الملخص التنفيذي:
في سبتمبر 2023، تم الإعلان عن مبادرة IMEC، وهي ممر اقتصادي يربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، بمشاركة ودعم من الولايات المتحدة الأمريكية. تهدف هذه المبادرة إلى إحداث تحول جذري في مجالات التجارة والنقل على المستوى العالمي، حيث من المتوقع أن تسهم في تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية بين هذه المناطق، فضلاً عن تسهيل تدفق الطاقة. علاوة على ذلك، تعمل IMEC على خلق جسر رقمي بين القارات، مما يعزز التواصل والتعاون التكنولوجي عبر الحدود. بالنسبة لإسرائيل، تمثل المبادرة فرصة استراتيجية هامة، حيث تتيح لها تعزيز مكانتها كمركز رئيسي للعبور بين آسيا وأوروبا، مما يساهم في توثيق علاقاتها الإقليمية مع دول المنطقة. ومع ذلك، تواجه هذه المبادرة تحديات جيوسياسية معقدة، ما يتطلب تخطيطاً استراتيجياً دقيقاً وتعاوناً إقليمياً فاعلاً ومتقدماً من أجل ضمان نجاحها واستدامتها على المدى الطويل.
في سبتمبر 2023، خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، الهند، تم الإعلان عن مبادرة طموحة لإنشاء “ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC)، وهو مشروع اقتصادي ضخم تحظى بدعمه الولايات المتحدة. تهدف هذه المبادرة إلى ربط الهند والشرق الأوسط وأوروبا من خلال شبكة متطورة من بنى النقل والطاقة، مما يعزز التعاون بين الدول المشاركة في مجالات التجارة والاقتصاد والطاقة والأمن. في هذا السياق، صرحت مفوضة الاتحاد الأوروبي، أورسولا فون دير لاين، بأن الممر ليس مجرد مشروع للبنية التحتية مثل السكك الحديدية أو التلفريك، بل هو “جسر صديق للبيئة ورقمي يربط بين القارات والثقافات”.
من المتوقع أن يحقق هذا الممر الاقتصادي (IMEC) فوائد اقتصادية ضخمة، إلى جانب تحسين الروابط الجيوسياسية بين الدول المشاركة فيه. بالنسبة لإسرائيل، يُعد هذا المشروع فرصة استراتيجية لتعزيز مكانتها كحلقة وصل رئيسية بين آسيا وأوروبا، واستفادة كبيرة من المزايا الاقتصادية التي يقدمها. سيمكن هذا الاندماج إسرائيل من تطوير بنيتها التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، ويحولها إلى مركز رئيسي للنقل بين القارتين. بالإضافة إلى ذلك، سيعزز العلاقات الإسرائيلية مع دول الخليج، ويوسع دائرة شركائها الاقتصاديين، ويقلل من اعتمادها على الأسواق المحدودة. كما سيعمل هذا الممر على تقليل عزلتها الاقتصادية، وهو ما سيسهم في التخلص من تصنيفها كـ “اقتصاد جزيرة” و”جزيرة طاقة”، مما يفتح أمامها آفاقًا جديدة في مجال التجارة والطاقة.
مع ذلك، يعتمد نجاح مشروع “ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC) بشكل كبير على التعاون الإقليمي المستدام، وهو ما يتطلب استقرارًا سياسيًا وتعديلات تنظيمية جذرية لضمان تنفيذه بشكل فعّال. في هذا السياق، يمكن أن تُشعل التوترات الجيوسياسية بين القوى العظمى تنافسًا على مناطق النفوذ الاستراتيجي، خصوصًا في ظل وجود مبادرات مثل “طريق الحرير الجديد” الصيني (مبادرة الحزام والطريق، أو BRI)، التي تسعى إلى توسيع النفوذ الصيني في المنطقة وربطها بشبكات اقتصادية وتجارية جديدة.
علاوة على ذلك، ورغم أن المشروع لا يشترط التطبيع الكامل بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، فإن التعاون الفعّال بين دول المنطقة سيكون حاسمًا لنجاح المبادرة. هذا التعاون يتطلب تنسيقًا مستمرًا بين إسرائيل ودول الخليج، خاصة السعودية، لضمان تدفق العمليات التجارية والتنقلية بشكل سلس وفعّال عبر الممر. مثل هذا التنسيق يحتاج إلى جهد دبلوماسي متواصل وتفاهماً عميقًا حول القضايا الاقتصادية والجيوسياسية لضمان تحقيق الأهداف المرجوة للمشروع.
الممر الاقتصادي والإمكانات الإقليمية
في ظل التغيرات الجذرية والدراماتيكية التي تشهدها المنطقة، أصبح الوقت مناسبًا لإطلاق مبادرات جديدة للتعاون الإقليمي بين إسرائيل والدول العربية المعتدلة، وهو خطوة أساسية نحو ترسيخ مكانة إسرائيل وتعزيز استقلالها في السياق الإقليمي. في الوقت الراهن، بدأت بعض الصراعات بالانحسار، مع انهيار المحور الشيعي وتفكك “حلقة النار” التي كانت جزءًا من الاستراتيجية العلنية لإيران في السنوات الأخيرة. مع ولاية الرئيس ترامب الثانية، أعادت النقاشات حول إمكانية التطبيع بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، بوساطة أمريكية، إلى الواجهة. الحرب المستمرة في المنطقة أثبتت بشكل واضح أهمية تحقيق الأهداف العسكرية وتنفيذ مبادرات عملية لتعزيز الاستقرار الإقليمي، وهو ما قد يُحسن الأوضاع الأمنية والاقتصادية في المنطقة بشكل عام.
