في 13 مايو 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن قرار إدارته ببدء “استعادة العلاقات الطبيعية” مع الحكومة السورية الجديدة، وهو إعلان وصفه البعض بأنه خطوة مهمة في مسار تغيير السياسة الأمريكية تجاه سوريا. كما أكد الرئيس ترامب في خطابه عزمه على “إصدار أمر بوقف العقوبات المفروضة على سوريا”، وهو ما قد يكون له تداعيات كبيرة على العلاقات بين البلدين، فضلاً عن تأثيره على سياسات المنطقة ككل. وعلى الرغم من هذا الإعلان، فإنه حتى تاريخ نشر الخبر، لم تشهد العقوبات الأمريكية المتعلقة بسوريا أي تغييرات ملموسة أو تحولات جوهرية في الالتزامات التي فرضتها الحكومة الأمريكية سابقًا. وفي هذا السياق، نشرت شركة K2 Integrity مذكرة تسلط الضوء على الوضع الراهن وتقدم رؤى تحليلية حول الخطوات المحتملة التي قد تتخذها الإدارة الأمريكية في المستقبل القريب، في إطار هذه السياسة الجديدة. هذه المذكرة تهدف إلى توضيح سياق القرار وتقديم تقييم شامل للآثار المترتبة عليه.
خلفية عن العقوبات الأمريكية
صُنِّفت سوريا كدولة راعية للإرهاب من قبل الولايات المتحدة منذ 29 ديسمبر 1979، مما كان له تأثير كبير على العلاقات بين البلدين وعلى السياسة الأمريكية تجاه سوريا. ومنذ عام 2004، قامت الولايات المتحدة بإصدار ثمانية أوامر تنفيذية مستهدفة سوريا، تتعلق بمختلف القضايا والمخاوف الأمنية والحقوقية. في أغسطس 2011، في استجابة للأزمة الإنسانية والحرب الأهلية المتصاعدة في سوريا، أصدر الرئيس الأمريكي حينها، باراك أوباما، الأمر التنفيذي رقم 13582، الذي فرض بموجبه حظرًا شاملاً على سوريا، بالإضافة إلى تجميد الأصول التي تخص الحكومة السورية.
حالياً، تستمر العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على سوريا في التأثير بشكل كبير على الاقتصاد السوري وعلى الأفراد والكيانات المرتبطة بنظام الأسد. تشمل هذه العقوبات عدة جوانب، أبرزها:
- تجميد الممتلكات والمصالح: حيث يتم تجميد الأصول التي تخص الحكومة السورية، إضافة إلى مئات الأفراد والكيانات التي تم إدراجها على القائمة السوداء الأمريكية بسبب ارتباطها بنظام الأسد أو تورطها في انتهاكات حقوق الإنسان أو الفساد أو الإرهاب أو محاولات التهرب من العقوبات، وكذلك فيما يتعلق بانتشار الأسلحة الكيميائية.
- حظر تصدير السلع والخدمات: فرضت الولايات المتحدة حظرًا شاملًا على تصدير السلع والخدمات إلى سوريا، مع استثناءات محدودة في بعض الحالات التي تخص المواد الإنسانية.
- حظر الاستثمارات: يحظر على المواطنين الأمريكيين والشركات الأمريكية إجراء استثمارات جديدة في سوريا، مما يعرقل أي فرص نمو اقتصادية أو تعاون دولي مع الحكومة السورية.
- حظر استيراد النفط السوري: تم فرض حظر على استيراد النفط السوري أو أي من منتجاته إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى حظر أي معاملة أو تعامل يتضمن النفط السوري أو منتجاته من قبل أي شخص أمريكي، بغض النظر عن مكانه في العالم.
تستمر هذه العقوبات في التأثير على الاقتصاد السوري وتقييد قدرة الحكومة السورية على التفاعل الاقتصادي مع العالم، كما تسهم في تعزيز الضغوط الدولية على النظام السوري بشأن قضايا حقوق الإنسان والإصلاح السياسي.
حظر شامل على الأسلحة:
بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية الشاملة التي تستهدف سوريا ككل، قامت الولايات المتحدة بفرض عقوبات فردية على العديد من الأفراد والكيانات لأسباب تتجاوز مجرد علاقتها بنظام الأسد. وتشمل هذه الأسباب الإرهاب، انتشار أسلحة الدمار الشامل، التهرُّب من العقوبات المفروضة، وأيضًا بسبب برامج عقوبات أخرى متعلقة بدول مثل إيران وروسيا. كما أن هناك عقوبات تُفرض استنادًا إلى اعتبارات متعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية. من أبرز الكيانات التي تم استهدافها هي هيئة تحرير الشام (HTS) وقيادتها، التي تسيطر حاليًا على مناطق في شمال غرب سوريا. إذ يتم تصنيف الهيئة وقيادتها ككيانات إرهابية وفقًا للقوانين الأمريكية.
تجدر الإشارة إلى أن هيئة تحرير الشام وقياداتها تخضع لعقوبات أمريكية بسبب صلاتها الإرهابية، حيث تم تصنيفها كـ”منظمة إرهابية أجنبية” (FTO) في مايو 2018، وذلك بعد أن أصبحت هذه الهيئة تُعرف أيضًا باسم “جبهة النصرة” التي كانت مرتبطة بتنظيم القاعدة في الماضي. كما تم تصنيف زعيم الهيئة، “أبو محمد الجولاني”، كإرهابي عالمي بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224 لعام 2013، وذلك بناءً على تصنيف مجلس الأمن الدولي له. وفي هذا السياق، صنَّف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هيئة تحرير الشام في 14 مايو 2014، كأحد الأسماء المستعارة لجبهة النصرة، والتي تم إدراجها بناءً على القرار 2083 (2012) باعتبارها مجموعة مرتبطة بتنظيم القاعدة. وقد شمل هذا التصنيف تورط الهيئة في تمويل الأنشطة الإرهابية أو التخطيط لها أو ارتكابها، بالإضافة إلى التجنيد لصالح تنظيم القاعدة ودعمه بطرق أخرى.
على الرغم من هذه العقوبات، فإن أي تعامل أمريكي مع هيئة تحرير الشام أو مع أفراد وكيانات مرتبطة بها يعد غير قانوني إلا في حال وجود ترخيص أو إعفاء من الحكومة الأمريكية. وهذا يعقّد بشكل كبير أي تعامل مع الحكومة السورية في المناطق الخاضعة لسيطرة الهيئة، بالإضافة إلى تعقيد العلاقات الأمريكية مع أي أطراف محلية أو دولية تتعامل مع تلك الكيانات.
بالإضافة إلى الإجراءات التي اتخذتها السلطة التنفيذية، لعب الكونغرس الأمريكي دورًا محوريًا في ترسيخ نظام العقوبات المفروضة على سوريا من خلال سنّ عدد من القوانين التي تُلزم الرئيس بفرض عقوبات معينة على جهات حكومية وغير حكومية سورية. ورغم أن هذه القوانين تتيح قدرًا من السلطة التقديرية للرئيس في كيفية تنفيذ العقوبات، إلا أنها تضع إطارًا قانونيًا صارمًا يُصعّب على أي إدارة أمريكية رفع العقوبات دون مبررات قوية أو تغييرات سياسية كبيرة على الأرض. ومن أبرز هذه التشريعات:
قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان لعام 2003
- يهدف هذا القانون إلى تحميل الحكومة السورية المسؤولية عن دعمها للإرهاب، واحتلالها السابق للبنان، وتطويرها المحتمل لأسلحة دمار شامل. كما يطالب بفرض عقوبات على سوريا إلى أن توقف هذه الأنشطة، ويمنح الرئيس سلطة فرض قيود على التبادل التجاري والمالي، وفرض قيود على الطيران السوري في المجال الجوي الأمريكي، وغيرها من الإجراءات العقابية.
قانون الحد من التهديد الإيراني وحقوق الإنسان في سوريا لعام 2012
- صدر هذا القانون في سياق تصاعد الحرب الأهلية السورية، ويركز على فرض عقوبات على الأفراد والكيانات التي تدعم النظام السوري أو تنتهك حقوق الإنسان في سوريا، بما في ذلك تورط الحرس الثوري الإيراني وميليشيات مرتبطة به. ويُظهر هذا القانون التداخل بين السياسات الأمريكية تجاه سوريا وإيران، ويُعزّز من طبيعة العقوبات المتعددة الأطراف.
قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين لعام 2019
- يُعدّ من أشد القوانين الأمريكية صرامةً تجاه النظام السوري، ويستهدف ليس فقط المسؤولين الحكوميين والعسكريين، بل أيضًا أي جهة خارجية – بما في ذلك شركات أو دول – تتعامل مع النظام السوري في قطاعات رئيسية مثل الطاقة، الطيران، والبناء. وُضع هذا القانون على خلفية توثيق واسع النطاق لانتهاكات حقوق الإنسان من خلال الصور المُسرّبة من معتقلات النظام، المعروفة باسم “صور قيصر”. ويُلزم القانون الإدارة الأمريكية بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات ويوسّع نطاق العقوبات بشكل كبير ليشمل أي دعم مباشر أو غير مباشر للنظام السوري.
تشكّل هذه القوانين أساسًا متينًا ومستمرًا لنظام العقوبات الأمريكي ضد سوريا، مما يحدّ من قدرة أي إدارة على إجراء تغييرات جذرية في السياسة تجاه دمشق دون الحصول على موافقة الكونغرس أو تبرير التغييرات استنادًا إلى حقائق سياسية جديدة.
التحرُّك الدولي:
خارج إطار العقوبات الأمريكية الصارمة، بدأت كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة باتخاذ خطوات ملموسة نحو تخفيف بعض القيود المفروضة على سوريا، وذلك في سياق مراجعة السياسات الغربية تجاه دمشق وتطورات الوضع السياسي في البلاد. وتجدر الإشارة إلى أن العقوبات الأوروبية والبريطانية لم تكن أصلاً بنفس درجة الاتساع والشمول التي تميز بها النظام الأمريكي للعقوبات، مما منح هذه الأطراف مرونة أكبر في تعديل مواقفها.
في 24 فبراير 2025، أقدم مجلس الاتحاد الأوروبي على مجموعة من الإجراءات التي شكّلت تحولاً ملحوظاً في سياسته تجاه سوريا، حيث قرر إزالة أربعة مصارف سورية من قائمة الكيانات المستهدَفة بالعقوبات، وهي: المصرف الزراعي التعاوني، المصرف الصناعي، مصرف التسليف الشعبي، والمصرف العقاري، بالإضافة إلى الخطوط الجوية العربية السورية. كما علّق المجلس بعض القيود المفروضة على قطاعي الطاقة والنقل، وسمح بتقديم استثناءات محددة للعلاقات المصرفية بين البنوك الأوروبية ونظيرتها السورية، ما يمهد الطريق أمام استئناف بعض المعاملات المالية الرسمية والتجارية.
وبعد ذلك بأسابيع قليلة، وتحديدًا في شهري مارس وأبريل 2025، قامت المملكة المتحدة بخطوات مشابهة تمثلت في إزالة عدد من الجهات الرسمية السورية من قائمة العقوبات البريطانية. وشمل ذلك وزارة الداخلية، وزارة الدفاع، مديرية المخابرات العامة، إلى جانب عدة قنوات تلفزيونية سورية كانت سابقًا محظورة بموجب العقوبات. هذه التحركات تعكس تحوّلًا تدريجيًا لدى بعض القوى الغربية في كيفية التعامل مع الحكومة السورية، على ضوء المتغيرات السياسية على الأرض وإعادة تقييم الجدوى الاستراتيجية لاستمرار العقوبات الصارمة.
وعلى الرغم من هذه التغييرات، لا تزال أغلب العقوبات الأوروبية والبريطانية الأخرى سارية، ومرتبطة بشروط تتعلق بحقوق الإنسان، والمساءلة، والتسوية السياسية. إلا أن هذه الخطوات قد تُشكّل أرضية أولية لمزيد من الانفتاح في حال حدوث تطورات سياسية أو إنسانية ملموسة في سوريا.
كيفيّة رفع برامج العقوبات:
يتمتع الرئيس الأمريكي بسلطة قانونية لإلغاء تصنيف دولة ما كـ “دولة راعية للإرهاب”، وذلك عبر إحدى آليتين منصوص عليهما في القانون الأمريكي، وكلاهما يتطلب تقديم تقرير إلى الكونغرس مع توافر شروط محددة:
- الآلية الأولى: تقديم تقرير يُثبت ما يلي:
- (أ) حدوث تغيير جوهري في قيادة وسياسات الحكومة المعنية،
- (ب) أن الحكومة لم تعد تدعم أعمال الإرهاب الدولي،
- (ج) أن الحكومة قدّمت ضمانات بألا تدعم الإرهاب مستقبلاً.
يجب تقديم هذا التقرير قبل سريان الإلغاء المقترَح للتصنيف.
- الآلية الثانية: تقديم تقرير قبل 45 يوماً على الأقل من الإلغاء، يُثبت فيه:
- (أ) أن الحكومة لم تدعم الإرهاب خلال الأشهر الستة الماضية،
- (ب) أنها قدمت ضمانات بعدم دعم الإرهاب في المستقبل.
على الرغم من امتلاك الرئيس صلاحية اختيار الآلية التي يراها مناسبة، فإن قراره سيعتمد غالبًا على ديناميكيات الكونغرس، والضغوط أو المطالب الدولية، بالإضافة إلى القيود العملية المرتبطة باستمرار إدراج الدولة في قائمة الدول الراعية للإرهاب، مثل صعوبات السفر، أو القيود المالية، أو التوترات الدبلوماسية.
وبغض النظر عن تصنيف الدولة، تمتلك الحكومة الأمريكية أدوات أخرى لتعديل أو تخفيف العقوبات المفروضة، منها:
- التراخيص العامة التي يصدرها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، والتي تسمح بموجبها لأنشطة كانت محظورة، مثل تصدير بعض الخدمات، أو الاستثمار، أو التعاملات المتعلقة بالبترول. لكن هذه التراخيص لا تُلغي العقوبات كلياً، بل تُحدّد استثناءات ضمن الإطار القائم.
- يمكن لـمكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة تعديل لوائح إدارة التصدير (EAR) لتخفيف أو إعادة تنظيم قيود التصدير المفروضة على سوريا.
- ولإلغاء العقوبات على نطاق أوسع، يمكن للرئيس إصدار أمر تنفيذي جديد يُنهي حالة الطوارئ الوطنية المُعلنة سابقاً بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA)، والتي تُشكّل الأساس القانوني للعديد من العقوبات المفروضة.
وأخيرًا، حتى لو قررت الولايات المتحدة تجميد أو رفع العقوبات، فقد تظل هناك اعتبارات قانونية ودبلوماسية تتطلب التعامل معها، مثل الحفاظ على مطالبات قانونية قائمة من قِبل المواطنين أو المؤسسات الأمريكية بشأن الأصول المجمّدة، أو ضمان عدم المساس بالحقوق السيادية والدبلوماسية الأمريكية، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى اتباع نهج تدريجي يتضمن فترات تهدئة أو إجراءات مؤقتة.
ملاحظة: حتى وقت نشر هذه المعلومات، لم تُتخذ أي من الإجراءات المذكورة فعليًا، ولا يزال تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب ساريًا، كما لم يطرأ أي تغيير جوهري في التزامات العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا. وبالتالي، تبقى جميع القيود الحالية – بما في ذلك تجميد الأصول، حظر التصدير والاستثمار، والتعاملات المحظورة مع الكيانات المرتبطة بالنظام السوري أو المصنفة إرهابية – سارية وملزمة، ما لم يصدر توجيه رسمي أو تعديل قانوني من الجهات المختصة في الحكومة الأمريكية.
بعض الأسئلة العالقة
كيف يمكن أن يبدو رفع العقوبات عن سوريا؟
يمكن للولايات المتحدة، بالتنسيق مع شركائها الدوليين، أن تتبنى نهجًا مرنًا ومدروسًا لتخفيف العقوبات المفروضة على سوريا، بما يوازن بين المتطلبات الدبلوماسية والضغوط السياسية الداخلية، مع الحفاظ على مصالحها الإقليمية والأمنية. يتيح هذا النهج إمكانية تيسير الإغاثة الإنسانية، وتحفيز الاستثمار وإعادة الإعمار في سوريا، دون تقديم تنازلات غير محسوبة.
على سبيل المثال، يمكن للحكومة الأمريكية أن تبدأ بـتخفيف تدريجي للعقوبات من خلال إصدار تراخيص عامة من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، أو تدابير مؤقتة تتيح استثناءات محدودة في قطاعات مثل الزراعة، الطاقة، والبنية التحتية، ما يساهم في إعادة تنشيط الاقتصاد السوري في مجالات غير خاضعة مباشرة لسيطرة الجهات المصنفة إرهابية. كما يمكن أن تختار واشنطن نهجًا أسرع، يتمثل في رفع أو تعليق عقوبات معينة بشكل مباشر إذا اقتضت الظروف، كاستجابة لتحولات سياسية داخل سوريا أو ضغوط إقليمية متزايدة.
ومن بين الاعتبارات الأساسية التي قد تؤثر في هذا القرار:
- توفير الوضوح واليقين القانوني للشركات الأمريكية الراغبة في العودة إلى السوق السورية، خصوصًا في مجالات التجارة والاستثمار.
- التوازن في العلاقات الإقليمية الأمريكية، خاصة مع حلفاء مهمين مثل إسرائيل، المملكة العربية السعودية، وتركيا، الذين لهم مواقف متباينة تجاه النظام السوري.
- الاعتبارات الأمنية المرتبطة بهيئة تحرير الشام، التي لا تزال مصنفة كمنظمة إرهابية ومرتبطة بتنظيم القاعدة، مما يعقّد أي انخراط أمريكي في المناطق التي تسيطر عليها.
- الاحتياجات الإنسانية الملحّة في سوريا، والتي تتطلب تخفيفًا عمليًا للعقوبات لتسهيل دخول المساعدات والموارد الضرورية.
- المصالح الاستراتيجية الأمريكية طويلة الأمد، بما في ذلك احتواء النفوذ الإيراني والروسي في سوريا.
بالتالي، فإن أي تخفيف للعقوبات سيعتمد على مزيج من الاعتبارات الجيوسياسية، والإنسانية، والأمنية، وعلى قدرة الإدارة الأمريكية على التنسيق مع الكونغرس والمجتمع الدولي لضمان أن هذه الخطوات تخدم الأهداف السياسية والأخلاقية للولايات المتحدة دون تقويض جهود مكافحة الإرهاب أو تقوية أطراف لا تزال تشكّل تهديدًا لمصالحها.
على سبيل المثال، يُمكن للرئيس الأمريكي أن يُقدم على إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب بشكل فوري، شريطة تقديم إخطار مسبق إلى الكونغرس، استنادًا إلى تغيير في القيادة السياسية والتزامات واضحة من هيئة تحرير الشام بالامتناع عن دعم أو تنفيذ أعمال إرهابية. ويُعد هذا التغيير السياسي المفترض أحد المسارات القانونية الممكنة التي تسمح للرئيس باستخدام صلاحياته لبدء مسار جديد في السياسة الأمريكية تجاه سوريا.
في هذا السياق، تستطيع كل من وزارة الخارجية ووزارة الخزانة الأمريكية الاستفادة من هذه الأسس القانونية لتقديم خطوات إضافية، مثل:
- إلغاء تصنيف هيئة تحرير الشام كـ “إرهابي عالمي محدّد بشكل خاص” (SDGT)، في حال تم إثبات تخليها عن علاقتها بالإرهاب، أو
- إصدار ترخيص عام مُصمم بعناية يسمح بتعامل محدود مع الهيئة أو المناطق التي تسيطر عليها، دون رفع التصنيف كليًا، بما يتيح توسيع نطاق الأنشطة الإنسانية والتنموية.
كما يُمكن للولايات المتحدة أن تُصدر تراخيص عامة تسمح بتخفيف معظم القيود المفروضة على الاستثمار والمعاملات المرتبطة بقطاع النفط والطاقة، بهدف تعزيز الإيرادات الحكومية ودعم الاستثمار الأمريكي في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية. ويمكن لهذا النوع من الترخيص أن يُحدث تأثيرًا مباشرًا على إنعاش الاقتصاد السوري بطريقة تخدم أيضًا المصالح الاقتصادية الأمريكية.
بالتوازي، يمكن لوزارتي الخزانة والتجارة أن تتعاونا لترخيص تصدير سلع وخدمات أمريكية إلى سوريا ضمن إطار يخضع للرقابة، يضمن حماية الأمن القومي الأمريكي مع تسهيل جهود إعادة الإعمار، خصوصًا في مجالات مثل الصحة، الزراعة، والمياه.
وبينما تظل الأصول السورية المجمّدة في الولايات المتحدة خاضعة لقيود قانونية، يمكن للحكومة الأمريكية أن تبدأ بالتدرّج في النظر في التصرف بهذه الأصول، سواء من خلال تسويات قانونية أو مخصصات للمطالبات المشروعة، مع استمرار تجميد الأصول المرتبطة بانتهاكات أو جهات مصنّفة.
وأخيرًا، يُمكن أن تقترن هذه التعديلات في نظام العقوبات بسياسات دعم أوسع نطاقًا، تشمل تنسيقاً مباشراً مع الوكالات الأمريكية للتنمية الدولية (مثل USAID)، وبنوك التنمية الإقليمية أو المتعددة الأطراف، بهدف تسريع التنمية الاقتصادية والتحول السياسي في سوريا، ودعم الاستقرار في المنطقة على المدى البعيد.
نعم، يُمكن للرئيس الأمريكي، من الناحية القانونية، رفع أو تعليق بعض العقوبات المفروضة على سوريا دون الحاجة إلى إجراءات مباشرة من الكونغرس، بشرط استيفاء الشروط المنصوص عليها في القوانين ذات الصلة. فغالبية التشريعات الخاصة بالعقوبات على سوريا، مثل قانون محاسبة سوريا لعام 2003 أو قانون قيصر لعام 2019، تتضمن بنودًا تسمح للرئيس بـ “التنازل” أو “الإنهاء” في حال تحقق شروط معينة، مثل تغيّرات سياسية أو التزام الدولة المعنية بوقف دعم الإرهاب أو انتهاكات حقوق الإنسان.
كيف يمكن التعامل مع العقوبات المتبقية؟
رغم قدرة الرئيس على التصرف بمرونة تجاه بعض العقوبات، تبقى هناك عقوبات مفروضة بموجب برامج متعددة أخرى قد لا تكون مرتبطة بشكل مباشر بالقوانين الخاصة بسوريا، مثل:
- برامج العقوبات المفروضة على إيران وروسيا (بسبب التعاون العسكري أو المالي مع سوريا)
- قانون ماغنيتسكي العالمي (الذي يستهدف المسؤولين المتورطين في الفساد أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان)
- برامج مكافحة الإرهاب
وقد صنّف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) العديد من الأفراد والكيانات السورية كمواطنين مُدرجين بشكل خاص (SDNs) بموجب هذه البرامج. لمعالجة هذه العقوبات، يمكن لـ OFAC أن:
- يُصدر تراخيص عامة أو خاصة تسمح ببعض المعاملات المالية والتجارية التي تشمل هؤلاء الأفراد أو الكيانات، بشرط أن تكون متوافقة مع المصالح الأمريكية.
- يمتنع عن اتخاذ أي إجراءات، في حال كانت البيئة السياسية أو القانونية لا تبرر التخفيف.
ومع ذلك، يُستبعد في الوقت الحالي تعليق أو إلغاء شامل للعقوبات المفروضة بموجب هذه البرامج المتعددة، باستثناء الحالات المرتبطة بهيئة تحرير الشام – التي يُقال إنها أصبحت الحزب الحاكم في سوريا – وزعيمها الجديد، بشرط حدوث تغيرات سياسية وأمنية جوهرية.
التنسيق مع الأمم المتحدة:
قبل شطب هيئة تحرير الشام من قائمة الكيانات الخاضعة للعقوبات، من المرجّح أن تطلب الولايات المتحدة أو إحدى الدول الأعضاء في مجلس الأمن من لجنة عقوبات الأمم المتحدة، المنشأة بموجب قرارات 1267 (1999)، 1989 (2011)، و2253 (2015)، النظر في إزالة اسم الهيئة من قوائم العقوبات، خاصة إذا كانت قد قدمت ضمانات كافية بالتخلي عن الإرهاب والارتباطات السابقة بتنظيم القاعدة.
متابعة التطورات:
ستظل شركة K2 Integrity تراقب أي تغييرات جوهرية في سياسة العقوبات تجاه سوريا، بما في ذلك الخطوات التي قد تتخذها الولايات المتحدة، شركاؤها الدوليون، أو الأمم المتحدة، وستقوم بتقديم تحديثات دورية بناءً على المستجدات السياسية والقانونية.
باختصار، الطريق نحو رفع العقوبات عن سوريا ممكن قانونياً، لكنه يتطلب مزيجاً من الإرادة السياسية، والامتثال للشروط القانونية، والتنسيق الدولي، خاصة فيما يتعلق بالجهات المصنفة إرهابية أو المتورطة في انتهاكات جسيمة.
مركز أسبار
رابط البحث:

