في يومي 6 و7 أيار/مايو 2025، شهدت منطقة المحيطين الهندي والهادئ تصعيدًا عسكريًا مفاجئًا بين الهند وباكستان، حيث وقع هجوم أسفر عن مقتل 26 مدنيًا، ما دفع الهند إلى شن غارة جوية منسقة على أهداف قالت إنها مرتبطة بشبكات مسلحة متمركزة في باكستان. وفي ردٍ قاسٍ، نفذت باكستان عمليات جوية، زاعمة أنها أسقطت عدة طائرات هندية. وبينما تداولت وسائل الإعلام صورًا لانفجارات ومدنيين منهكين على الجانبين، أكد المراقبون الدوليون أن هاتين الجارتين النوويتين، اللتين تتواجهان في عداء طويل الأمد، لا تزالان على شفا كارثة مرجوة بسبب خطأ واحد قد يفتح أبوابًا لحرب شاملة. وما يحدث بينهما ليس مجرد صراع إقليمي في جنوب آسيا، بل هو حدث يتردد صداه عبر منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ليكشف عن نقاط ضعف هيكلية وخطوط صدع أيديولوجية في نظام إقليمي مجزأ بالفعل.
المواجهة بين الهند وباكستان ليست حادثة ثنائية معزولة؛ بل يجب أن يُنظر إليها كجزء من أزمة هيمنة وانقسام في البنية الجيوسياسية المتغيرة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تتصادم مفاهيم الردع النووي وسياسات التكتلات وتنافس القوى العظمى. إن تفسير هذه الأزمة يتجاوز التفسيرات السطحية التي تركز على الانتقام أو الأمن فقط، بل يكشف عن المنطق الهيكلي الذي يدفع تحولات النظام الإقليمي. ما هو على المحك ليس فقط استقرار جنوب آسيا، بل أيضًا تماسك منطقة المحيطين الهندي والهادئ ككل، وقدرتها على إدارة نفسها كمنطقة استراتيجية.
في إطار دراسات الأمن التقليدية، غالبًا ما يتم تحليل التنافس بين الهند وباكستان من خلال عدسة نظرية الردع، التي تعتمد على توازن دقيق بين القدرات النووية المتبادلة. هذا التوازن يهدد كل طرف بإلحاق أضرار غير مقبولة في حال نشوب حرب شاملة، مما يساهم في ردع التصعيد. لكن الشاغل الأعمق يتجاوز مجرد توازن الأسلحة؛ فالسياق الجيوسياسي الذي يتحرك فيه الردع هو ما يعزز تعقيد هذه الأزمة. في النظام الحالي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، لم تعد الهند وباكستان مجرد خصمين في صراع ثنائي، بل أصبحتا جزءًا من تكتلات جيوسياسية متنافسة. إذ تعمق تحالف الهند مع الولايات المتحدة بشكل ملحوظ منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبلغ ذروته في اتفاقيات دفاعية قوية، وتعاون رباعي متزايد، وتكامل تكنولوجي عسكري، مما يعكس تحولًا استراتيجيًا في المنطقة ويدفع بمزيد من التصعيد بين القوى الكبرى في المنطقة.
باكستان، التي كانت في السابق مرتبطة بشكل غامض بكل من الولايات المتحدة والصين، أصبحت الآن جزءًا ثابتًا من المدار الاستراتيجي للصين. إن اعتمادها المتزايد على رأس المال الصيني، أنظمة الأسلحة، والدعم الدبلوماسي عبر مبادرة الحزام والطريق، خاصة من خلال الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC)، قد حوّل إسلام آباد إلى طرف تابع في التصميم الإقليمي الأوسع لبكين. هذا التحول الاستراتيجي لا يقتصر على علاقات ثنائية مع الصين، بل ينعكس أيضًا على الوضع العسكري والسياسي في المنطقة.
نتيجة لذلك، لم يعد العمل العسكري بين الهند وباكستان يُنظر إليه فقط على أنه تصعيد ثنائي بين الجارتين النوويتين، بل أصبح يُعتبر جزءًا من المنافسة الكبرى متعددة الأقطاب. عمليات تبادل الصواريخ الأخيرة بين البلدين، على سبيل المثال، تم تفسيرها في بكين على أنها اختبار لضعف باكستان في مواجهة الضغوط، وفي واشنطن كدليل على عزيمة الهند في تعزيز موقفها الاستراتيجي. من هذه الزاوية، فإن الأزمة بين الهند وباكستان تمثل تمثيلًا بالوكالة للصراع الأوسع على الهيمنة الإقليمية، حيث تتواجه القوى الكبرى في نظامين متنافسين، أحدهما تقوده الولايات المتحدة والآخر الصين. هذا الصراع لا يقتصر على مواجهة مباشرة بين الهند وباكستان فقط، بل يتداخل مع الحسابات الاستراتيجية العالمية التي تشمل مصالح القوى العظمى وموازين القوى الإقليمية.
من الناحية الجيوسياسية، كان يُنظر إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ في البداية على أنها منطقة شاملة يمكن لإطار عمل مشترك فيها أن يوفّق بين الترابط الاقتصادي وتنافس القوى العظمى. في هذا السياق، كان من المتوقع أن تحافظ القوى المتوسطة على استقلاليتها، وأن تساهم المؤسسات الإقليمية في تخفيف حدة الصراعات، في حين يسهم الأمن البحري في تعزيز الرخاء الجماعي للمنطقة. لكن على مر السنوات الخمس الماضية، شهدت هذه البيئة تحولات ملحوظة نحو عسكرة استراتيجيات القوى الكبرى واستقطاب جيوسياسي واضح.
استنادًا إلى سياسة احتواء الصين، عززت الولايات المتحدة استراتيجيتها في المحيطين الهندي والهادئ من خلال اتفاقية أوكوس (AUKUS) والتحالف الرباعي (Quad) واتفاقيات القواعد العسكرية الثنائية مع دول إقليمية. أما رد الصين، فقد تمثل في تعزيز مجال نفوذها عبر دبلوماسية تعتمد على مشاريع البنية التحتية، وفي موقف عدائي تجاه المناطق المتنازع عليها مثل جبال الهيمالايا وبحر الصين الجنوبي، بالإضافة إلى الضغط الاقتصادي القسري.
أسفر هذا التشدّد المستهدف عن نتيجتين رئيسيتين. أولًا، ضاق هامش عدم اليقين الدبلوماسي، مما دفع الدول إلى إعلان تحالفاتها بشكل أكثر وضوحًا، سواء كانت ضمنية أو صريحة. ثانيًا، تم خفض عتبة المواجهة المقبولة، بحيث أصبح التفاعل العسكري بين القوى النووية في المنطقة يُعتبر أمرًا يمكن السيطرة عليه، بل وحتى لا مفرَّ منه، في ضوء تكيّف النظام الإقليمي مع الوضع الجديد المليء بعدم الاستقرار. تجسّد الأزمة الأخيرة بين الهند وباكستان هذا الاتجاه بشكل جلي؛ ففي الماضي، كان تفاعل عسكري كهذا بين قوتين نوويتين سيثير ردود فعل دبلوماسية عنيفة على الصعيد الدولي. أما اليوم، فيُنظر إليه على أنه جزء من واقع استراتيجي جديد، حيث باتت المواجهات من هذا النوع تُعتبر قابلة للإدارة في سياق منافسات القوى الكبرى في المنطقة.
يُعد تطبيع التفاعل العسكري المحدود بين الدول النووية من أبرز الجوانب المثيرة للقلق في هذه القضية. فقد يبدو أن الهند وباكستان قد عدّلتا سلوكهما ليظل تحت مستوى الحرب الشاملة، حيث استخدمت الهند قنابل دقيقة لتوجيه “ضربات جراحية”، في حين كان رد باكستان تكتيكيًا ومنضبطًا، موجّهًا في الوقت ذاته للجمهور الداخلي والخارجي. ومع ذلك، فإن هذا التطبيع العسكري محفوف بالمخاطر بشكل كبير، حيث أن مفهوم “الحرب المحدودة” يتناقض جوهريًا في بيئة نووية. تُظهر ديناميكيات التصعيد غير المتوقعة أن الردع النووي لا يعتمد فقط على القدرة، بل على الإدراك المتبادل لتلك القدرة.
وفي هذا السياق، يزداد خطر سوء التفسير عندما يصبح العمل العسكري وسيلة لإرسال إشارات استراتيجية، ليس فقط تجاه الخصم المباشر، بل أيضًا تجاه القوى الكبرى الأخرى مثل الولايات المتحدة والصين. في ظل هذه الظروف، فإن الردع لا يُعتبر مجرد عامل استقرار، بل يصبح استعراضًا للعقلانية التمثيلية، حيث يتم تداول القوة ليس فقط عبر التهديدات، بل أيضًا عبر تمسك كل طرف بمواقفه الصارمة. ومن هنا، لا تُثبَّط الأسلحة النووية فحسب، بل تُشكّل أيضًا المنطق الأساسي للصراع، مما يدمج الأزمات في قواعد الدبلوماسية ذات الطابع الاستراتيجي.
هذه الديناميكية تُشير إلى قضية أوسع نطاقًا تتعلق بتفكك القوة المعيارية في الأمن العالمي. فبعد أن كانت مؤسسات مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وحركة عدم الانحياز، والمنتديات الدولية للحد من الأسلحة تلعب دورًا في دعم النظام العالمي، فقد فقدت مصداقيتها وقدرتها على التأثير الفعّال في حل الأزمات. ما تبقى اليوم هو مشهد ممزق من الاتفاقيات الثنائية والتحالفات المؤقتة، والأنظمة الإقليمية التي تُشكّلها البنية التحتية العسكرية والأسلحة أكثر من المعايير أو الدبلوماسية التقليدية. هذه التحولات تُبرز تحولًا في طبيعة النظام الدولي، حيث تُصبح القوة العسكرية هي العامل الحاسم في تشكيل العلاقات الدولية بدلاً من المعايير الدبلوماسية أو المؤسسات العالمية التي كانت تُعتبر سائدة.
