بعد أكثر من عقد من الحرب والنزاع، أعلن الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، في 29 مارس/آذار عن تشكيل حكومة جديدة من 23 عضواً لتحل محل حكومة تصريف الأعمال التي كانت قائمة منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، وذلك عقب سقوط نظام بشار الأسد. هذه الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة في سوريا التي تتطلع إلى إعادة بناء مؤسساتها السياسية والاجتماعية، وتضع البلاد على مسار ديمقراطي مُحتمل بعد عقود من الحكم الاستبدادي.
إطار دستوري جديد
قبل تشكيل الحكومة، صدر دستور انتقالي في 15 مارس/آذار 2025، وقد وضع هذا الدستور الأساس القانوني لما بعد الأسد، وهو يتضمن إجراءات تهدف إلى تأسيس نظام سياسي جديد يتسم بالشفافية والمشاركة الفعالة لجميع أطياف المجتمع السوري. كما يحدد هذا الدستور كيفية توزيع السلطة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية، وهي نقطة محورية بالنظر إلى القضايا العالقة في مناطق مختلفة من سوريا، مثل تلك التي تحت سيطرة الأكراد أو المناطق التي تسيطر عليها القوات المدعومة من تركيا.
تشكيل الحكومة: خطوة للأمام ولكن التحديات مستمرة
مع إعلان الحكومة الجديدة، يسعى الشرع إلى تفادي الانتقادات التي كانت موجهة إلى حكومة تصريف الأعمال السابقة، والتي كانت تضم عددًا من الشخصيات المرتبطة بجماعة هيئة تحرير الشام، وتشكيلتها كانت محصورة في دائرة ضيقة من أقرب الحلفاء. لذا، يُتوقع أن تضم الحكومة الجديدة مجموعة من الشخصيات ذات الطابع التوافقي، التي تهدف إلى تحقيق نوع من التوازن بين القوى المختلفة في سوريا. ومع ذلك، قد تكون هذه الخطوة مجرد بداية لمرحلة طويلة من المناقشات والاختبارات العملية التي ستحدد نجاح الحكومة.
التحديات في المستقبل: التقسيم، الأمن، واللاجئون
تواجه الحكومة الجديدة تحديات كبيرة، على رأسها التوزيع العادل للسلطة بين مختلف الفئات والطوائف السورية، بما في ذلك الأكراد، السنة، العلويين، والدروز. من المهم أن تتمكن الحكومة من معالجة المخاوف حول الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وضمان حقوق جميع المكونات. ستكون أيضًا هناك صعوبة في تنسيق القوى المحلية، مثل قوات سوريا الديمقراطية (SDF) في الشمال الشرقي، حيث سيظل المطلب الكردي في اللامركزية أو الفيدرالية قضية شائكة.
وبالإضافة إلى ذلك، يبقى ملف الأمن أولوية رئيسية، حيث سيحتاج الجيش السوري إلى إعادة تنظيمه في إطار دولة ما بعد الأسد. سيكون هناك حاجة إلى جهود مستمرة في مكافحة الإرهاب، خصوصًا من تنظيم داعش وغيره من الجماعات المتطرفة التي لا تزال تشكل تهديدًا في بعض المناطق.
أما فيما يخص اللاجئين السوريين الذين يعيشون في البلدان المجاورة، فإن العودة إلى وطنهم قد تظل معقدة، ما لم تتوفر الظروف الأمنية والسياسية الملائمة، والتي ستكون ضرورية لإعادة بناء المجتمعات المدمرة.
مشاركة دولية: دعم أم تدخل؟
من المتوقع أن تلعب الجهات الفاعلة الدولية دورًا حاسمًا في هذه المرحلة الانتقالية، سواء كان ذلك من خلال الدعم المالي أو السياسي، أو عن طريق ضغط دبلوماسي. الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا، وإيران كلها تعتبر أطرافًا رئيسية في هذا السياق، وستسعى كل منها إلى ضمان مصالحها أثناء المفاوضات حول مستقبل سوريا.
بالإضافة إلى ذلك، ستظل سوريا بحاجة إلى دعم إنساني لإعادة بناء بنيتها التحتية وإعمار المناطق التي تضررت بشدة من الحرب، وهو أمرٌ قد يكون صعب التحقيق في غياب آليات فعالة وموارد مالية ضخمة.