في عهد إدارة ترامب الأولى، تم توقيع اتفاقيات تاريخية بين إسرائيل ودول عربية مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب، والتي عُرفت باتفاقيات إبراهيم. هذه الاتفاقيات تأتي لتكمل معاهدات السلام السابقة التي أُبرمت مع مصر والأردن، وهي تمثل جزءًا من سياسة “الدبلوماسية الهادئة” التي انتهجتها إسرائيل منذ تأسيسها، بهدف تعزيز السلام في المنطقة. رغم أن هذه السياسة تفتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني، وتعزز التطبيع بين إسرائيل وجيرانها، إلا أنها تطرح تحديات كبيرة. فالتغيرات السياسية والجيوسياسية في المنطقة قد توفر فرصًا لبعض القوى المتعارضة لاستغلال نقاط الضعف أو التفكك في الخطاب السياسي العربي، مما قد يؤدي إلى تفاقم الصراعات الإقليمية في بعض الحالات.
لذلك، بينما تمثل هذه الاتفاقيات خطوة مهمة نحو السلام، إلا أنها تتطلب توازنًا دقيقًا في إدارة العلاقات الإقليمية والعمل على مواجهة التحديات التي قد تنشأ في ظل التقلبات السياسية الحالية.
من المتوقع أن يُسهم ممر “الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC) بشكل كبير في زيادة حجم التجارة الإسرائيلية مع أسواق جديدة في الخليج والهند وأوروبا، مما يقلل من اعتماد إسرائيل على شركائها التجاريين التقليديين. في هذا السياق، يعتبر الاستثمار في توسيع الموانئ البحرية، خصوصًا في خليج حيفا، أمرًا حيويًا لتعزيز مكانة إسرائيل كمركز تجاري إقليمي. كما أن تحسين البنية التحتية على طول خط سكة الحديد (سكّة حديد الوادي) سيعزز قدرة إسرائيل على تسهيل حركة البضائع بسرعة وكفاءة بين القارات الثلاث.
من خلال هذه التحسينات، يمكن أن تتحول إسرائيل إلى نقطة تجارية حيوية على خريطة النقل العالمية، مما يشجع على تدفق الاستثمارات الأجنبية ويُحفز إنشاء مناطق تجارة حرّة على طول الممر، وخاصة بالقرب من الحدود مع الأردن. هذه المناطق ستكون بمثابة محركات إضافية للنمو الاقتصادي، حيث ستُسهم في تسهيل التجارة والنقل الإقليمي والدولي.
بالإضافة إلى ذلك، سيتيح الاندماج في هذا المشروع فرصًا كبيرة للابتكار في مجالات الخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. يمكن لإسرائيل الاستفادة من التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي والأتمتة، لتحسين عمليات النقل والإدارة، مما يعزز كفاءتها ويزيد من قدرتها على تلبية احتياجات السوق الأوروبية. من خلال هذه التقنيات، ستكون إسرائيل قادرة على تحسين عملياتها اللوجستية وتقديم حلول مبتكرة للعديد من التحديات التي قد تواجهها في هذا الممر التجاري الحيوي.
يشكّل ممر “الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC) أيضًا منصة مثالية لتطوير قطاع الطاقة الخضراء، بما في ذلك الربط بالبنية التحتية للهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، وهو ما من شأنه أن يعزز مكانة إسرائيل كلاعب رئيسي في مجال الطاقة المتجددة وتزويد أوروبا بمصادر طاقة مستدامة. في ظل التوجه العالمي نحو الطاقة المتجددة، يمكن أن يسهم هذا المشروع في تحقيق أهداف الحكومة الإسرائيلية في مجال الطاقة، والتي تسعى للوصول إلى إنتاج 77% من الكهرباء عبر مصادر متجددة بحلول عام 2050.
علاوة على ذلك، يمكن أن يكون دمج التقنيات الإسرائيلية المتقدمة في إدارة الشبكات الذكية وتحلية المياه من المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي، حيث ستفتح المجال لتعاون أكبر مع دول المنطقة في مجالات التكنولوجيا والطاقة المستدامة. هذه التقنيات توفر حلولًا مبتكرة للتحديات البيئية والاقتصادية، وتعزز من قدرة إسرائيل على تقديم دعم حيوي لشركائها الإقليميين.
وفي هذا السياق، تعتبر المبادرة الطموحة فرصة لتعميق الاتصال بين إسرائيل والمحور المعتدل من جيرانها. على مدار العقد الماضي، تم نقل البضائع من أوروبا إلى المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى عبر ميناء حيفا، حيث كانت تواصل طريقها عبر معبر الشيخ حسين الحدودي الإسرائيلي الأردني، في عملية تتم بسرية تامة. هذه السرية كانت تسهم في تقصير طرق النقل، وتعتبر مكسبًا لجميع الأطراف لأنها تسهم في تسريع تدفق التجارة بين دول المنطقة. في إطار المبادرة المتجددة التي تدعمها الإدارة الأمريكية الحالية، يمكن أن يتلقى هذا التعاون مزيدًا من الزخم، مما يعزز قدرة إسرائيل على لعب دور محوري في التجارة والنقل الإقليمي، ويسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
تعتمد مبادرة IMEC بشكل كبير على مشروع ربط سكك حديدية ثوري كان قد تم طرحه في عام 2018 تحت اسم “سكك حديد من أجل السلام الإقليمي”. يهدف هذا المشروع إلى ربط إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والأردن والمملكة العربية السعودية عبر شبكة سكك حديدية عالية السرعة، مما يسهم في تعزيز الاتصال الإقليمي وتيسير حركة النقل بين هذه الدول. الفكرة الأساسية وراء المشروع هي تبسيط نقل البضائع بين الشرق وأوروبا من خلال تقصير أوقات النقل، وتجاوز قناة السويس، بالإضافة إلى تحسين البنية التحتية الأساسية لتحقيق أقصى استفادة من خطوط النقل الحالية.
مبادرة IMEC تتوسع على هذا المشروع، حيث تضيف “الممر الشرقي”، وهو طريق بحري يمتد من الهند إلى الخليج، والذي سيعزز قدرة النقل بين الهند والإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل، وصولاً إلى أوروبا في نهاية المطاف. من خلال دمج هذا المسار البحري مع شبكة السكك الحديدية، سيتسنى للمشروع تحسين تدفق البضائع والخدمات بين هذه المناطق بطريقة أكثر كفاءة وفعالية.
سيسهم هذا التوسع في جعل IMEC ممرًا تجاريًا حيويًا بين قارات آسيا وأوروبا، حيث يعزز التعاون الإقليمي في مجالات النقل واللوجستيات، بالإضافة إلى خلق فرص اقتصادية جديدة لدول المنطقة.
ينقسم مشروع IMEC إلى مرحلتين رئيسيتين. تتضمن المرحلة الأولى إنشاء خط سكة حديد يربط إسرائيل بالأردن في منطقة بيت شان. هذه المرحلة تتطلب بناء مسارات تربط أرصفة الموانئ الخاصة الجديدة في ميناء حيفا بالحدود الأردنية، بالإضافة إلى إنشاء خط سكة حديد يربط معبر الشيخ حسين الحدودي بمدينة إربد الأردنية. ستأخذ هذه الوصلات في اعتبارها معايير السكك الحديدية المختلفة بين إسرائيل والأردن، وستعمل على تجاوز الفروقات الكبيرة في الارتفاع بين الجانبين، مما يتطلب حلولًا هندسية متقدمة لضمان تكامل النظام.
أما المرحلة الثانية، فتتمثل في إنشاء خط سكة حديد مباشر يربط الموانئ الإسرائيلية بالخليج العربي عبر الأردن والمملكة العربية السعودية. وتشمل هذه المرحلة إنشاء مناطق تجارية واسعة، أي “موانئ برية”، التي ستُستخدم لتفريغ ونقل البضائع، مما يسهل التجارة بين الدول المعنية. من المتوقع أن تساهم هذه الوصلات في تسهيل تنفيذ اتفاقيات منطقة التجارة الحرة بين إسرائيل والأردن والولايات المتحدة، والتي تم التوصل إليها بعد إبرام معاهدة السلام بين الدول.
بالرغم من أن المسار الدقيق لمشروع IMEC لم يُكشف بعد، إلا أنه من المتوقع أن يدمج ممرات السكك الحديدية البرية مع خطوط الشحن البحرية. أحد الخيارات المطروحة هو أن تغادر شحنات البضائع من الموانئ الرئيسية في غرب الهند، مثل مومباي. بعد ذلك، يتم تفريغ الشحنات في موانئ الخليج العربي مثل ميناء الدمام في المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى موانئ في الإمارات العربية المتحدة والبحرين. من هناك، تُنقل البضائع عبر سكة حديد عالية السرعة عبر شمال المملكة العربية السعودية والأردن، لتصل أخيرًا إلى إسرائيل عبر معبر الشيخ حسين الحدودي. ثم تسلك البضائع طريقها عبر خط الوادي في إسرائيل الذي يربط بيت شان بحيفا. بعد تفريغها في الموانئ الإسرائيلية، يمكن نقلها إلى أوروبا عبر ممرات شحن بحرية قصيرة. حتى الآن، عرضت عدة دول أوروبية، مثل اليونان وإيطاليا وسلوفينيا، موانئها كبوابات بحرية إلى أوروبا، مما يفتح أمام المشروع آفاقًا واسعة للتوسع في التجارة الدولية.
من خلال هذا التوسع في البنية التحتية، سيسهم مشروع IMEC في تعزيز الروابط التجارية بين آسيا وأوروبا، ويساعد على تقليل أوقات النقل، مما يعود بالفائدة على الاقتصاد الإقليمي والدولي.
بعد اندلاع الحرب في عام 2023، تم إجراء تجربة تجريبية لفحص مسار النقل البري للشاحنات عبر موانئ دبي والمملكة العربية السعودية والأردن، والتي تم تفريغها باستخدام طريقة النقل بالشاحنات “من الخلف إلى الخلف” عند المعابر الحدودية مع إسرائيل، وهي طريقة تم استخدامها بشكل غير رسمي بعد توقيع اتفاقيات إبراهيم. شملت الرحلة الأولى التي تم تنفيذها للجمهور عشر شاحنات سلكت الطريق البري الطويل من موانئ الخليج العربي إلى إسرائيل، مما عكس نجاح التعاون بين دول الخليج والمملكة العربية السعودية والأردن.
