بعد الانتخابات الفيدرالية الألمانية لعام 2025، يسعى كل من الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، وحليفه البافاري الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، بالإضافة إلى الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني (SPD)، إلى تشكيل ائتلاف كبير جديد. في إطار هذا التحالف، وضع زعيم الاتحاد الديمقراطي المسيحي، فريدريش ميرز، خططاً طموحة لتحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز قطاع الدفاع. إلا أن نهج هذا الائتلاف تجاه إزالة الكربون يظهر نوعاً من الحذر، وهو ما يختلف عن المواقف التي اتخذتها الائتلافات الكبرى السابقة، مثل تلك التي قادتها المستشارة أنجيلا ميركل، والتي كانت تتمتع برؤية موحَّدة بشأن التحوّل الطاقي والسياسة المناخية. يأتي هذا التوجه في وقت حاسم لألمانيا، التي تشهد تحوّلاً كبيراً في نظامها الطاقي، مع تخليها التدريجي عن الطاقة النووية والفحم والغاز الطبيعي الروسي، في وقت تعمل فيه على زيادة حصّتها من الطاقة المتجددة. وتلتزم ألمانيا بموجب القانون الاتحادي لتغيُّر المناخ بخفض انبعاثاتها بنسبة 65% على الأقل عن مستويات عام 1990 بحلول عام 2030، وتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2045.
ومع ذلك، اعتباراً من عام 2024، انخفضت الانبعاثات بنسبة 48% فقط مقارنةً بمستويات عام 1990، مما يشير إلى ضرورة إجراء تخفيضات جذرية لتحقيق الأهداف المناخية المقررة. إلا أن الائتلاف الجديد من غير المرجح أن يدفع جهود العمل المناخي إلى أبعد من ذلك، مما قد يجعل قضايا الطاقة المصدر الرئيسي للجمود السياسي. إلى جانب الاستقطاب المتزايد في الساحة السياسية الألمانية، تبرز عوامل أخرى تعرقل التحوّل الطاقي، مثل المشهد الدولي المتغير الذي يفرض تركيزاً أكبر على الإنفاق الدفاعي، فضلاً عن صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة والمناهضة للبيئة، التي قد تعرقل جهود التغيير المناخي والطاقة النظيفة في البلاد.
الانتخابات وصعود اليمين المتطرّف
أظهرت الحملة الانتخابية القصيرة التي تلت انهيار ائتلاف “أمبل” (“إشارات المرور”) السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024 ارتفاعاً ملحوظاً في المشاعر المعادية للبيئة، وهو اتجاه يتماشى مع تحولات أوسع في أوروبا، حيث بدأ العديد من الناخبين في رفض السياسات الخضراء بشكل متزايد. في ألمانيا، شكّك قطاع كبير من الناخبين في نجاح المبادرات التي طرحتها الحكومة السابقة بشأن التحوّل المناخي والطاقة، وكذلك في استراتيجية الصفقة الخضراء الأوروبية، التي كانت تأمل في تسريع الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون. كانت الانتقادات لا تقتصر على الجوانب البيئية فقط، بل شملت أيضاً التكاليف المرتفعة التي فرضتها هذه السياسات على الاقتصاد الألماني بشكل عام.
تفاقمت هذه الشكوك بسبب الأزمة المستمرة في القطاع الصناعي الألماني، الذي يعاني من زيادة في أسعار الطاقة، ما أثار مخاوف حول القدرة التنافسية للقطاع في ظل أسعار الطاقة المرتفعة. الأثر الكبير لهذا التحوّل على الصناعات الثقيلة، بما في ذلك قطاع السيارات، كان واضحاً حيث شهدت بعض الشركات موجة من تسريح العمال بسبب التحديات الاقتصادية المرتبطة بتطبيق سياسات الانتقال الطاقي. هذه التطورات أدت إلى احتجاجات واسعة النطاق وإضرابات، مما زاد من الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
في هذا السياق، ساعدت الأحزاب المناهضة للبيئة، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف، في تغذية المشاعر المعادية للتحوّل الطاقي، حيث ألقت باللوم على سياسة الانتقال في تراجع قدرة ألمانيا التصنيعية. كما أشارت هذه الأحزاب إلى أن الانفصال عن الغاز الروسي كان أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع أسعار الطاقة، مما جعل ألمانيا أكثر اعتماداً على مصادر طاقة أخرى باهظة التكلفة، وهو ما زاد من مشاعر الاستياء بين شرائح واسعة من السكان.
