بين المصالح المتباينة والعلاقات التجارية:
تتجه الأنظار في المملكة العربية السعودية نحو الساحة السياسية الأميركية، حيث تلوح في الأفق ولاية رئاسية ثانية محتملة للرئيس السابق دونالد ترامب. ويثير هذا السيناريو مزيجاً من التطلعات والقلق داخل دوائر الحكم السعودية. فمن جهة، تتمتع العائلة المالكة بروابط وثيقة مع ترامب وعدد من الشخصيات المؤثرة في محيطه السياسي والاقتصادي، ما قد يمنح الرياض ميزة نسبية في التواصل مع الإدارة الأميركية المقبلة، والوصول المباشر إلى مراكز صنع القرار في واشنطن. غير أن هذه العلاقة الخاصة لا تلغي المخاوف من انعكاسات سياسات ترامب المتوقعة، التي قد تتعارض مع بعض المصالح السعودية الحيوية.
فعلى المستوى الاقتصادي، يتبنّى ترامب موقفاً داعماً لزيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز، في إطار استراتيجيته “الاستقلال في مجال الطاقة”، ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب على النفط السعودي ويضغط على الأسعار العالمية، وهو ما يتناقض مع أهداف الرياض في الحفاظ على استقرار سوق الطاقة العالمي. وعلى الصعيد الجيوسياسي، قد تؤدي سياسة ترامب التصادمية تجاه الصين، الشريك التجاري الأهم للسعودية في الوقت الراهن، إلى تضييق هامش المناورة أمام المملكة في إدارة علاقاتها الدولية. كما أن مقاربته المتغيرة للملفات الإقليمية – مثل إيران، واليمن، والعلاقة مع إسرائيل – قد تخلق بيئة غير مستقرة، ما يشكل تهديداً مباشراً لمناخ الاستثمار الذي تسعى السعودية إلى ترسيخه.
تأتي هذه التطورات في وقت تخوض فيه المملكة مرحلة تحوّل غير مسبوقة عبر “رؤية 2030″، التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وتهدف هذه الرؤية إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، والانتقال من نموذج يعتمد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، إلى نموذج متنوع يشمل قطاعات السياحة، والتكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية. وقد تم تخصيص موارد مالية ضخمة عبر صندوق الاستثمارات العامة السعودي لدعم هذه المشاريع الطموحة، مثل مدينة “نيوم” ومشروعات الطاقة النظيفة والبنية التحتية.
لكن على أرض الواقع، يواجه تنفيذ “رؤية 2030” تحديات متزايدة. فقد خيّب الاستثمار الأجنبي المباشر التوقعات، مما اضطر الحكومة إلى إعادة تقييم أولويات الإنفاق وتقليص بعض المشاريع الكبرى في عام 2024، نتيجة الضغوط المالية وتباطؤ الإيرادات. وهذا ما يجعل استقرار البيئة الإقليمية والدولية عنصراً أساسياً لاستكمال مسيرة التحول، خاصة فيما يتعلق بجذب المستثمرين الأجانب وتعزيز ثقة القطاع الخاص.
في هذا السياق، تُتاح فرصة فريدة لألمانيا والدول الأوروبية لتعميق شراكاتها مع المملكة. فبينما تنشغل واشنطن بترتيب ملفاتها الداخلية والخارجية تحت إدارة ترامب الثانية، قد تجد الرياض في أوروبا شريكاً استراتيجياً أكثر توازناً، خصوصاً في مجالات التحول الرقمي، والطاقة النظيفة، والتعليم، والبنية التحتية. ويمكن أن تستثمر الدول الأوروبية في هذه المرحلة لتوسيع حضورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة، بما يعزز استقلاليتها في التعامل مع الولايات المتحدة ويخدم مصالحها على المدى البعيد.
سياسة ترامب في الشرق الأوسط:
حتى الآن، لا تزال توجهات الإدارة الأميركية المرتقبة بقيادة دونالد ترامب تجاه قضايا الشرق الأوسط غير واضحة، ما يُثير تساؤلات حول مدى مساهمتها المحتملة في تحقيق الاستقرار الإقليمي. وتشير التقديرات إلى أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض قد تُعيد تبني نهج أكثر تشدداً، لا سيما تجاه إيران، مدفوعاً بتأثير مستشاريه المعروفين بمواقفهم المتصلبة.