كانت هذه التجربة ضرورية بشكل خاص بسبب الحصار الذي فرضه الحوثيون المدعومون من إيران في مضيق باب المندب، ما أدى إلى زيادة المخاطر في المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس. نتيجة لهذه الأنشطة التخريبية، تجنب العديد من شركات الشحن المرور عبر تلك الممرات البحرية، ما دفعها للبحث عن بدائل أكثر أمانًا وفعالية. وقد أظهرت هذه التجربة أن نقل الحاويات من الخليج عبر السعودية والأردن، بدلاً من المرور عبر قناة السويس، أسهم في تسريع حركة الحاويات بشكل ملحوظ بين موانئ حيفا والخليج، حيث تم تقليص أوقات النقل إلى يومين أو ثلاثة أيام فقط.
من خلال استخدام هذا المسار البري، أصبح من الممكن تقليص أوقات النقل بشكل كبير، وهو ما يُمكن أن يُعزز أكثر من خلال تنفيذ خط سكّة حديد عالي السرعة بين هذه الدول، مما سيسهم في تسريع حركة البضائع بشكل أكبر. هذه التطورات تبرز الأهمية الاستراتيجية لمبادرة IMEC في تعزيز الاستقرار التجاري الإقليمي، وتوفير بدائل فعّالة وآمنة للطرق التقليدية، خاصة في ظل التحديات الأمنية الحالية في المنطقة.
من المتوقع أن يشمل الممر الاقتصادي الهندي الأوروبي عبر الشرق الأوسط أيضًا مدّ كابلات اتصالات ووصلات كهربائية تعتمد على الشبكات الحالية، بالإضافة إلى خطوط أنابيب لتصدير الغاز، وخاصة الهيدروجين الأخضر، الذي يُنتَج باستخدام الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية. هذا من شأنه أن يُساهم في تعزيز قدرة الدول على تصدير الهيدروجين الأخضر من الهند ودول الخليج إلى أوروبا، وهو ما يُعد خطوة هامة نحو تحقيق أهداف التحول إلى طاقة نظيفة ومستدامة على المستوى العالمي.
إحدى الطرق التي يمكن من خلالها تسهيل هذه المبادرة هي تخزين الغاز والهيدروجين الأخضر في منشآت مخصصة تم اختبارها بنجاح في إسرائيل ودول أخرى. تمثل هذه المنشآت حلولًا فعالة لتخزين الطاقة المتجددة التي يمكن استهلاكها لاحقًا أو نقلها إلى الأسواق العالمية، مما يعزز من دور المنطقة كمركز رئيسي للطاقة المتجددة.
تعتمد هذه المبادرة الطموحة بشكل كبير على الإمكانات الهائلة التي تمتلكها الهند ودول الخليج في مجال إنتاج الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى دورها في نقل البضائع والطاقة من الشرق إلى الغرب. توفر المساحات الصحراوية الشاسعة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن وإسرائيل ظروفًا جوية مثالية لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وإنتاج الهيدروجين الأخضر. هذه الدول يمكنها الاستفادة من هذه الظروف البيئية لتحقيق طفرة في إنتاج الطاقة المتجددة وتصديرها إلى أوروبا، مما يعزز الاستدامة البيئية ويوفر فرصًا اقتصادية هائلة لدول المنطقة.
بتكامل هذه المبادرة، يصبح من الممكن بناء شبكة طاقة متجددة عبر قارات، تساهم في تلبية احتياجات أوروبا من الطاقة الخضراء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول المعنية.
تتعاون إسرائيل مع مصر وقبرص واليونان في استغلال احتياطيات الغاز البحرية، مما يفتح الفرص لمشروع IMEC ليصبح ممرًا رئيسيًا لتصدير الطاقة من هذه الدول إلى أوروبا، التي تسعى لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي. وقد زادت هذه الحاجة بعد الحرب في أوكرانيا، التي أدت إلى انقطاع تدفق الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية إلى أوروبا الغربية، مما جعل البحث عن مصادر بديلة للطاقة أمرًا حيويًا.
من المتوقع أن يُصبح مشروع الربط البحري العظيم، الذي يتضمن بنية تحتية لكابل طاقة تحت البحر يربط إسرائيل بالكابل اليوناني-القبرصي-الأوروبي، مصدرًا رئيسيًا للطاقة لأوروبا. هذا الربط سيساهم في تأمين إمدادات طاقة مستقرة ومستدامة إلى القارة الأوروبية، مما يعزز من تنوع مصادر الطاقة فيها ويقلل من الاعتماد على مصادر غير موثوقة.
إسرائيل، التي تبيع الغاز رسميًا للأردن عبر البنية التحتية للغاز الموجودة قرب حدودها، تواصل أيضًا تصدير الغاز إلى سوريا ولبنان عبر نظام خطوط الأنابيب العربية الحالي. من المقرر أن يتم توسيع هذا النظام لزيادة سعة خط أنابيب الغاز من احتياطيات الغاز البحرية الإسرائيلية إلى الأردن، ما يعزز قدرة إسرائيل على تصدير الطاقة إلى دول المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، يُمكن أن يسهم مدّ الكابلات لتحسين جودة الاتصالات في تعزيز صادرات الهند من الخدمات إلى أوروبا. يأتي ذلك في سياق تزايد المخاوف المتعلقة بالأمان في مضيق باب المندب، الذي أصبح هدفًا للهجمات من قبل الحوثيين. لتحسين هذا الوضع، أنشأت الهند صندوقًا للتنمية البحرية بقيمة 2.9 مليار دولار، والذي سيدعم التمويل طويل الأجل لصناعتها البحرية ويساهم في تحسين البنية التحتية اللوجستية وتوسيع أسطولها التجاري للشحن.
من خلال هذه التحسينات، ناقشت الهند مؤخرًا دورها في الترويج لمبادرة IMEC مع فرنسا، ما ساعد في تخفيف المخاوف المصرية بشأن الأضرار المحتملة التي قد تلحق بقناة السويس نتيجة لزيادة حركة النقل عبر ممرات جديدة. الهند تتوقع زيادة ملحوظة في حجم البضائع المتجهة من الهند إلى أوروبا، وبالتالي، سيساهم هذا الممر في تكملة حجم البضائع التي تعبر قناة السويس.
تُشير هذه التطورات إلى أن ممر IMEC ليس فقط فرصة لزيادة التعاون التجاري والإقليمي بين دول الشرق الأوسط، ولكن أيضًا فرصة لتعزيز نفوذها الاستراتيجي والاقتصادي في العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. من خلال توفير بدائل للطاقة وفتح طرق تجارية جديدة، يمكن أن يصبح هذا الممر محورا رئيسيا في استراتيجيات الطاقة والتجارة الدولية، مما يعزز مكانة دول الشرق الأوسط على الساحة العالمية.
التحدّيات الحالية
تتمتع خطة ممر الطاقة الإسرائيلي (IMEC) بفرص هائلة لتصدير الغاز من إسرائيل إلى الدول الأوروبية وتوسيع البنية التحتية لنقل الطاقة داخل إسرائيل وخارجها، مما يعزز مكانتها كمركز رئيسي للطاقة في المنطقة. إلا أن تطوير الوصلات البحرية والسكك الحديدية وغيرها من البنى التحتية اللازمة لإنشاء هذا المركز سيتطلب استثمارات ضخمة، حيث تُقدّر تكلفة المرحلة الأولى من المشروع بحوالي 8 مليارات دولار. هذه التكلفة تشمل الحاجة إلى استثمارات خاصة، مما يزيد من تحديات تأمين التمويل المطلوب.
فيما يتعلق بالاستثمار الإقليمي، التزمت المملكة العربية السعودية بالفعل باستثمار 20 مليار دولار في هذا المشروع، لكن هذا المبلغ لا يمثل سوى جزء ضئيل من إجمالي 600 مليار دولار التي تسعى مجموعة الدول السبع الكبرى لجمعها لتنفيذ مشاريع منافسة للمبادرة الصينية “الحزام والطريق” بحلول عام 2027. هذه المبادرة الصينية تمثل منافسًا قويًا للمشروع الإسرائيلي، مما يعكس التحديات الكبيرة التي يواجهها مشروع IMEC من حيث التمويل والقدرة على جذب الاستثمارات الدولية.
علاوة على ذلك، لم تُقدّم أي من الدول الأعضاء في مجموعة السبع الكبرى التزامات مالية رسمية حتى الآن لمركز نقل الطاقة الإسرائيلي (IMEC)، مما يجعل آفاق التمويل غامضة وغير واضحة. هذا الأمر يطرح تساؤلات حول كيفية تأمين المبالغ اللازمة لاستكمال المشروع، ويعكس التحديات التي قد تواجه الدول المعنية في تمويل هذا الممر الطموح على المدى الطويل. في ظل هذه الظروف، سيتعين على الدول المعنية في المشروع البحث عن حلول تمويل مبتكرة، بما في ذلك التعاون مع القطاع الخاص والمؤسسات المالية الدولية لضمان استدامة التمويل.
تُمثل العقبة الاقتصادية في جذب الاستثمارات من الهند ودول الخليج والاتحاد الأوروبي واحدة من التحديات الرئيسية التي تواجه مشروع IMEC، خاصة في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة. أدت الحرب المفروضة على إسرائيل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى تعليق محادثات التطبيع بين إسرائيل والسعودية، وهو ما ألقى بظلاله على آفاق التعاون الإقليمي. إضافة إلى ذلك، هناك معارضة شعبية قوية من بعض الدول العربية لمبادرات البنية التحتية الإقليمية التي تشمل التعاون مع إسرائيل، مما يعقد جهود جذب الاستثمارات اللازمة لإتمام المشروع. هذه الظروف السياسية تُشكل عائقًا كبيرًا أمام سير المشروع بشكل فعال، حيث تسببت التوترات في تفاقم الصعوبات في جذب الدعم المالي من الدول الرئيسية المعنية في المشروع.
من ناحية أخرى، تواجه المملكة العربية السعودية تحديات اقتصادية خاصة في تمويل مشروعها الطموح لمدينة “نيوم” المستقبلية، حيث تأخرت العديد من جوانب المشروع وزادت تكاليفه عن التوقعات الأولية. في ظل هذه الصعوبات المالية، قد تتراجع القدرة على تمويل مبادرات إضافية مثل IMEC، وهو ما يعكس التأثير الكبير للظروف الاقتصادية على تقدم المشاريع الإقليمية.
على صعيد آخر، يواجه الأردن صعوبات اقتصادية تتجاوز التوترات السياسية والداخلية الناجمة عن علاقاته مع إسرائيل. تتجسد هذه الصعوبات في تجميد مشروع الكهرباء المشترك مع إسرائيل، بالإضافة إلى التأخير في تأمين التمويل اللازم لتطوير مشروع السكك الحديدية الذي يُعد جزءًا من المبادرة. هذه التحديات الاقتصادية قد تؤثر على قدرة الأردن في المشاركة بشكل فعّال في المشروع، خصوصًا في ظل الانشغال بأولويات محلية وإقليمية أخرى.
وفي ضوء الحرب في غزة، تتعرض العلاقات بين إسرائيل ومصر لضغوط كبيرة، مما يعقد إمكانية تعزيز التعاون الثنائي. قد تؤثر هذه الضغوط على المشاريع المشتركة التي كان من المفترض أن تساهم في تطوير البنية التحتية للطاقة والنقل في المنطقة، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة والضغوط السياسية الناجمة عن الصراع المستمر.
في النهاية، تُشير هذه التطورات إلى أن مشروع IMEC يواجه تحديات اقتصادية وجيوسياسية معقدة، تتطلب حلولًا دبلوماسية واستثمارات مالية كبيرة لتجاوز العقبات وتحقيق الأهداف المرجوة.
من العقبات الدولية الكبيرة التي تواجه مشروع IMEC هو التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. في الوقت الذي انبثقت فيه مبادرة IMEC عن مناقشات منتدى I2U2، الذي ضم الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، شرعت الصين في برنامج بنية تحتية طموح لتعزيز نفوذها في المنطقة. استثمرت الصين بشكل كبير في مشاريع تطوير البنية التحتية الإقليمية، مثل مشروع الاتحاد للسكك الحديدية، الذي يهدف إلى تعزيز التواصل بين الصين ودول الشرق الأوسط وأوروبا. من المتوقع أن تحاول الصين عرقلة المشاريع الإقليمية التي قد تضر بمكانتها أو تقلل من نفوذها في المنطقة.
يُعتبر ممر IMEC، في هذا السياق، بمثابة محاولة لمنافسة الاستراتيجية الصينية في مجالات البنية التحتية والتجارة الإقليمية، التي تجسدها مبادرة “الحزام والطريق” (BRI) والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP). في إطار هذه المبادرات، استثمرت الصين بشكل كبير في تطوير شبكات السكك الحديدية والطرق، بهدف تحسين التكامل الإقليمي وربط أراضيها بدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا، وهو ما يشكل تحديًا استراتيجيًا للمشروع الإسرائيلي.
إضافة إلى ذلك، تُعد الصين ثاني أكبر شريك تجاري لأوروبا بعد الولايات المتحدة، حيث تجاوز حجم التجارة الثنائية بينهما 850 مليار دولار أمريكي في عام 2022، ما يعكس قوتها الاقتصادية الكبيرة وقدرتها على التأثير على علاقات التجارة العالمية. هذه المعطيات تعزز من أهمية التنافس بين الولايات المتحدة والصين في مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية، بما في ذلك ممر IMEC، الذي قد يصبح ساحة لصراع نفوذ بين القوتين العظمى.
في هذا السياق، سيكون على الدول المشاركة في IMEC، مثل الهند وإسرائيل والإمارات، أن تجد طرقًا مبتكرة للتعاون والتنسيق فيما بينها من أجل التغلب على التحديات التي قد تطرأ نتيجة لهذه المنافسة الجيوسياسية، في وقت تسعى فيه الصين إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية والجيوسياسية في المنطقة والعالم.
في المقابل، لا يزال حجم التجارة بين الهند وأوروبا صغيرًا نسبيًا، حيث بالكاد يتجاوز 90 مليار دولار أمريكي، ما يجعل التبادل التجاري بينهما بعيدًا عن المستوى الذي يحقق التطلعات المأمولة لمبادرة IMEC. هذا الواقع قد يشير إلى أن التوسع التجاري بين الهند وأوروبا يحتاج إلى وقت وجهود أكبر لتحقيق الأهداف الطموحة لهذا الممر.
في الوقت نفسه، تُوطّد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة علاقاتهما الوثيقة مع الصين، حيث انضمت السعودية إلى منظمة “بريكس” بقيادة الصين في أغسطس 2023 كعضو رسمي، ما يعزز من علاقاتها التجارية والاستراتيجية مع بكين. أصبحت المملكة والإمارات شريكين تجاريين استراتيجيين للصين، مع استمرار مشاركتهما في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية التي تهدف إلى تعزيز التجارة العالمية عبر بنية تحتية كبيرة.
قد تُمثّل مشاركة دول الخليج في مشروع IMEC وسيلة لتوزيع المخاطر وتعزيز نفوذها في المفاوضات مع الشركاء الغربيين، حيث يمكنها الاستفادة من التنسيق مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية مع الصين من جهة أخرى. هذه الديناميكية تمنح دول الخليج قدرة أكبر على تحقيق مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية في سياق التنافس بين القوى الكبرى.
علاوة على ذلك، قد تحقق خطط تركيا لإنشاء ممر للطاقة عبر خط أنابيب الغاز العربي في سوريا أو عبر ممر من قطر، وربطه بالشبكة الحالية في سوريا وتركيا، تقدمًا أسرع مما يُتوقع لمسار الهند لنقل الطاقة عبر إسرائيل. إذا نجحت تركيا في هذا المشروع، فقد تُقوّض قدرة ممر IMEC على نقل الطاقة عبر إسرائيل، ما يؤدي إلى تنافس إضافي بين المشاريع المختلفة التي تسعى لتحقيق نفس الأهداف الاستراتيجية في المنطقة.
تُظهر هذه الديناميكيات أن مشروع IMEC يواجه منافسة معقدة من مشاريع أخرى تسعى لتعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية والطاقة في المنطقة، ما يتطلب توجيه استراتيجيات مرنة ومتنوعة من جميع الأطراف المشاركة لتحقيق النجاح في هذه المبادرة الطموحة.
اقتراحات عملية
لتحويل الاتفاقية إلى واقع ملموس وجذب الاستثمارات الخاصة والحكومية، يُعد من الضروري اتخاذ عدة خطوات تمهيدية، تشمل تأسيس إطار مؤسسي قوي يتيح الحوار المستمر والمنهجي بين الدول المشاركة. في هذا السياق، تم توقيع اتفاقية إطارية حكومية دولية (IGFA) بين الهند والإمارات العربية المتحدة في 13 شباط/فبراير 2024، الخاصة بمشروع IMEC. هذه الاتفاقية تشكل خطوة هامة نحو وضع أسس التعاون بين الدول المعنية، حيث تساهم في تعزيز التنسيق وتحديد الأولويات.
من المتوقع أن يُساهم هذا الإطار متعدد الأطراف بين جميع الدول المشاركة في IMEC في تعزيز التعاون وضمان الشفافية، مما يساعد في وضع أجندة مشتركة تعكس مصالح جميع الأطراف. على المدى الطويل، يمكن أن يتم إضفاء الطابع الرسمي على هذه الآلية كمنظمة دولية، تتضمن مجلسًا وزاريًا يعقد اجتماعات دورية لضمان استمرار الحوار بين الدول المشاركة. هذا المجلس الوزاري سيكون بمثابة منصة للتنسيق ووضع السياسات المشتركة التي تدعم أهداف IMEC على المستوى الإقليمي والدولي.
علاوة على ذلك، يمكن إنشاء مجلس تنفيذي يضم ممثلين كباراً من كل دولة، بالإضافة إلى أمانة عامة دائمة تساهم في تسهيل التنسيق اليومي وتنفيذ القرارات. يمكن أن يكون هذا النموذج مشابهًا لمنتدى النقب الذي تم إنشاؤه بعد اتفاقيات إبراهيم، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. وبذلك، سيكون هذا الهيكل التنظيمي أكثر قدرة على التعامل مع التحديات المعقدة التي قد تنشأ في إطار تنفيذ المبادرة.
في غياب آليات حوكمة فعّالة، قد يؤدي المشروع إلى تفاقم التوترات الحالية بدلاً من تخفيفها، مما يضر بفرص نجاحه. ولذلك، فإن بناء هذه الآليات المؤسسية وتنظيم الحوار بين الدول المشاركة سيشكل أساسًا مهمًا لنجاح المبادرة وتحقيق أهدافها الاقتصادية والجيوسياسية.
تُعد عملية التطبيع بين إسرائيل والسعودية، بوساطة أمريكية، أحد التحديات الكبرى في سياق المبادرة الاقتصادية IMEC، إذ تواجه هذه العملية صعوبة في التوصل إلى ترتيبات طويلة الأمد. من بين العقبات الرئيسية التي تعترضها هي المعارضة الشعبية في السعودية وفي بعض الأوساط الإقليمية ضد أي تطبيع مع إسرائيل، خصوصًا من قِبل التيار المتشدّد الذي يرفض أي نوع من التعاون المباشر مع الدولة العبرية.
إحدى الوسائل الممكنة لتخفيف حدة هذه المعارضة الشعبية تتمثل في طرح رؤية الحكومة الإسرائيلية بشأن “السكك الحديدية من أجل السلام الإقليمي”، والتي تتضمن مشروع خط سكّة حديد الوادي الذي يهدف إلى تسهيل تصدير واستيراد البضائع الفلسطينية عبر المعابر الحدودية إلى دول الخليج وأوروبا. هذه المبادرة قد تكون بمثابة خطوة رمزية ومادية نحو تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين إسرائيل والسعودية، مع تسليط الضوء على المصلحة الاقتصادية المشتركة، وبما يخدم مصالح الفلسطينيين في تحسين الظروف الاقتصادية والتجارية.
من خلال هذا المشروع، قد يُخفَّف من حدة المعارضة التي يبديها قادة التيار المتشدّد في السعودية ضد إسرائيل، حيث يُظهر المشروع التزامًا إسرائيليًا بتحقيق مصالح فلسطينية والتعاون مع دول المنطقة لتحقيق أهداف اقتصادية مشتركة. كما يمكن أن يُساهم في تعزيز مكانة المعسكر المعتدل داخل السعودية، الذي يدعم تعزيز العلاقات مع إسرائيل من خلال قنوات التعاون الاقتصادية والبنية التحتية. هذه المبادرة يمكن أن تُسهم في بناء الثقة بين الطرفين، مما يفتح الباب أمام مزيد من الانفتاح السياسي والتعاون المستقبلي، ويُعطي دفعة للجهود الرامية إلى إقامة علاقات دائمة ومستدامة بين إسرائيل والسعودية.
إذن، في حال تم تنفيذ هذا المشروع بشكل فعّال، فإنه لن يُخفف فقط من المعارضة الشعبية، بل سيساهم في تعزيز الدور الإقليمي للسعودية ويُعزز مكانتها كوسيط في قضايا الشرق الأوسط، فضلاً عن توفير فوائد اقتصادية ملموسة للمنطقة بأسرها.
يشير التعاون الحالي بين إسرائيل والسعودية إلى تطور ملحوظ في العلاقات الاقتصادية والأمنية، رغم التحديات السياسية المستمرة. ففي ظل تحالفات تحت مظلة القيادة المركزية الأمريكية، تعاونت الدولتان في مجالات متعددة، بما في ذلك التعاون الأمني، حيث تم تنسيق المواقف والتحذيرات المشتركة في مواجهة التهديدات الإيرانية. هذا التعاون الأمني والتقني أسهم في تعزيز التواصل بين الدول المعنية، ما أدى إلى فتح المجال الجوي السعودي، وكذلك من سلطنة عمان ودول الخليج، أمام الطائرات الإسرائيلية المتّجهة إلى آسيا في السنوات الأخيرة. هذه الخطوات تمثل تطوراً إيجابياً في العلاقات بين الطرفين، رغم التوترات السياسية.
لتنفيذ إمكانات مشروع IMEC الاقتصادية بشكل فعّال، ومن أجل تذليل العقبات السياسية والاقتصادية المرتبطة به، سيكون من الضروري إنشاء هيئة متخصّصة تشارك فيها الدول المشاركة في المشروع، وتهدف إلى جذب الاستثمارات الخاصة وتعزيز تطوير البنية التحتية المشتركة. هذه الهيئة ستوفر بيئة تنظيمية مرنة تتيح للمستثمرين من القطاع الخاص فرصًا حقيقية للمشاركة في المشروع، بالإضافة إلى فتح المجال أمام تدفقات مالية من الشركات الخاصة، والتي يمكن أن تسهم في تحسين بنية النقل والموانئ والسكك الحديدية.
من خلال هذا النهج، يمكن تشجيع الشركات الخاصة على الاعتماد على الاستثمار الخاص في تطوير البنية التحتية الحيوية لنقل البضائع، مما سيؤدي إلى تقليل الضغوط الاقتصادية على الحكومات. كما أن إشراك القطاع الخاص في هذا المشروع سيُضفي شرعية أكبر على المبادرة، خصوصًا في الدول العربية، حيث يمكن أن يُخفف من الضغوط السياسية التي قد تواجهها الحكومات المحلية في بعض الحالات. الشركات الخاصة، التي تسعى لتحقيق أرباح من هذه المشاريع، ستكون حافزًا إضافيًا لضمان نجاح المشروع وتوسعه، مما سيعزز التعاون الإقليمي ويحسن العلاقات الاقتصادية بين دول المنطقة.
في نهاية المطاف، إذا تم وضع هذه الهيئات المتخصصة في مكانها الصحيح، فإنها ستضمن تعزيز التعاون بين الدول المشاركة في IMEC، وتقديم حوافز اقتصادية قوية تضمن الاستمرارية والنجاح على المدى الطويل.
مشاركة إسرائيل في مشروع IMEC تمثل فرصة استراتيجية هامة، فهي لا تقتصر على تعزيز مكانتها الاقتصادية فحسب، بل تمتد لتشكل فرصة جيوسياسية كبيرة. الممر الاقتصادي يوفر لإسرائيل إمكانات ضخمة في تطوير البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، خاصة على خط وادي الأردن، ويعزز من أهمية موانئ حيفا ويتيح لها إمكانية التواصل مع الموانئ في الخليج العربي. هذا التطور يمكن أن يُحوّل إسرائيل إلى مركز رئيسي للنقل بين آسيا وأوروبا، وهو ما يعزز مكانتها كمحور تجاري حيوي في المنطقة.
علاوة على ذلك، سيساهم المشروع في تمكين إسرائيل من تحقيق أهدافها في مجال الطاقة المتجدّدة، خصوصًا مع التركيز على مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية. كما سيوسع الممر دائرة شركائها الاقتصاديين، مع الدول الكبرى مثل الهند وأوروبا، مما يُقلل من اعتماد إسرائيل على الأسواق المحدودة ويزيد من تنوع فرصها الاقتصادية.
إلا أن هذه الفرص الاقتصادية والجيوسياسية تترافق مع تحديات كبيرة، بما في ذلك التوترات السياسية والجيوسياسية التي قد تواجهها إسرائيل في سياق التعاون الإقليمي، خاصة مع بعض جيرانها. يتطلب هذا الأمر تخطيطًا استراتيجيًا دقيقًا وتعاونًا إقليميًا متقدّمًا، لتحقيق الاستفادة القصوى من المشروع. رغم هذه التحديات، إلا أن IMEC يحمل القدرة على تغيير مشهد التجارة والنقل العالمي، وهو ما يتيح لإسرائيل فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها كلاعب رئيسي على الساحة الدولية.
د. نير ليفيتان، البروفيسور آري رايش،
البروفيسور جوناثان رينهولد
13 أيّار/ مايو 2025
مركز أسبار
رابط البحث:
https://besacenter.org/imec-a-corridor-for-peace-and-regional-stability/