رداً على ذلك، تعرّضت الأحزاب الرئيسية لضغوط كبيرة لتعديل مواقفها من قضايا الطاقة. في محاولة لمواجهة الشعبية المتزايدة لحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، تبنّى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) مواقف أكثر محافظة، مع إثارة مخاوف حول إمكانية التقارب بين الحزبين. هذا التحوّل في مواقف الاتحاد الديمقراطي المسيحي جاء بعد أن دعم حزب البديل من أجل ألمانيا، قبْل الانتخابات بفترة قصيرة، اقتراحاً غير ملزِم قدمه حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي للحدّ من الهجرة. هذه الخطوة كانت سابقة في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب، حيث تمكّن حزب البديل من أجل ألمانيا من تسجيل أول مرّة في التاريخ يتم فيها الوصول إلى أغلبية برلمانية بدعم من اليمين المتطرف.
استمرّت المخاوف من التقارب بين الحزبين بعد الانتخابات، عندما أصبح حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU) وحزب البديل من أجل ألمانيا على التوالي أكبر قوّتين في البرلمان، مما جعل من الصعب تجاهل هذا التطور السياسي. في المقابل، شهدت الأحزاب الثلاثة التي كانت في ائتلاف “أمبل” تراجعاً ملحوظاً في شعبيتها. فقد خسر الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) ما يقرب من عشر نقاط مئوية، في حين فشل الحزب الديمقراطي الحر الليبرالي (FDP) في الحصول على نسبة الـ 5% اللازمة لدخول البرلمان، وهي نسبة لم تحدث إلا مرة واحدة في تاريخه. كما شهد حزب الخضر تراجعاً في شعبيته، رغم أن الانخفاض لم يكن بنفس القدر مقارنةً بالأحزاب الأخرى.
من جهة أخرى، ازداد الدعم للمعارضة اليسارية، حيث شهد حزب اليسار الراديكالي زيادة في شعبيته، كما حقق تحالف “سارا فاغنكنيخت” “القومي اليساري”، الذي شكّله بعض الأعضاء السابقين لحزب اليسار، تقدماً ملحوظاً، رغم أنه بقي قريباً من نسبة الـ 5% التي تؤهله لدخول البرلمان. هذا التحول في المشهد السياسي يعكس تزايد الاستقطاب الداخلي في ألمانيا، مما يجعل من الصعب التوصل إلى توافق حول سياسات الطاقة والمناخ في المستقبل.
تغيير الأولويّات
بعد الانتخابات، استبعد فريدريش ميرز التحالف مع اليمين المتطرف، وبدأ مفاوضات مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) بهدف بناء تحالف يركز على تحفيز النمو الاقتصادي وتوسيع قطاع الدفاع. ومع مرور الوقت، اتضح أن خططهم ستتطلب استثمارات ضخمة وغير مسبوقة، وهو ما أثار تساؤلات حول كيفية تمويل هذه المشروعات في ظل القيود المالية الصارمة التي تواجهها الحكومة.
سرعان ما تبين أن هذه النفقات لا تتماشى مع قواعد الدَّين الصارمة، خاصةً قاعدة “شولدنبريمس” – وهي القاعدة الدستورية التي تفرض حدوداً صارمة على العجز السنوي بحيث لا يتجاوز 0.35% من الناتج المحلي الإجمالي. هذه القاعدة، التي كانت قد قيدت الحكومات السابقة، كانت مسؤولة عن عرقلة العديد من المبادرات الطموحة، بما في ذلك صندوق المناخ الائتلافي الذي كان يهدف إلى تمويل مشاريع تحول الطاقة.
وبينما كان هناك ضغط على الحكومة لتوفير التمويل اللازم لتوسيع الدفاع وتعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، واجه ميرز والأحزاب المشاركة في التحالف صعوبة في التوفيق بين التزاماتهم المالية الصارمة والمطالبات السياسية الكبيرة التي تتطلب إنفاقاً عاماً ضخماً. هذا الصراع بين طموحات النمو الاقتصادي والقيود المالية قد يصبح أحد التحديات الرئيسية التي ستواجه الحكومة الألمانية في السنوات القادمة.
لمعالجة مشكلة القيود المالية التي كانت تعرقل خطط الحكومة، وافق حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CDU/CSU) والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، بدعم من حزب الخضر، بسرعة قياسية على إصلاح دستوري يتعلق بحدود الديون. وفي 18 مارس/آذار، تم إقرار الإصلاح من قبل البرلمان في تشكيلته قبل الانتخابات. كان الاقتراح الأولي الذي طرحه الحزبان يركز على تخفيف قواعد الديون المتعلقة بنفقات الدفاع والبنية التحتية، إلا أن الحاجة إلى إشراك حزب الخضر أدت إلى توسيع نطاق الإصلاح ليشمل أيضاً المبادرات المتعلقة بالطاقة.