في ولايته الأولى، انسحب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، معتبراً إياه غير كافٍ للحد من طموحات طهران الإقليمية والنووية. في حين لاقت هذه السياسة تأييداً ضمنياً من المملكة العربية السعودية، التي كانت تنظر إلى إيران كتهديد مباشر لمصالحها الإقليمية، إلا أن الوقائع على الأرض سرعان ما فرضت مراجعة للموقف السعودي. فقد شكّل الهجوم الذي نفذه حلفاء إيران بطائرات مسيّرة وصواريخ على منشآت “أرامكو” في بقيق وخريص في سبتمبر 2019 نقطة تحوّل مهمة. أظهر الهجوم هشاشة البنية الدفاعية السعودية، وأبرز حدود الدعم الأميركي، إذ لم تُقْدم واشنطن على أي ردّ عسكري مباشر رغم استهداف أحد أهم موارد الطاقة العالمية.
هذا الحدث دفع الرياض إلى إعادة تقييم استراتيجيتها تجاه طهران، والتحول من سياسة المواجهة إلى محاولة التهدئة وبناء قنوات دبلوماسية. وقد تُوّج هذا التحول لاحقاً باستئناف العلاقات الثنائية في عام 2023 بوساطة صينية، في مؤشر على أن السعودية باتت ترى في تحسين العلاقات مع إيران ركيزة ضرورية لضمان أمنها القومي وتعزيز استقرار المنطقة.
لكن هذا المسار قد يُواجه عراقيل حقيقية في حال تبنّت إدارة ترامب القادمة سياسة تصعيدية جديدة تجاه طهران، خصوصاً مع تصاعد دعوات بعض مستشاريه لشن ضربات عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية. مثل هذا السيناريو لا يهدد فقط الاستقرار الإقليمي، بل قد يعرقل أيضاً جهود المملكة في جذب الاستثمارات وتنفيذ “رؤية 2030″، التي تتطلب بيئة مستقرة وهادئة.
وعلى صعيد آخر، تبرز القضية الفلسطينية كمجال محتمل آخر للتباين بين واشنطن والرياض. ففي الوقت الذي تواصل فيه السعودية تأكيدها على ضرورة حل الدولتين كإطار أساسي لتسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، أظهر ترامب خلال ولايته الأولى تحفظاً ملحوظاً حيال هذا الطرح، بل ومال إلى دعم مواقف حكومة بنيامين نتنياهو، المعروفة بمعارضتها العلنية لإنشاء دولة فلسطينية. وقد تُعيق هذه المقاربة الأميركية جهود المملكة لإحداث توازن في علاقاتها مع إسرائيل، خاصة في ظل الانفتاح التدريجي الذي تقوم به السعودية على تل أبيب، والذي ما زال مشروطاً بتقدّم ملموس في ملف الدولة الفلسطينية.
في المجمل، تضع هذه الديناميات المتشابكة المملكة العربية السعودية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة من جهة، ومواصلة نهجها الجديد القائم على التهدئة الإقليمية والتوازن من جهة أخرى. وهذا ما يعزز أهمية تنويع شراكاتها الدولية، وتوسيع قنوات التواصل مع أطراف أخرى – مثل الاتحاد الأوروبي، والصين، والهند – لضمان عدم الارتهان لمزاجية السياسة الأميركية، التي أثبتت في أكثر من محطة أنها قد تتغير بشكل مفاجئ وفقاً للأشخاص لا للمؤسسات.
مواجهة بين واشنطن وبكين:
في سياق دولي يتجه نحو المزيد من الاستقطاب، قد يُمثل إعلان دونالد ترامب عن تبني سياسة أكثر تصادمية تجاه الصين تحدّياً إضافياً لرؤية السعودية التنموية الطموحة “رؤية 2030”. فخلال السنوات الماضية، تعززت العلاقات الاقتصادية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية بشكل كبير، لتُصبح بكين شريكاً محورياً في خطة تنويع الاقتصاد السعودي.
منذ عام 2010، بدأت الصين تأخذ موقعها تدريجياً كأكبر مستورد للنفط الخام السعودي، متجاوزة الولايات المتحدة، وهو ما انعكس في نمو متسارع للتبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة. وتوسعت الشراكة لتشمل مجالات حيوية مثل التعدين، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية الرقمية، ونقل التكنولوجيا. وتُعد هذه العلاقات إحدى ركائز “رؤية 2030″، التي تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع ومتقدم تكنولوجياً، لا يعتمد فقط على العائدات النفطية.
غير أن هذا التوجه يضع المملكة أمام معادلة صعبة، إذ تجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين الصين، الشريك الاقتصادي الأسرع نمواً، والولايات المتحدة، التي ما تزال الضامن الأمني الأساسي للمملكة في بيئة إقليمية مضطربة. ومن شأن عودة ترامب إلى الحكم أن تعقّد هذه الموازنة بشكل كبير، نظراً إلى موقفه المتشدد تجاه بكين، ورغبته في تقييد علاقات الدول الحليفة مع الصين، لاسيما في المجالات التقنية والاستراتيجية.
وقد بدأت هذه الضغوط تتجلى بشكل واضح منذ عام 2023، حين فرضت الإدارة الأميركية قيوداً على تصدير تقنيات متقدمة إلى الدول التي تتعاون بشكل وثيق مع الصين. وتحت هذا الضغط، واجهت دول الخليج، ومنها السعودية، تحديات في استمرار شراكاتها التقنية مع بكين. وفي هذا السياق، اضطرّت المملكة في عام 2024 إلى تقليص جزء من تعاونها مع الصين في قطاع الذكاء الاصطناعي، خاصة بعد أن استهدفت واشنطن شركة “G42” الإماراتية قضائياً، بسبب ارتباطها بشبكات تكنولوجية صينية حساسة.
وفي خطوة تعكس هذا التحوّل، أعلنت شركة “آلات” – الذراع التكنولوجية لصندوق الاستثمارات العامة – عن نيتها سحب بعض استثماراتها من مشاريع قائمة بالتعاون مع جهات صينية، في محاولة لتجنّب تعريض شراكاتها الحالية مع شركات أميركية للخطر. ومع احتمال عودة ترامب، قد تزداد الضغوط الأميركية لتقليص إضافي في هذا النوع من التعاون، ما يضع الرياض أمام خيار استراتيجي صعب: إما مواصلة الانفتاح التكنولوجي المتنوع الذي يضمن تحقيق أهداف “رؤية 2030″، أو الحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن، ولو على حساب مصالحها التنموية في بعض القطاعات.
في هذه اللحظة الدقيقة، يبدو أن السعودية مضطرة إلى صياغة سياسة خارجية أكثر توازناً ومرونة، تُمكّنها من حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في آنٍ معاً، عبر تنويع الشراكات وتفادي الانخراط في محاور متصارعة. وهو تحدٍّ كبير لكنه ليس مستحيلاً، خاصة في ظل ما تمتلكه المملكة من ثقل اقتصادي ودبلوماسي متصاعد على الساحة الدولية.
سياسة النفط الأمريكية التوسُّعية:
من بين التحديات المحتملة التي قد تواجه تنفيذ “رؤية 2030” السعودية في حال عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، تبرز خططه المعلنة لتوسيع إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الاعتماد على الطاقة الأحفورية لا يزال يُشكّل مصلحة مشتركة بين الرياض وواشنطن – كما أظهرت المملكة في موقفها الرافض لتخفيض الاعتماد على الوقود الأحفوري خلال مؤتمر المناخ العالمي لعام 2024 – إلا أن المنافسة في سوق الطاقة قد تُفرز آثاراً عكسية خطيرة على الاقتصاد السعودي.