ماذا يوحي تشكيل الحكومة الجديدة؟
تُظهر التعيينات الوزارية في الحكومة السورية الجديدة مزيجاً معقّداً من الانتماءات والتوجهات. فعلى الرغم من سعي الرئيس المؤقت أحمد الشرع إلى إضفاء طابع توافقي يشمل التكنوقراط وشخصيات مستقلة وذات خبرة، لا تزال هيئة تحرير الشام تحتفظ بسيطرة واضحة على أبرز مفاصل السلطة.
فقد احتفظت الهيئة بالمناصب السيادية الثلاثة: وزارة الخارجية (أسعد الشيباني)، الدفاع (مرهف أبو قصرة)، والداخلية (أنس خطاب)، إضافة إلى وزارة العدل (مظهر الويس)، مع إدراج هذه الحقائب ضمن مجلس الأمن الوطني المُشكَّل حديثاً، ما يمنح الهيئة تأثيراً مباشراً على سياسات الأمن والدفاع والخارجية، أي المثلث الأقوى في بنية الدولة. ويُعزز هذا النفوذ تعيين عدد من شركائها المقرّبين في وزارات حيوية كالإدارة المحلية والطاقة والتنمية.
لكن في محاولة واضحة لموازنة الصورة، ضمّت الحكومة أيضاً شخصيات مستقلة ذات مصداقية، بعضها يحمل خلفية أكاديمية أو مهنية دولية، في خطوة تهدف إلى تهدئة القلق الدولي والمحلي من احتكار هيئة تحرير الشام للسلطة، وربما كسب ثقة شرائح من المجتمع السوري كانت ترفض الحكم الإسلامي المتشدّد أو تخشى عودة نُسَخ مستنسخة من حكم ما قبل الثورة.
في خطوة تحمل دلالات رمزية وسياسية، ضمّت الحكومة السورية الجديدة تسعة وزراء من الأقليات الرئيسية (الأكراد، الدروز، المسيحيين، والعلويين)، دون انتماء حزبي معروف، في محاولة واضحة لإظهار شمولية وطنية تعكس تنوّع البلاد. من بين التعيينات اللافتة:
- رائد صالح، رئيس منظّمة “الخوذ البيضاء”، عُيّن وزيراً لإدارة الطوارئ، في إشارة إلى الاعتراف بجهود المجتمع المدني في زمن الحرب.
- حمزة مصطفى، الإعلامي المعروف بمواقفه المناهضة للأسد، أصبح وزيراً للإعلام، ما قد يُنبئ بتحوّل – ولو جزئي – في النهج الإعلامي الرسمي.
- محمد تركو، الأكاديمي الكردي، أصبح وزيراً للتربية، وهو تعيين مهم في ظل مخاوف من أسلمة المناهج ومواصلة سياسة “تعريب” المناطق الكردية.
كما يُعدّ إدراج ثلاثة وزراء سابقين في عهد الأسد (محمد نضال الشعار، يعرب بدر، ومحمد ياسر برنية) مؤشراً على رغبة الرئيس المؤقت أحمد الشرع في الاستفادة من الخبرات التكنوقراطية، لا سيّما لمواجهة الانهيار الاقتصادي المزمن. ويبدو أن هذه التعيينات تهدف إلى طمأنة المجتمع الدولي بأن الحكومة الجديدة ليست انقلاباً إسلامياً أو استمراراً للثورة المسلحة، بل محاولة لبناء مؤسسات دولة حديثة.
لكن رغم هذا الانفتاح النسبي، تظل هيئة تحرير الشام تحتفظ بقبضتها على مفاصل السلطة السيادية والأمنية، وتُبقي سوريا في مواجهة مباشرة مع العقوبات الغربية. فتصنيف الهيئة كمنظّمة إرهابية ما زال قائماً،
وهو ما يحدّ من قدرة الحكومة على الوصول إلى التمويل الدولي أو الانفتاح الدبلوماسي الحقيقي،
الحكومة الجديدة تحاول التوازن بين الضرورات الواقعية والانفتاح الرمزي، لكن نجاحها سيعتمد على قدرتها على الحد من سيطرة هيئة تحرير الشام فعلياً، واستعادة الثقة محلياً ودولياً، لا سيما في ملفي الاقتصاد وحقوق الأقليات.
