضرورية للحد من تصاعد العنف. كما يُفترض بالجهات الدولية المانحة النظر في تخفيف العقوبات وتقديم دعم ملموس، لمنح العملية الانتقالية فرصة حقيقية للنجاح.

أولاً: نظرة عامة:

يخوض النظام السوري الجديد سباقًا مع الزمن بعد سقوط الرئيس بشار الأسد على يد هيئة تحرير الشام وفصائل متمرّدة أخرى ذات طابع إسلامي سني. ورغم الاحتفالات التي عمّت بعض المناطق ابتهاجًا بنهاية عهد الأسد، إلا أن حالة من الغموض بدأت تسيطر على المشهد السياسي، خصوصًا حول توجّهات الرئيس المؤقت أحمد الشرع، وسط اتهامات له بمحاولة تركيز السلطة بيده.

يسعى الشرع إلى استعادة السيطرة عبر وعود بإرساء الأمن وإطلاق مرحلة انتقالية نحو تشكيل حكومة أكثر شمولًا. لكن التحديات التي تواجهه ضخمة: دمار واسع خلّفته الحرب، شح في السيولة يمنع دفع رواتب الموظفين، وزارات مستنزفة، أجهزة أمنية مفككة، وانقسامات طائفية متجذّرة. تُضاف إلى ذلك المظالم المتراكمة خلال سنوات الحرب، والعقوبات الغربية التي تعيق وصول الدعم الدولي، والتدخّل الإسرائيلي الذي يزعزع الاستقرار.

ومع تفاقم الأوضاع، تبرز الحاجة إلى دعم خارجي فعّال يتيح للحكومة المؤقتة التقاط أنفاسها، والانطلاق في مسار إعادة الإعمار وبناء مؤسسات قادرة على الحفاظ على وحدة البلاد ومنع انزلاقها نحو مزيد من الفوضى.

يبدو أن البديل المحتمل للمسار الانتقالي في سوريا هو انهيار الدولة بالكامل، وهو سيناريو كارثي ستكون كلفته باهظة على السوريين وعلى استقرار المنطقة برمّتها. فبإطاحتهم بنظام مكروه وقيامهم بذلك بأقل قدر من إراقة الدماء خلال هجومهم الأخير، حاز القادة الجدد على قدر كبير من الامتنان، سواء من قطاعات واسعة من الشعب السوري أو من عواصم إقليمية ودولية ترى في التغيير فرصة نادرة.

ورغم أن خلفيات هؤلاء القادة الجهادية وطموحاتهم غير الواضحة تثير قلق كثير من السوريين، فإن التصريحات العلنية للرئيس المؤقت أحمد الشرع بثّت نوعًا من الأمل. فقد ابتعدت خطابه عن لغة التهديد والشعارات الفارغة التي وسمت عهد بشار الأسد، وهو ما مثّل للبعض بادرة تغيير حقيقية في النهج والأسلوب.

لفترة قصيرة، شعر السوريون بالراحة نتيجة تراجع وتيرة العنف بعد سقوط النظام. غير أن هذا الهدوء لم يدم طويلًا. ففي أوائل مارس/آذار، اندلعت مواجهات دموية في مدن اللاذقية وطرطوس وحماة، ترافق بعضها مع مجازر مروعة بحق المدنيين. هذا التصعيد أعاد إشعال مخاوف من عودة العنف الطائفي، مما يهدد بانزلاق البلاد إلى فوضى شاملة، وقد يؤدي إلى موجات جديدة من النزوح وتقسيم سوريا فعليًا إلى مناطق نفوذ تسيطر عليها قوى إقليمية ودولية.

يواجه الرئيس المؤقت أحمد الشرع مهمة شاقة في الحفاظ على توازن دقيق بين تيارات داخلية متباينة وضغوط خارجية متصاعدة. فعلى الصعيد الداخلي، عليه التوفيق بين الإسلاميين الأيديولوجيين، الذين ينظر بعضهم بريبة إلى خطابه البراغماتي وتحركاته الدبلوماسية، وبين تطلعات الشارع السوري، والمجتمع الدولي.

إعادة إعمار سوريا تتطلب تمويلاً ضخماً، لكن المانحين الدوليين قد يربطون تقديم المساعدات بتحقيق معايير الحكم الرشيد والانفتاح السياسي. وفي ظل هذه الشروط، يجد الشرع نفسه مضطراً للتحرك في اتجاهين متوازيين: الاستجابة الفورية لاحتياجات السكان الأساسية كالغذاء والكهرباء، والتحرك بحذر لتأسيس عملية سياسية تحظى بشرعية واسعة وتوافق وطني.

وفي موازاة ذلك، عليه فرض الأمن وضمان محاسبة من يرتكب انتهاكات بحق المدنيين، سواء من صفوف المتمردين أو من القوات التابعة للسلطة الجديدة. وقد كشفت أحداث مارس/آذار عن خطورة تجاوزات بعض الميليشيات الموالية للحكومة المؤقتة، التي ارتكبت فظائع خلال اشتباكاتها مع عناصر النظام السابق، ما يهدد بتقويض شرعية القيادة الجديدة.

وفي الوقت نفسه، تتعقد المعادلة أكثر بتدخلات خارجية، أبرزها توغّل الجيش الإسرائيلي في جنوب سوريا، ما يفرض على حكومة الشرع التعامل بحكمة مع بيئة إقليمية شديدة التقلّب والتداخل.

أي تعثّر في أحد المسارات الحيوية—سواء الأمن، أو الخدمات، أو التمثيل السياسي—قد يزجّ الحكومة المؤقتة في دوامة قاتلة. إذ سيؤدي تدهور الأوضاع الأمنية، وتراجع الخدمات الأساسية، واستمرار الإقصاء السياسي، وتصاعد انتهاكات حقوق المدنيين، إلى نشوء تمردات جديدة، ما يعمّق حالة عدم الاستقرار. وفي ظل هذه الظروف، ستتلاشى فرص الحصول على دعم خارجي فعّال لإعادة إعمار البلاد.

وإذا استمر تدهور الوضع المعيشي وازداد فقر السكان، فقد تنشأ مظالم جديدة تعيد إشعال جذوة الغضب الشعبي. مثل هذا السياق لن يمر دون استغلال من أطراف خارجية، قد تجد في الفوضى فرصة لتحقيق مصالحها على حساب سيادة الحكومة المؤقتة ووحدتها.

في هذا السيناريو القاتم، يصبح من الصعب تخيّل سوريا كدولة مستقرة، أو حتى كدولة موحّدة. والنتيجة المرجّحة: تفكّك طويل الأمد وعودة محتملة إلى أتون الحرب الأهلية.

تعوّل دمشق على تخفيف العقوبات الغربية ودعم مالي من الدول الغربية والخليجية، باعتبارها المصادر الأساسية للمساعدة العاجلة والاستثمار طويل الأمد. غير أن العقبات لا تزال كثيرة. فالغرب، المتوجّس من الخلفية الجهادية لهيئة تحرير الشام، قد يربط تخفيف العقوبات بشروط سياسية لا تمتّ بصلة إلى أهدافها الأصلية. وإن جاءت هذه الشروط تعجيزية، فقد يجد القادة الجدد أنفسهم أمام خطر تعميق الأزمة الاقتصادية بدل معالجتها.

وفي هذا السياق، يبدو أن الطريق نحو التعافي سيكون شاقًا، لكنه قابل للتحقق إذا أظهر القادة الجدد التزامًا حقيقيًا بالشفافية، واعترفوا بضرورة الإصلاح في مجالات شتّى: من توسيع قاعدة المشاركة السياسية، إلى ضبط الانفلات في صفوف القوى الأمنية الوليدة. كما أن اللقاءات التي عُقدت بالفعل مع كبار المانحين يجب أن تكون مقدمة لجهود دبلوماسية أوسع لكسب ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين، وتقديم حجج قوية لدعم التجربة الجديدة في سوريا.

على الجانب الآخر، تقع على عاتق المانحين مسؤولية توضيح شروط دعمهم، والتي ينبغي أن تشمل المساهمة في إعادة بناء البنية التحتية الحيوية، وتقديم إعفاءات من العقوبات على الأقل، إن لم يكن تخفيفها الشامل. كما يجب استخدام النفوذ الدبلوماسي الغربي والخليجي للحد من تدخل القوى الخارجية التي قد تسعى لاستغلال هشاشة الدولة السورية الجديدة لأهدافها الخاصة.

أما في حال تخلّف المجتمع الدولي عن تقديم الدعم، أو تأخره غير المبرر، فإن هذه المحاولة النادرة والواعدة لإعادة بناء الدولة في الشرق الأوسط قد تنتهي إلى فشل ذريع، مع عواقب وخيمة على الأمن الإنساني والإقليمي.

ثانياً: شهر عسل قصير:

يبدو أن هناك توافقًا نادرًا بين السوريين والمراقبين الأجانب على أن القيادة السورية الجديدة، وعلى رأسها أحمد الشرع – المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني – قد تبنّت خطابًا غير أيديولوجي في تعاطيها مع المرحلة الانتقالية، ما عزز الآمال بإمكان حدوث تحول سياسي حقيقي. حتى أولئك المطلعين على ماضي هيئة تحرير الشام الجهادي لم يخفوا انبهارهم بالتحول الملحوظ في توجهات هذه القيادة.

الأكثر أهمية أن عملية الإطاحة بنظام بشار الأسد تمّت بحدٍّ أدنى من العنف والانتقام، على الأقل في بدايتها. سارعت هيئة تحرير الشام إلى فرض النظام في المراكز السكانية الكبرى، وأظهرت التزامًا واضحًا بالحد من الأعمال الانتقامية، بل وعاقبت من تورطوا في مثل هذه التجاوزات. كما أنشأت حكومة تصريف أعمال ضمّت بعض عناصر “حكومة الإنقاذ” السابقة، التي كانت تدير شؤون محافظة إدلب بحكم الأمر الواقع لسنوات قبل الهجوم الحاسم على النظام.

في إطار سعيها لتثبيت شرعيتها، أطلق الشرع ووزير خارجيته، أسعد الشيباني، حملة دبلوماسية مكثفة لكسب الدعم من القوى الإقليمية والدولية. تمحورت رسائلهم حول طمأنة المجتمع الدولي إلى أن الجهاديين لن يهيمنوا على سوريا الجديدة، وأن البلاد منفتحة على الاستثمار والتعاون، وتحتاج بشكل عاجل إلى دعم اقتصادي لإعادة الإعمار.

وقد وصف أحد المسؤولين في الحكومة المؤقتة هذا التوجه بأنه مزيج من “إطفاء الحرائق وكسر الجمود”، في إشارة إلى الجهود المتزامنة لاحتواء الفوضى ومنع انهيار الدولة.

وكان الظهور العلني لقادة سوريا الجدد في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، بالإضافة إلى مقابلاتهم في وسائل إعلام غربية بارزة، بمثابة رسائل قوية حول أولويات الحكومة المؤقتة: الانفتاح، الاعتدال، وإعادة دمج سوريا في النظام الدولي.

في الأسابيع التي تلت إسقاط النظام، بدأ القادة الجدد أولى خطواتهم نحو بناء هيكل سياسي جديد في سوريا، يهدف إلى إرساء حكومة دستورية منتخبة. ففي 29 يناير/كانون الثاني، نظّمت الفصائل المسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام مؤتمرًا لإعلان “انتصار الثورة السورية”، وشكّل هذا الحدث نقطة تحوّل رسمية في مسار المرحلة الانتقالية.

خلال المؤتمر، تم تعيين أحمد الشرع رئيسًا مؤقتًا للبلاد، في خطوة هدفت إلى توحيد القيادة تحت مظلة واضحة. كما أُصدر مرسوم بتشكيل هيئة تشريعية مؤقتة تضطلع بمهمة إعداد الأرضية القانونية والسياسية للحكم المقبل.

في ذات السياق، تم تعليق العمل بدستور النظام السابق الصادر عام 2012، وحُلّ البرلمان، وأُلغيت الأجهزة الأمنية القديمة، بالإضافة إلى حلّ حزب البعث، وحتى هيئة تحرير الشام نفسها، في خطوة رمزية تهدف إلى طيّ صفحة الماضي والانطلاق نحو دولة مدنية جديدة.

أعلنت القيادة السورية الجديدة عن نيتها عقد مؤتمر حوار وطني في فبراير/شباط، يهدف إلى توسيع المشاركة الشعبية في رسم توجهات البلاد، وحشد التأييد لخارطة طريق انتقالية. من المقرر أن يتبع هذا المؤتمر “إعلان دستوري” مؤقت، يمهّد لتشكيل حكومة جديدة في مارس/آذار، في إطار مسار مؤسسي نحو إعادة بناء الدولة.

في الأسابيع الأولى التي تلت سقوط نظام الأسد في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2024، ظهرت مؤشرات مشجعة على بداية مرحلة مختلفة. أعيد فتح المدارس بسرعة لافتة، في محاولة لإعادة الحياة الطبيعية، ما عُدّ دليلاً على رغبة الحكومة الجديدة في إعادة النظام والاستقرار.

لكن المرحلة لم تخلُ من التحديات. فقد وردت تقارير عن حوادث نهب واختطاف وأعمال عنف، خاصة في المناطق ذات الأغلبية العلوية، بدوافع الانتقام أو نتيجة لجرائم فردية مرتبطة بفوضى ما بعد الحرب. ورغم ذلك، لم تتطور هذه الحوادث إلى اضطرابات مستمرة على نطاق واسع.

خارج العاصمة دمشق، ظل التنقل ليلاً محفوفًا بالمخاطر، حتى بين المدن الكبرى. لكن في دمشق نفسها، وخلال النهار في العديد من المناطق، فرضت هيئة تحرير الشام نوعًا من النظام. والأهم أنها نجحت في فرض هذا الوجود دون لجوء إلى استعراض مفرط للقوة. ففي نهاية فبراير/شباط، على سبيل المثال، كان الطريق الحيوي المؤدي إلى دمشق من الحدود اللبنانية يحتوي فقط على نقطة تفتيش واحدة، يديرها ضابط وحيد يلوّح للسيارات بالمرور – مشهد يوحي بمزيج من الهدوء والرقابة الخفيفة، لكنه يثير أيضًا تساؤلات حول مدى تماسك الأمن على المدى الطويل.

بحلول تلك الفترة، بدأ شعور بالأمان يلوح في الأفق، مما دفع أكثر من 850,000 نازح سوري إلى العودة إلى مناطقهم الأصلية، في حين عاد نحو 270,000 لاجئ من الخارج. كانت هذه العودة مؤشرًا واضحًا على استعادة بعض الاستقرار، وإن كان هشًا، بعد سنوات من النزاع والفوضى.

تعددت المؤشرات الأخرى التي تدل على بداية عملية الانتقال، رغم التحديات المستمرة. فالوقود، رغم تدني جودته، أصبح متوفرًا بوفرة ملحوظة، على الرغم من توقف الواردات الإيرانية بعد انسحاب طهران السريع عقب سقوط نظام الأسد. الحركة المرورية في المدن الكبرى استمرت على حالها، مما يعكس بعض مظاهر الحياة الطبيعية التي كان السوريون قد فقدوها طوال سنوات الحرب.

في منتصف مارس/آذار، أعلنت قطر عن بدء تزويد محطات الطاقة السورية بالغاز الطبيعي عبر الأردن، وهو ما تم بفضل إعفاء أمريكي خاص. هذه الخطوة شكلت إضافة مهمة لاستقرار الطاقة في البلاد في ظل غياب دعم إيران، مما ساعد في تخفيف بعض الأعباء الاقتصادية.

على الرغم من هذه العلامات الإيجابية، كانت الوزارات الحكومية تعمل بكفاءة محدودة، حيث تشير التقارير إلى أن موظفي القطاع العام ما زالوا يتقاضون رواتبهم، وإن كان ذلك يتأخر أحيانًا. لكن هذه الإنجازات، رغم أهميتها، لم تكن سوى جزءٍ من الصورة الكاملة للوضع الراهن.

ثالثًا: تحدّيات جسيمة من الداخل:

هناك جانبٌ أكثر قتامة من الملف، مع قائمةٍ مُقلقةٍ من العوائق التي تعترض التقدّم. أولًا: الخسائر المادّية للحرب الأهلية. أحياءٌ بأكملها في دمشق ومدنٍ أخرى أصبحت أنقاضاً. وبينما أُعِيد فتح العديد من المدارس، لا يزال 30-50% من المباني غير صالحة للاستخدام، بعد أن تضرّرت أو دُمِّرت أو أُعيد استخدامها خلال الحرب.[1] ويُقدّر أن 40-50% من التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و15 عاماً لا يزالون خارج المدرسة.[2] ويُقدِّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التكلفة الإجمالية لإصلاح الدمار الناجم عن الحرب في سوريا بـ 200 مليار دولار.[3] وأشار مسؤولٌ في الحكومة المؤقتة إلى ذلك قائلاً: “لقد ورثنا هيكلاً عظميّاً لبلد”.[4]

ثانياً: الضائقة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد. فالحكومة لا تملك سوى القليل في خزائنها – ولا أملٌ قريبٌ في سدّها. ليس لديها أيّ دخل من النقد الأجنبي، وستواجِه صعوبة في الحصول على المساعدات الخارجية بسبب العقوبات التي فرضها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والدول الغربية، ليس فقط على النظام السابق ومؤسّسات الدولة، بل أيضاً على هيئة تحرير الشام كمنظّمة إرهابية مُصنّفة. وأهم هذه الإجراءات هي تلك التي فرضتها الولايات المتحدة، والتي تُعادل حظراً شبه كامل على الاقتصاد السوري، مع أن الترخيص الأمريكي العام (الذي سنناقشه لاحقاً) يُتيح فرصاً لبعض المعاملات مع المؤسّسات الحاكمة أو المتعلّقة بقطاع الطاقة أو التحويلات المالية. كما هو الحال غالباً، تُؤجّل الحكومات، وخاصةً الشركات الخاصة، مساعدة سوريا خوفاً من مخالفة القانون الأمريكي.[5] على سبيل المثال، أشارت قطر إلى أنها لن تُحوّل أموالاً لدفع رواتب الحكومة السورية ما لم تتلقَّ ضمانات من واشنطن بأن القيام بذلك لن يُخالف العقوبات الأمريكية.[6] وقد التزمت إدارة ترامب الصمت حيال هذه المسألة حتى الآن. والحقيقة المُقلقة هي أن سوريا تُعاني من نقصٍ سريعٍ في الأموال – ليس فقط لإعادة الإعمار، ولكن أيضاً لدفع رواتب موظّفي الدولة ودعم السلع الأساسية.

أزمة السيولة وتأثيراتها الاقتصادية الحادة:

من بين التحديات الاقتصادية العديدة التي يواجهها الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الحرب، تبرز أزمة السيولة كأحد أكثر القضايا إلحاحًا. يعاني المواطنون السوريون من صعوبة كبيرة في سحب الأموال من البنوك، حيث وضع البنك المركزي سقفًا منخفضًا للغاية لسحب الليرة السورية، لا يتجاوز في معظم الأحيان 20-30 دولارًا أمريكيًا في اليوم. هذه السياسة أدت إلى عجز العديد من روّاد الأعمال عن دفع أجور موظفيهم أو تغطية نفقات التشغيل الأساسية، بسبب احتجاز أموالهم في البنوك. كما يشير كثير منهم إلى أنهم غير قادرين على سداد التزاماتهم المالية تجاه الموردين أو الاستمرار في نشاطاتهم التجارية بسبب نقص السيولة.

البضائع التركية الرخيصة، التي اجتاحت الأسواق السورية بعد رفع الحكومة المؤقتة لمعظم الرسوم الجمركية، تُشكّل تهديدًا خطيرًا على الشركات الصغيرة المحلية، التي تجد صعوبة في منافسة المنتجات التركية ذات الأسعار المنخفضة. يُضاف إلى ذلك أن الشركات السورية تفتقر إلى القدرة على التوسع أو الاستثمار في إنتاج سلع محلية بسبب غياب التمويل الكافي. مما يزيد من تعقيد هذه الوضعية هو الركود الاقتصادي الناتج عن التدمير الواسع للبنية التحتية والمرافق الصناعية في البلاد.

الضغط على الحكومة: نقص في الموارد وارتفاع الطلب على الدعم:

في ظل هذا المناخ الاقتصادي الصعب، يزداد الضغط على الحكومة المؤقتة لتوفير الدعم للقطاعات المتضررة وللمواطنين، ولكنها تجد نفسها في وضعٍ لا يمكنها فيه تلبية هذه المطالب بسبب نقص الموارد. من بين الخيارات التي قد يلجأ إليها السوريون، أن يطلبوا الدعم المباشر من الدولة، وهي خطوة قد تكون صعبة جدًا في ظل العجز المالي.

بالإضافة إلى ذلك، حملة التجنيد الجديدة في الجيش والشرطة، التي لاقت استجابة قوية من المواطنين، تُضيف عبئًا إضافيًا على خزينة الدولة، حيث ستحتاج الحكومة إلى توفير الأموال اللازمة لدفع الرواتب لهذه القوات الأمنية المتزايدة. ويشكل ذلك ضغطًا إضافيًا على الميزانية المتعثرة، في وقتٍ تعاني فيه الحكومة من نقص حاد في السيولة.

التحديات المرتبطة بالعودة الجماعية: مع عودة مئات الآلاف من النازحين السوريين، تضاف إلى الحكومة أعباء جديدة تتعلق بـ إعادة التوطين و التوظيف. تعود هذه التكاليف إلى الحكومة المؤقتة في وقتٍ تشهد فيه البلاد أزمة مالية خانقة، مما يجعل من الصعب عليها توفير الفرص الاقتصادية اللازمة لاستيعاب هذه الأعداد الكبيرة من العائدين.

مشكلة غياب الكفاءة في عملية صنع القرار:

تواجه الحكومة المؤقتة تحديًا كبيرًا يتمثل في افتقارها للقدرة والكفاءة في إدارة شؤون البلاد، وهو ما تفاقم بسبب بعض القرارات التي تم اتخاذها في بداية فترة الحكم. على الرغم من أن الحكومة المؤقتة تسعى إلى تشكيل دولة قابلة للبقاء، إلا أن عملية صنع القرار لا تزال تقتصر على مجموعة صغيرة جدًا من الأشخاص المقربين من رئيس الحكومة المؤقتة، أحمد الشرع. هذا النقص في المشاركة الواسعة من النخب السياسية والاقتصادية السورية أدى إلى اتخاذ قرارات قد تكون غير مدروسة أو غير متوافقة مع احتياجات البلاد.

الخلل في تعيين الموظفين والافتقار إلى الخبرة:

من بين التحديات التي تواجه الحكومة، كان انعدام الثقة بالموظفين الحكوميين في الوزارات والمؤسسات الأخرى، مما دفع القادة الجدد إلى إقالة العديد من موظفي الخدمة المدنية واستبدالهم في بعض الأحيان بأشخاص من حكومة الإنقاذ في إدلب. إلا أن هؤلاء الموظفين الجدد، بالرغم من ارتباطهم بالحكومة السابقة، يفتقرون إلى الخبرة اللازمة لإدارة الأجهزة الحكومية المركزية المعقدة. ويؤدي هذا إلى تدهور الكفاءة في العمل الحكومي، مما يعوق القدرة على تنفيذ سياسات فعالة في ظل الأزمات العديدة التي تواجهها البلاد.

الإصلاحات المُتسرّعة: تعيينات مشبوهة وأخطاء في اختيارات المناصب

في بداية تشكيل الحكومة، تم تعيين العديد من الإسلاميين المحافظين في مناصب مهمة، بما في ذلك القضاة ووزير العدل. من بين هؤلاء كان وزير العدل الذي أصبح مثارًا للجدل بعدما أشرف على إعدام امرأتين في إدلب بتهمة “الدعارة”. كان هذا الموقف بمثابة خطأ جسيم في وقتٍ حساس، وهو ما أضرّ بشكل كبير بسمعة الحكومة المؤقتة في نظر المجتمع المحلي والدولي. كما تم تعيين شخصيات أخرى ذات توجهات أيديولوجية متشددة، مثل شخص خُفضت رتبته لاحقًا لدعوته إلى تقييد دور المرأة في المجتمع، مما أثار مخاوف واسعة بشأن حقوق الإنسان في ظل الحكومة الجديدة.

محاولات الإصلاح والدفاع عن السياسات:

رغم هذه الأخطاء، سعت الحكومة المؤقتة إلى تصحيح ما يمكن تصحيحه من هذه القرارات الخاطئة، لكنها دافعت في الوقت ذاته عن اختياراتها في بعض الحالات. حيث أكّدت أنها اختارت أفرادًا من حكومة الإنقاذ في إدلب لضمان حكم أكثر فعالية في هذه المرحلة الحرجة، مشيرةً إلى أن تعيين مسؤولين من داخل الدائرة نفسها سيسهم في إدارة شؤون الدولة بشكل أكثر تجانسًا و استقرارًا.