فالسياسة الأميركية القائمة على “الاستقلال في مجال الطاقة”، والتي عبّر عنها ترامب في أكثر من مناسبة، لا سيما عبر شعاره الشهير “احفروا يا عزيزي، احفروا”، قد تترجم إلى زيادة ملموسة في الإنتاج الأميركي من النفط والغاز. وإذا ما ترافقت هذه الزيادة مع تباطؤ في الطلب العالمي، فإن النتيجة شبه المؤكدة ستكون مزيداً من الضغط الهبوطي على أسعار النفط في السوق العالمية. وبما أن الميزانية السعودية لا تزال تعتمد بنسبة كبيرة على إيرادات النفط، فإن أي انخفاض طويل الأمد في الأسعار سيُقلّص من قدرة المملكة على تمويل مشاريعها التنموية العملاقة، وعلى رأسها “رؤية 2030”.
المعضلة هنا أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فحتى في حال لم يُنفّذ ترامب بالكامل سياساته التوسعية للإنتاج، فإن اهتمامه بضمان أسعار طاقة منخفضة للمستهلكين الأميركيين، دون الإضرار بصناعة التكسير الهيدروليكي المحلية، سيعني أنه يُفضّل سعراً معتدلاً للنفط. وهذا المستوى السعري قد يظل أدنى من العتبة التي تحتاجها المملكة لتحقيق التعادل المالي، والمقدّرة بنحو 96.20 دولاراً للبرميل. السعر الحالي، الذي يتأرجح عند مستويات أدنى بكثير، يُمثّل بالفعل تحدياً للرياض في تحقيق توازن مالي مستدام.
في هذا السياق، تُواجه جهود المملكة داخل منظمة أوبك – وفي صيغتها الأوسع “أوبك+” التي تضم روسيا – صعوبات متزايدة في التوصل إلى توافق حول سياسات خفض أو تثبيت الإنتاج. فالتوترات بين المنتجين، خاصة في ظل تباين الأهداف الوطنية، تجعل من الصعب فرض انضباط فعّال على الحصص الإنتاجية. وإذا ما عادت واشنطن في عهد ترامب إلى الضغط المباشر على الرياض لزيادة الإنتاج – كما حدث عام 2018 – أو التدخل في آليات السوق – كما حصل خلال حرب الأسعار بين السعودية وروسيا عام 2020 – فإن قدرة أوبك+ على إدارة السوق العالمية ستتراجع، ما يزيد من تقلب الأسعار ويهدد الاستقرار المالي للمملكة.
هكذا، تقف السعودية أمام مفارقة حساسة: في الوقت الذي تسعى فيه إلى تقليل اعتمادها على النفط من خلال “رؤية 2030″، فإنها لا تزال مضطرة إلى الاعتماد على عائداته في تمويل هذا التحول. وبالتالي، فإن أي تراجع في الأسعار قد يُقوّض قدرتها على تنفيذ الخطة نفسها. وفي حال جاءت سياسة الطاقة الأميركية في عهد ترامب معاكسة لجهود المملكة في إدارة السوق، فقد تجد الرياض نفسها في مواجهة ضغوط مزدوجة: مالية واقتصادية من جهة، وجيوسياسية من جهة أخرى.
إعادة التأمين للرياض: علاقات صندوق الاستثمارات العامة التجارية مع ترامب وحاشيته:
رغم تعدّد التحديات والشكوك المرتبطة بعودة محتملة لدونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تُبدي القيادة السعودية قدراً لافتاً من الثقة في قدرتها على التكيّف مع هذه المرحلة، إن لم يكن الاستفادة منها. ويعود هذا الثبات في الموقف – في جزء كبير منه – إلى العلاقات الوثيقة التي نسجتها الرياض، ولا سيّما صندوق الاستثمارات العامة، مع ترامب ودائرته المقربة، سواء خلال ولايته الأولى أو بعدها.
وقد برزت قوة هذه الروابط مجدداً في أعقاب فوزه الانتخابي، عندما التقى ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة وأحد أبرز المقرّبين من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بترامب في نيويورك، في خطوة فسّرها كثيرون على أنها تمهيد لتعزيز الشراكة في ظل رئاسة ثانية مرتقبة. ويُعتبر الصندوق، الذي يُعد الأداة الأساسية لتمويل “رؤية 2030″، لاعباً محورياً في هذه العلاقات، إذ يقيم روابط تجارية مباشرة وغير مباشرة مع “منظمة ترامب” – الشركة القابضة للرئيس المنتخَب – التي استفادت من مشاريع بناء ممولة سعودياً، إضافة إلى مساهمات مالية من جولة LIV للغولف التي يمولها الصندوق.
