ذات صلة

هل يمكن لترامب أن يكون رئيسًا للسلام في إيران؟

بعد ثلاثة أشهر من بدء ولايته الثانية، لم يتمكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الوفاء بالكثير من وعوده الانتخابية، خاصة فيما يتعلق بتحقيق السلام في الصراعات المستمرة في أوروبا والشرق الأوسط. طريقة تعامله مع محادثات روسيا وأوكرانيا، التي شملت تقديم تنازلات لروسيا والضغط على أوكرانيا، أثارت قلقاً أكثر من التفاؤل. وعندما انتهكت إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار مع حماس، الذي ساعد ترامب في التوصل إليه، لم تُظهر الولايات المتحدة أي معارضة بل دعمتها. في هذا السياق، يعتبر اللقاء بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين في عُمان خطوة إيجابية، إلا أنه يتطلب الحذر في التعامل معه.

تبادلات رسائل:
المخاطر تبقى كبيرة، حيث يستمر ترامب في استحضار تهديدات بشن حملة قصف واسعة ضد البرنامج النووي الإيراني بهدف منع طهران من الحصول على قنبلة ذرية. وفي ذات الوقت، يُصر على أنه يفضل حل القضية عبر الوسائل الدبلوماسية، كما أكد في رسالة وجهها إلى المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي. من جانبها، تنفي إيران رغبتها في امتلاك أسلحة نووية، رغم أنها لم تتمكن من تفسير سبب تنفيذها لأنشطة لا تتعلق بتطبيقات مدنية. الإجماع العام، الذي تشارك فيه أجهزة الاستخبارات الأمريكية، يشير إلى أن إيران تسعى إلى امتلاك القدرة على إنتاج أسلحة نووية بدلاً من الاعتماد على امتلاك السلاح كوسيلة رادعة فحسب.

إيران تدين الخطاب العدواني للرئيس ترامب، لكنها في نفس الوقت أظهرت استعدادها للتفاوض بشأن القضية النووية على أساس الاحترام المتبادل. هذا ما يُفترض أن يكون مضمون رسالة المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، إلى الرئيس الأمريكي. ومع ذلك، لدى إيران أسباب قوية لعدم الثقة في ترامب، فبسبب انسحابه من الاتفاق النووي في عام 2018، وهو الاتفاق الذي تم التوصل إليه بعد مفاوضات طويلة وشاقة بين إيران وست قوى عالمية (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي) في عام 2015، فقدت إيران الثقة في التزامات الولايات المتحدة.

انسحاب ترامب الأحادي من الاتفاق النووي، المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، دفع إيران إلى توسيع أنشطتها النووية بشكل ملحوظ، كرد فعل على ما اعتبرته خرقاً من الولايات المتحدة لالتزاماتها. هذا التصرف من ترامب جعل الإيرانيين يشعرون بأن التفاوض مع الإدارة الأمريكية في ظل هذه الظروف سيكون محفوفًا بالمخاطر، لأنهم لا يثقون في استدامة أي اتفاق مستقبلي في ظل تقلب السياسات الأمريكية.

دوافع إيران:
يُعتبر الاجتماع الذي جرى في عُمان خطوة أولى نحو استعادة حد أدنى من الثقة بين الولايات المتحدة وإيران. المشاركة في هذا الاجتماع من جانب شخصيات بارزة مثل ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط والمقرب منه، وسيد عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، تُعتبر مؤشرًا إيجابيًا على جدية الطرفين في نواياهما وطموحاتهما. فبوجود هاتين الشخصيتين الرفيعتين، يبدو أن الطرفين يسعيان لتحقيق أهداف حقيقية، خاصة أن إدارة بايدن قد حاولت لسنوات كسر الحاجز الذي كان يرفض إيران الاتصالات المباشرة على أعلى المستويات.

من جهة أخرى، هناك عدة أسباب قد تفسر مرونة إيران في هذه المحادثات، وأحد أبرز هذه الأسباب هو رغبة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في إعادة إطلاق الاقتصاد الإيراني، الذي تأثر بشدة نتيجة العقوبات الأمريكية القاسية التي فرضت عليه، والتي كانت لها آثار واسعة تتجاوز حدود إيران الإقليمية.

هناك سبب آخر يُفسر مرونة إيران في المحادثات، وهو أن الجمود الحالي في الملف النووي غير مستدام. إذ تواصل إيران تجميع المواد القابلة للاستخدام في تصنيع الرؤوس الحربية النووية، مع إبقائها على مقربة من عتبة القدرة على تصنيع الأسلحة النووية. بحلول الصيف، ستواجه مجموعة “E3” (فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة) قرارًا هامًا بشأن ما إذا كانت ستبدأ تنفيذ إجراء يُعرف باسم “العودة السريعة” (snapback)، الذي من شأنه إعادة فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران، التي تم رفعها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). ورغم أن هذا الإجراء سيكون رمزيًا أكثر منه عمليًا – حيث أن عقوبات الأمم المتحدة لن تضيف الكثير مما لا تغطيه العقوبات الأمريكية التي تمتد خارج الحدود الإقليمية – فإن إيران ستعتبر ذلك بمثابة ظلم كبير، مما سيدفعها إلى الرد.