ردود الفعل على الحكومة السورية الجديدة: بين التحفّظ الداخلي والترحيب الإقليمي
تفاوتت ردود الفعل على تشكيل الحكومة السورية الجديدة بين الأوساط المحلية والدولية، ما يعكس التعقيدات السياسية والاجتماعية التي لا تزال تحكم المرحلة الانتقالية في سوريا. داخلياً، عبّر بعض السوريين عن خيبة أمل واضحة من استمرار سيطرة الرئيس المؤقت أحمد الشرع وشخصيات بارزة من هيئة تحرير الشام على المناصب السيادية، معتبرين أن ذلك يُضعف فرص التغيير الحقيقي ويعيد إنتاج نماذج الحكم الإقصائي. في المقابل، أبدى آخرون قدراً من التفاؤل الحذر، معتبرين أن التشكيلة الجديدة قد تساهم في استعادة قدر من الاستقرار الضروري للبدء بإعادة الإعمار.
وكما قال طبيب مقيم في دمشق لمجموعة الأزمات الدولية:
“الاستقرار أمر بالغ الأهمية، بالنظر إلى التحدّيات التي نواجهها في إعادة إعمار البلاد. وفي نهاية المطاف، يكمُن السؤال الأهم في ما إذا كانت هذه الحكومة ستكتسب الشرعية وتنجح في رفع العقوبات.”
على الصعيد الدولي، كانت ردود الفعل الإقليمية أكثر إيجابية.
- الدول العربية رحّبت بالتشكيلة الجديدة، على أمل أن تمهّد الطريق لاستقرار مستدام وعودة تدريجية لسوريا إلى محيطها العربي اقتصادياً ودبلوماسياً.
- تركيا وصفت الحكومة بأنها “خطوة إلى الأمام”، مما يُشير إلى احتمال فتح قنوات حوار أوسع، خاصة في ضوء المصالح المشتركة في ملفي اللاجئين ومكافحة الإرهاب.
لكن يظل موقف الغرب أكثر تحفّظاً، نظراً إلى استمرار نفوذ هيئة تحرير الشام داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يُعقّد مسألة الاعتراف الدولي ورفع العقوبات، الحكومة الجديدة وُلدت في بيئة محفوفة بالتحدّيات، وتتراوح الآمال حولها بين الحذر والتفاؤل. ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع أن تُثبت فاعليتها على الأرض وتُقنع الداخل والخارج بجدّيتها في تجاوز إرث الماضي؟
رغم الترحيب الحذر الذي أبدته بعض الدول الغربية بالحكومة السورية الجديدة، إلا أن هذا الدعم يبقى مشروطاً بتقدّم ملموس في مسار الحوكمة الشاملة والإصلاح السياسي. فالموقف الأوروبي والأمريكي لا يزال متردداً، حيث ترى بعض العواصم أن إدراج شخصيات غير مرتبطة بهيئة تحرير الشام في التشكيلة الحكومية قد يكون رمزياً لا أكثر، ولا يعكس تمثيلاً حقيقياً للمجتمعات السورية المتنوعة.
هذا القلق يتقاطع مع شعور واسع بالإقصاء داخل أوساط الأقليات، التي لا ترى في الممثلين الجدد وجوهاً تعبّر عنها فعلياً أو ترتبط بقياداتها السياسية والدينية أو المجتمعية:
- الأكراد: رغم توقيع اتفاق مهم في 10 مارس/آذار بين الحكومة المؤقتة وقوّات سوريا الديمقراطية (SDF)، إلا أن الخلاف انفجر سريعاً بعد إصدار “الإعلان الدستوري” الذي لم يعترف الأكراد به. ومثّل تعيين وزير كردي لا ينتمي إلى قسد استفزازاً واضحاً للمجموعة، التي تسيطر على مناطق شاسعة غنية بالنفط والغاز في الشمال الشرقي، وترى أنها تُقصى من صنع القرار الوطني.
- الدروز: رفض كثيرون في السويداء الاعتراف بممثل الطائفة في الحكومة، كونه لا يملك شرعية روحية أو عسكرية، وهو ما يعكس التوتر بين القيادة المركزية والطوائف القوية محلياً.
- العلويون: لعلّ أكثر الأقليات قلقاً هم العلويون، ليس فقط لكون الوزير المعيَّن لا يمثّلهم فعلياً، بل أيضاً بسبب المجازر التي ارتكبتها فصائل موالية للحكومة في المناطق الساحلية ذات الأغلبية العلوية، في سياق اضطرابات وقعت في مارس/آذار بعد صدامات بين فصائل موالية للأسد وأخرى من النظام الجديد. يعيش العلويون حالة من الخوف والريبة، وسط غموض حيال مستقبلهم في النظام الجديد، وتوتر بشأن المساءلة على الجرائم السابقة.
بينما تتطلّب إعادة بناء سوريا شراكة وطنية حقيقية، تُظهر التطورات الأخيرة أن الشرعية لا تُبنى فقط عبر التعيينات الرمزية أو الاتفاقات الثنائية، بل عبر عملية شاملة تُنهي الإقصاء وتعالج مظالم الماضي. والشرط الغربي لتخفيف العقوبات سيكون صعب التحقق دون هذه الشمولية الحقيقية.
التمثيل النسائي والأقليات في الحكومة السورية الجديدة: محاولة للانفتاح أم استمرارية للهيمنة؟
في تعيين امرأة واحدة فقط من بين 23 وزيراً، تواجه الحكومة السورية الجديدة انتقادات حادة من المدافعين عن المساواة والتمثيل العادل. هند قبوات، الوزيرة المسيحية الوحيدة والمعروفة بنشاطها في قضايا المرأة وحقوق الإنسان، تولّت حقيبة الشؤون الاجتماعية والعمل—منصب يتعدّى الإطار التقليدي لقضايا “النوع الاجتماعي”، لكنه يبقى معزولاً وسط هيمنة الذكور على المواقع السيادية.
قبوات نفسها أعربت عن إحباطها من غياب النساء في التشكيلة الوزارية، كاشفةً أنها حاولت تعيين أخريات دون جدوى، ما يثير الشكوك حول جدّية النظام الجديد في تعزيز تمثيل النساء أو إدماج أصوات مستقلة فعلياً في صُنع القرار.
نمط متكرّر: المركز يمسك بزمام القرار، بينما الأطراف تُستخدم للشرعية
التركيبة الحكومية تعكس استراتيجية واضحة للرئيس أحمد الشرع: احتفاظ بالسلطة الجوهرية في يد نواة ضيقة من مساعديه (معظمهم من خلفية هيئة تحرير الشام)، مقابل إشراك شخصيات مستقلة وأقليات في مناصب غير حساسة لخلق انطباع بالتعددية والانفتاح.
ومع أن إدماج أقليات ومستقلين يوحي بمحاولة لتوسيع القاعدة الشعبية، إلا أن غياب تمثيل حقيقي للفصائل السياسية الكبرى، مثل قوّات سوريا الديمقراطية، والفصائل الدرزية أو العلوية المؤثرة، يُظهر أن الحكومة ليست مستعدة بعد لتقاسم السلطة على أسس سياسية واضحة.
السلطة الحقيقية: لا تكمُن فقط في الحكومة، بل فيمن يملك السلاح والنفوذ المحلي
على الأرض، لا تزال الأجهزة الأمنية والفصائل المسلحة هي من يرسم حدود السلطة الفعلية، من الجيش الوطني في الشمال إلى الميليشيات الدرزية في الجنوب. وتعمل هذه القوى بتنسيق غير مركزي، أحياناً مع وزارة الدفاع، وأحياناً بمعزل عنها تماماً، ما يُكرّس نظاماً هجيناً من الحكم حيث الحكومة الرسمية واحدة من عدّة مصادر نفوذ.