لكن العلاقات الأكثر حساسية وتأثيراً هي تلك التي تربط السعودية بجاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره السابق. خلال الولاية الأولى لترامب، كان كوشنر أحد أبرز المدافعين عن المملكة داخل البيت الأبيض، حتى في أصعب اللحظات الدبلوماسية، كما في قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي. وبعد مغادرة ترامب السلطة، تلقّت شركة كوشنر الاستثمارية الخاصة تمويلاً بقيمة ملياري دولار من صندوق الاستثمارات العامة، رغم تحفّظات داخلية أُبديت بشأن خبرته المحدودة في مجال الأسهم الخاصة. هذا الاستثمار أثار الكثير من التساؤلات حول الطابع الشخصي-الاقتصادي للعلاقة بين الطرفين.
ومن جهة أخرى، يمتد تأثير السعودية إلى دوائر نفوذ ترامب عبر علاقاتها المعقّدة مع إيلون ماسك، أحد أبرز الشخصيات المؤثرة حالياً في السياسة الأميركية. فعلى الرغم من أن العلاقة بين صندوق الاستثمارات العامة وماسك شهدت توترات سابقة – خاصة في عام 2018 عندما وقع خلاف حول محاولة خصخصة شركة تسلا – إلا أن الروابط التجارية لم تنقطع. فقد تحوّل الصندوق لاحقاً للاستثمار في شركة “لوسيد” المنافسة لتسلا، لكنه بقي حاضراً في مشاريع ماسك من خلال “المملكة القابضة” التي تملك حصصاً في شركاته.
وفي عام 2024، أعطى ظهور ماسك في “مبادرة مستقبل الاستثمار” – المؤتمر السنوي للمستثمرين الذي يُنظّمه صندوق الاستثمارات العامة – إشارة واضحة إلى عودة الحرارة في العلاقة بين الطرفين. وتُعد استثمارات السعودية في شركة xAI، شركة ماسك الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، دليلاً إضافياً على تقاطع المصالح التكنولوجية بين الجانبين، في وقت تُشكّل فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي أحد أعمدة “رؤية 2030”.
في ضوء هذه العلاقات المتشابكة – والتي تجمع بين النفوذ السياسي، والاستثمارات الشخصية، والتقاطعات الاقتصادية – يبدو أن الرياض تراهن على “رأس مال العلاقات” كوسيلة لتعزيز نفوذها في واشنطن خلال ولاية ترامب الثانية. ولكن رغم ما توفره هذه العلاقات من فرص، فإنها تنطوي أيضاً على مخاطر، أبرزها احتمال تسيس العلاقة بين البلدين، أو تحوّلها إلى رهينة مزاج أفراد لا مؤسسات، في وقت تحتاج فيه المملكة إلى استقرار دولي ومؤسساتي لتأمين بيئة مناسبة لإنجاح “رؤية 2030”.
التوقعات والآثار على ألمانيا والاتحاد الأوروبي:
بفضل علاقاتها التجارية الراسخة مع دونالد ترامب ومحيطه، من المرجح أن تتمتع المملكة العربية السعودية بقدرة سلسة نسبياً على الوصول إلى الإدارة الأميركية الجديدة، إذا عاد ترامب إلى البيت الأبيض. ويُعزز هذا التقدير وجود شخصيات نافذة ضمن الدائرة المحيطة به تربطها مصالح مباشرة بالرياض، سواء من خلال صندوق الاستثمارات العامة أو عبر مشروعات استراتيجية قائمة. ومن بين هذه الشخصيات، يبرز إيلون ماسك، الذي تجمعه علاقات اقتصادية معقدة مع السعودية، من جهة، وعلاقات تجارية متشابكة مع الصين، من جهة أخرى. ويبدو أن هذا الموقع الفريد لماسك قد يُتيح له القيام بدور غير رسمي في تخفيف حدة التوترات بين واشنطن وبكين – وهي أولوية قصوى بالنسبة للمملكة، التي تعتمد بشكل متزايد على العلاقات الاقتصادية مع الصين لتنفيذ خطتها التنموية “رؤية 2030”.