صعوبات الحكومة المؤقتة في تنفيذ المهام الإدارية:

تواجه الحكومة المؤقتة تحديات كبيرة في تنفيذ المهام الأساسية والملحة التي تتطلب إشرافًا فعالًا وكوادر مؤهلة. بينما يسير نظام التعليم (بالمناطق التي لم تتضرر) بشكل جيد نسبيًا، وتظل بعض الخدمات الصحية الأساسية متوفرة، إلا أن العديد من القطاعات الأخرى لا تزال تواجه صعوبات جمة في التعامل مع الاحتياجات اليومية. يعتبر إصلاح قطاع الطاقة، على سبيل المثال، من بين المهام التي لا تزال متعثرة.

تأثير الفصل الجماعي للموظفين على القطاع الحكومي:

أحد الأسباب الرئيسية لهذه الصعوبات هو أن الحكومة المؤقتة قد اتبعت سياسة فصل جماعي للموظفين في المؤسسات الحكومية، وهو ما أضرّ كثيرًا بقدرة الحكومة على تشغيل الأجهزة الحيوية بكفاءة. الفصل لأسباب غير مهنية، مثل العلاقات الزوجية مع ضباط أمن النظام السابق، فاقم الوضع، حيث تم اتخاذ قرارات فصل بناءً على علاقات شخصية دون وجود دليل ملموس على ارتكاب المخالفات. هذا النهج أدى إلى فراغ كبير في الكوادر المؤهلة، مما أثر سلبًا على أداء المؤسسات الحكومية.

تأثير نقص الكوادر الفنية والطبية على الخدمات

في بعض القطاعات الهامة مثل محطات الطاقة، أقدمت الحكومة المؤقتة على تسريح العديد من الخبراء الفنيين، وهو ما تسبب في تباطؤ أداء محطات الطاقة التي تعتبر أساسية لتأمين احتياجات المواطنين. هذا الأمر، بالإضافة إلى نقص الكوادر الطبية، أدى إلى تحديات كبيرة في تقديم الخدمات الصحية في العديد من المناطق، وخاصة في المناطق التي كانت أكثر تضررًا من الحرب.

الأثر السلبي على الأمن وإنفاذ القانون:

ربما يكون أكبر التحديات التي تواجهها الحكومة المؤقتة هو تسريح الشرطة المحلية، وهو ما أدى إلى تدهور كبير في إنفاذ القانون في بعض المناطق. هذا الانخفاض في القدرة على الحفاظ على النظام والأمن قد يُسهم في انتشار الفوضى وزيادة معدلات الجريمة، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي في البلاد.

تتعلق المجموعة الرابعة من التحديات التي تواجه الحكومة المؤقتة بالأمن، وهو أمر بالغ الأهمية لفرض الاستقرار في البلاد. رغم الخطوات التي اتخذتها السلطات لاستعادة الهدوء في بعض المناطق، بما في ذلك الساحل السوري الذي يقطنه معظم العلويين، فإن الأمن لا يزال هشًّا في بعض المناطق الأخرى.

مشاكل القتل والاختطاف:

على الرغم من جهود الحكومة، لا تزال عمليات القتل والاختطاف، سواء بدوافع الانتقام أو طلب الفدية، تحدث في بعض المناطق، مثل حمص. هذه الأعمال الإجرامية تؤثر بشكل كبير على الاستقرار الاجتماعي وتزيد من شعور السكان بعدم الأمان، ما يجعل من الصعب على الحكومة فرض النظام بشكل فعّال في كل أنحاء البلاد.

عواقب عدم القدرة على فرض النظام:

إذا فشلت الحكومة المؤقتة في فرض النظام بشكل منتظم، أو لم تتمكن من الاستمرار في دفع رواتب موظفي القطاع العام بشكل منتظم، فإن الأوضاع الأمنية قد تتفاقم. الإفقار الجماعي الذي يهدد شرائح واسعة من السكان، وخاصة في المناطق الريفية التي تعاني من نقص حاد في الموارد، قد يؤدي إلى اندلاع احتجاجات أو أعمال شغب بسبب ندرة الخبز أو غيرها من المواد الأساسية.

تهديدات الشغب والعنف:

في ظل هذه الظروف الصعبة، فإن قوات الأمن غير المدربة قد تجد نفسها غير قادرة على التعامل مع الاحتجاجات بشكل فعال. هذا من شأنه أن يؤدي إلى تصاعد العنف وتكرار دورات من القمع، حيث تحاول القوات فرض الأمن بالقوة، مما يفاقم حالة الفوضى والعنف في البلاد.

يتزايد خطر تصاعد العنف بشكل خاص في المناطق ذات الأغلبية العلوية على طول الساحل والجبال المجاورة، حيث تأثرت هذه المناطق بشكل غير متناسب بالتسريح الجماعي لقوات الأمن التابعة للنظام السابق. قد يستغل المتمردون المحتملون غياب قنوات الاتصال بين القيادة الجديدة والأقليات في هذه المناطق للترويج لحملات تضليل وإثارة الخوف، بما في ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما يمكنهم استغلال المظالم الطائفية في الاحتجاجات الاجتماعية، مما يؤدي إلى تأجيج العنف وخلق أزمة أكثر تعقيداً. في أيام مارس/آذار الأولى، ظهرت بوادر تمرد ناشئ في المجتمع العلوي. ففي 6 مارس/آذار، شنّت الفصائل شبه العسكرية الموالية للنظام المخلوع هجمات منسقة على قوات الأمن المنشأة حديثاً في جبلة وبانياس، وهما بلدتان على الساحل السوري. أدّت هذه الهجمات إلى هجوم مضاد سريع وفوضوي من قبل قوات الأمن وفصائل مسلحة أخرى تدعم الحكومة، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني في المنطقة.

أرسلت دمشق قوات عسكرية متخصصة إلى المنطقة، ولكن سرعان ما تبعتها جماعاتٌ نُظِّمت عشوائيًا في ظل الهيكل الجديد، بما في ذلك عناصر أجنبية وفصائل متورطة في العنف الطائفي خلال الحرب الأهلية. في القتال العنيف الذي تلا ذلك، قُتل العديد من أفراد الأمن، بالإضافة إلى العديد من المهاجمين الأصليين، بما في ذلك من خلال إجراءات إعدام موجزة. تشير التقارير إلى أن مئات المدنيين، بمن فيهم نساء وأطفال، لقوا حتفهم في مذابحٍ داخل منازلهم وقراهم على يد جماعات مسلحة تابعة للحكومة، وإن لم تكن تحت سيطرتها الكاملة. وقد يؤدي وقوع المزيد من هذه الحوادث إلى توتُّر استقرار سوريا إلى ما بعد نقطة الانهيار، مما يفاقم التوترات ويُؤجِّج المزيد من التمرد وتجدُّد الصراع الطائفي.

يُمثل الشمال الشرقي مشكلةً شائكةً أخرى، وإن كانت قد شهدت تطوّراتٍ مُشجعة في فبراير/شباط ومارس/آذار. يتصاعد الصراع بين الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا – وهو مجموعةٌ من الجماعات المسلحة – وقوات سوريا الديمقراطية (SDF) التي يقودها الأكراد منذ سقوط الأسد، مما أسفر عن سقوط مئات القتلى. يدور النزاع حول مستقبل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية الكردية في سوريا الجديدة، بالإضافة إلى جهود تركيا المستمرّة منذ أربعة عقود لقمع حزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي تُصنّفه أنقرة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كمنظمة إرهابية، والذي تُعدّ قوات سوريا الديمقراطية فرعاً سورياً منه.

قد تُسهم الأحداث الأخيرة في التوصّل إلى حل. ففي أواخر فبراير/شباط، دعا زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، الجماعة إلى حلِّ نفسها، وهو تطوّر قد يُساهم في تبديد تصوّرات أنقرة للتهديد المرتبط بقوات سوريا الديمقراطية، مما قد يقلّل من احتمالية نشوب مواجهة مسلّحة جديدة بين الطرفين. وبعد يومين، ردّت قيادة حزب العمال الكردستاني المتمركزة في جبال قنديل شمال العراق بإعلان وقف إطلاق نار من جانب واحد في صراع الجماعة مع أنقرة، الذي أودى بحياة عشرات الآلاف منذ عام 1984. ثم، في 10 مارس/آذار، وقّعت الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية اتفاقاً وافقت بموجبه الأخيرة على الاندماج في مؤسسات الدولة الجديدة بحلول نهاية عام 2025.

مع ذلك، لا يزال الوضع محفوفاً بالمخاطر. فبينما تجري محادثات مع قوات سوريا الديمقراطية، يبدو أن دمشق إما غير قادرة أو غير راغبة في إصدار أوامر لـ الجيش الوطني السوري بوقف الهجمات. جزء من التحدّي يكمن في أن حل المشكلة في الشمال الشرقي مرتبطٌ إلى حدٍ ما بـ الصراع مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، وبالتالي ليس حكراً على دمشق وقوات سوريا الديمقراطية.

من السابق لأوانه التفاؤل بشأن إحراز تقدّم جَدّي على هذه الجبهة. هناك اعتبار آخر يتمثل في أن دمشق وقوّات سوريا الديمقراطية تنظران إلى بعضهما البعض على أنهما ضعيفتان.[7] ويعتقد كلٌ منهما أن الوقت في صالحه، وقد يصمد في محاولةٍ لكسب تنازلات الطرف الآخر إلى أقصى حد، تاركاً مسألةً بالغة الأهمّية لمستقبل الدولة السورية تتفاقم.

علاوةً على ذلك، تتنافس قضايا أخرى على اهتمام الحكومة المؤقتة في سوريا، حيث أشار أحد المسؤولين الحكوميين إلى أن الشمال الشرقي يُمثّل أولويةً أقل في الوقت الحالي مقارنة بأمن حمص والمناطق الحساسة الأخرى مثل دمشق وحلب، التي ما زالت تمثل تحديات أكثر إلحاحًا. ورغم أن الشمال الشرقي يعتبر منطقة استراتيجية، فإن التركيز الحالي منصب بشكل أكبر على إعادة الاستقرار في المناطق الأكثر تضرراً من النزاع، التي شهدت نزاعات طائفية وتدمير للبنية التحتية. ومع ذلك، فإن تأخير معالجة الوضع في الشمال الشرقي بشكل جاد قد يكون له عواقب وخيمة على استقرار الدولة. فالفشل في التوصل إلى حل وسط عملي بشأن درجة لامركزية السلطة في المنطقة قد يؤدي إلى استمرار القتال بين الفصائل المتناحرة في الشمال الشرقي، وفي أسوأ الأحوال، قد يؤدي إلى ضعف تماسُك الدولة ككل، مما يعمق الأزمات الداخلية.

كما أن الوضع في الشمال الشرقي لا يُقتصر فقط على الشأن الداخلي السوري، حيث تظل هناك احتمالات كامنة أخرى قد تُضيف طبقة جديدة من عدم الاستقرار. على وجه الخصوص، في حال حدوث انسحاب متسرّع للقوات الأمريكية من هذه المنطقة، وهو ما قد يحدث في أي وقت، فإن هذا قد يُسهم في تصعيد الصراع هناك بشكلٍ غير متوقع. إذا فشلت جهود السلام بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني (PKK)، فقد يتطور الأمر إلى توغّل تركي إضافي في الشمال الشرقي السوري من أجل سحق قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، التي تمثل فرعًا سوريًا لحزب العمال الكردستاني. هذا التصعيد قد يؤدي إلى مزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي في المنطقة.

تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تحتفظ بنحو 2000 جندي في سوريا، جزء من مهمتها المستمرة لمكافحة تنظيم داعش، حيث تواصل واشنطن استخدام القوة الجوية ضد أهداف داعش في المنطقة. كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب قد حاولت خلال ولايته الأولى تقليص القوات الأمريكية في سوريا، غير أن هذه الخطط جوبهت بمعارضة شديدة من داخل البنتاغون وجماعات أخرى، ما أدى إلى تعليق سحب القوات. الآن، تشير التصريحات الأمريكية إلى أن القوات الأمريكية قد تُغادر سوريا خلال العام المقبل، حيث يعمل البنتاغون على تطوير خيارات للانسحاب، الأمر الذي قد يُساهم في تفاقم حالة الفوضى الأمنية في المنطقة، خاصةً في ظل غياب اتفاق سياسي شامل بين جميع الأطراف المعنية.

رابعاً: الجهات الخارجية: هل هي مفيدة أم ضارّة؟

شكل سقوط نظام الأسد انتكاسة كبيرة لإيران وروسيا، حيث خسرت كل منهما إحدى أكبر حلفائها في المنطقة. ففي أعقاب سقوط النظام، سحبت إيران معظم أفرادها من القوات العسكرية والميليشيات التابعة لها مثل الميليشيات العراقية واللبنانية والأفغانية، التي كانت قد انتشرت لدعم الأسد في مواجهة المعارضة. أما القوات الروسية، التي كانت قد لعبت دورًا محوريًا في دعم النظام السوري، فبقيت في سوريا لكن بأعداد أقل، حيث أعادت انتشارها في قاعدتها البحرية في طرطوس ومطار حميميم، مع استمرار وجودها بشكل أقل وضوحًا في مناطق أخرى. وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنف مستقبل الوجود الروسي في سوريا في ظل الحكومة المؤقتة، فقد سمحت الأخيرة للقوات الروسية بالبقاء في البلاد بشكل مؤقت، في خطوة تعكس الحرص على الحفاظ على علاقات مستقرة مع موسكو في الفترة الراهنة.

من جهة أخرى، يوفر استمرار الوجود الروسي في سوريا ميزة استراتيجية بالنسبة للحكومة المؤقتة، خصوصًا فيما يتعلق بالأسلحة. فترسانة الجيش السوري المتبقية تحتوي بشكل كبير على أسلحة من الحقبة السوفييتية، مما يجعل استمرار العلاقات مع روسيا أمرًا ضروريًا للحفاظ على القدرة الدفاعية للبلاد في المرحلة المقبلة. كما أن الليرة السورية تُطبع في روسيا، مما يزيد من أهمية العلاقة المالية بين البلدين.

ومع ذلك، فإن استعداء روسيا قد يكون مكلفًا للغاية، خصوصًا في ضوء النفوذ السياسي الذي تحتفظ به موسكو. فلدى روسيا الحق في النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، وهو ما يمكن أن يكون له تأثير بالغ في محاولات تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا. إلى جانب ذلك، تمتلك موسكو شبكة واسعة من الوكلاء والإمكانات الإعلامية التي يمكن أن تُستغل لتوجيه السرد الإعلامي العالمي لصالحها، مما يزيد من تعقيد الموقف في سوريا ويعقد محاولات الحكومة المؤقتة لتحسين العلاقات مع الدول الغربية أو تغيير وضعها السياسي.

مع فقدان إيران وروسيا نفوذهما في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، ازداد نفوذ تركيا بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. منذ عام 2017، كانت أنقرة تلعب دورًا محوريًا في الشمال السوري، خاصةً في منطقة إدلب، التي كانت تعتبر آخر معقل كبير للمجموعات المعارضة في سوريا. وقد أسست هيئة تحرير الشام وجودًا شبه مستقل في هذه المنطقة، حيث تمكنت من فرض سيطرتها على أجزاء واسعة من إدلب، وهو ما جعلها قوى فاعلة في المعادلة السورية.

تركيا كانت قد دخلت إلى إدلب في عام 2017، ومنذ ذلك الحين، حافظت على طوق أمني على طول الحدود الجنوبية. هذا الوجود العسكري التركي كان ضروريًا في منع أي هجوم روسي-سوري شامل على المنطقة، مما ساعد في الحفاظ على استقرار نسبي هناك في مواجهة التهديدات المباشرة من النظام السوري والقوات الروسية. تركيا، من خلال هذا التواجد العسكري، عززت من نفوذها على هيئة تحرير الشام، التي تُعد واحدة من أكبر المجموعات المسلحة في المنطقة، بالإضافة إلى أنها كانت تسعى للتعامل مع الهيكل السياسي والأمني في المنطقة لتحقيق مصالحها الأمنية في الشمال السوري.

باختصار، مع فقدان كل من إيران وروسيا لجزء كبير من نفوذهما في سوريا، أصبحت تركيا القوة الإقليمية الأكثر تأثيرًا في الشمال السوري، حيث قامت بتعزيز علاقاتها مع هيئة تحرير الشام وضمنت استمرار السيطرة على المناطق الحيوية على الحدود التركية السورية، مما جعلها عنصرًا أساسيًا في الديناميكيات الأمنية والسياسية في سوريا.

عندما سيطرت هيئة تحرير الشام على سوريا، سارعت أنقرة إلى التفاوض مع السلطات الجديدة في محاولة لتأمين مصالحها الاستراتيجية في البلاد. أرسلت تركيا وزير خارجيتها ورئيس جهاز استخباراتها إلى سوريا بهدف بناء علاقات مع القيادة الجديدة، وهو ما يعكس أهمية تركيا في المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد. وقد كانت أنقرة تدرك جيدًا أن مرحلة ما بعد الأسد ستكون مليئة بالتحديات، خصوصًا فيما يتعلق بحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية.

في الوقت نفسه، تمكّنت تركيا من ممارسة ضغط جديد على قوّات سوريا الديمقراطية (SDF) في الشمال الشرقي من البلاد، حيث دعمت الجيش الوطني السوري في تقدمه العسكري نحو منبج. هذه الخطوة كانت جزءًا من محاولة تركيا لتقليص نفوذ الأكراد في المنطقة، في وقت كانت فيه قوّات سوريا الديمقراطية تتعرض لضغوطات عسكرية من المتمرّدين المدعومين من تركيا وكذلك لضغوط سياسية من الحكومة المؤقتة في دمشق.

قوّات سوريا الديمقراطية، التي كانت تعتبر لاعبًا رئيسيًا في الشمال السوري، تجد نفسها في وضع ضعيف أمام هذه التحديات العسكرية والسياسية. ففي الوقت الذي تُضيّق فيه جبهات القتال من قِبل المجموعات المدعومة من تركيا، فإن هذه القوات تتعرض أيضًا لضغوطات سياسية من حكومة دمشق المؤقتة التي تسعى إلى تعزيز سلطتها على المناطق التي تحتفظ بها قوّات سوريا الديمقراطية.

ومع ذلك، على الرغم من هذه الضغوط المتزايدة، تشير التطورات الأخيرة إلى أن هناك بعض الفرص لتهدئة هذه النقطة الساخنة. ففي مارس/آذار، تم التوصل إلى اتفاق بين الحكومة المؤقتة وقوّات سوريا الديمقراطية يقضي بأن تندمج قوّات سوريا الديمقراطية تدريجيًا في المؤسسات الحكومية الجديدة بحلول نهاية عام 2025. إلا أن الوضع لا يزال هشًا، ويظل خطر التصعيد العسكري والسياسي قائماً ما لم يتم التوصل إلى حلول شاملة تأخذ بعين الاعتبار مطالب جميع الأطراف.

تُعقّد العمليات الإسرائيلية في سوريا ما بعد الأسد الديناميكيات الإقليمية أكثر. ففي أعقاب سقوط النظام مباشرة، توغلت القوات الإسرائيلية وراء خط فك الاشتباك لعام 1974، الذي يفصل مرتفعات الجولان السورية المحتلة عن بقية سوريا، واحتلت أراضٍ إضافية لتحويلها إلى منطقة عازلة. هذا التوغل لا يعد مجرد توسيع للنفوذ العسكري الإسرائيلي في المنطقة، بل يهدف أيضًا إلى ضمان أمنها القومي في ظل الفوضى السائدة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

في الوقت نفسه، نفذت الطائرات الحربية الإسرائيلية ضربات جوية استهدفت القوات الجوية والبحرية السورية، بالإضافة إلى مخابئ أسلحة في جنوب سوريا. كانت هذه العمليات جزءًا من استراتيجية إسرائيل المستمرة لضمان عدم تمكين حزب الله أو أي جماعات إيرانية من إقامة قاعدة عسكرية بالقرب من الحدود الإسرائيلية. هذا الوضع يعكس رغبة إسرائيل في تحجيم أي تهديدات أمنية قادمة من الجنوب السوري، وتفادي تكرار سيناريوهات مشابهة لتلك التي شهدتها في حرب 2006 مع حزب الله اللبناني.

وفي أواخر شباط/فبراير، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحذيرًا شديد اللهجة إلى الحكومة المؤقتة في سوريا، حيث حذر من نشر قواتها أو مقاتلي هيئة تحرير الشام في الجنوب، مُدّعيًا أن الهدف هو حماية السكان الدروز في سوريا. وقد هدد نتنياهو بمهاجمة أي جهة قد تهدد حياة الدروز في المنطقة، في خطوة تهدف إلى تأكيد السيطرة الإسرائيلية على هذا الملف. كما كانت إسرائيل تطالب بنزع السلاح الكامل من المناطق الواقعة جنوب دمشق، في محاولة لتحجيم النفوذ العسكري والجماعات المسلحة التي قد تشكل تهديدًا لها.

من خلال تصريحاتها وأفعالها، بدا أن إسرائيل تسعى إلى سوريا ضعيفة ولامركزية، تكون فيها الهيمنة التركية محدودة على الأقل في الجنوب. لم تجد إسرائيل أي مقاومة حقيقية من واشنطن على هذه العمليات. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة مغايرة في مناطق أخرى من سوريا، يبدو أن هناك توافقًا ضمنيًا في مسألة تعزيز النفوذ الإسرائيلي في المناطق الجنوبية.

إلى أي مدى ستتوغّل إسرائيل في الأراضي السورية ليس أمرًا واضحًا، حيث أن خطواتها القادمة في هذا السياق ما زالت غير محددة بدقة. ورغم أن الرسائل التي تصدر عن القادة الإسرائيليين ليست دائمًا متسقة تمامًا، فإن زعماء الدروز السوريين قد أبدوا في عدة مناسبات رفضهم الحماية الإسرائيلية. بل أكثر من ذلك، أشاروا إلى أنهم لا يريدون أن تكون سوريا مقسمة إلى كانتونات طائفية أو عرقية، مؤكدين تمسكهم بوحدة الدولة السورية.

في هذا السياق، أعلن الزعماء الدروز التزامهم بدولة علمانية قائمة على سيادة القانون، دون اللجوء إلى المنطق العرقي أو الطائفي الذي يساهم في تقاسم السلطة كما في لبنان والعراق. وقد أكد الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز القادة الروحيين للطائفة الدرزية في سوريا، قائلاً: “لا نهتم بدين الرئيس؛ نحن نهتم بطبيعة الدولة”، في إشارة إلى أن المسألة بالنسبة لهم لا تتعلق بمن هو الرئيس أو خلفيته الدينية، بل بنوعية الدولة السورية نفسها وطبيعة نظام الحكم.

وأضاف الهجري في تصريحات أخرى أن سوريا، بالرغم من سقوط النظام، لم تسقط كبلد. وقال: “سقط النظام، وليس البلد، ونحن جزء منه”، في تأكيد على أن الدروز لا يرغبون في الانفصال أو التبعية لأي طرف خارجي، بل يريدون الاستمرار في دعم وحدة سوريا ضمن إطار سياسي دستوري وعلماني.

ورغم هذه التصريحات، فإن الأوضاع على الأرض كانت قابلة للاشتعال، حيث اندلعت اشتباكات بين قوات الحكومة المؤقتة والميليشيات الدرزية في حي جرمانا في دمشق في أوائل مارس/آذار. هذه الاشتباكات أضافت مزيدًا من التعقيد للملف السوري، وقد أثارت التهديدات الإسرائيلية بتحركاتها في المنطقة، ما دفع الحكومة المؤقتة إلى التحرك بسرعة لتهدئة الوضع، وذلك من خلال الدخول في محادثات مع قادة المجتمع الدرزي.

تُلحُّ الولايات المتحدة بشكلٍ كبير على مستقبل سوريا. ففي جلسة استماع مجلس الشيوخ لتثبيت تعيينه، وصف وزير الخارجية ماركو روبيو سوريا بأنها “فرصة” “تستحق الاستكشاف”، وهو تصريح يفتح المجال لتوقعات عديدة حول الموقف الأمريكي في المستقبل. ومع ذلك، لم تُقدّم إدارة ترامب سوى مشاركة ضئيلة في ما يتعلق بالأوضاع السورية، ولم تقدم الكثير من الأدلة حول ما قد تعنيه تصريحات روبيو عمليًا. عوضًا عن ذلك، بدا أن الإدارة الأمريكية في حالة انتظار، مشغولة بأولويات أخرى في السياسة الخارجية، مع ترقبها لخطوات الحكومة المؤقتة في سوريا.

بحلول منتصف مارس/آذار، كانت عملية الانتقال السياسي في واشنطن لا تزال جارية، مع استمرار شغور العديد من الحقائب الوزارية المهمة في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، ما يُضعف بشكل ملحوظ قدرة الولايات المتحدة على تحديد سياستها في سوريا. في ظل هذا الفراغ السياسي، قد يُقوّض التقاعس الأمريكي العملية الانتقالية المتعثرة في سوريا، ويزيد من تعقيد جهودها لتحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة.