إيران ستعتبر أن الانتهاك الأصلي لخطة العمل الشاملة المشتركة كان من جانب الولايات المتحدة، وهو ما لم يُعاقب عليه حتى الآن. في حال حدوث “العودة السريعة” للعقوبات، قد تذهب إيران إلى أبعد من ذلك، مثل الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، التي هي طرف فيها كدولة غير نووية، أو على الأقل طرد مفتشي الأمم المتحدة النوويين. في أي من الحالتين، سيتسبب ذلك في جعل إيران في عزلة دولية ويعزز الدعوات للتحرك العسكري لمنع طهران من تطوير أسلحة نووية.

في هذا السياق، تبرز وساطة سلطنة عُمان كأداة دبلوماسية مهمة، حيث لعبت دورًا أكبر من الوساطة الأوروبية، على الرغم من أن الدول الأوروبية الثلاث والاتحاد الأوروبي كانوا جزءًا أساسيًا من اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة.

المخاوف الإيرانية في هذا السياق ليست غير مبررة. فهناك صقور في إسرائيل، بدءًا من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكذلك في الولايات المتحدة، من الكونغرس إلى مراكز الأبحاث، الذين يرون أن الوقت قد حان لتوجيه ضربة حاسمة إلى “محور المقاومة” الذي ترعاه إيران. هذا المحور شهد في الأشهر الأخيرة هجمات قوية، مثل تدمير حركة حماس وتقليص قوة حزب الله على يد إسرائيل ونظام بشار الأسد في سوريا. كما أن الضربات الجوية التي أمر بها ترامب ضد الحوثيين، وهم حلفاء إيران في اليمن، وكذلك إعادة نشر قاذفات الشبح من طراز بي-2 التي تحمل قنابل “خارقة للتحصينات” إلى قاعدة دييغو غارسيا الأمريكية في المحيط الهندي، بالقرب من المنشآت النووية الإيرانية، قد عززت مصداقية التهديد العسكري.

إلى جانب هذه الضغوط العسكرية، هناك سبب آخر وراء انفتاح إيران على الحوار، وهو أن التوصل إلى اتفاق مع ترامب، رغم صعوبته وعدم اليقين بشأن نتيجته، سيحظى بدعم معظم الجمهوريين. كما أن العديد من الديمقراطيين، رغم معارضتهم، قد يتقبلون الاتفاق، مما يعني أن أي اتفاق مع ترامب سيكون أقل عرضة للإلغاء من قبل الإدارات المستقبلية، كما حدث مع خطة العمل الشاملة المشتركة التي ألغتها إدارة ترامب. بالإضافة إلى ذلك، يأمل الإيرانيون في أن يفتح هذا الحوار المجال لإعادة فتح التجارة المباشرة مع الولايات المتحدة، وهو ما لم يشمله اتفاق 2015، الذي كان يركز أساسًا على استئناف التجارة بين إيران وأوروبا.

آفاق المفاوضات:
الغرض من اجتماع عُمان هو استكشاف المواقف الأولية واختبار استعداد الأطراف لتقديم تنازلات. إيران قد ترغب في دفع الأمور نحو اتفاق مؤقت يعمل على تجميد التوترات ويُمهّد الطريق لتوصل الأطراف إلى اتفاق شامل في المستقبل. أما ما تريده إدارة ترامب في هذا السياق، فهو يبقى محط تكهنات.

لتبسيط الوضع بشكل مفرط، يمكن القول أن الإدارة الأمريكية تتبنى وجهتين رئيسيتين بشأن إيران. الأولى، التي يفضلها وزير الخارجية ماركو روبيو ومستشار الأمن القومي مايك والتز وعدد من الجمهوريين (وأيضًا بعض الديمقراطيين) في الكونغرس، بالإضافة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تدفع باتجاه مطالب متطرفة. لا يقتصر الأمر على مطالبة إيران بتفكيك برنامجها النووي بالكامل، بل يشمل أيضًا مطالب بتقليص ترسانتها الصاروخية الباليستية وقطع علاقاتها بالميليشيات التابعة لها، مثل حزب الله والحوثيين وقوات الحشد الشعبي في العراق، وهي الميليشيات التي تمثل “محور المقاومة” الذي يعتبر حيويًا بالنسبة لإيران. إذا ساد هذا التوجه، فإن فرص التوصل إلى تقدم دبلوماسي ستكون شبه معدومة.