في هذا الإطار، يُنظر إلى اللقاء غير المتوقع بين ماسك والسفير الإيراني لدى الأمم المتحدة، والذي ناقشا فيه سبل خفض التوتر في الشرق الأوسط، كخطوة تصب في مصلحة الرياض. إذ تسعى المملكة إلى الحفاظ على مناخ إقليمي مستقر يعزز الاستثمارات ويُجنّبها الدخول في مواجهات مباشرة، خاصة في ظل التهديدات التي قد تطرحها سياسة ترامب المتشددة تجاه إيران.
رغم ذلك، لا يغيب عن صانعي القرار في المملكة احتمال أن تتسبّب السياسة الخارجية الأميركية القادمة في تعطيل أهداف “رؤية 2030″، سواء من خلال ضغوط اقتصادية ناجمة عن انخفاض أسعار النفط، أو من خلال تصعيد جيوسياسي مع إيران أو الصين. كما أن إشارات ترامب المتكررة خلال حملته الانتخابية إلى “اعتماد” السعودية على الحماية الأميركية – والتي طُرحت بأسلوب تهديدي ضمني – قد قرعت أجراس الإنذار في الرياض. ومن غير المرجح أن تراهن القيادة السعودية، التي تسعى لتعزيز استقلالية قرارها، على العلاقات التجارية وحدها لضمان موقعها في المعادلة الأميركية.
بل على العكس، يبدو أن الرياض تتّبع نهجاً حذراً في إعادة تشكيل توازناتها الدولية، حيث تُحجم حالياً عن تعميق تحالفاتها مع الصين أو روسيا بشكل علني، كما يتجلى من تردّدها في الانضمام الكامل إلى مجموعة البريكس. هذا السلوك يعكس إدراكاً دقيقاً لمخاطر الاصطفاف في نظام عالمي يتجه نحو الاستقطاب، ويكشف في الوقت نفسه عن نافذة مفتوحة أمام شراكات جديدة، أكثر براغماتية وتعددية.
وهنا تبرز فرصة مهمة أمام ألمانيا وشركائها الأوروبيين. فبدلاً من ترك المجال مفتوحاً أمام الاصطفاف السعودي الأميركي أو السعودي الصيني، بإمكان الأوروبيين لعب دور الوسيط المتوازن، وتعزيز التعاون الاستراتيجي مع المملكة في ملفات ذات اهتمام مشترك. وتُعد السعودية شريكاً محورياً لأوروبا في إدارة التوتر مع إيران بشأن برنامجها النووي، كما أنها تلتقي مع الأوروبيين في الالتزام العلني بحل الدولتين كسبيل لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي – وهو موقف يضعها على مسافة من إدارة ترامب المتوقعة.
إنّ حجم التداخل في المصالح السعودية الأوروبية كبير، لكنه لا يزال دون استثمار فعّال. ولذلك، ينبغي على برلين والعواصم الأوروبية الأخرى أن تتعامل مع هذا الملف بجدّية أكبر مما فعلت حتى الآن، من خلال استكشاف إمكانات التعاون التكنولوجي والطاقي والاقتصادي، وفتح قنوات تنسيق سياسي أعمق. فمع صعود التوترات العالمية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى شراكات متعددة الاتجاهات، تقوم على المصالح المتقاطعة، لا على الولاءات الأحادية.
الوضع مع الصين: تعقيدات وفرص استراتيجية:
رغم أن أوروبا تشترك مع المملكة العربية السعودية في سعيها إلى إقامة علاقات اقتصادية مستقرة مع الصين، فإن الوضع فيما يتعلق بالتعامل مع بكين أكثر تعقيداً. كما هو الحال مع الرياض، يسعى الأوروبيون جاهدين إلى الحفاظ على علاقات تجارية قوية مع الصين في إطار التوجهات الاقتصادية طويلة المدى. وفي هذا السياق، تُعد الصين شريكاً مهماً لأوروبا في العديد من القطاعات الحيوية، من التجارة إلى التكنولوجيا والاستثمارات. ومع ذلك، لا يُخفى على الأوروبيين التحديات التي تفرضها القوة الاقتصادية المتزايدة لبكين، حيث لا يوجد أيّ طرف في أوروبا لديه مصلحة في خوض حرب تجارية قد تؤثر سلباً على مصالحه الاقتصادية.
إلا أن هذا لا يعني أن الأوروبيين يمكنهم تجاهل المخاطر المرتبطة بالعلاقات مع الصين. يجب على الدول الأوروبية أن تدعم النهج الأمريكي في مسألة نقل التكنولوجيا المتقدمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتقنيات حساسة تتعلق بالأمن القومي والدفاع. فبمجرد أن تسعى الصين للوصول إلى هذه التقنيات عبر التفاوض المباشر أو من خلال التلاعب بالعقوبات الغربية، يتعين على أوروبا أن تُقوي من موقفها عبر التنسيق مع الولايات المتحدة، لضمان أن تدفق التقنيات الحساسة إلى الصين لا يتم عبر الطرق غير المشروعة.
مواجهة التحديات في أسواق الطاقة: فرص استراتيجية لأوروبا:
علاوة على ذلك، يتيح الوضع الحالي فرصة استراتيجية لأوروبا لاستغلال الاختلافات المحتملة بين الرياض وواشنطن فيما يتعلق بأسعار النفط. فمع الإحباط المتزايد لدى المملكة العربية السعودية إزاء تراجع هيمنتها داخل “أوبك+”، أصبحت الرياض أقل ميلاً للتماشي مع مصالح الدول الأخرى الأعضاء في المنظمة – لاسيما روسيا. وتبدو المملكة الآن أكثر استعداداً للتقليل من تعاونها مع روسيا، خصوصاً في ظل انخفاض الأسعار العالمية للنفط والحصص الثابتة للإنتاج. وفي هذه الظروف، يمكن لأوروبا التنسيق مع الولايات المتحدة للتأثير على الأسعار عبر تعزيز العقوبات ضد صادرات النفط الروسية.
إن هذا التنسيق يمكن أن يُحدث توازناً في أسواق النفط، حيث يمكن أن تؤدي زيادة معتدلة في حصص الإنتاج السعودي إلى تعويض أي زيادة في الأسعار تنتج عن تقليص الإمدادات الروسية. وبذلك، تُتاح لأوروبا فرصة استراتيجية لتقوية موقفها في أسواق الطاقة العالمية، مع تقليص الاعتماد على النفط الروسي واحتواء نفوذ موسكو في سوق الطاقة الدولية.
التوقيت الملائم:
يبدو أن التوقيت الحالي أكثر ملاءمة لتحقيق هذا الهدف. فمع الإحباط السعودي المستمر حيال تراجع دورها في “أوبك+”، قد تكون الرياض أكثر استعداداً للقيام بخفض حصص الإنتاج لدعم أسعار النفط، خاصة إذا كان هذا يتماشى مع مصالحها الاقتصادية المباشرة. يمكن لأوروبا أن تستغل هذا السياق بالتعاون مع واشنطن لفرض المزيد من القيود على صادرات النفط الروسي عبر فرض عقوبات إضافية.
إن هذه الاستراتيجية، التي تجمع بين تعزيز التنسيق الأوروبي مع واشنطن وتوجيه ضغوط على روسيا في أسواق الطاقة، من شأنها أن تحقق فوائد مزدوجة: أولاً، إضعاف قدرة روسيا على استخدام الطاقة كسلاح سياسي واقتصادي؛ وثانياً، تعزيز دور أوروبا كمحور رئيسي في صناعة النفط العالمية من خلال استغلال الفراغ الذي قد تتركه روسيا في السوق.
ستيفان رول
أنتونيا ثيس
الدكتور ستيفان رول: زميل أول في قسم أبحاث أفريقيا والشرق الأوسط
وأنتونيا ثيس هي باحثة دكتوراه في جامعة فريدريش ألكسندر إرلانجن نورمبرج.
رابط البجث:
https://www.swp-berlin.org/publikation/saudi-arabias-vision-2030-and-trumps-second-term