وعلى الرغم من هذا التقاعس، تبقى العقوبات الأمريكية تُشكّل عبئًا ثقيلًا على الاقتصاد السوري، حيث تواصل التأثير بشكل مفرط على حياة العديد من المواطنين السوريين، ما دفع شريحة متزايدة من السكان إلى حافة المجاعة. لكن إدارة ترامب تُظهر تشككًا كبيرًا تجاه القيادة الجديدة في دمشق، بالنظر إلى الخشية من جذورها الجهادية، ما يجعل من رفع العقوبات أو حتى تعليقها أمرًا غير مرجح في المدى القريب.

على الرغم من ذلك، ذكر مسؤولو وزارة الخارجية الأمريكية خمسة مجالات رئيسية يتوقعون أن تُحقق فيها الحكومة المؤقتة تقدمًا ملموسًا، وهي المجالات التي يُنتظر منها أن تؤثر بشكل كبير في إمكانية التخفيف من العقوبات المفروضة على سوريا.

تُركز الولايات المتحدة على عدة مجالات أساسية تتعلق بمستقبل سوريا في سياق العقوبات المفروضة عليها. من بين هذه المجالات، دعم الجهود الأمريكية للعثور على المواطنين الأمريكيين المفقودين في سوريا أو رفاتهم، وهو أمر حساس للأمن الأمريكي. كما أن هناك مبادرات لمواجهة إيران في سوريا، خاصةً فيما يتعلق بدعم أنشطة طهران وميليشياتها المسلحة في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى العمل من أجل حكومة شفافة وشاملة في سوريا، وهو أحد المطالب المهمة في المفاوضات المستقبلية.

أحد أولويات الولايات المتحدة الأخرى هو المساعدة في مكافحة داعش، إلى جانب العمل على تفكيك برنامج الأسلحة الكيميائية للنظام السوري السابق. ومع أن دمشق أظهرت بعض التعاون على جميع هذه الجبهات، إلا أن الولايات المتحدة تُشدد على أن السلطات السورية بحاجة إلى أن تُقرن أقوالها بالأفعال في ما يتعلق بالحكومة الشفافة والشاملة، مما يعني أن المطلوب هو أفعال ملموسة لا مجرد تصريحات.

في الوقت ذاته، لم تُبدِ الولايات المتحدة قلقًا واسعًا بشأن رفاهية سوريا أو الوضع الإنساني في البلاد، مما قد يُشير إلى أنها قد تُفضّل إسناد سياستها تجاه سوريا إلى حليفتها إسرائيل. في هذا السياق، أفادت تقارير بأن بعض المسؤولين الإسرائيليين يمارسون ضغوطًا على الإدارة الأمريكية لعدم رفع العقوبات على سوريا، متذرعين بالحاجة إلى الحفاظ على الضغط على دمشق لتحقيق مزيد من التنازلات.

لكن، مسؤول إسرائيلي حاول تهدئة هذه الدعوة بالقول إن هناك “مجالاً للتوضيح”، مشيرًا إلى أن مصلحة إسرائيل تكمن في وتيرة تخفيف العقوبات. وأكد المسؤول الإسرائيلي أنه ينبغي أن يكون هذا التخفيض مشروطًا بالأفعال، معتبرا أنه “يجب أن يعتمد الأمر على الأفعال، لا على الثقة”. وأضاف مسؤول إسرائيلي آخر أن إسرائيل ترغب في فرض شروط صارمة لرفع العقوبات أو تغيير التصنيفات المتعلقة بالإرهاب، مشيرًا إلى أنه “لا يمكن أن يكون هناك غداء مجاني للنظام الجديد في دمشق”.

وفي هذا الإطار، قد تُحاول إسرائيل فتح باب مفتوح مع واشنطن للمساهمة في تحديد الشروط التي يجب أن تلتزم بها دمشق مقابل أي تخفيف للعقوبات.

من جانبها، قد تُثبت الدول الأوروبية مرونة أكبر في علاقاتها مع القيادة الجديدة في دمشق مقارنةً بالولايات المتحدة. فقد بدأ الاتحاد الأوروبي في اتخاذ خطوات لتخفيف بعض العقوبات المفروضة على سوريا، حيث علّق العقوبات القطاعية المتعلقة بـ الطاقة و النقل و الخدمات المصرفية. كما أزال العديد من البنوك من القائمة السوداء، وأصدر استثناءات من حظر العلاقات المصرفية بين البنوك السورية والأوروبية، بالإضافة إلى تمديد إعفاء إنساني بشكل دائم. هذه التحركات تشير إلى أن الاتحاد الأوروبي يعتقد أن تخفيف العقوبات قد يُسهم في تعزيز الاستقرار في سوريا.

في أعقاب اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في 17 مارس/آذار، والذي جاء بعد أعمال العنف في الساحل العلوي، اقترحت الممثلة العليا كايا كالاس أن تخفيف العقوبات قد يكون حلاً مهمًا لتحقيق الاستقرار، قائلةً: “إذا أردنا منع المزيد من العنف، فعلينا أن نمنح الناس الأمل في سوريا”. وهذا التصريح يعكس الرغبة الأوروبية في تقديم بعض المرونة في التعامل مع دمشق لتحقيق أهداف سياسية وإنسانية، مثل منع التصعيد و تحقيق الاستقرار في البلاد.

المملكة المتحدة بدورها اتخذت خطوات مماثلة، وإن كانت على نطاق أصغر، لدعم النظام الجديد في دمشق. لكن، من المهم الإشارة إلى أن هذه الإجراءات الأوروبية، رغم كونها لافتة، تظل غير ذات أهمية كبيرة مقارنة بما قد تُقدمه الولايات المتحدة في حال قررت تخفيف العقوبات الأمريكية أو رفع بعض القيود. فالتصنيف الأمريكي لـ سوريا كدولة راعية للإرهاب و المنظمات الإرهابية الأجنبية له تأثير أكبر بكثير على الاقتصاد السوري والعلاقات الدولية مقارنة بالتدابير التي اتخذها الاتحاد الأوروبي أو المملكة المتحدة.

خامساً: مخاطر كثيرة ووقت قصير

تشير جميع هذه العوامل إلى أن الحكومة الجديدة في سوريا تواجه مخاطر جسيمة للغاية، وليس أمامها سوى وقت قصير للسيطرة عليها. المؤشرات الحالية تبدو غير واعدة، حيث تبرز بشكل واضح الصعوبة التي تواجهها الحكومة في إدارة شؤون الدولة. وفقًا لرأي مراقب دولي، تظهر السلطات الجديدة بأنها “مسيطرة، لا حاكمة”، مما يعكس ضعف القيادة وتحديات الحكم الفعلي في هذا السياق.

فيما يخص فصل موظفي القطاع العام، استخدمت الحكومة معايير غامضة وغير واضحة، وغالبًا ما كانت هذه القرارات تبدو مرتجلة، مما أضاف مزيدًا من القلق في الشارع السوري حول الشفافية والمصداقية في التعامل مع الموظفين.

أما في قطاع الأمن، فقد قررت الحكومة المؤقتة إرسال جميع أفراد قوات النظام المخلوع إلى بيوتهم، بموجب ما عُرف بـ “إعلان النصر” الذي قضى بحلّ هذه القوات. هذا القرار ترك فراغًا كبيرًا في إدارة الأمن والاستقرار، وهو ما قد يؤدي إلى فوضى أمنية أكبر في المستقبل.

أما مؤتمر الحوار الوطني، الذي كان من المتوقع أن يكون خطوة هامة لتحديد طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، فقد تحول إلى اجتماع متسرع أصدرت فيه الحكومة مزيجًا من التصريحات الرنانة، التي بدت وكأنها معدّة مسبقًا، ولم تحمل أي مضامين حقيقية. في الواقع، كان هذا المؤتمر أشبه بـ ممارسة شكليّة لتمرير قرارات اتخذت مسبقًا، مثل إنشاء لجنة مكلّفة بصياغة “إعلان دستوري”، وتشكيل مجلس تشريعي مؤقّت غير منتخب، وصياغة دستور جديد. ووصف العديد من النقاد هذه العملية بأنها مجرد “ممارسة لوضع علامات على المربعات”، وهو ما يعكس فشلها في تحقيق نقلة نوعية حقيقية في النظام السياسي.

على الرغم من أن بعض المراقبين أشادوا بقيادة الحكومة لدعمها النقاش حول قضايا حسّاسة مثل العدالة الانتقالية، إلا أن غالبية الآراء تشير إلى أن هذه العملية بدت مسرحية هزلية، تفتقر إلى أي جدية أو تصميم على التغيير الفعلي. الناشطون في المجتمع المدني لم يترددوا في وصف هذه الاجتماعات بأنها مجرد تمثيلية تفتقر إلى أي مضمون حقيقي.

إحدى النقاط المثيرة للقلق التي أشار إليها العديد من السوريين هي أن الإعلان الدستوري الذي وقعه الشرع في 13 مارس/آذار قد لا يكون كما وُعد بأن يكون مؤقتًا، بل قد يتحوّل إلى إجراء دائم. هذا يثير المخاوف من أن أي تغيير دستوري قد يبقى فقط شكليًا دون أن يؤدي إلى أي إصلاح حقيقي في هيكل النظام السوري خلال المرحلة الانتقالية، التي يُفترض أن تمتد لخمس سنوات فقط.

تمنح الوثيقة التي أُصدِرت مؤخراً صلاحيات تنفيذية واسعة لـ الشرع، حيث يُمكنه تعيين الحكومة المؤقتة القادمة، وثلث أعضاء البرلمان المؤقت، بالإضافة إلى “لجنة عليا” تُعيّن بدورها الثلثين الآخرين من الأعضاء. هذا التركيز الكبير للسلطة في يد الرئيس يثير القلق لدى بعض السوريين الذين يرون أن النظام الجديد قد يتجه نحو الاستبداد، مما يحدّ من التمثيل السياسي الحقيقي ويُضعف فرص المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات.

حتى الآن، لم تُقنع القيادة الجديدة الجمهور بنواياها الحسنة بشأن هذه المسائل الحاسمة التي تحكم المرحلة الانتقالية. فالتنفيذ الفعلي لهذه القرارات لم يظهر حتى الآن، مما يزيد من الشكوك في مصداقية الحكومة وقدرتها على تلبية تطلعات الشعب السوري نحو العدالة والحرية.

في هذه الأثناء، اتخذت الحكومة خطوات تُقلق المجتمع المدني بشكل كبير. النشطاء في المجتمع المدني يعربون عن مخاوفهم من أن الحكومة لا تنوي إفساح المجال لهم في النظام السياسي الجديد، إلا إذا كانت لديهم سجلات سياسية توافق عليها القيادة. هذه السياسات الصارمة قد تمنع المنظمات المستقلة من لعب دور فعّال في بناء النظام الديمقراطي المستقبلي.

واحدة من الخطوات المثيرة للقلق هي تعليق الحكومة تراخيص جميع المنظمات المسجّلة في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة نظام الأسد سابقاً. كما أصدرت الحكومة أمراً بإعادة التسجيل وفقاً للوائح المعمول بها في إدلب قبل 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. بينما المنظمات المسجّلة في إدلب و/أو التي تعمل عبر الحدود التركية في غازي عنتاب لا تزال تتمتع بحرية العمل في جميع أنحاء سوريا. هذه الخطوات يمكن أن تُعتبر محاولة لتقليص نطاق حرية العمل السياسي للمجتمع المدني، وهو ما قد يثير المزيد من القلق حول استقلالية المؤسسات التي يمكن أن تساهم في إصلاح النظام.

بالمجمل، فإن هذه السياسات التي تحد من حرية العمل السياسي قد تساهم في تقويض الانتقال السياسي الحقيقي في سوريا، مما يعكس مخاوف كثيرة حول مستقبل الديمقراطية و الشفافية في البلاد.

تواجه الحكومة الجديدة في سوريا العديد من التحديات الأمنية التي تمثل مخاطر كبيرة على استقرارها. من أبرز هذه التحديات وجود الفصائل المسلحة غير التابعة لهيئة تحرير الشام، والتي تعمل بشكل مستقل أو بدون تصريح محدد من الدولة. هذا الوضع يساهم في نفور الأقليات في وسط وغرب سوريا، حيث ما زالت قوات الحكومة المؤقتة، المكونة من مقاتلين سابقين في هيئة تحرير الشام الذين أعيد تنظيمهم تحت اسم “الأمن العام”، تُعاني من الإرهاق الشديد. وفي حال فشلت السلطات الجديدة في جعل الفئات السكانية الضعيفة تشعر بمزيد من الأمان، فإن المواطنين قد يتخذون زمام الأمور بأنفسهم، وهو أمر يشكل تهديداً كبيراً للأمن العام. ويزداد الوضع تعقيداً بسبب وجود عشرات الآلاف من أفراد النظام السابق في بعض المناطق، والذين أصبحوا الآن عاطلين عن العمل، ما قد يدفعهم إلى المشاركة في أنشطة تمرد.

أحد العوامل المؤثرة في هذا السياق هو إعادة بناء الجيش، إذ أنه ومع استبعاد عدد كبير من الجنود وضباط الأمن المفصولين، قد يُنشأ مجموعة كبيرة من الرجال المحرومين من حقوقهم، الذين يعانون من السخط الاجتماعي. هؤلاء الأفراد يتمتعون بسهولة الوصول إلى الأسلحة، ولديهم خبرة عسكرية، مما يجعلهم عرضة لأن يصبحوا نواة تمرّد، خاصة في ظل التهديدات الطائفية والصعوبات المادية التي يعانون منها.

علاوة على ذلك، فإن تنظيم داعش، رغم أنه قد تم هزيمته في العديد من المناطق في سوريا، إلا أنه لا يزال بعيداً عن الزوال بشكل كامل. يختبئ داعش في المناطق الصحراوية النائية شرق دمشق (البادية) وحول دير الزور، حيث يستغل الفراغ الجزئي في السلطة لتنظيم صفوفه من جديد. وقد حاول داعش تنفيذ هجمات، بما في ذلك محاولة الهجوم على مرقد السيدة زينب (الشيعي) في 11 يناير. ورغم تراجع قوته إلى حد كبير، إلا أن انعدام الأمن المستمر يزيد من خطر دخول عناصر داعش إلى المدن بقوة.

من خلال هذا السياق، قد يستغل داعش الفوضى المستمرة في البلاد للتوسع مجدداً، تماماً كما حدث في الماضي خلال حرب أهلية سوريا، مما سيُؤدي إلى إضعاف قدرة الحكومة المؤقتة على فرض السيطرة الكاملة على الأراضي السورية.

تُعتبر المقاتلين الأجانب الذين كانوا متحالفين مع هيئة تحرير الشام في الماضي أحد التحديات الأيديولوجية والأمنية التي قد يواجهها الشرع والحكومة الجديدة. هؤلاء المقاتلون، الذين يتضمنون منظّرين متشددين ذوي ميول جهادية، قد لا يُشكّلون تهديداً مباشراً للحكومة المؤقتة، لكنهم قد يصبحون عائقاً كبيراً إذا قرروا الانخراط في العنف ضد الأقليات أو في تحريك العنف الطائفي في مناطق مختلفة من البلاد. مثل هذه الأنشطة قد تزعزع استقرار الحكومة في فترة انتقالية حساسة.

خلال حكم هيئة تحرير الشام لإدلب، كانت قد حاربت تنظيمي القاعدة وداعش، وطردت أو أبعدت العديد من المتشددين الذين كانوا يشكلون تهديداً لها. في هذه العملية، حاولت هيئة تحرير الشام تعزيز مصداقيتها كجهة فعلية وطنية سورية غير جهادية، مع التركيز على مقاومة الجماعات التي تمثل التوجهات الجهادية المتشددة. لكن على الرغم من محاولات التنظيم توطيد سلطته كقوة وطنية، لا يزال هناك شخصيات عنيدة في صفوفه قد لا يتفقون مع استراتيجية الشرع في السعي لتحسين العلاقات مع الغرب، معتقدين أن ذلك قد يتعارض مع النقاء الأيديولوجي الذي يمثلونه.

بعض هؤلاء الأشخاص قد يجدون أنفسهم مهمّشين أو مستبعدين في الجيش الجديد أو من المناصب العسكرية المهمة، مما قد يُشعل الإحباط في صفوفهم. إذا قرر هؤلاء الانفصال أو استخدام النفوذ العسكري الذي ما زال لديهم لتقويض حكومة الشرع، فقد يهدد ذلك استقرار الحكومة المؤقتة ويضعف قدرتها على فرض النظام والسيطرة على المناطق المتنازع عليها. إضافة إلى ذلك، قد يزداد الضغط الأيديولوجي على الحكومة الجديدة، خصوصاً إذا حاولت إرضاء الغرب والتفاعل مع الدول التي تعتبر هذه الجماعات تهديداً أيديولوجياً.

إذن، الوضع في سوريا ليس فقط تحدياً سياسياً وعسكرياً، بل أيضاً أيديولوجياً بحتاً، حيث تتداخل المصالح السياسية مع التوجهات الأيديولوجية، مما يعقد أي جهود للتوصل إلى استقرار دائم في البلاد.

إذا تمكنت السلطات المؤقتة من تلبية احتياجات السكان الأساسية، مثل الغذاء والأمن، قد تتمكن من تقليل التهديدات من المعارضة المسلحة بشكل ملحوظ. فقد يصبح الحرمان والاستياء أقل قوة كمحفزات للتمرد أو التمردات المسلحة إذا شعر السكان بأن احتياجاتهم اليومية قد تم الوفاء بها، وهو ما يمكن أن يُساعد في استقرار النظام السياسي الجديد. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الهدف سيكون صعباً للغاية دون مساعدة خارجية كبيرة، بما في ذلك المساعدات الاقتصادية والإنسانية المستمرة.

العقوبات الغربية، التي تقيّد قدرة الحكومة الجديدة على الحصول على الموارد المالية والاقتصادية، تشكّل عائقاً رئيسياً أمام قدرة الحكومة على تلبية احتياجات الناس الأساسية. قد يتمكن النظام من الاستفادة من المساعدات الطارئة أو مساعدات التعافي المبكر التي قد تستمر حتى في عهد النظام الجديد، ولكن المستقبل يعتمد بشكل كبير على إلغاء أو تعليق العقوبات الغربية بشكل مؤقت، للسماح بتدفق الأموال اللازمة لدعم الرواتب الحكومية، إعادة بناء البنية التحتية الأساسية مثل الكهرباء، و الاستثمار طويل الأجل في إعادة الإعمار.

الاقتصاد غير الرسمي قد يشكل ملاذاً للعديد من السوريين الذين يفقدون وظائفهم في القطاع الرسمي. فكما كان الحال في عهد الأسد، قد يجد العديد من الناس أنفسهم مضطرين إلى الانضمام إلى الاقتصاد غير المشروع بسبب غياب فرص العمل أو استحالة الحصول على دخل ثابت من الأنشطة الاقتصادية الرسمية. ومع استمرار شبكات الاقتصاد غير الرسمي في العمل، قد تزداد الأنشطة غير القانونية، بما في ذلك تهريب المخدرات، مثل الكبتاغون، الذي كان النظام السابق يستفيد من إنتاجه وتهريبه. وعلى الرغم من أن حجم التجارة قد انخفض بعد انهيار النظام، إلا أن هناك احتمالية لانتعاش هذه التجارة إذا استمرت السلطات الجديدة في مواجهة نقص حاد في الموارد.

يُحتمل أن يؤدي الفقر المتزايد إلى دفع المزيد من الأفراد نحو التجارة غير القانونية، بما في ذلك المخدرات، مما يساهم في زيادة الفوضى وتفاقم الأزمات الإنسانية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن غياب الفرص الاقتصادية سيُعزِّز بشكل مباشر التمردات المسلحة، حيث قد يجد العديد من الشبان الذين يعانون من البطالة والفقر أنفسهم في صفوف المعارضة المسلحة كوسيلة للاحتجاج أو تحقيق المكاسب المالية.

بالنسبة للسلطات المؤقتة، فإن الحاجة إلى دعم دولي شامل ودائم ستظل حيوية من أجل تجنب المزيد من التصعيد وتخفيف الضغط الشعبي والمجتمعي، بما في ذلك القضاء على الفقر وخلق فرص العمل وإعادة تأهيل البلاد بعد سنوات طويلة من الصراع.

سادساً: مخرج من المأزق

تواجه القيادة المؤقتة في سوريا تحديات هائلة، حيث تُعدُّ المرحلة الانتقالية مفصلية في تحديد مصير البلاد على المدى الطويل. الحكومة الجديدة بحاجة إلى إرساء الاستقرار و إعادة بناء مؤسسات الدولة بطريقة تُظهر حسن نيتها تجاه التحول السياسي، وضمان توسيع المشاركة السياسية و التمثيل في مؤسسات الحكم. إلا أن الضغوط التي تواجهها من الدول الغربية تبقى مؤثّرة للغاية، حيث ستتوقف المساعدات الدولية وتخفيف العقوبات على مدى إصلاحاتها الفعلية في هذه المجالات.

المجتمع الدولي، لا سيّما الدول الغربية، يراقب عن كثب إجراءات الحكومة المؤقتة. إذا اعتُبر أن القيادة السورية لا تلتزم بتوسيع المشاركة السياسية أو تنفيذ إصلاحات حقيقية في المؤسسات الحكومية، فإن الدول الغربية قد ترفض رفع العقوبات أو تخفيف الضغط الاقتصادي، مما يعني أن الحكومة الجديدة ستظل في أزمة اقتصادية خانقة، ولن تتمكن من تلبية احتياجات الشعب المنهك.

رغم أن القيادة المؤقتة أظهرت نبرة بنّاءة في البداية، من خلال إعلان نيتها في إعادة بناء مؤسسات الدولة عبر عملية شاملة ومراعية للتعددية السورية، فإن بعض الأخطاء التي ارتُكبت في هذه المرحلة الانتقالية قد تُضعِف هذه النوايا. على سبيل المثال، كانت دعوة مؤتمر الحوار الوطني محدودة بشكل غير مبرر، مما أسهم في إثارة الشكوك حول التمثيل السياسي و الشفافية في المرحلة الانتقالية. كما أن تركيز السلطة في يد الرئيس المؤقت قد يُثير القلق بشأن الانتقال الديمقراطي ويعزز فكرة الاستبداد أو النظام المركزي الذي يعيد إنتاج نفس أساليب النظام السابق.

إضافة إلى ذلك، الرد العشوائي و الوحشي على عنف المتمردين على الساحل العلوي لم يُساعد في بناء الثقة بين القيادة و الشرائح السكانية المتضررة، بل ربما فاقم الوضع و أدى إلى مجازر ارتكبتها القوات المتحالفة مع الحكومة، مما يُظهر أن الحكومة قد تواجه صعوبة في التحكم في عناصرها المسلحة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تدهور أمني.

مع ذلك، هناك فرصة للقيادة السورية إذا تمكنت من الاستفادة من هذه الأخطاء. قد يكون التماسك الوطني و الاستقرار أحد الحلول التي تضمن استمرار التعافي على المستوى الشعبي و الدولي. لكن هذه الفرصة لن تتحقق دون إصلاحات حقيقية تُمكّن الحكومة من بناء جسور الثقة مع المواطنين ومع المجتمع الدولي، مما يجعل مهمة الحكومة المؤقتة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

التحديات الأمنية، الاقتصادية، و الاجتماعية ستظل حاضرة، ولكن إذا تمكنت الحكومة الجديدة من تحقيق توازن بين المطالب الداخلية والخارجية، قد تتمكن من إعادة بناء سوريا على أسس أكثر استقرارًا و شمولًا.

تحتاج دمشق في المرحلة المقبلة إلى تنفيذ عدة أولويات حاسمة لضمان استقرارها واستمرار عملية الانتقال السياسي:

  1. إعادة تشغيل الاقتصاد: يعد الاقتصاد السوري في حالة من الدمار التام بعد سنوات من الحرب. يتطلب الأمر استثمارات ضخمة لتشغيل البنية التحتية المتضررة، ودفع عجلة الإنتاج، بما في ذلك القطاع الصناعي والزراعي. كما أن رفع العقوبات الغربية أو على الأقل تعليقها سيكون أمراً ضرورياً لاستعادة الاستثمارات الخارجية وتحقيق استقرار اقتصادي.
  2. إطلاق عملية إعادة الإعمار: يُعتبر إعادة الإعمار تحدياً هائلًا، ليس فقط بسبب الدمار المادي الواسع، بل أيضاً بسبب المشكلات الاقتصادية و التحديات السياسية. يتطلب الأمر شراكات دولية، مساعدات خارجية، و شروط سياسية لتأمين إعادة البناء. سيكون من الصعب أن يبدأ هذا المشروع الكبير دون تعاون من القوى الدولية الكبرى، خاصة مع الشكوك التي يحيط بها الغرب حول النوايا السياسية لحكومة دمشق.
  3. إخضاع الميليشيات المتمرّدة السابقة لسيطرة الدولة: سيكون من الصعب دمج الفصائل المسلحة التي كانت في الماضي تعمل بشكل مستقل أو كانت جزءًا من مجموعات مثل هيئة تحرير الشام. هذه المجموعات يجب أن تخضع لسيطرة الدولة بشكل حازم، ما يتطلب استراتيجية أمنية شاملة لتقوية الجيش الوطني وتحقيق الاستقرار الداخلي. عدم فرض السيطرة على هذه المجموعات يمكن أن يُفضي إلى فوضى أمنية ويُضعف قدرة الحكومة على فرض سلطتها في المناطق المختلفة.
  4. إظهار التزامها بالحكم التعدُّدي: المرحلة الانتقالية تستدعي الشفافية و التمثيل السياسي المتعدد في هيئات الدولة. يجب على الحكومة المؤقتة توضيح التزامها بالانتقال السياسي من خلال إرساء نظام ديمقراطي وتوسيع المشاركة في صنع القرار. هذا سيساعد في بناء الثقة مع المجتمع الدولي و المواطنين السوريين على حد سواء.
  5. محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات: إن الانفلات الأمني والعنف في المناطق العلوية، بما في ذلك عمليات الإعدام بإجراءات موجزة ضد المدنيين في مارس/آذار، كان له تأثير كبير على المصداقية. يجب أن تكون هناك محاسبة حقيقية للمسؤولين عن هذه الانتهاكات لضمان عدم تكرارها في المستقبل. توضيح أن النظام الجديد لن يقبل العنف أو الانتهاكات ضد المدنيين سيكون أمرًا بالغ الأهمية لتأسيس نظام حكم عادل.
  6. بناء على الاتفاق الأولي مع قوات سوريا الديمقراطية: هناك ضرورة لتوسيع التحالفات مع القوات الكردية و الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي من خلال دمجها في مؤسسات الدولة. هذا سيحافظ على الاستقرار الإقليمي ويعزز فكرة سوريا موحَّدة رغم تنوع مكوناتها العرقية والطائفية. يتطلب هذا الأمر حوارًا مفتوحًا و مفاوضات لضمان أن الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد تحترم، مع الحفاظ على وحدة الدولة.

تتطلب هذه التحديات إرادة سياسية قوية، بالإضافة إلى دعم دولي و استراتيجية أمنية فعالة لضمان الاستقرار و إعادة بناء الثقة مع المجتمع المحلي والمجتمع الدولي. ستكون هذه المرحلة حاسمة بالنسبة لمستقبل سوريا، ولحكومة دمشق أن تُظهر قدرتها على الانتقال من مرحلة ما بعد الحرب إلى مرحلة إعادة البناء المستدامة.

بالضبط، الأولويات التي تواجه الحكومة المؤقتة في سوريا مترابطة بشكل وثيق، ولا يمكن معالجتها بشكل منفصل أو تأجيل أي منها. لتحقيق الاستقرار الشامل والتعافي، يجب أن يتم التعامل مع هذه القضايا بشكل متوازٍ:

  1. الأمن: هو الأساس لأي عملية تنمية اقتصادية أو إعادة إعمار. بدون استقرار أمني، سيكون من المستحيل جذب الاستثمارات أو ضمان استدامة أي إصلاحات. الاستقرار الأمني يعني أيضًا أن تكون الدولة قادرة على فرض سيطرتها على المناطق المتنازع عليها والقضاء على التمردات والانتهاكات التي قد تضعف من سلطتها.
  2. الاقتصاد: إذا كانت الحكومة تريد إعادة بناء سوريا، فإن الانتعاش الاقتصادي يعد أولوية أساسية. تحقيق الاستقرار الاقتصادي يتطلب دعم القطاعات الأساسية مثل الصناعة والزراعة والخدمات، بالإضافة إلى خلق فرص عمل لتجنب المزيد من الاقتصاد غير الرسمي و الأنشطة غير القانونية. يجب أن تكون هناك إصلاحات مالية لتحسين القدرة على دفع الرواتب و إعادة هيكلة القطاع العام الذي يعاني من تشوهات كبيرة بسبب سنوات الحرب.
  3. إعادة بناء مؤسسات الدولة: تواجه الحكومة تحديًا في إعادة توظيف أفراد القطاع العام الذين تم طردهم، وهي عملية لا يمكن أن تتم دون مراجعة شفافة و حوار اجتماعي حول كيفية إعادة دمج هؤلاء الأفراد بشكل عادل. وهذا يتطلب توفر تمويل مستدام لضمان دفع الرواتب والقدرة على إدارة العمليات الحكومية بشكل فعّال.
  4. العقوبات والتعاون الدولي: كما ذكرت، ستكون العقوبات الغربية من أكبر العقبات أمام تحقيق هذه الأهداف. يجب على الحكومة المؤقتة أن تتخذ خطوات ملموسة لإظهار التزامها بالحكم الرشيد والشفافية من خلال إصلاحات قانونية و توسيع المشاركة السياسية لتلبية متطلبات الدول الغربية. رفع أو تعليق العقوبات سيكون محوريًا لتوفير التمويل اللازم لإعادة إعمار سوريا وتوفير فرص العمل.
  5. التعاون مع الجماعات المسلحة: كما نُوه إليه، التعامل مع الفصائل المسلحة التي لا تتبع أوامر الدولة يعد أمرًا أساسيًا. يجب أن تضمن الحكومة أن هذه الفصائل يتم دمجها ضمن النظام الأمني الوطني بطريقة منضبطة، وذلك لضمان الاستقرار والأمن في المناطق الحساسة.

إذا فشلت الحكومة في التعامل مع هذه الملفات بشكل متوازن، فإن التمرّد والمطالبات بالحكم الذاتي ستزداد، مما سيؤدي إلى تآكل السلطات المركزية و استمرار الفوضى. هذا التحدي يتطلب مقاربة شاملة ومتناغمة على كل الجبهات لتجنب الوقوع في دائرة مفرغة تؤدي إلى مزيد من التدهور.

إذن، من الضروري أن يعمل قادة الحكومة المؤقتة على جميع هذه الجبهات في آن واحد، مع اتخاذ قرارات صعبة في الوقت المناسب وتنفيذ إصلاحات حقيقية لاستعادة ثقة الشعب السوري والمجتمع الدولي.

ترسيخ النظام العام يعد خطوة أساسية في المرحلة الانتقالية لتحقيق الاستقرار. بدون توفير الأمن والخدمات الأساسية، فإن جهود الحكومة في إعادة بناء سوريا ستظل قيد التحدي، وستستمر الانتفاضات والمشاكل الأمنية في تهديد الاستقرار. وفيما يتعلق بتعزيز الثقة في الحكومة الجديدة، سيكون التحقيق في الجرائم و محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات جزءًا حاسمًا من بناء دولة قانون.

الخطوات التي يجب اتخاذها:

  1. التحقيق في الانتهاكات الأمنية: كما ذكرت، يجب أن تكون التحقيقات الشاملة في الأحداث الأخيرة في الساحل السوري والجبال جزءًا من الجهود لإثبات التزام الحكومة بإنفاذ القانون. محاكمة المسؤولين عن أي انتهاكات لحقوق الإنسان أو جرائم ضد المدنيين تُظهر رغبة الحكومة في التعامل مع الأعمال الوحشية من منطلق العدالة، وتساعد في تهدئة المخاوف لدى المجتمع المحلي.
  2. محاسبة الجناة: محاسبة المسؤولين على الجرائم المرتكبة ضد المدنيين ستبعث رسالة قوية إلى الشعب السوري والمجتمع الدولي بأن الحكومة الجديدة جادة في بناء دولة قانون. سيسهم ذلك في بناء الشرعية السياسية للحكومة، ويعزز الثقة الشعبية في قدرتها على ضمان العدالة والمساواة.
  3. العدالة الانتقالية: قضية العدالة الانتقالية هي مسألة معقدة، ويتطلب الأمر من الحكومة أن تتخذ خطوات حذرة بشأن التعامل مع المسؤولين عن النظام السابق. كما أشرت، من الأفضل أن تُترك هذه المسائل لحوار وطني أوسع، حيث يجب أن تكون الحكومة الأكثر شمولاً قادرة على معالجة هذه القضية بشكل جماعي ومشترك بين الأطراف السياسية والمجتمعية.
  4. الشفافية في الاعتقالات: في حال كانت هناك اعتقالات ل ضباط النظام السابق، من الضروري أن تكون هذه الاعتقالات شفافة وأن يتم توضيح أسباب الاعتقال بشكل رسمي. يجب أن تتبع الاعتقالات الإجراءات القانونية المناسبة، بما في ذلك حماية حقوق المعتقلين وضمان محاكمات عادلة. هذا لن يساعد فقط في تعزيز الثقة في النظام الجديد، بل سيظهر التزام الحكومة بحقوق الإنسان و المحاسبة القانونية.
  5. الاستقرار في المجتمعات العلوية: بالنظر إلى الوضع المعقد في المناطق العلوية، التعامل مع مخاوف هذه المجتمعات يعد أمرًا بالغ الأهمية. يجب على الحكومة أن تعمل بسرعة على تهدئة الوضع من خلال إجراءات حماية اجتماعية و سياسات تهدف إلى تجنب التصعيد. يمكن أن يشمل ذلك مراجعة شاملة للقيادة المحلية و إجراءات إدارية تساهم في تحقيق الأمن في هذه المناطق المتوترة.

أهمية الشفافية والعدالة:

أي تأخير في محاكمة الجناة أو القصور في تطبيق العدالة قد يؤدي إلى تصعيد الانتقام من قبل المجتمعات المتضررة، وبالتالي، يجب أن تكون الحكومة على دراية بأن أي غياب للعدالة سيؤدي إلى تفشي العنف والمطالبة ب الانفصال أو التمرد في بعض المناطق. إذن، من المهم أن تلتزم الحكومة بإجراءات قانونية عادلة، تسهم في الاستقرار وتعزز الثقة العامة في قدرة الحكومة على إدارة المرحلة الانتقالية.

باختصار، تُمثّل العدالة و الشفافية حجر الزاوية لبناء نظام سياسي شرعي ومستدام في سوريا بعد الحرب، ومن شأن تدابير أخرى أن تُساعد أيضاً. ينبغي على الحكومة التدقيق في سجلات ضبّاط الشرطة المفصولين وإعادة تعيينهم، إذ لم تكن هذه القوّة متورّطة إلى حدٍّ كبير في فظائع النظام السابق.

تواجه الحكومة المؤقتة في سوريا تحديات هائلة تتطلب استجابة شاملة. ينبغي عليها أن تبدأ بتعزيز الأمن المحلي من خلال تجنيد العلويين في الشرطة المحلية، مما يعزز الشعور بالشمول ويقلل من التوترات الطائفية. كما يمكن الاستفادة من قوات هيئة تحرير الشام السابقة وتجنيدها ضمن المؤسسات الأمنية لتعزيز الاستقرار، مع ضرورة وجود تدقيق في عملية دمج عناصر النظام السابق في القطاع العام لضمان الشفافية.

من الأهمية بمكان أن تشارك المجتمعات المحلية في الأمن لضمان استعادة الثقة بالحكومة المركزية، خاصة في المناطق التي تشهد توترات. في الوقت نفسه، يجب أن تترجم الحكومة المؤقتة وعودها السياسية إلى خطوات عملية توضح أن تركيز السلطة المؤقت ناتج عن الحاجة وليس تعبيرًا عن رغبة في البقاء في الحكم.

الأمن المحلي يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع الاستقرار الاقتصادي، إذ أن القضاء على البطالة وتحسين الخدمات الأساسية يعدان من أولويات المرحلة الانتقالية. كما يجب على الحكومة المؤقتة العمل على تحقيق العدالة الانتقالية من خلال محاسبة الجناة وتنفيذ آليات قانونية تضمن حقوق جميع المواطنين، مما يساعد على طمأنة الجميع بأن النظام الجديد سيحترم سيادة القانون.

من الضروري أن تواصل الحكومة المؤقتة في سوريا العمل على تعزيز المشاركة السياسية في العملية الانتقالية، من خلال تشجيع تمثيل متنوع يشمل جميع الأطياف العرقية والطائفية والجغرافية والأيديولوجية، بالإضافة إلى تضمين كافة الفئات الاجتماعية مثل النساء. على الرغم من أن مؤتمر الحوار الوطني لم يحقق النجاح المطلوب في تحقيق هذه الأهداف، إلا أنه يظل خطوة أولية هامة يجب البناء عليها.

إن تسوية الصراع في الشمال الشرقي من خلال تعزيز التعاون مع قوات سوريا الديمقراطية تمثل عنصراً مهماً في بناء أساس للاستقرار الوطني. الاتفاق الأولي بين الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية يجب أن يكون نقطة انطلاق لمفاوضات أوسع حول كيفية دمج هذه المنطقة وقيادتها في مؤسسات الدولة بشكل سلمي. هذه المفاوضات من شأنها أيضًا أن تُسهم في حل بعض المشكلات الاقتصادية، مثل توفير إمدادات الطاقة، التي قد تخفف العبء الاقتصادي على المواطنين وتساعد الدولة في الحصول على إيرادات إضافية.

على الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجهها الحكومة المؤقتة، يمكنها مواجهة هذه المصاعب إذا تم التركيز على بناء مؤسسات قائمة على الشفافية والشمولية، والعمل على ضمان استقرار الأوضاع الأمنية والاقتصادية من خلال سياسات حكومية فعالة.

إن الدعم الخارجي سيكون حاسمًا في تمكين الحكومة المؤقتة في سوريا من تحقيق الاستقرار واستكمال عملية الانتقال السياسي والاقتصادي. بينما لا يمكن للقيادة السورية إنجاز هذه المهام بمفردها، فإن التعاون مع الجهات الخارجية يشكل عنصرًا أساسيًا في تعزيز قدرة الحكومة على تجاوز التحديات.

الدول التي تفرض عقوبات على سوريا يمكن أن تتخذ خطوات تدريجية نحو تخفيف هذه العقوبات دون الوصول إلى الإعفاء الكامل، وهو ما يعكس استعدادًا للمساهمة في الاستقرار دون التضحية بمبادئها الأساسية. كما فعل الأوروبيون بتعليق العقوبات القطاعية، ينبغي على الولايات المتحدة أن تتبع نفس النهج، عبر توسيع نطاق الترخيص العام السوري رقم 24 (GL 24)، الذي يسمح بالتعامل مع المؤسسات الحاكمة في سوريا ويغطي بعض القطاعات مثل الطاقة والتحويلات المالية الشخصية.

على الولايات المتحدة أن تعمل على تمديد هذا الترخيص ليشمل النشاط التجاري ويسمح بالتعاون مع الشركات في مجالات إعادة الإعمار الأساسية، مما سيحفز حركة استثمارية قد تساعد في دفع عجلة الاقتصاد السوري. من جهة أخرى، ينبغي على الاتحاد الأوروبي اتخاذ خطوات مماثلة، مثل تقديم حوافز وضمانات للشركات التي تشارك في إعادة بناء البنية التحتية الأساسية في سوريا، مع وضع آليات لضمان الامتثال للعقوبات في هذه العملية.

هذا النوع من الدعم المتدرج والمشروط يمكن أن يساهم في تحفيز عملية التعافي المبكر، ويوفر فرصة للحكومة السورية لبناء شرعية محلية ودولية مع الحفاظ على التزامها بالإصلاحات والحوكمة الشفافة.

إن توسيع الاستثناءات الإنسانية الحالية لتشمل الأنشطة التجارية وإعادة الإعمار من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يمكن أن يكون خطوة حاسمة نحو تخفيف الأعباء الاقتصادية على الحكومة السورية المؤقتة. كما أن هذا سيوفر فرصة لدفع عملية إعادة الإعمار بشكل أسرع من خلال تدفق الأموال إلى القطاعات الأساسية، مما يساهم في استقرار الاقتصاد ويعزز الحياة اليومية للسكان.

لكن من الضروري أن يتم ذلك ضمن إطار واضح ومحدد من المعايير، التي تضمن الوفاء بالالتزامات من طرف الحكومة السورية في مقابل هذه التنازلات الاقتصادية. يجب أن تكون هذه المعايير واقعية وقابلة للتحقيق، بحيث يتمكن الطرفان (الحكومة السورية والمجتمع الدولي) من تقييم التقدم بشكل دوري. من جهة أخرى، يمكن أن يشمل هذا التعاون مع هيئة تحرير الشام في بعض المجالات، ولكن بشرط أن يكون ذلك مرتبطًا بتنفيذ سياسات واضحة تعزز الاستقرار في البلاد.

إذا تم اعتماد مزيج من التدابير الاقتصادية المدروسة التي تشمل تخفيف العقوبات في مجالات معينة مثل الطاقة والقطاع العام، يمكن أن يُوجه تمويل كبير لدعم رواتب موظفي الدولة، بما في ذلك تلك المتعلقة بقطاع الأمن، مما يسهم في استقرار الأمن الداخلي ويحد من احتمالية الانزلاق نحو الفوضى.

ومع ذلك، يجب أن يتم تحديد هذه التوقعات بشكل واقعي من قبل المانحين وأطراف المجتمع الدولي، بحيث تتماشى مع تقدم الحكومة السورية المؤقتة في مجالات مثل مكافحة الإرهاب، خصوصًا في ما يتعلق بالمقاتلين الأجانب الذين لا يزالون في سوريا. على المانحين أن يتجنبوا ربط رفع العقوبات بتقدم في مجالات قد تكون بعيدة عن الأهداف الأساسية التي فرضت من أجلها هذه العقوبات في المقام الأول، مثل الإصلاحات السياسية الجذرية أو تحسين الحوكمة بشكل مفرط.

إذًا، التنسيق الشفاف والمرن بين جميع الأطراف المعنية، مع وضع أطر زمنية ومعايير واضحة، سيكون ضروريًا لضمان فعالية هذا النهج وتحقيق نتائج ملموسة في عملية التعافي وإعادة الاستقرار.

إنّ دعم دول الخليج مثل قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يمكن أن يلعب دورًا حيويًا في استقرار سوريا في المرحلة الانتقالية. هذه الدول تمتلك الموارد المالية التي يمكن أن تُسهم في دعم الحكومة السورية المؤقتة من خلال تقديم مساعدات مالية مباشرة، سواء كان ذلك في شكل دعم للرواتب أو تمويل مشروعات البنية التحتية الحيوية التي ستسهم في تعزيز الاقتصاد السوري بشكل عام.

لكن الدعم المالي يجب أن يكون مشروطًا بتقدّم فعلي من قبل الحكومة السورية في تنفيذ الإصلاحات السياسية التي تضمن إشراك جميع الطوائف والمكونات في العملية السياسية، بما في ذلك العلويين، الذين يشكّلون جزءًا مهمًا من النسيج الاجتماعي والسياسي في البلاد. تشجيع دمشق على اتخاذ خطوات جادة لحماية التعدُّدية وحقوق الأقليات سيكون أمرًا بالغ الأهمية لبناء ثقة بين مختلف الأطراف.

علاوة على ذلك، يجب أن تلعب هذه الدول الخليجية دورًا في تشجيع دمشق على اتخاذ خطوات إيجابية على صعيد الحوكمة وإعادة بناء المؤسسات السياسية التي تمثل جميع شرائح المجتمع السوري. في هذا الصدد، يمكن أن تساهم الدبلوماسية الخليجية في تحفيز الحكومة السورية على تبني سياسات تسهم في ضمان تمثيل جميع الطوائف والمجموعات العرقية في الحكومة الجديدة، مما سيعزز من استقرار البلاد ويحد من الانقسامات الطائفية.

إلى جانب ذلك، يمكن لهذه الدول أن تكون وسطاء في تعزيز الحوار بين مختلف الأطراف السورية، بما في ذلك الجماعات السياسية والعسكرية، لتقليل الفجوات بين الأطراف المتصارعة وتعزيز التفاهم المتبادل حول مستقبل البلاد.

إنّ تغيير نهج إسرائيل في سوريا سيكون أمرًا ضروريًا لتحقيق الاستقرار الإقليمي ودعم الحكومة السورية المؤقتة في المرحلة الانتقالية. من المعروف أن التصعيد العسكري والتدخلات الإسرائيلية في سوريا، والتي تستهدف في الغالب القوات الإيرانية وحلفاءها، يمكن أن يؤدي إلى تعقيد الوضع في البلاد ويدفع الحكومة المؤقتة إلى اللجوء إلى دعم قوى إقليمية أخرى، مثل تركيا.

في حال استمرت إسرائيل في سياستها العدوانية في سوريا، فقد تجد الحكومة السورية نفسها مجبرة على تعزيز تحالفاتها مع تركيا أو دول أخرى في المنطقة من أجل تعزيز أمنها، وهو ما قد يكون ضارًا بمصالح إسرائيل. فإسرائيل قد تتعامل مع هذا الوضع من خلال دعم فوضى أمنية على حدودها الشمالية الشرقية، وهو ما قد يؤدي إلى تهديدات جديدة وغير متوقعة على المدى الطويل، بعيدًا عن الحكومات التي كانت في السابق أكثر قابلية للتنبؤ، مثل نظام الأسد.

لهذا السبب، يتعين على الدول ذات العلاقات مع إسرائيل أن تشجع قادة إسرائيل على إعادة تقييم سياستهم في سوريا. من خلال تحسين العلاقات مع الحكومة المؤقتة، يمكن لإسرائيل أن تساهم في استقرار المنطقة بدلاً من دفعها نحو مزيد من الفوضى. كما يمكن أن تكون هذه الخطوة فرصة لإسرائيل لتعزيز أمنها عبر تفاهمات سياسية مع الحكومة السورية المؤقتة بدلاً من الاستمرار في التصعيد العسكري الذي قد يؤدي إلى عواقب غير محمودة على المدى البعيد.

سابعاً: الخاتمة

يبدو أن سوريا تواجه لحظة حاسمة في تاريخها، مع تحديات هائلة على عدة جبهات. ففي الوقت الذي تحاول فيه القيادة المؤقتة إعادة بناء الدولة بعد الإطاحة بنظام الأسد، يشكل العنف المستمر، خاصة في المناطق الساحلية والجبال العلوية، تذكيرًا قاسيًا بالمخاطر التي تواجهها الحكومة الجديدة. إذا لم تتمكن القيادة من تأمين الخدمات الأساسية للسكان، وتوفير الأمل للمجتمعات المهمشة، فإنها قد تواجه أزمة أمنية وسياسية تؤدي إلى انهيارها.

إن غياب التقدم في توفير الأمن، والفساد المحتمل، أو تقاعس الحكومة عن تحقيق تطلعات الشعب في العدالة والمشاركة، قد يؤدي إلى إشعال مزيد من الصراعات الداخلية. هذا يعكس هشاشة الوضع الراهن ويفرض على القيادة اتخاذ قرارات عاجلة.

وبالرغم من مرور ثلاثة أشهر فقط على التغيير الكبير الذي شهده البلد، إلا أن سرعة التقدم وإيجاد حلول جذرية للمشاكل العميقة يبدو أمرًا ملحًا. الشهور القادمة ستكون فارقة، وستحدد ما إذا كانت القيادة الجديدة قادرة على تثبيت أقدامها واستعادة السيطرة على الوضع أم ستغرق البلاد في دوامة جديدة من العنف والفوضى.

بالنظر إلى الوضع الراهن في سوريا، يبدو أن القيادة الجديدة، بقيادة الشرع وزملائه، تحظى بفترة انتقالية حرجة، حيث يعتمدون على “رصيد” الثقة الذي اكتسبوه من الإطاحة بنظام الأسد. ولكن هذا الرصيد ليس غير محدود، بل يتعرض لضغوط شديدة نتيجة للأزمات الاقتصادية والأمنية المتصاعدة. من بين أكبر التحديات التي تواجه الحكومة المؤقتة هي دفع رواتب القطاع العام، إعادة بناء الأجهزة الأمنية، وتنشيط الاقتصاد، فضلاً عن استعادة الثقة الشعبية وتحقيق الاستقرار في المناطق المتضررة.

في هذا السياق، يصبح الدعم الخارجي أمرًا حاسمًا لنجاح سوريا بعد الأسد. لكن مع تزايد المخاوف من ماضي القيادة الجديدة وشكوك القوى الدولية بشأن استقرار النظام الجديد، يجب على الدول الأجنبية أن تتخذ خطوات سريعة لدعم سوريا في هذه المرحلة الدقيقة.

إذا تباطأت هذه الدول في اتخاذ القرارات المناسبة، فإن العواقب قد تكون كارثية ليس فقط على سوريا، بل على المنطقة بأسرها. قد يؤدي ذلك إلى انهيار الدولة، ما سيزيد من معاناة الشعب السوري ويقود إلى تدهور أمني واقتصادي في دول الجوار. كما أن ذلك قد يفضي إلى موجات جديدة من اللاجئين، وهو أمر سيسبب المزيد من الضغوط على دول الجوار، بما في ذلك في أوروبا.

إذن، يبقى السؤال الأهم: هل ستتحرك الدول الفاعلة بسرعة وفعالية لاحتواء الأزمة أم ستترك الوضع يتدهور إلى فوضى شاملة؟ التوقيت هنا بالغ الأهمية، وعليهم استغلال الأدوات المتاحة الآن لتجنب سيناريو أسوأ.

دمشق/بروكسل، ٢٨ آذار/مارس ٢٠٢٥

ترجمة يوسف سامي مصري

رابط البحث:

https://www.crisisgroup.org/sites/default/files/2025-03/b095-syria-halting-dangerous-drift.pdf