إذا كان النزاع الهندي الباكستاني يُقدّم دروسًا، فإن منطقة المحيطين الهندي والهادئ لا تتّجه نحو تعدّدية قطبية مستقرة، بل نحو حالة ما بعد الهيمنة، حيث يُملأ الفراغ ليس بالتعاون بل بالصراع المستمر. في هذه البيئة المعقدة، لا يمكن لأي جهة فاعلة واحدة أن تحدّد الاتجاه. يمثل هذا التحوّل تحديًا كبيرًا لكل من الأكاديميين والمشرّعين على حد سواء. كيف يمكن تصور ترتيب أمني إقليمي لا يعتمد على مؤسسات ضعيفة ولا يعكس التنافس بين القوى العظمى؟ وكيف يمكننا إنشاء نماذج جديدة للتعددية الاستراتيجية التي تساعد على استيعاب الصراع دون الانزلاق إلى حرب؟
أحد النقاط الأساسية التي يجب البدء منها هو إدراك ضرورة بناء النظام الأمني الإقليمي بدلاً من اعتباره أمرًا مفروغًا منه. يتطلب هذا إنشاء معايير مشتركة للمشاركة بين الدول الإقليمية، فضلًا عن استثمار دبلوماسي مستمر من جميع الأطراف، بما في ذلك القوى الكبرى والصغرى، بهدف تعزيز التفاهم والتهدئة. كما ينبغي أن تكون هناك أنظمة فعّالة لإدارة الأزمات، خالية من نفوذ الدول القوية، لضمان أن تبقى التوترات في حدود القابلية للتحكم، وألا تتحول إلى صراعات شاملة.
علاوة على ذلك، يتطلب هذا التوجه الاعتراف بحدود الردع النووي ومخاطر افتراض المنطق في كل حساب استراتيجي. فبينما قد يبدو الردع خيارًا قادرًا على منع التصعيد، فإنه يظل هشًّا ويتعرض لمخاطر سوء التفسير أو الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة شاملة. من هنا، فإن تصميم استراتيجيات أمنية مرنة تتسم بالحذر والحوار المستمر هي الطريقة الوحيدة للحد من مخاطر التدهور الأمني في هذه المنطقة الحساسة.
إن بناء هذا النظام يتطلب تعاونًا دائمًا من جميع الفاعلين في المنطقة، وتحقيق توازن دقيق بين الردع والاستقرار، دون أن تُطغى الهيمنة الجيوسياسية أو نزعات القوة الكبرى على الأهداف الجماعية للسلام والاستقرار الإقليمي.
سيُذكر صدام الهند وباكستان في أيار/مايو 2025 ليس فقط بسبب تصعيده العسكري أو مدى الدمار الذي خلفه، بل لما كشفه عن النظام الأمني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ – هشاشته، وتفككه، وتزايد عسكرته. ما نشهده الآن ليس مجرد انبعاث للتاريخ، بل هو تحول جذري حيث تفسح أوهام ما بعد الحرب الباردة المجال لمشهد محفوف بالمخاطر، حيث يلوح شبح التهديد النووي بقوة، وتصبح أدوات إدارته قديمة الطراز بشكل متزايد. في هذا السياق، يصبح القرار واضحًا: إما أن تتبنى الجهات الفاعلة الإقليمية والقوى العالمية مستقبلاً يتشكل من خلال الأزمات المتقطعة، إشارات الوكالة، وخطر الانزلاق إلى خطأ كارثي، أو أن تلتزم بإعادة تشكيل منطقة المحيطين الهندي والهادئ كمنطقة للتعايش التفاوضي.
هذه اللحظة تُبرز التحدي الكبير أمام قادة المنطقة والقوى الكبرى في تحديد الطريق الذي سيختارونه. إما الاستمرار في التعامل مع المنطقة من خلال معايير قديمة لم تعد قادرة على مواجهة التعقيدات الحديثة، أو البحث عن إطار عمل جديد يحترم التعددية، التعاون الإقليمي، ويدير المخاطر المتزايدة. في النهاية، سيكون مستقبل المنطقة رهناً بإرادة هذه الأطراف في إيجاد حل طويل الأمد يعزز الاستقرار ويقلل من التصعيد، بدلاً من أن يُسهم في تعميق الانقسامات والصراعات.
أنييلو إيانوني
8 أيار/ مايو 2025
مركز أسبار
رابط البحث:
https://www.e-ir.info/2025/05/08/opinion-from-deterrence-to-display-in-the-india-pakistan-conflict/