ما الذي يُنبئ به الإعلان الدستوري للانتقال السوري؟
صدر الإعلان الدستوري في 13 مارس/آذار ليشكّل الإطار القانوني المؤقت الذي ينظّم عمل الحكومة الجديدة خلال المرحلة الانتقالية، وقد أُعدّ بواسطة لجنة مكوّنة من سبعة أعضاء قام الرئيس بتعيينهم مباشرة. ورغم أن الغالبية من هؤلاء الأعضاء كانوا من الخبراء القانونيين المستقلين، وضمت اللجنة امرأتين، فإن عملها لم يكن مستقلاً تمامًا، إذ خضعت مقترحاتها لموافقة الرئيس، ما قلّص من استقلالية عملية الصياغة. يُعدّ هذا الإعلان بمثابة دستور انتقالي يُفترض أن يسري مفعوله لمدة خمس سنوات، يُصار بعدها إلى اعتماد دستور دائم تُبنى عليه مؤسسات الدولة المنتخبة.
وقد أرست بنود الإعلان نظامًا رئاسيًا قويًا يُركّز السلطة التنفيذية في يد الرئيس بشكل شبه مطلق، دون وجود منصب رئيس وزراء يُوازن سلطاته. يمنح الإعلان الرئيس صلاحيات واسعة تشمل تعيين ثلث أعضاء البرلمان بشكل مباشر، وتشكيل “لجنة عليا” تتولى اختيار الثلثين المتبقيين، وهو ما يعني أن جميع أعضاء السلطة التشريعية يتم اختيارهم إما مباشرة من قِبله أو من خلال هيئة يسيطر عليها. بالإضافة إلى ذلك، يتولى الرئيس قيادة القوات المسلحة، ويُعيّن نواب الرئيس والوزراء كافة دون الحاجة إلى موافقة تشريعية أو شعبية. كما يملك صلاحية إصدار الأوامر التنفيذية واقتراح التشريعات، ويُخوَّل إعلان حالة الطوارئ لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، بشرط موافقة مجلس الأمن القومي، الذي يُعيّنه هو أيضًا، ما يُضعف فعليًا أي رقابة على هذه القرارات.
وعلى الرغم من النص الرسمي على استقلال القضاء، إلا أن هذا الاستقلال يبقى صوريًا إلى حد كبير، نظرًا لأن الرئيس هو من يعيّن أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وهي الجهة المسؤولة عن الرقابة الدستورية وتفسير القوانين. وبهذا الشكل، يبدو أن الإعلان الدستوري لا يكرّس نظامًا ديمقراطيًا يقوم على فصل السلطات وتوازنها، بل يكرّس سلطة تنفيذية مهيمنة تفتقر إلى الضوابط المؤسسية الفعالة، ما يعكس ميلاً واضحًا نحو الحكم الفردي وتركيز السلطة، ويثير المخاوف بشأن مستقبل الحريات السياسية والتداول السلمي للسلطة خلال المرحلة الانتقالية.
يُشير الإعلان الدستوري إلى التزام مبدئي بمجموعة من الحقوق والحريات الأساسية، حيث ينصّ على فصل السلطات، وضمان حرية المعتقد، والمساواة بين المواطنين دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الجنس. كما يُؤكّد على حماية حرية الرأي والتعبير، وحرية الإعلام والنشر، ويمنح المواطنين الحق في المشاركة السياسية، بما في ذلك تكوين الأحزاب. كذلك، يدعم الإعلان حقوق المرأة، لاسيما في مجالي التعليم والعمل، ويُقرّ بمجموعة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأوسع. ومن النقاط المهمة في الإعلان، إقراره بالصلاحية الدستورية للمعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي سبق أن صادقت عليها الدولة السورية، حتى وإن كان تفعيل معظم هذه الاتفاقيات لا يزال مشروطًا بإصدار تشريعات محلية مناسبة.
رغم هذه البنود التي توحي بالتقدمية والانفتاح، فإن الإعلان لم يحظَ بإجماع وطني، وأثار قلقًا لدى شرائح واسعة من المجتمع السوري. فبعض الفاعلين السياسيين والاقتصاديين، مثل رجل الأعمال أيمن أصفري، انتقدوا القوى المسيطرة التي تقف وراء الإعلان، واصفين إياها بالإقصائية والانفرادية وغياب المساءلة. ويُعبّر هذا النقد عن مخاوف لدى الطبقة الوسطى في البلاد من تحكّم جهات غير منتخبة أو غير شفافة بمسار المرحلة الانتقالية. من جهة أخرى، وجّهت قوات سوريا الديمقراطية انتقادات حادّة للإعلان، معتبرةً أنه يتجاهل بشكل واضح حقوق المكونات الثقافية واللغوية والسياسية المتنوعة في البلاد، وخاصة المجموعات الكردية والمجتمعات غير العربية. وتُصرّ هذه القوات على أن النموذج المركزي الذي يكرّسه الإعلان لا يُلبّي تطلعات الشعب السوري، وتطرح في المقابل نظامًا فيدراليًا كبديل أكثر عدالة وتمثيلًا، لا سيما لمناطق شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها.