المسار البديل هو أن تسعى الإدارة الأمريكية إلى “اتفاق سلام نووي قابل للتحقق”، كما ذكر ترامب مؤخرًا، وهو هدف يمكن أن يكون منطقيًا ويجب إضافته في المفاوضات. هذا الهدف يتوافق مع الموقف الإيراني الذي يبدو أنه مستعد للوصول إلى اتفاق نووي طالما أنه قابل للتحقق. إذا كانت الأطراف قد اتفقت مسبقًا على أن هذه هي النتيجة المرجوة من المفاوضات، فسيكون السؤال الذي يحتاج إلى حل هو كيفية وضع حدود جديدة للأنشطة النووية الإيرانية، بالإضافة إلى إنشاء نظام تحقق فعّال. وهاتان هما التحديات اللتان كان على واضعي خطة العمل الشاملة المشتركة معالجتهما أيضًا.

تكاليف الفشل:
فوائد الاتفاق النووي واضحة في العديد من الجوانب، خاصة من حيث منع انتشار الأسلحة النووية وتعزيز الاستقرار الإقليمي. بالإضافة إلى ذلك، فإن استئناف التجارة المباشرة مع الولايات المتحدة يمكن أن يوفر لإيران حوافز قوية لتجنب التحالف الكامل مع روسيا والصين، وهو التحالف الذي شكلته إيران في السنوات الماضية نتيجة لعزلتها من قبل الولايات المتحدة. هذا الانفتاح التجاري قد يساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية على إيران ويمنحها فرصًا لتحسين وضعها الاقتصادي.

من جهة أخرى، فإن التصعيد العسكري، مثل القصف الذي وصفه ترامب بـ”لم يروا مثله من قبل”، يحمل تكاليف ضخمة قد تفوق الفوائد المحتملة. بينما قد تؤدي الضربات الجوية إلى تأخير البرنامج النووي الإيراني لعدة سنوات، إلا أنها لن تدمره بشكل كامل. وفي حال تعرضت إيران لهجوم عسكري، من المحتمل أن تسعى إلى تطوير رادع نووي، مما سيجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على شن هجمات متكررة على فترات زمنية طويلة، ربما لسنوات.

هذه الحرب لن تقتصر على الجمهورية الإسلامية فقط، بل ستشمل أيضًا القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وإسرائيل، والشحن التجاري في الخليج، التي ستكون أهدافًا للنوع غير المتكافئ من الحرب الذي تُجيده إيران وحلفاؤها. من المتوقع أن تكون الخسائر البشرية ضخمة، وربما تصل إلى الآلاف، مما يزيد من تفاقم الوضع في منطقة تعاني بالفعل من صراعات وحروب دامية في القرن الواحد والعشرين.

ليس من قبيل المصادفة أن يُعتبر احتمال نشوب حرب مع إيران مجرد “وهم” في أوساط بعض المحافظين الأمريكيين، مثل نائب الرئيس جيه دي فانس ومقدم البودكاست الشهير تاكر كارلسون، الذين يُعدّون من أبرز الأصوات الداعمة لهذا الرأي. ولكن للأسف، لا يكفي هذا الرأي لتجنب سيناريو الحرب، الذي يبقى محفوفًا بالمخاطر. إدارة ترامب لا تبدو لديها رؤية استراتيجية واضحة بشأن إيران، والأسوأ من ذلك، أنها تضمّ أفرادًا قد يفتقرون إلى الخبرة أو حتى الكفاءة الكافية، كما ظهرت الفضيحة المرتبطة بتطبيق “سيجنال” بشكل مؤلم، مما يُبرز عمق المشكلة. من المحتمل جدًا أن تفتقر الإدارة إلى الإمكانيات اللازمة مثل الصبر والانضباط والحنكة الدبلوماسية التي تحتاج إليها لإدارة مفاوضات معقدة تقنيًا.

حتى لو تم التوصل إلى اتفاق، هناك احتمال كبير أن يشبه هذا الاتفاق البيان المبهم الذي أصدره ترامب مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون في عام 2018 بشأن نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، وهو بيان كان يفتقر إلى التفاصيل الجوهرية، في حين أن خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) كانت معقدة للغاية، حيث تزيد عن 100 صفحة تحتوي على تفاصيل فنية دقيقة. من هنا، فإن مقاومة ضغوط اللوبي المناهض لإيران، الذي يضم نتنياهو وأعضاء في الكونغرس، ستكون مهمة شاقة للغاية خلال المحادثات، وستصبح أكثر صعوبة بسبب غموض بنود الاتفاق.

على الجانب الآخر، لم يجد ترامب أي مشكلة في عقد الاجتماع في عُمان بعد يومين فقط من ترحيبه مجددًا برئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض، وهو ما قد يُعطي انطباعًا بتضارب المواقف. ومع ذلك، قد يكون ترامب أكثر استقلالية عن المتشددين في التعامل مع إيران مما يعتقده منتقدوه. يبقى الأمل في أن يكون هذا هو الحال بالفعل، مع ضرورة الجمع بين الأمل والحذر الشديد في هذا السياق.

ريكاردو ألكارو
١١ نيسان/أبريل ٢٠٢٥
مركز أسبار
رابط البحث:

https://www.iai.it/en/pubblicazioni/c05/can-trump-be-peace-president-iran