قراءة في الدور الدولي وإعادة إنتاج السلطة بعد 2024
في مطلع أيار/مايو 2025، أثارت محاضرة ألقاها السفير الأميركي السابق لدى سوريا، روبرت فورد، في مجلس بالتيمور للعلاقات الدولية، جدلًا واسعًا على المستويين الإقليمي والدولي، بعد أن كشف عن تواصله السابق مع أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم “أبو محمد الجولاني”، أحد أبرز الوجوه الجهادية في سوريا خلال العقد الماضي. وقد مثّلت هذه التصريحات مؤشرًا على تحول جوهري في طريقة تعاطي الغرب مع بعض الشخصيات التي كانت مصنفة في وقت ما ضمن “الجماعات الإرهابية”، ما يطرح تساؤلات حاسمة حول مرونة السياسات الدولية وحدود البراغماتية السياسية في مناطق النزاع.
أولًا: من التيارات الجهادية إلى مشهد سياسي متقلب
بدأ أحمد الشرع مسيرته داخل تنظيم “القاعدة” قبل أن يبرز لاحقًا كقائد لجبهة النصرة في سوريا، التي شكلت أحد الفروع الرئيسية للتنظيم في بلاد الشام. وفيما بعد، ومع تعقد الأزمة السورية وتعدد القوى الفاعلة على الأرض، أعلن انفصاله عن “القاعدة” وتغيير اسم التنظيم إلى “هيئة تحرير الشام”، في خطوة اعتُبرت محاولة لإعادة التموضع سياسيًا وتخفيف وطأة التصنيف الإرهابي على الجماعة.
رغم هذه المحاولات، ظل الجولاني لفترة طويلة شخصية مثيرة للجدل، وتراوح موقعه بين الرفض الدولي العلني، والقبول الضمني كأمر واقع عسكريًا في شمال سوريا. إلا أن الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2024 شهدت تصاعدًا لافتًا في الخطاب السياسي والإعلامي الذي يروّج لتغيير صورته، وبدأ يظهر في مقابلات إعلامية موجهة للرأي العام الغربي، ما شكّل تمهيدًا لتحول أكبر قادم.
ثانيًا: “إعادة التأهيل السياسي” – بين الواقعية والصفقات
يمكن فهم عملية “إعادة التأهيل” التي مر بها الشرع كجزء من استراتيجية دولية أوسع، تتعامل مع تعقيدات النزاع السوري من منطلق تقليل الخسائر وتثبيت مناطق النفوذ. فمع انحسار نفوذ النظام السوري في عدد من المناطق، وتراجع الاهتمام الدولي بإسقاط الأسد، بدا أن القوى الغربية – وفي مقدمتها الولايات المتحدة – بدأت بإعادة تقييم خياراتها على الأرض.
في هذا السياق، بدأت تظهر ملامح مشروع يهدف إلى تحويل الشرع من قائد فصيل مسلح إلى فاعل سياسي يمكن التفاوض معه، بل وربما منحه شرعية ضمن ترتيبات الحكم المحلي أو الانتقالي. وقد لعبت عدة أطراف دورًا في هذه العملية، من ضمنها منظمات غير حكومية، ومراكز أبحاث، وقنوات إعلامية رسمية وشبه رسمية، ساهمت جميعها في “إعادة صياغة” صورة الجولاني بما يتماشى مع مصالح محددة في تلك المرحلة.
ثالثًا: اللحظة الحاسمة – رئاسة سوريا بعد نهاية 2024
جاءت اللحظة المفصلية في نهاية عام 2024، حين شهدت سوريا تطورات ميدانية غير مسبوقة، شملت انهيارًا مفاجئًا في منظومة الحكم المركزية في دمشق، وتفكك عدد من الأجهزة الأمنية، بالتزامن مع توافق دولي نادر على ضرورة “إعادة الاستقرار” بسرعة. وفي هذا الفراغ السياسي، برز أحمد الشرع كمرشح محتمل لقيادة المرحلة الانتقالية، بدعم واضح من قوى إقليمية وغربية رأت في صعوده خيارًا براغماتيًا لتجنب الفوضى، وضمان عدم تمدد نفوذ الجماعات الأكثر تطرفًا أو إيران وحلفائها.
في كانون الثاني/يناير 2025، أُعلن رسميًا عن تولي الشرع رئاسة الجمهورية السورية في إطار ما وُصف بـ”اتفاق الضمانات الدولية”، وسط احتجاجات داخلية ورفض علني من قبل عدد من أطياف المعارضة، التي اعتبرت أن المسار تجاهل مبادئ العدالة الانتقالية، وتمّ فرضه بضغط دولي يهدف لتحقيق استقرار قصير المدى على حساب العدالة والمساءلة.
رابعًا: الموقف الدولي – حدود البراغماتية الغربية
إن التحول في الموقف الغربي من أحمد الشرع لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الدولي الأوسع، الذي يشهد منذ سنوات تراجعًا في الالتزام بالقيم الديمقراطية لصالح أولويات الأمن ومكافحة الإرهاب. ففي مواجهة انسداد الحل السياسي، وغياب البدائل المقبولة، فضّل صناع القرار في بعض العواصم الغربية التعامل مع “الشر الأقل”، واعتبار الشرع جزءًا من تسوية سياسية محتملة تضمن نفوذهم في المنطقة وتمنع الانهيار الكامل.
ورغم تبريرات بعض المسؤولين الغربيين بأن “الشرع تغيّر” و”أثبت براغماتيته”، إلا أن هذا التحول يُعد سابقة في سياق العلاقات الدولية، إذ يمثّل تخليًا فعليًا عن سياسة “عدم التفاوض مع الإرهابيين”، ويفتح الباب أمام إعادة تعريف معايير الشرعية السياسية في مناطق النزاع.
خامسًا: التداعيات والسيناريوهات المستقبلية
يبقى السؤال المركزي: إلى أين تتجه سوريا في ظل قيادة أحمد الشرع؟ وهل يشكّل هذا التحول بدايةً لمرحلة استقرار فعلي، أم أنه مجرّد هدنة مؤقتة في انتظار انفجار جديد؟
السيناريوهات متعددة، وتتراوح بين تثبيت الشرع كجزء من “نظام جديد” قائم على تقاسم النفوذ الإقليمي والدولي، وبين احتمال اندلاع موجة جديدة من العنف الداخلي نتيجة رفض قطاعات واسعة من السوريين لهذا المسار. كما أن استمرار الدعم الغربي مشروط بقدرة الشرع على تقديم صورة “معتدلة”، وممارسة سياسة تضمن مصالح الحلفاء دون الانزلاق مجددًا إلى خطاب التشدد أو الممارسات السلطوية.
أولًا: أحمد الشرع في السياق الجهادي السوري
خلفية شخصية وسياسية: من درعا إلى الواجهة الدولية
وُلد أحمد حسين الشرع عام 1981 في محافظة درعا جنوب سوريا، وتلقى تعليمه الأساسي والجامعي في مدينة دمشق، حيث درس في كلية الطب – وفق ما أوردته بعض المصادر – قبل أن يترك الدراسة ويلتحق بمناطق الصراع في العراق، متأثرًا بالتيارات السلفية الجهادية. ومع انطلاق الثورة السورية في عام 2011، كان الشرع من أوائل من التحقوا بالجماعات الجهادية، مستفيدًا من الفوضى الأمنية والسياسية التي صاحبت الحراك الشعبي.
في عام 2012، أعلن الشرع عن تأسيس “جبهة النصرة”، باعتبارها الفرع الرسمي لتنظيم “القاعدة” في سوريا، ليصبح خلال فترة وجيزة أحد أبرز الوجوه الجهادية على الساحة، محطّ اهتمام وملاحقة من قِبل أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية، واعتُبر تهديدًا أمنيًا يتجاوز الحدود السورية.
لكن المنعطف الأهم في مسيرة الشرع جاء عام 2016، عندما أعلن فك الارتباط رسميًا عن تنظيم القاعدة، وأسس كيانًا جديدًا حمل اسم “هيئة تحرير الشام”. وقد قرأ كثير من المراقبين هذه الخطوة على أنها محاولة لإعادة التموضع السياسي والتكتيكي، في ظل الضغوط المتزايدة التي تعرّضت لها “جبهة النصرة” من القوى الدولية والإقليمية، وحتى من بعض الفصائل السورية المعارضة التي رفضت التعاون مع كيان مصنّف إرهابيًا.
منذ ذلك الحين، بدأ الشرع في تحول تدريجي في الخطاب السياسي والإعلامي، متخليًا بشكل ملحوظ عن المصطلحات الجهادية التقليدية، ومتبنيًا لهجة أكثر براغماتية. وقد شكّل ظهوره الإعلامي في مقابلة موسعة مع قناة PBS الأميركية عام 2021 نقطة فارقة، إذ ظهر مرتديًا الزي الرسمي (بذلة وربطة عنق)، متحدثًا بلغة سياسية تتقاطع مع مفاهيم الدولة، والمواطنة، والاستقرار، ما فسّره البعض كجزء من استراتيجية مدروسة لتقديم نفسه كفاعل سياسي قابل للتفاوض، بل وربما للقيادة.
هذا المسار المتبدّل في شخصية الشرع، من قائد ميداني جهادي إلى “رجل دولة محتمل”، يُعدّ مفتاحًا لفهم المشهد السوري في مرحلة ما بعد 2024، وخاصة بعد تسلمه رسميًا لمنصب رئاسة الجمهورية، بدعم ضمني من عدد من العواصم الغربية.
ثانيًا: السياق السياسي لتحولات الجولاني – الدعم غير المباشر؟
الدور الغربي الخفي: تصريحات فورد وإعادة تشكيل صورة “العدو”
رغم الطابع الأكاديمي لمحاضرته، حملت تصريحات السفير الأميركي السابق لدى سوريا، روبرت فورد، التي ألقاها في مجلس بالتيمور للعلاقات الدولية في أيار/مايو 2025، مضامين سياسية خطيرة، كشفت جانبًا مما يمكن اعتباره “البُعد غير المعلن” في عملية تحويل أحمد الشرع من زعيم فصيل جهادي إلى فاعل سياسي معترف به دوليًا.
فورد تحدث بشكل صريح عن دعوة تلقاها عام 2022 من منظمة بريطانية غير حكومية – لم يُسمّها – لعقد لقاء مع الشرع في محافظة إدلب، بدعوى “استكشاف إمكانية انتقاله إلى الحياة السياسية”. لاحقًا، وبحسب فورد، عُقدت ثلاثة لقاءات إضافية في إدلب، ناقش خلالها الطرفان ملامح مستقبل سوريا، وخرج فورد بانطباع وصف فيه الشرع بأنه “رجل مسؤول، وطني، وليس جهاديًا”، في تحول واضح عن التصنيفات السابقة التي طالما ربطته بـ”الإرهاب العابر للحدود”.
ورغم أن الخارجية الأميركية سارعت إلى نفي أي علاقة رسمية لها بتلك اللقاءات، إلا أن تصريحات فورد فتحت الباب أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بالدور الحقيقي للقوى الغربية – خصوصًا بريطانيا والولايات المتحدة – في إعادة صياغة المشهد السوري، ليس فقط عبر أدوات سياسية علنية، بل أيضًا من خلال مبادرات “غير رسمية” تشارك فيها منظمات مدنية، ومراكز دراسات، وأكاديميون لهم صلات وثيقة بصناع القرار.
يطرح هذا المعطى إشكالية حقيقية حول الحد الفاصل بين التحولات الذاتية للأفراد وبين تأثير الأجندات الدولية في إعادة إنتاج الرموز السياسية في مناطق النزاع. فهل جاء تغيير خطاب وسلوك أحمد الشرع استجابة لمتغيرات داخلية، أم أنه نتاج هندسة سياسية خارجية رأت فيه شخصية قابلة للترويض والتوظيف؟
يذهب بعض المحللين إلى أن الغرب، في ظل انسداد الحل السياسي وتعقّد خريطة الصراع السوري، بدأ يبحث عن “فاعلين عقلانيين” داخل البُنية الجهادية، يمكن تحويلهم إلى وسطاء أو قادة محليين يمكن الوثوق بهم أو التفاوض معهم. ووفق هذا المنظور، فإن تجربة الجولاني/الشرع تمثل حالة اختبار مبكرة لجدوى هذا النموذج من “إعادة التدوير السياسي”.
وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار اللقاءات التي أشار إليها فورد جزءًا من عملية “فحص النضج السياسي”، وهي ممارسة متكررة في سياقات مشابهة، حيث يجري اختبار مدى استعداد الفاعل المحلي للانتقال من مرحلة “الرفض الجذري” إلى الانخراط في لعبة المصالح الدولية، بما تحمله من تنازلات وتفاهمات أمنية.
ثالثًا: من إدلب إلى دمشق – معركة خريف 2024 وتبدل موازين القوة
“البرق الدمشقي” – الهجوم المفاجئ وسيطرة قوات الشرع على العاصمة
في ديسمبر 2024، شهدت العاصمة السورية دمشق حدثًا دراماتيكيًا غير مجرى الصراع السوري بشكل مفاجئ. قادت قوات هيئة تحرير الشام هجومًا منسقًا، أُطلق عليه لاحقًا اسم “البرق الدمشقي”، بمشاركة تشكيلات منشقة عن قوات النظام، تزامنًا مع انهيار مفاجئ في بنية القيادة العسكرية العليا للنظام السوري، بعد اغتيال ماهر الأسد (شقيق الرئيس السوري بشار الأسد) وتسرّب معلومات عن “صفقة انسحاب روسية”.
الهجوم الذي بدأ بتكتيك مفاجئ واندماج بين الجهود الميدانية والضغوط العسكرية، أسفر عن سيطرة قوات الشرع على العاصمة السورية، وهو تحول ميداني لا يُعتبر مجرد تقدم عسكري، بل خطوة استراتيجية غير مسبوقة في تاريخ الصراع السوري. وبحلول بداية يناير 2025، أُعلن عن تشكيل مجلس سياسي انتقالي برئاسة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، في خطوة وصفت بأنها بداية لمرحلة جديدة من الحكم السوري، بعد سنوات من الحرب والدمار.
التداعيات الدولية والتكهنات حول الدعم الغربي
ورغم الضجة الإعلامية التي رافقت الهجوم، وما أُشيع حوله من “انقلاب داخلي مدعوم دوليًا”، سارعت الإدارة الأميركية وأغلب العواصم الأوروبية إلى نفي علمها المسبق بالعملية، واعتبارها “شأنًا سوريًا داخليًا”، في محاولة لتقليص أي تبعات سياسية قد تؤثر على علاقاتها مع القوى الإقليمية المعنية بالملف السوري. ورغم هذا النفي الرسمي، فإن تحليل الأحداث يكشف عن تباين في المواقف، حيث أشار تقرير نشرته وكالة “The Intercept” إلى أن أجهزة الاستخبارات الغربية كانت على علم بالحشود العسكرية التي سبق الهجوم، لكنها قررت التزام الصمت.
السبب الذي قدمته بعض المصادر الغربية كان أن “رحيل الأسد أصبح حتميًا”، وأن القوى الغربية كانت تفضل حدوث هذا التغيير بطريقة سريعة وفعّالة، ما يعكس تحولًا في استراتيجياتها تجاه النظام السوري. هذا الموقف يُظهر تباينًا بين الدبلوماسية العلنية والتحركات الخفية، حيث كان من الواضح أن هناك إشارة ضمنية إلى قبول التطورات في الداخل السوري طالما أن الانتقال كان سلسًا وضمن مصالح الغرب في المنطقة.
فرضية “الصفقة الروسية” وتعدد أبعاد التدخلات
أحد الأبعاد المثيرة للجدل هي “الصفقة الروسية” التي تم الحديث عنها بعد الهجوم. تشير تسريبات عدة إلى أن هناك اتفاقًا غير معلن بين موسكو ودمشق، يقضي بسحب تدريجي للقوات الروسية من سوريا، وهو ما سمح لقوات هيئة تحرير الشام بالتقدم بشكل غير متوقع. هذا التحول في موقف موسكو قد يكون ناتجًا عن تراجع أولوياتها في سوريا بعد سنوات من التدخل العسكري، واكتفاءها بتحقيق أهدافها الاستراتيجية المتعلقة بالوجود العسكري الروسي في البحر المتوسط، فضلاً عن الانشغال بتحديات أخرى في أوكرانيا ومناطق نفوذ أخرى.
السيناريوهات المستقبلية للقيادة السورية الجديدة
منذ سيطرة قوات الشرع على دمشق وتشكيل المجلس السياسي الانتقالي، بدأ الحديث عن إعادة هيكلة سوريا وفقًا لمعادلات جديدة تتداخل فيها مصالح القوى الدولية. في حين أن هناك تيارات داخلية ترفض هذا التحول وتعتبره “احتلالًا جديدًا”، فإن العديد من المراقبين يعتبرون أن الشرع قد يُحسن من علاقاته مع بعض الفاعلين الدوليين، ويُقدّم نفسه كضمانة لاستقرار البلد في مرحلة ما بعد الأسد.
وفي ظل تداخل الصفقات الدولية مع الواقع المحلي، تظل التداعيات السياسية والاقتصادية لهذا التحول مفتوحة، ويطرح السؤال: هل يمكن أن تنجح سوريا الجديدة تحت قيادة الشرع؟ وهل سيكون هذا التغيير بداية لعهد جديد من الاستقرار، أم أنه مجرد مقدمة لمزيد من التوترات الإقليمية والدولية في المنطقة؟
رابعًا: خطاب الشرع السياسي بعد توليه الحكم
بداية عهد جديد: أحمد الشرع ورؤية “العدالة الوطنية والتعايش”
منذ إعلان أحمد الشرع نفسه رئيسًا لسوريا في مطلع يناير 2025، بدأ رئيس هيئة تحرير الشام السابق بتوجيه رسائل طمأنة إلى السوريين والعالم حول توجهاته السياسية المستقبلية، مُعلنًا عن رؤية جديدة تقوم على أسس “العدالة الوطنية والتعايش”. وقد تضمن خطابه الأول تصريحات تركزت حول إعادة بناء الدولة السورية على أسس أكثر شمولية، في محاولة لطمأنة الأطراف المحلية والدولية المتشككة في نواياه.
التوجهات السياسية: من الانتخابات إلى الانفتاح على العالم
أعلن الشرع عن عدة توجهات رئيسية في أول خطاب له، أبرزها:
- الدعوة إلى انتخابات عامة خلال عام، وهو ما يُعتبر خطوة رمزية على طريق الانتقال إلى نظام ديمقراطي، على الرغم من الشكوك التي تحيط بمدى جدية هذه الدعوة في ظل هيمنة الهيئة على الأرض.
- إصدار عفو جزئي عن معتقلي الرأي، وهي خطوة لافتة قد تكون تهدف إلى تخفيف الاحتقان الداخلي وفتح قنوات الحوار مع المعارضة السورية التي كانت محظورة في عهد الأسد. لكن هذه الخطوة تظل غير كافية، حيث يظل السؤال حول المعتقلين السياسيين في سجون الهيئة، خاصة أولئك المرتبطين بالجماعات الإسلامية المتشددة.
- محاولة إعادة العلاقات مع الدول العربية، وهو مسعى يُعتبر مهمًا على الساحة الإقليمية، حيث سعى الشرع إلى إرسال إشارات انفتاح نحو عواصم عربية رئيسية مثل الرياض والقاهرة، في محاولة لتخفيف العزلة الإقليمية التي فرضتها سنوات من الحرب.
- إرسال إشارات انفتاح تجاه الغرب، حيث تم الحديث عن إمكانية فتح قنوات اتصال مع العواصم الغربية، خاصة تلك التي دعمت المعارضة في الماضي. هذه الإشارات تضمنت وعودًا بالتزام مبادئ حقوق الإنسان والإصلاحات السياسية، ولكن دون تقديم خطوات عملية ملموسة حتى اللحظة.
المخاوف من تحول النموذج: حكم شمولي بواجهة وطنية
على الرغم من هذه التصريحات، إلا أن العديد من المراقبين لا يزالون متشككين في نوايا الشرع وجدية الإصلاحات التي أعلنها. ففي حين أن الوعود الانتقالية قد تبدو مشجعة على الورق، إلا أنه لم تصدر أي مؤشرات على تفكيك الأجهزة الأمنية المرتبطة بالهيئة، والتي كانت في السابق من أبرز الملامح البارزة لنظام حكمها في المناطق التي تسيطر عليها.
الأجهزة الأمنية التي تواصل الهيمنة على الأوضاع الداخلية لم تشهد أي تغييرات أو تقليص في سلطتها، مما يثير مخاوف حقيقية من أن تكون خطوات الشرع مجرد تحسين للواجهة السياسية دون تغيير جوهري في بنية السلطة، ليصبح النموذج السوري الجديد شبيهًا بنظام طالبان في أفغانستان: حكم شمولي تحت شعار “العدالة الوطنية والتعايش”.
علاوة على ذلك، لم تُتخذ أي خطوات فعلية نحو العدالة الانتقالية، وهو أمر أساسي في أي عملية انتقالية حقيقية، إذ لم تُعرض بعد تفاصيل حول محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الحقوقية، ولا عن كيفية تحقيق العدالة لضحايا الحرب، وهو ما يشير إلى احتمال استمرار نمط الحكم الاستبدادي الذي ميز السنوات الأخيرة.
سيناريوهات المستقبل: الإصلاح أم الاستبداد؟
في ظل هذه التحولات، تبقى التساؤلات قائمة حول إمكانية تطبيق تلك الوعود بنجاح. هل سيبقى الشرع في مسار الإصلاح السياسي، أم أنه سيستغل منصبه الجديد لتعزيز سلطته الخاصة؟ هل سيظل يقدم نفسه كزعيم “وطني”، أم سيعود إلى تبني سياسات مشابهة لتلك التي انتهجتها الجماعات المتشددة في مراحل سابقة؟
لا شك أن المرحلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار سوريا في عهد أحمد الشرع، سواء في الاتجاه نحو مزيد من الاستقرار أو في الاتجاه نحو تكرار مآسي الماضي.
خامسًا: الجدل الشعبي والدولي – بين الواقعية والتواطؤ
ردود الأفعال على تولي الشرع الحكم: انقسام واضح بين التفاؤل والرفض
بعد تولي أحمد الشرع منصب رئاسة سوريا في يناير 2025، نشأت ردود فعل متباينة في الأوساط المحلية والدولية، انعكست في ثلاث اتجاهات رئيسية، تتراوح بين التفاؤل، التشكك، والرفض الجذري.
- الاتجاه المتفائل: فرصة للسلام الداخلي
رأى بعض المراقبين والفاعلين السياسيين أن تحول الشرع من قائد جهادي إلى شخصية سياسية قد يكون بداية مرحلة جديدة في الصراع السوري، ورغم الألم الذي قد يرافق هذا التحول بالنسبة للبعض، إلا أن هناك من اعتبره خطوة مصالحة مع الواقع السوري الذي عانى من الحرب لأكثر من عقد من الزمن.
يعتقد المتفائلون أن الشرع قد يكون أكثر واقعية في مقاربته للمسائل السياسية، ويؤمنون بأن الانتقال إلى السياسة من موقع الجهاد قد يفتح بابًا لحل داخلي طويل الأمد في البلاد. من هذا المنظور، يمكن أن يمثل الشرع نقطة التقاء بين مختلف الفصائل المتنازعة، بما في ذلك المعارضة والقوى العسكرية، ويكون بمثابة وسيط مقبول من الأطراف الغربية. يربط هؤلاء المتفائلون مسار التحول السياسي بمفهوم العدالة الانتقالية، ويأملون أن يبدأ الشرع في اتخاذ خطوات عملية نحو مصالحة وطنية تشمل معتقلي الرأي ومناهضة الاستبداد.
- الاتجاه المتشكك: تواطؤ دولي وتسليم سوريا
على الطرف الآخر، يرى المتشائمون أن ما حدث هو نتيجة لتواطؤ دولي في تسليم سوريا إلى شخصية تم تأهيلها تدريجيًا لتكون بديلاً مقبولاً عن بشار الأسد، دون أن يأخذ ذلك في الحسبان مطالب الشعب السوري الحقيقية بشأن العدالة والحقوق. من وجهة نظر هؤلاء، يمثل الشرع أداة لتسوية سياسية تمت تحت الضغط الدولي لإخراج سوريا من مأزقها الحالي، لكن هذه التسوية لا تضمن العدالة أو التغيير الحقيقي.
وفقًا لهذا الاتجاه، هناك شعور قوي بأن الغرب قد يكون قبِل بتغيير الوجوه السياسية السورية شريطة الحفاظ على استقرار النظام واستمرار تحكم الهيئة الأمنية بالأوضاع، مما يعني أن سوريا قد تشهد تحولًا سطحيًا، بينما تظل المؤسسات الأمنية في يد نفس القوى التي هيمنت على المشهد طوال السنوات الماضية. يرى هؤلاء أن العدالة الانتقالية التي وعد بها الشرع لا تعدو كونها مناورة سياسية تهدف إلى تهدئة الخارج، بينما لا تتخذ خطوات حقيقية نحو ملاحقة المجرمين أو معالجة آثار الحرب.
- الاتجاه الرافض جذريًا: استبداد جديد بغطاء دولي
أما الرافضون الجذريون لتولي الشرع السلطة، فيعتقدون أن توليه منصب الرئيس هو مجرد إعادة إنتاج استبداد جديد بغطاء دولي. هؤلاء يشيرون إلى الهيمنة المستمرة للأجهزة الأمنية التابعة للهيئة، التي لم تُظهر أي مؤشر على التفكيك أو الإصلاح، بل على العكس، هناك شعور متزايد بأن الشرع سيقوم بتوسيع قاعدة سلطته بناءً على نفس الأسس التي اعتمدها النظام السابق، مع تغيير في الواجهة السياسية فقط.
يرفض هؤلاء بشدة فكرة أن يكون الشرع هو القيادة السورية المقبلة، معتبرين أن سلطته لا تختلف عن أي حكم شمولي آخر. هذه المجموعة من المعارضين تعتبر أن الشرع لا يمكن أن يكون ممثلًا للثوار أو الشعب السوري الذي عانى طيلة السنوات الماضية. خصوصًا في المناطق التي كانت تحت سيطرة هيئة تحرير الشام في الشمال السوري، حيث تزداد شكاوى الانتهاكات والممارسات القمعية ضد السكان المحليين، بما في ذلك الاعتقالات والتعذيب والاختفاء القسري. هؤلاء يرون في تولي الشرع امتدادًا للهيمنة العسكرية على السياسة السورية، وتعتبر هذه السلطة شرعية قسرية لا تعكس إرادة الشعب.
استشراف المستقبل: هل يمكن للشرع أن يُحدث تغييرًا حقيقيًا؟
مع تعدد وتناقض هذه الاتجاهات، يبقى السؤال الكبير: هل يمكن للشرع أن يحقق التغيير المنشود؟ وهل ستكون سوريا قادرة على تجاوز ماضيها الدموي نحو مستقبل أفضل تحت قيادته؟
من المؤكد أن المرحلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار سوريا، وإذا كانت الوعود السياسية التي قدمها الشرع ستتحقق فعلاً، أم أنها ستكون مجرد تكتيك مرحلي يتوافق مع الأجندات الدولية، في الوقت الذي تبقى فيه البنية الأمنية تحت هيمنة نفس القوى القديمة.
صعود أحمد الشرع: تعقيد مفهوم “الشرعية السياسية” في سياقات النزاع
إن صعود أحمد الشرع إلى السلطة في سوريا يمثل تحولًا تاريخيًا يعكس تعقيدًا غير مسبوق في فهم الشرعية السياسية في سياقات النزاع. فبينما كان الصراع في سوريا يُنظر إليه في البداية على أنه صراع بين نظام الأسد وفصائل المعارضة، أصبح اليوم أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل فيه المصالح الدولية مع تحولات الفاعلين المحليين، ما يفتح الباب لمفهوم جديد للشرعية التي لا تقتصر على فوز أحد الأطراف العسكريين أو السياسيين، بل تمتد لتشمل التوازنات الدولية وأولويات القوى الكبرى.
وفي هذه السياقات، يُطرح التساؤل الأهم: هل يُمكن لسوريا أن تُحقق الاستقرار في ظل غياب العدالة؟ وهل يمكن التحول من الجهاد إلى الحكم دون أن تمر هذه العملية بـ مراحل محاسبية تاريخية، تكشف عن الانتهاكات التي ارتُكبت طوال سنوات الحرب؟ هذه الأسئلة تتجاوز البعد السياسي إلى البعد الأخلاقي، إذ أن مفهوم الشرعية السياسية لم يعد محصورًا في القوة العسكرية أو التأييد الشعبي فقط، بل أصبح يرتبط بشكل وثيق بـ التفاعل الدولي والموافقة الخارجية، كما هو الحال في صعود الشرع الذي يُعتبر بمثابة حل وسط بين الأجندات الإقليمية والدولية.
التساؤل عن أخلاقيات “الممكن السياسي”
في هذا السياق، قد يُقال إن السياسة هي فن الممكن، وهو قول يعكس مرونة السياسة في مواجهة المتغيرات. لكن يبقى التساؤل الأخلاقي حول هذا الممكن مفتوحًا: هل يمكن للسياسة أن تبرر الاستقرار دون عدالة؟ في حين أن المجتمع الدولي قد يرحب بالتوصل إلى حل مؤقت للأزمة السورية من خلال تحول سياسي تتبناه شخصيات مثل أحمد الشرع، يبقى السؤال المحوري: هل يُمكن بناء سوريا جديدة دون أن تُحاكم الجرائم التي ارتكبت خلال سنوات الحرب؟ وهل يستحق من كان جزءًا من آلة الحرب أن يتولى الحكم في بلد عانى الكثير من الانتهاكات التي أسهم فيها هو نفسه؟
الشرع شاهدًا على هشاشة الحدود بين الحرب والسياسة
أحمد الشرع، بما يمثل من تحولات شخصية ومواقف سياسية، يُعتبر شاهدًا حيًا على هشاشة الحدود بين مفاهيم الحرب والسلام، وبين الإرهاب والسياسة. ففي عالم اليوم، حيث تتراجع الحدود الأخلاقية لصالح الضرورات الجيوسياسية، تتداخل المصالح الدولية مع الواقع المحلي بشكل يعكس صعوبة التفريق بين العدالة والمصالح الاستراتيجية.
إن صعود الشرع ليس فقط تحولًا سياسيًا، بل هو رمزية حية للتحولات التي تمر بها الشرعية السياسية في عالم تزداد فيه المرونة الأخلاقية، حيث يُمكن أن يُعتبر التحول من الجهاد إلى الحكم خطوة قابلة للتحقق إذا كانت تحقق المصالح الإقليمية والدولية. لكن يبقى سؤال رئيسي: هل سيكون هذا التحول بداية لعهد جديد من الاستقرار؟ أم أنه مجرد محاولة لإنشاء نظام استبدادي جديد بغطاء دولي؟
خلاصة:
في نهاية المطاف، يمكن القول إن صعود أحمد الشرع يمثل دعوة لإعادة التفكير في مفاهيم الشرعية، التي تضع الأخلاقيات والعدالة في مواجهة الضرورات السياسية. في عصر تزداد فيه الحروب الأهلية والتدخلات الدولية، ويضعف فيه احترام الحقوق الإنسانية، يصبح من الضروري طرح الأسئلة الأخلاقية حول الممكن السياسي، وتحديد ما إذا كانت التسويات التي تُفضي إلى الاستقرار المؤقت تستحق الثمن الأخلاقي الذي يدفعه الشعب السوري.
المراجع:
Ford, Robert. “Baltimore Council on Foreign Affairs Lecture”, May 2025.
Interview with Abu Mohammad al-Julani, PBS, 2021.
The Intercept, “Western Intelligence and the Fall of Damascus”, Jan 2025.
Syrian Presidency Official Statements, January–May 2025.
Périér, Thomas. “Islamist Actors and Political Transformation in Syria”, 2022.