بالتالي، يعكس الإعلان تناقضًا واضحًا بين النصوص التي تُظهر التزامًا بالحقوق والحريات، وبين الواقع السياسي والاجتماعي الذي يشهد إقصاءً لبعض الفئات، ورفضًا لبنية الدولة المركزية القائمة، ما يثير تساؤلات حول مدى قابلية الإعلان للتطبيق الشامل والعادل في ظل الانقسامات الحالية.
تُسلّط هذه الفقرة الضوء على التوتر القائم بين الخلفية الجهادية لهيئة تحرير الشام ومحاولاتها الحالية لتقديم نفسها كسلطة حكم شرعية تحترم التعددية وتتبنّى خطاباً دينياً أكثر اعتدالاً. فبالرغم من أن الدستور الانتقالي الجديد لا يُحدث تغييرات جذرية في علاقة الدين بالدولة مقارنة بالميثاق السابق، فإنه يُدخل تعديلاً لغويًا حساسًا، يُشير إلى الفقه الإسلامي السُنّي بوصفه “المصدَر” للتشريع، بدلاً من “المصدر الرئيسي”، ما يُثير تساؤلات جدّية لدى الأقليات الدينية الكبيرة في سوريا بشأن مدى شمولية وحيادية هذا التوجه الدستوري.
لكن القراءة الأعمق لموقف القيادة الجديدة من دور الدين في الحكم لا تقتصر على نص الدستور فقط، بل تتضح بشكل أوضح في إنشاء مجلس الإفتاء الجديد، الذي أسّسه الشرع ليُراجع القوانين والتشريعات من منظور الشريعة الإسلامية. يتألف المجلس من أربعة عشر عضواً، جميعهم من السنّة، ومع أن قلة منهم ينتمون مباشرة إلى هيئة تحرير الشام، فإن معظمهم مرتبطون بها من خلال تحالفات وتعاونات سابقة، دون أن يكونوا جميعًا ملتزمين بتوجّهاتها السلفية أو المتشددة. المفارقة اللافتة أن المجلس يرأسه الشيخ أسامة الرفاعي، وهو شخصية دينية معروفة بانتقاداته العلنية لهيئة تحرير الشام، وقد سبق له أن ترأس المجلس الإسلامي السوري المعارض في إسطنبول. هذا الاختيار يُشير إلى محاولة الهيئة احتواء الخطاب الديني، لا بالضرورة لتعزيز رؤيتها السلفية، بل للسيطرة على الفضاء الديني وضمان ألا تنشأ معارضة دينية من داخل الوسط السُنّي ذاته، وهو ما يراه مراقبون خطوة استراتيجية أكثر من كونها عقائدية.
ومع أن المجلس لا يزال في بداياته، ولم تتضح بعد مكانته الفعلية أو مدى تأثيره، فإن سجل هيئة تحرير الشام في إدلب يوحي بأن وظيفته الأساسية قد تكون إضفاء شرعية دينية على حكمها. فغالبية الفتاوى التي أصدرتها الهيئة حتى الآن تناولت قضايا إدارية واجتماعية يومية، مثل الإيجارات والمعاملات التجارية، لا المسائل العقائدية أو السياسية الكبرى. وحتى في المسائل المثيرة للجدل، كما في إغلاق المساجد خلال جائحة كوفيد-19، اتسمت النقاشات بقدر من المرونة والميل إلى الواقعية، مقارنة بالصورة النمطية المتشددة المرتبطة بالهيئة سابقاً.
بالتالي، يبدو أن هيئة تحرير الشام تسعى اليوم إلى تقديم نموذج حكم أكثر انفتاحاً من ماضيها الجهادي، دون أن تتخلى كليًا عن أدوات السيطرة، خاصة في المجال الديني، الذي تعتبره أساسيًا في ضبط المجال العام وتحييد معارضيها المحتملين داخل المجتمع السُنّي.
ما هي أولى مهام الحكومة الجديدة؟
تواجه الحكومة الجديدة تحديات ضخمة تتطلب تحقيق اعتراف دولي لتفادي المزيد من الصراعات ولإنقاذ الاقتصاد السوري المتدهور. في هذا السياق، قام الرئيس والوزراء الرئيسيون برحلات دبلوماسية مكثفة في الشرق الأوسط وأوروبا، ساعين إلى تقديم صورة جديدة لسوريا في مرحلة ما بعد الأسد. خلال هذه اللقاءات مع الحكومات العربية والأوروبية، تم التأكيد على أهمية الانتقال السياسي الشامل الذي يعكس التنوع الكبير في المجتمع السوري، وهو ما يُعتبر أساسيًا لتحقيق الاستقرار في البلاد. ورغم أن الحكومة الجديدة تُعدّ خطوة مهمة إلى الأمام في هذه العملية، فإنها لم ترتقِ إلى مستوى التوقعات، إذ يظهر أنها تتبنى نهجًا حذرًا ومحدودًا في تقاسم السلطة مع الجماعات السياسية والاجتماعية غير المرتبطة بهيئة تحرير الشام. هذا الحذر في التقدّم قد يعكس ترددًا في إضفاء طابع شامل ومُتنوع على الحكم في مرحلة ما بعد الأسد، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة الجديدة على تلبية مطالب مختلف الفئات السورية في المستقبل.
على الرغم من التقدّم الذي أحرزته الحكومة الجديدة نحو الحصول على اعتراف دولي أوسع، خصوصًا من خلال بناء علاقات مع دول مهمة مثل تركيا ودول الخليج العربية، فإنها تواجه تهديدات خطيرة من القوى الخارجية. تظل إسرائيل القوة الأجنبية الأكثر زعزعة للاستقرار في سوريا، حيث قامت بغزو جنوب البلاد مباشرة بعد سقوط نظام الأسد وأقامت منطقة منزوعة السلاح بحكم الأمر الواقع، مدّعية أن الهدف هو ردع الهجمات على إسرائيل. ورغم ذلك، لم تُبدِ الحكومة الجديدة أو أي جماعة مسلحة تحت سلطتها أي نية لمهاجمة إسرائيل. في هذا السياق، أدت الغارات الجوية الإسرائيلية في ديسمبر 2024 إلى تدمير القدرات العسكرية الرئيسية في سوريا، وما تزال إسرائيل تستمر في استهداف المنشآت العسكرية السورية في مختلف أنحاء البلاد.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى إسرائيل إلى التأثير في التركيبة العرقية والدينية في سوريا لصالحها، ومن ذلك عرض حماية الدروز في الجنوب السوري، وهي المبادرة التي قوبلت برفض قاطع من قِبَل زعماء الطائفة الدرزية. هذه الأنشطة الإسرائيلية تضعف قدرة الحكومة الانتقالية على فرض سيطرتها على كامل الأراضي السورية، ما يعرقل أي مساعي لتحقيق الاستقرار الداخلي. علاوة على ذلك، قد تؤدي هذه التطورات إلى دفع دمشق نحو تحالف أوثق مع أنقرة، ما يفتح الباب لمنافسات إقليمية قد تكون ذات عواقب وخيمة، خاصة إذا دخلت تركيا وإسرائيل في صراع على الهيمنة على المجال الجوي السوري.
وفي الوقت الراهن، بدأت تركيا وإسرائيل في إجراء محادثات لخفض التصعيد، بهدف تجنب المواجهات غير المقصودة بين قواتهما الجوية في سماء سوريا، وهو ما يعكس الوضع المعقد والمشحون الذي يعيشه البلد في سياق الصراع الإقليمي والدولي.
إن توسيع نطاق الاعتراف بالحكومة الجديدة سيشكل خطوة رئيسية نحو رفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، وهو ما يُعد أمرًا حاسمًا لإنعاش الاقتصاد السوري المُدمَّر وتعزيز الاستقرار الداخلي. وقد أكّدت الحكومات الأجنبية، بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي، موقفها الثابت في هذا الصدد، حيث وضعت شروطًا واضحة لأي رفع للعقوبات، أبرزها إحراز تقدّم ملموس من قبل القوى الجديدة في دمشق في مجالات مثل شمولية الانتقال السياسي وإشراك جميع الأطياف السورية في عملية بناء الدولة. ورغم التحديات الكبيرة، شهدت الأشهر الأخيرة تطوّرات مشجّعة في هذا الاتجاه، مثل قرار الاتحاد الأوروبي تعليق عدد من القيود التجارية المفروضة على سوريا، وهي خطوة تُعدّ ضرورية للغاية، إذ لا تزال العقوبات الاقتصادية تمثل أكبر عقبة أمام عملية التعافي وإعادة الإعمار في البلاد.
وأخيرًا، تواجِه الحكومة المؤقتة العديد من التهديدات الداخلية التي قد تؤثر على استقرارها. من أبرز هذه التحديات، إعادة بناء الأجهزة الأمنية بشكل فعّال للسيطرة على الجماعات المتمرّدة السابقة التي لا تزال مسلّحة وتتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقلالية عن دمشق. يجب على الحكومة أيضًا تعزيز الجيش الوطني المُشكّل حديثًا وضبطه بما يضمن قدرته على مواجهة الأحداث الأمنية المتصاعدة، مثل حادثة القتل التي وقعت على طول الساحل في أوائل مارس/آذار، والتي ارتكبتها جماعات تابعة ظاهريًا لوزارة الدفاع، لكنها تعمل فعليًا دون قيادة مركزية أو سيطرة حقيقية.
أمّا التحدّي الأكبر فيتمثل في عملية ضم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى الدولة السورية. على الرغم من أن اتفاق العاشر من مارس/آذار قد قلّل من احتمالية حدوث مواجهة مباشرة بين الحكومة و”قسد”، إلا أنه لم يُسفر بعد عن مقترحات ملموسة لإعادة دمج المناطق التي تسيطر عليها “قسد” ضمن الدولة السورية، سواء عن طريق توسيع نطاق الإدارة الوطنية أو عبر دمج قواتها الأمنية في الجيش السوري. في هذا السياق، يُحتمل أن يستمر الوضع الراهن، مع تقدم ضئيل نحو دمج قوات سوريا الديمقراطية بشكل كامل في الهياكل الوطنية السورية.
الحكومة التي تم تشكيلها في 29 مارس/آذار هي الأرجح أن تكون الحكومة التي ستحكم سوريا للسنوات الخمس المقبلة. ورغم أنها قد لا تُحقق تطلعات العديد من السوريين في تقاسم السلطة بشكل أوسع وأكثر شمولًا، إلا أنه يتعين على العواصم الأجنبية التعامل معها بشكل بنّاء وواقعي. يجب أن تعمل الدول الأجنبية مع السلطات في دمشق للحد من تصعيد الصراع مع إسرائيل، وتيسير الطريق لرفع العقوبات المفروضة على سوريا، بما يعزز استقرار البلاد. كما ينبغي أن تركز الجهود على منع عودة التشرذم والانقسام داخل سوريا، مع السعي للمضي قدمًا نحو إعداد دستور جديد في غضون السنوات الخمس المقبلة، يضمن تأسيس حكومة أكثر تمثيلًا وشمولًا لجميع أطياف المجتمع السوري.
في هذه المرحلة، يُعتبر الانخراط في النظام الجديد أمرًا بالغ الأهمية؛ لأن فشله قد يؤدي إلى فوضى أعمق في سوريا، وربما يفتح الطريق أمام مزيد من التفكك والصراعات الداخلية. لذا، فإن التعاون الدولي مع الحكومة الحالية يمكن أن يُسهم في تعزيز الاستقرار وتحقيق تقدم تدريجي نحو تحوّل سياسي حقيقي.
25 نيسان/أبريل 2025
جيروم دريفون
ننارحواش
ترجمة يوسف سامي مصري
رابط البحث:
https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/what-lies-store-syria-new-government-takes-power