بينما ظل التركيز الرئيسي للإصلاح على رفع القيود المفروضة على الإنفاق الدفاعي والبنية التحتية، نجح حزب الخضر في دفع تخصيص 100 مليار يورو من إجمالي تريليون يورو من القروض لصندوق التحوُّل المناخي. هذا التخصيص كان خطوة مهمة لتمويل مشاريع الطاقة المتجددة والابتكارات التكنولوجية اللازمة لدعم التحول الطاقي في ألمانيا.
بالإضافة إلى ذلك، غيّر الإصلاح قواعد الديون على مستوى الولايات الاتحادية. ففي السابق، كان محظوراً على الولايات تحمل أي عجز مالي، لكن مع الإصلاح الجديد، سيُسمح لها الآن بتحمُّل ديون عامة ضمن حدود معينة. هذا التغيير من شأنه أن يعزز قدرة الولايات على تمويل مشروعات محلية ضخمة في مجالات البنية التحتية والطاقة، مما يعطي الحكومة الاتحادية المزيد من المرونة في التعامل مع التحديات الاقتصادية الحالية.
كما ستتولى الولايات إدارة خُمس حزمة التمويل مباشرةً، مما يمنحها السلطة لتوجيه الموارد بشكل أكثر فعالية نحو المشاريع التي تعتبرها ذات أولوية، مثل مشاريع التحول الطاقي المحلي وتحديث البنية التحتية. هذا التعديل الدستوري كان خطوة حاسمة نحو تنفيذ استراتيجية الحكومة في تعزيز النمو الاقتصادي ودعم التحول الطاقي في آن واحد.
في حين أن الإصلاح الذي تم تبنيه يوفر مرونة كبيرة للائتلاف الجديد في التعامل مع القضايا المالية، لا تزال هناك تساؤلات كبيرة حول كيفية تشغيل صندوق التحوّل المناخي، خصوصًا في ظل التغيرات السياسية المستقبلية. مع احتمال تنحية حزب الخضر إلى المعارضة، يظل السؤال الأساسي: هل سيستمر الاهتمام بمبادرات الطاقة وتخصيص الموارد لها، أم أن الاهتمام سيتراجع في ظل تغيّر الأولويات؟ هذه المخاوف تعكس القلق بشأن استمرارية الالتزام بتحقيق أهداف التحوّل الطاقي والمناخي في المستقبل، خاصةً إذا ما تغيرت موازين القوى داخل الحكومة.
من ناحية أخرى، يبدو أن سياسة الدفاع ستظل محور التركيز الأساسي في الائتلاف الجديد. ضمن الإصلاحات التي تم إقرارها، تم إعفاء المساعدات العسكرية للدول الحليفة التي تواجه تهديدات من قيود الديون، ما يعكس دعم الحكومة الثابت لأوكرانيا في ظل الصراع المستمر مع روسيا. هذا الدعم قد يُستخدم لتعزيز التوافق بين الأحزاب في الحكومة، خاصةً مع الأوضاع الجيوسياسية التي تشهد تصاعدًا في التوترات العالمية.
مع ذلك، من المحتمل أن تواجه قضايا الطاقة والمناخ تباطؤًا أو حتى جمودًا في ظل هذه التحولات، حيث قد تنحرف الأولويات نحو القضايا الدفاعية والأمنية، مما يضع ضغوطًا على جهود الانتقال إلى الطاقة المتجددة ومواجهة التحديات المناخية. في النهاية، يبدو أن التوازن بين الاهتمام بالدفاع والنمو الاقتصادي والسياسة المناخية سيكون الاختبار الكبير للائتلاف الجديد.
في الواقع، هناك مخاوف كبيرة بشأن قدرة الائتلاف الجديد على تحديد موقفٍ متماسك في ظل تزايد الاستقطاب بين أحزاب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، والاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD). أطلق الكثيرون على هذا التحالف اسم “الائتلاف الصغير”، إذ لم يعد الحزبين الرئيسيين يتمتعان بالأغلبية المريحة التي كانت تتمتع بها المجالس التشريعية السابقة. معًا، تشغل هذه الأحزاب 328 مقعدًا من أصل 630 في البرلمان، وهو انخفاض كبير مقارنةً بالحكومات السابقة التي كان فيها الائتلافات الكبرى تسيطر على أكثر من ثلثي البرلمان.
تنبع الحاجة الملحة إلى الإصلاح الدستوري من هذا التشكيل الجديد للبرلمان، حيث يمتلك حزبا اليسار وحزب البديل لألمانيا (AfD) معًا أقلية معطلة تتجاوز ثلث المقاعد، ما يزيد من تعقيد مهمة إقرار التشريعات المهمة. في ظل الأغلبيات الضئيلة، فإن أي تمرّد داخلي، حتى ولو كان صغيرًا نسبيًا، داخل أي من الأحزاب في الائتلاف قد يعوق إقرار مشاريع القوانين، مما يضع ضغوطًا إضافية على قدرة الحكومة في إدارة شؤون الدولة بفعالية.
على سبيل المثال، لم يُرحب ماركوس سودر، زعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، بتنازل فريدريش ميرز لحزب الخضر من أجل تأمين الأصوات اللازمة للإصلاح الدستوري. يُعتبر سودر جزءًا من الجناح الأكثر معارضة للتحوّل في مجال الطاقة، وقد شنّ حملة قوية ضد الصفقة الخضراء الأوروبية، مما يعكس تباينًا حادًا بين مواقف الحزبين داخل الائتلاف حول قضايا الطاقة والمناخ. بالإضافة إلى ذلك، واجه ميرز انتقاداتٍ داخل حزبه بسبب التنازلات التي قدمها للحزب الاشتراكي الديمقراطي، خاصةً من حركة الشباب في الاتحاد الديمقراطي المسيحي، التي عبّرت عن معارضتها للتسويات الكبيرة التي قام بها ميرز في مسألة الطاقة والمناخ.
هذه التحديات الداخلية، إلى جانب الانقسامات الأيديولوجية بين الأحزاب، قد تجعل من الصعب على الائتلاف الجديد الحفاظ على استقرار طويل الأمد وتنفيذ خططه الطموحة في مجالات الدفاع والاقتصاد والطاقة.
غياب رؤية مشتركة بشأن الطاقة
سيُختبر الائتلاف الألماني الجديد قريبًا في قضايا الطاقة والمناخ، حيث ينص قانون تغيُّر المناخ على أن أي حكومة جديدة يجب أن تعتمد برنامج عمل مناخي في غضون 12 شهرًا من بدء الدورة التشريعية الجديدة. من الناحية النظرية، تتوافق برامج حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) على عدة أهداف عامة، مثل تحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2045، ولكن هناك اختلافات واضحة بينهما حول كيفية تحقيق هذا الهدف.
أحد أبرز النقاط التي من المرجح أن تبرز فيها الخلافات هو مستقبل الهيدروجين في ألمانيا. بينما يتفق الحزبان على أهمية توسيع قطاع الهيدروجين، فإنهما يختلفان بشأن نوع الهيدروجين الذي يجب الاعتماد عليه. الهيدروجين الأخضر، الذي يُنتَج من خلال الكهرباء المولدة من مصادر متجددة، يُعتبر وقودًا منخفض الكربون وله إمكانيات كبيرة في تخزين الطاقة. لكن إنتاج الهيدروجين الأزرق، الذي يُنتَج باستخدام الوقود الأحفوري مع تقنيات احتجاز الكربون، سيكون أقل تكلفة من حيث الإنتاج والاستيراد.
يمتد هذا النقاش أيضًا إلى كيفية وضع ألمانيا في سلسلة القيمة الأوروبية المتنامية للهيدروجين. في هذا الصدد، اقترح حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CDU/CSU) بناء علاقات مع النرويج لاستيراد الهيدروجين الأزرق، وهو ما قد يكون خيارًا أكثر فعالية من حيث التكلفة على المدى القصير. في المقابل، شجّع الحزب الاشتراكي الديمقراطي على إنتاج الهيدروجين باستخدام الطاقة المتجددة في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز الاستقلالية في الإنتاج وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
في إطار هذه الرؤية، تم وضع خطط لاستيراد الهيدروجين الأخضر من شمال إفريقيا عبر إيطاليا والنمسا، وهو ما يعكس طموحًا أكبر نحو تعزيز استخدام مصادر الطاقة المتجددة عالميًا وتقليل بصمة الكربون. ومع ذلك، فإن اختلاف مواقف الأحزاب حول نوع الهيدروجين والطرق التي ينبغي أن تتبعها ألمانيا في هذا الصدد يُحتمل أن يؤدي إلى خلافات داخل الائتلاف، مما قد يُعيق تنسيق السياسات وتنفيذها.
هذا الجدل حول الهيدروجين هو مجرد مثال على التحديات الكبيرة التي سيواجهها الائتلاف الجديد في سعيه لتحقيق أهداف المناخ، في ظل تباين الأولويات بين الأحزاب المختلفة ورغبتهم في تحديد ملامح استراتيجية الطاقة المستقبلية.
تُعَبر الخلافات بين الأحزاب في الائتلاف الألماني الجديد حول سياسة الطاقة عن تحديات كبيرة قد تعيق التقدم نحو تحقيق أهداف المناخ والانتقال الطاقي. فقد انتقد المحافظون، بما في ذلك فريدريش ميرز، دعم الطاقة المتجددة، ودعوا إلى نهج أكثر انفتاحًا على السوق وتقنيات متنوعة لحماية المناخ دون الدفع باتجاه تقنيات محددة. على سبيل المثال، انتقد ميرز قانون طاقة الرياح البرية الذي يُلزم كل ولاية بتخصيص 2% من أراضيها لتوربينات الرياح، مجادلًا بأن هذا القانون يؤدي إلى تشوّهات في السوق ويعيق التطوير التلقائي للتقنيات المتنوعة.
بعيدًا عن السياسات المتعلقة بالطاقة المتجددة، نجد أن هناك خلافًا كبيرًا في المواقف تجاه الطاقة النووية. على عكس المستشارة السابقة أنجيلا ميركل التي دعمت التخلص التدريجي من المفاعلات النووية في ألمانيا، يدعم ميرز استخدام الطاقة النووية. وصف ميرز إغلاق آخر ثلاث مفاعلات في ألمانيا في عام 2023 بأنه “يوم أسود لألمانيا”، واقترح بدلاً من ذلك بناء أسطول من المفاعلات الصغيرة المعيارية. بينما يعارض الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي كان مسؤولًا عن إغلاق المفاعلات، هذه العودة إلى الطاقة النووية بشدة، متمسكًا بموقفه المؤيد للحياد المناخي دون الاعتماد على الطاقة النووية.
إضافة إلى ذلك، ظهرت اقتراحات مثيرة للجدل داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بشأن استئناف استيراد الغاز الطبيعي من روسيا عبر خط أنابيب “نورد ستريم”. على الرغم من أن ميرز قد أوقف هذه الفكرة في الوقت الحالي تحت الضغط، فإن الضغوط التي يواجهها قطاع الطاقة قد تدفع نحو إعادة ضبط العلاقات مع روسيا. قد يُحدث هذا الاقتراح انقسامًا داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي، حيث إن معظم أعضائه يفضلون التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري وتنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن روسيا. ومع ذلك، قد تؤثر أقلية من أعضاء الحزب الذين كانوا في السابق حذرين في معارضتهم لروسيا، على هذا الموقف.
تسلط هذه الخلافات الضوء على المخاطر التي قد تواجه الائتلاف بسبب الانشقاقات الداخلية في كلا الحزبين، مما يعقد القدرة على وضع رؤية طاقية مشتركة. بينما يسعى الائتلاف إلى تحقيق أهداف مناخية طموحة، فإن الاختلافات حول التقنيات والموارد قد تؤدي إلى تباطؤ في اتخاذ القرارات وتحديات في تنفيذ السياسات الفعالة في مجال الطاقة.
النظر إلى المستقبل
يشير تراجع القوة المشتركة وتنامي الانقسام بين الأحزاب إلى أن الائتلاف الجديد قد يواجه صعوبة في تحقيق تحوّل الطاقة، حيث لا يبدو أن لديهم ما يكفي من الدعم السياسي لتحقيق أهدافهم في هذا المجال. يُحتمل أن أولوياتهم ستتركز على قضايا أخرى، مثل تعزيز قطاع الدفاع، ما قد يُؤثر سلبًا على استراتيجيات الطاقة والمناخ. يواجه ميرز أيضًا تحديات داخل حزبه وبين الناخبين المحافظين الذين يشعرون بأنه يقدم تنازلات مفرطة للحزب الاشتراكي الديمقراطي، خاصة في موضوع إصلاح قواعد الدين، مما يعزز من قوة حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي تصدّر لأول مرة استطلاعات الرأي على المستوى الوطني.
في الوقت نفسه، فإن الانقسامات الداخلية الناجمة عن التوجهات اليسارية واليمينية في الائتلاف قد تؤدي إلى مزيد من المعارضة داخل الحزبين الرئيسيين. قد تشهد الفصائل الأكثر محافظة في الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي ردود فعل ضد ما يرونه تحوّلًا نحو اليسار، بينما قد يُثير التوجه نحو اليمين استياءً في صفوف الحزب الاشتراكي الديمقراطي والفصائل الوسطية داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي.
إضافة إلى ذلك، ستقيد الأولويات الجديدة، مثل تعزيز الدفاع، أجندة الائتلاف وتستنزف رأس ماله السياسي، مما قد يطغى على المسائل المتعلقة بالطاقة والمناخ. في ظل هذه التحديات، من المرجح أن يتبنّى ميرز نهج “القاسم المشترك الأدنى” في التعامل مع قضايا الطاقة، مما سيدفع الأحزاب إلى التركيز على مقترحات أقل إثارة للجدل، مثل خفض أسعار الطاقة عبر تخفيض رسوم الشبكة. كما أبدت الأحزاب نيتها المشتركة لتبسيط إجراءات منح التصاريح للبنية التحتية الجديدة والطاقة المتجددة، بالإضافة إلى توسيع شبكة الكهرباء.
على الرغم من هذه الصعوبات، قد يكون هناك مجال لتحقيق توافق بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي في تقديم رؤية موحدة للطاقة، خصوصًا في إطار نقاشات أوسع على المستوى الأوروبي حول كيفية تحقيق التوازن بين القدرة التنافسية الصناعية وحماية المناخ. مع إطلاق المفوضية الأوروبية لمبادرتها الجديدة “الصفقة الصناعية النظيفة”، قد تكون برلين قادرة على التأثير في هذه المبادرة في مراحلها الأولى، مما يمنح الائتلاف فرصة للتأثير على السياسات الأوروبية المتعلقة بالطاقة والمناخ.
من المرجح أن تُقلل ألمانيا من أهمية جهود إزالة الكربون الأوروبية في قطاعاتها الصناعية الاستراتيجية، وذلك تماشيًا مع أولوياتها الاقتصادية. على سبيل المثال، في قطاع السيارات، انضمت ألمانيا بالفعل إلى مجموعة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تدعو إلى تخفيف معايير انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتعترض على فرض حظر شامل على محرّكات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2035. هذه المواقف تعكس رغبة ألمانيا في الحفاظ على قوة صناعتها الوطنية، وتجنب التأثيرات السلبية التي قد تنجم عن تشديد المعايير البيئية بشكل مبالغ فيه.
بالإضافة إلى ذلك، حتى دون الترويج المباشر لبناء مفاعلات جديدة، يُظهر التحوّل في موقف ألمانيا من الطاقة النووية تمهيدًا لتسريع الزخم لمؤيدي الطاقة النووية داخل الاتحاد الأوروبي. هذا التحوّل قد يساهم في تغيير ديناميكيات النقاش الأوروبي حول مستقبل الطاقة النووية، خاصة إذا قررت دول أخرى أن تتبع نموذج ألمانيا في دعم الطاقة النووية كجزء من استراتيجياتها للطاقة المستقبلية.
وأخيرًا، يُظهر الائتلاف الألماني دعمه لأهداف الاتحاد الأوروبي الطموحة في خفض الانبعاثات بنسبة 90% بحلول عام 2040، رغم أن هذا الهدف كان يواجه صعوبة في تحقيق توافق الآراء عليه داخل المفوضية الأوروبية. لكن دعم ألمانيا لهذا الهدف سيكون مشروطًا بإدراج أرصدة الكربون الدولية في حساب هذا الهدف، مما يعني أنه بدلاً من التركيز فقط على خفض الانبعاثات داخل الاتحاد الأوروبي، سيكون بإمكان الدول الأعضاء تعويض التخفيضات في الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي واحتسابها أيضًا.
تُظهر هذه المواقف كيف أن ألمانيا، رغم عدم معارضتها المباشرة للأهداف المناخية الطموحة، قد تسعى إلى تقليص تطبيق هذه الأهداف بشكل صارم لصالح الحفاظ على قدرتها التنافسية الاقتصادية. وهذا يعكس توازنًا دقيقًا بين الالتزامات البيئية ومصالح الاقتصاد الوطني التي قد تؤثر على مواقفها في المحافل الأوروبية والعالمية.
أليسيو سانجورجيو
17 تيسان/ أبريل 2025
مركز أسبار
رابط البحث:

