مقدمة البحث:
شهدت الساحة السورية خلال العقد الماضي تحولات دراماتيكية نتيجة النزاع المسلح الذي مهّد الطريق لظهور جماعات متطرفة، كان أبرزها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). هذا التنظيم، الذي نشأ في سياق الفوضى التي خلّفها انهيار مؤسسات الدولة، استطاع خلال فترة وجيزة أن يفرض سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي في سوريا والعراق، معلنًا قيام “الخلافة الإسلامية” في العام 2014، في تطور هزّ البنية الأمنية الإقليمية والدولية وفرض واقعًا جديدًا في معادلة الصراع.
أثار صعود “داعش” اهتمامًا واسعًا على المستويات الأمنية، الفكرية، والاجتماعية، حيث لم يكن مجرد تنظيم مسلح يعتمد على القوة الميدانية، بل شكّل أيضًا مشروعًا أيديولوجيًا عابرًا للحدود، استند إلى سرديات دينية وتاريخية، وظّفها بمهارة لتجنيد الأفراد وتبرير العنف. من بين أبرز المحطات الرمزية التي وظفها التنظيم كانت قرية دابق، ذات البعد الديني في المخيال الإسلامي السني، حيث سعى لاستحضار نبوءات آخر الزمان بهدف إضفاء شرعية لتمدد مشروعه.
رغم الهزائم العسكرية التي تلقاها التنظيم، خاصة بعد سقوط معاقله الرئيسية في الرقة والباغوز، إلا أن “داعش” لم يُقضَ عليه تمامًا، بل تحوّل إلى تنظيم لا مركزي يعتمد على خلايا نائمة وهجمات خاطفة، مهددًا الأمن والاستقرار في مناطق شمال وشرق سوريا، وكذلك في مناطق سيطرة النظام. هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة التنظيم على التكيّف مع المتغيرات، والخلل البنيوي في المقاربات المتبعة لمحاربته.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أبعاد تنظيم “داعش” في السياق السوري، من خلال التطرق إلى الرمزية الدينية والتاريخية التي اعتمد عليها، وتقييم التحولات الميدانية التي طرأت على نشاطه، خاصة بعد خسارته الجغرافية. كما تسلط الضوء على استراتيجيات المواجهة المتبعة، مع التركيز على الجوانب الفكرية والاجتماعية، التي غالبًا ما يتم تهميشها رغم أهميتها في مكافحة التطرف. وتسعى الدراسة إلى تقديم رؤية شاملة تساعد في فهم العوامل التي تتيح استمرار التنظيم، وتبرز ضرورة اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين الحلول الأمنية والمعالجة الفكرية والاجتماعية، لمنع إعادة إنتاج الظاهرة أو نشوء تنظيمات مماثلة.
الفصل الأول: الأبعاد الرمزية والتاريخية لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا
رغم الضربات العسكرية التي تلقّاها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا والعراق، تبقى هاتان الدولتان مركزًا رمزيًا لا يمكن الاستغناء عنه في خطاب التنظيم وأديباته. ويرى التنظيم في سوريا، إلى جانب العراق، ساحةً جوهرية لمشروع “الخلافة الإسلامية” المزعومة، لما تحمله من عمق تاريخي وديني في المخيل الجمعي الإسلامي، ولما تمثله من رموز تربط الماضي بالحاضر والمستقبل في رواية التنظيم عن المواجهة الكبرى بين “أهل الإيمان وأهل الكفر”.
يستند هذا البعد الرمزي إلى تصور سُنّي نهاية الزمان، حيث يحتل العراق وسوريا مكانة مركزية في الملاحم والفتن كما وردت في بعض الأحاديث النبوية، وهو ما عمل التنظيم على توظيفه إعلاميًا وعقائديًا ضمن خطابه التعبوي. ومن أبرز المحطات الرمزية التي استغلها “داعش” في هذا السياق، قرية دابق الواقعة في ريف حلب الشمالي، والتي ترد في الحديث النبوي كأرض معركة فاصلة “بين المسلمين والروم قبل قيام الساعة”. واستند التنظيم إلى هذا الحديث في محاولة إضفاء طابعٍ قدري على معاركه هناك، مصوّرًا نفسه على أنه الطرف الإسلامي المنتظر في مواجهة قوى الكفر العالمية.
ولم يكن اختيار اسم مجلته الناطقة بالإنجليزية “دابق” مصادفة، بل كان تجسيدًا لهذه الرمزية. وقد شكّلت المجلة أحد أبرز أدوات التنظيم في مخاطبة العالم الغربي وتجنيد المقاتلين الأجانب، من خلال ربط الصراع المعاصر بسياقٍ ديني وتاريخي يُضفي عليه بُعدًا ميتافيزيقيًا. وقد روّجت المجلة باستمرار لفكرة المعركة النهائية في دابق، إلى أن خسر التنظيم القرية في أكتوبر 2016 أمام فصائل الجيش السوري الحرّ المدعومة تركيًا، بعد معارك عنيفة.
ومع أن خسارة دابق كانت ضربة رمزية موجعة للتنظيم، إلا أنها لم تنهِ حضوره الرمزي في الخطاب الدعائي، حيث عمل لاحقًا على إعادة توجيه السردية إلى مناطق أخرى مثل الباغوز والبادية السورية، دون أن يبلغ ذلك الرمزية العميقة التي كانت لدابق. وهذا ما يؤكد محدودية الرمزية الجغرافية لفروع التنظيم الإقليمية الأخرى، مثل “ولاية سيناء” أو “ولاية غرب إفريقيا”، والتي لا تمتلك الخلفية الدينية أو التاريخية التي تؤهلها لأن تكون مركزًا بديلًا للخلافة.
إن هذا الفصل يُبرز كيف أن التنظيم لم يكن مجرد كيان مسلح، بل بنى مشروعه على أساس سردية رمزية ذات بعد ديني عميق، يسعى من خلالها إلى اكتساب الشرعية وفرض النفوذ. كما يُظهر أن مركزية سوريا في مشروع التنظيم لم تكن فقط لأسباب استراتيجية، بل لأسباب رمزية وعقائدية أيضًا، ما يجعل احتمالات استعادته لنشاطه في هذه المنطقة قائمة، خاصة إذا لم تُواجَه هذه السرديات برؤية فكرية ودينية مضادة ومتماسكة.
الفصل الثاني: التطورات الميدانية لتنظيم الدولة الإسلامية بعد خسارة دابق
شكّلت خسارة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لقرية دابق في أكتوبر 2016 نقطة تحوّل مفصلية في مسار تمدده العسكري ورمزيته الدعائية. فعلى الرغم من البعد الرمزي الكبير لهذه البلدة، إلا أن فقدانها لم يؤدِّ إلى نهاية التنظيم، بل دفعه إلى إعادة هيكلة نفسه وتكييف استراتيجياته مع الواقع العسكري الجديد. فقد أظهر التنظيم مرونة لافتة في التعامل مع الضربات التي تلقّاها، سواء على صعيد مقتل قياداته، أو خسارة معاقله الأساسية في سوريا والعراق، أو تراجع الدعم الخارجي واللوجستي.
بعد مرحلة الانهيار الميداني، خاصة بسقوط الرقة (2017) ثم الباغوز (2019) كآخر معاقله شرق دير الزور، دخل التنظيم في مرحلة جديدة من العمل العسكري القائم على اللامركزية، واتباع تكتيكات حرب العصابات والكمائن الخاطفة، مستفيدًا من اتساع الجغرافيا السورية، وتضاريس البادية، وضعف التنسيق بين القوى المتنازعة على الأرض.
أعاد “داعش” تشكيل نفسه من خلال خلايا صغيرة ومتحركة، لا تتبع تراتبية هرمية واضحة، وتعمل بسرية وتخفي، ما صعّب عمليات تعقبه وملاحقته. وبات ينشط على شكل “تنظيم شبكي” يمتد من بادية حمص ودير الزور إلى المناطق المتداخلة في شرق الفرات، ويشن هجمات متفرقة تستهدف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من جهة، وقوات النظام السوري والمليشيات الرديفة من جهة أخرى، إلى جانب المدنيين.
من أبرز تطوراته الميدانية في هذه المرحلة:
- التحول إلى نمط الاغتيالات والتفجيرات الفردية: حيث بات التنظيم ينفّذ عمليات مركّزة بأقل عدد ممكن من العناصر، مستهدفًا شخصيات قيادية أو مراكز أمنية ضمن مناطق الإدارة الذاتية، كما في دير الزور والحسكة والرقة.
- توظيف إعلامي محدود لكن فعّال: قلّص التنظيم إنتاجه الإعلامي بعد انهيار “مؤسسات دولته”، لكنه حافظ على بعض المنابر الأساسية مثل وكالة “أعماق”، التي تنقل بيانات عملياته وتُبقي على حضوره الرمزي بين مناصريه، وإن بفعالية أقل.
- الاستفادة من الانقسامات المحلية: لعب التنظيم على التناقضات بين المكوّنات السياسية والعرقية في سوريا، خاصة في المناطق ذات الغالبية العربية الخاضعة لسيطرة “قسد”، حيث نجح أحيانًا في تقديم نفسه كقوة “تحرير” من هيمنة الأكراد أو من فساد الإدارات المحلية.
- تحوّله إلى فاعل فوضوي: لم يعد “داعش” يسعى إلى احتلال الأرض أو إقامة “دولة”، بل تبنّى دورًا تخريبيًا يهدف إلى إنهاك خصومه وزعزعة الاستقرار، مع الحفاظ على وجود رمزي وعقائدي يُبقي جذوته مشتعلة، بانتظار ظروف مواتية للعودة.
وفي ظل الحديث عن “الدولة السورية الجديدة” في مرحلة ما بعد الحرب، تظلّ مواجهة تنظيم داعش مع هذه الدولة معركة مؤجلة لا منتهية. فالتنظيم لا يزال ينظر إلى سوريا كجزء أساسي من مشروعه، وقد أثبت في أكثر من مرة قدرته على الصعود مجددًا في ظل الفوضى والانقسامات السياسية، مستفيدًا من ثغرات النظام، وضعف الأداء الأمني والإداري، وتراجع الاهتمام الدولي بالملف السوري.
لقد كشفت التجربة السورية عن عجز معظم القوى الفاعلة، بما فيها التحالف الدولي، عن إنهاء خطر “داعش” بشكل كامل، بسبب غياب استراتيجية شاملة لا تقتصر على البعد العسكري، بل تشمل أيضًا مكافحة الجذور الاجتماعية والفكرية التي سمحت بانتشاره سابقًا.
الفصل الثالث: استراتيجيات مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية: الجوانب الفكرية والاجتماعية
بعد تناول الأبعاد الرمزية والتاريخية لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا في الفصل الأول، وتحليل التحولات الميدانية التي طرأت على التنظيم بعد خسارته الرمزية في دابق في الفصل الثاني، ينتقل هذا الفصل للتركيز على بُعد بالغ الأهمية في مسار المواجهة، وهو الجانب الفكري والاجتماعي. فقد بات واضحًا أن القضاء على “داعش” لا يتحقق بالعمل العسكري فقط، بل يتطلب معالجة جذرية للمسببات الفكرية والاجتماعية التي سمحت له بالظهور والتمدد.
- المعركة الفكرية: تفكيك السرديات الجاذبة للتنظيم:
منذ ظهوره، اعتمد تنظيم الدولة الإسلامية على بناء سرديات دينية وتاريخية مشحونة بالعاطفة الدينية والرمزية السياسية، تمكّنت من استقطاب شرائح واسعة من الشباب، لا سيما أولئك المهمشين أو المغتربين فكريًا عن مجتمعاتهم. فقدّم نفسه بوصفه “المخلّص” من الفساد والاستبداد، و”المدافع” عن الدين في مواجهة ما يصفه بالعدوان الغربي والردة الداخلية.
لذلك، أضحت المعركة الفكرية ضرورة استراتيجية. وتجلّت جهود متعددة في هذا المجال، من أبرزها دعم الخطاب الديني الوسطي، وإشراك العلماء والمفكرين المحليين في تفكيك الخطاب المتطرف، إلى جانب تطوير مناهج تعليمية جديدة تعزز مناعة الأفراد ضد الانزلاق نحو التطرف.
مع ذلك، ما زال التحدي قائمًا في كيفية إيصال هذا الخطاب المضاد إلى الفئات المستهدفة بالتجنيد، خاصة في البيئات التي تفتقر إلى مؤسسات تعليمية فعّالة أو تتسم بعزلة اجتماعية وثقافية. ولهذا، لا بد من اعتماد وسائل تواصل حديثة، بما في ذلك المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، لمنافسة خطاب التنظيم في ذات المساحات التي يستخدمها.
- دور المجتمع المحلي في تعزيز الاستقرار والوقاية:
لا يمكن تصور نجاح أي استراتيجية لمكافحة التطرف دون إشراك المجتمع المحلي، الذي يُعد خط الدفاع الأول في مواجهة التنظيمات المتطرفة. ففي المناطق التي تعاني من الفقر، والبطالة، وضعف الخدمات الأساسية، يصبح السكان أكثر عرضة لاستغلال التنظيم، سواء من خلال الخطاب الديني أو تقديم المساعدات أو الحماية.
لذلك، تُعد برامج التنمية المحلية، وتحسين البنى التحتية، وتوفير فرص العمل والتعليم، خطوات حيوية لا فقط لمكافحة “داعش”، بل لبناء سلام مستدام. كما أن تعزيز ثقة السكان المحليين بالسلطات الأمنية والإدارية يمثّل عنصرًا حاسمًا في منع عودة التنظيم، إذ أن فقدان هذه الثقة يدفع بعض المجتمعات إلى التماهي مع التنظيم أو التستّر على تحركاته.
من جهة أخرى، فإن برامج المصالحة المجتمعية، خاصة في المناطق التي شهدت صراعات بين المكونات المحلية، تعد من الأدوات الضرورية لتفكيك الاحتقانات، ومنع التنظيم من استغلال الانقسامات القبلية أو الإثنية. كما أن تعزيز دور المرأة والشباب في الحياة العامة يساعد في كسر الدورة المغلقة للتجنيد والتطرّف.
- التحديات الأمنية وأهمية التعاون الدولي:
رغم التقدّم النسبي في القضاء على “داعش” عسكريًا، إلا أن التنظيم ما يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات مباغتة، مستفيدًا من تعقيدات الجغرافيا السورية، وضعف التنسيق بين القوى المحلية والدولية. وتشكل الخلايا النائمة تحديًا دائمًا، إذ يمكنها التحرك في أي وقت لإحياء نشاط التنظيم.
من هذا المنطلق، يُعد التعاون الاستخباراتي الإقليمي والدولي ضرورة لا غنى عنها، سواء في تتبع شبكات التمويل، أو مراقبة حركة المقاتلين العائدين من الخارج، أو مكافحة الدعاية الإلكترونية للتنظيم. إلا أن الانقسامات السياسية، والتنافس بين القوى الكبرى والإقليمية، ما زالت تُعيق إقامة شبكة أمنية متماسكة وفعالة.
- نحو مقاربة شاملة ومستدامة:
تشير تجارب العقد الأخير إلى أن أي تعامل جزئي أو مؤقت مع ظاهرة “داعش” سيؤدي فقط إلى تأجيل ظهورها من جديد، أو إنتاج جماعات مشابهة. لذلك، هناك حاجة ماسة إلى مقاربة شاملة تتكامل فيها الجهود العسكرية، والفكرية، والاجتماعية، مع وضع خصوصية المجتمع السوري في الاعتبار.
وتشمل هذه المقاربة:
- إصلاح النظام التعليمي ليُنتج مواطنين ناقدين ومحصّنين من الفكر الإقصائي.
- تمكين المؤسسات الدينية المعتدلة لتستعيد دورها في توجيه المجتمع بعيدًا عن التفسيرات المتشددة.
- تنمية المناطق المتأثرة بالنزاع ودمجها في العملية السياسية والاقتصادية.
- تعزيز الشفافية والحكم الرشيد لمنع شعور التهميش الذي تستغله التنظيمات المتطرفة.
كما يجب أن تكون هذه الجهود متوازنة بين المحلي والدولي، بحيث لا تُفرض حلول فوقية، بل تُبنى استراتيجيات نابعة من حاجات المجتمعات المتأثرة، وبالتعاون مع قواها الحيّة.
الهجمات الأخيرة: عودة الخطر بصيغة جديدة
تشهد مناطق شمال وشرق سوريا تصاعدًا مقلقًا في وتيرة الهجمات الأمنية التي تنفذها خلايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في مشهد يعكس تحوُّل التنظيم من كيان جغرافي إلى فاعل أمني غير مركزي، يمتلك قدرة واضحة على إعادة التموضع وإحياء نشاطه رغم الضغوط العسكرية والأمنية المستمرة. ووفقًا لبيانات المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد نفذت خلايا التنظيم 78 عملية أمنية منذ بداية عام 2025، ضمن مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”، ما أسفر عن مقتل 30 شخصًا، معظمهم من عناصر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والأجهزة الأمنية المرتبطة بها، بالإضافة إلى عدد من المدنيين.
تشير تفاصيل هذه العمليات إلى تنوّع في أساليب التنفيذ بين هجمات مسلحة مباشرة، وتفجيرات، وعمليات اغتيال دقيقة، بما يعكس قدرة التنظيم على التخطيط والتنسيق، رغم غياب البنية القيادية المركزية السابقة. وقد تركزت الهجمات بشكل لافت في محافظة دير الزور، التي سجلت 65 عملية منفصلة، مما يشير إلى استمرار تمركز الخلايا النشطة في هذه المحافظة، التي شكلت سابقًا عمقًا استراتيجيًا للتنظيم إبان ذروة تمدده، وتوفر اليوم بيئة ملائمة لعمله نتيجة الفراغ الأمني، والتوترات العشائرية، وضعف السيطرة المحلية.
في المقابل، شهدت محافظة الحسكة تسع عمليات، راح ضحيتها سبعة أشخاص، بينهم أربعة من عناصر التنظيم أنفسهم، فيما سُجّلت أربع عمليات في محافظة الرقة، أسفرت عن مقتل عنصر من “الأسايش” وإصابة خمسة آخرين. كما لم تخلُ مناطق سيطرة النظام السوري من الهجمات، إذ وثّق المرصد عملية استهدفت جنودًا من الجيش السوري في دير الزور، أسفرت عن مقتل ثلاثة منهم. الأخطر من ذلك، هو محاولة التنظيم تنفيذ هجوم قرب مقام السيّدة زينب في العاصمة دمشق، والتي فشلت لكنها عكست رغبة التنظيم في توسيع نطاق عملياته جغرافيًا واستهداف رموز دينية وطائفية، ما ينذر بإمكانية استثمار البعد الطائفي لإثارة الفوضى.
هذا النمط الجديد من الهجمات يعكس بوضوح انتقال التنظيم إلى مرحلة “التحلل التنظيمي المنظّم”، حيث يعتمد على خلايا نائمة ووحدات صغيرة مستقلة تتحرك بشكل أفقي وغير مركزي، بما يجعل رصدها ومواجهتها أكثر تعقيدًا. ويستفيد “داعش” من عدة عوامل تُمكّنه من البقاء على قيد الفعل، أهمها ضعف التنسيق الأمني بين القوى المحلية والدولية، والانقسام السياسي بين مكونات الإدارة الذاتية، والاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية المنتشرة في المنطقة، ما يجعل البيئة مهيأة لتسلله من جديد.
ويحذّر مراقبون وخبراء من أن استمرار هذه الهجمات يشير إلى تجدد التهديد الأمني الذي يمثله التنظيم، والذي لم يُهزم بشكل كامل، بل أعاد إنتاج نفسه كفاعل تخريبي غير تقليدي، يتغذى على هشاشة الوضع السوري العام. في ظل هذا الواقع، يبرز غياب استراتيجية أمنية مستدامة كأحد أبرز التحديات، إلى جانب محدودية القدرات الاستخباراتية لـ “قسد”، ما يُحتّم ضرورة تعزيز الدعم الدولي، خصوصًا من التحالف بقيادة الولايات المتحدة، والتركيز على تطوير أدوات أمنية محلية أكثر فاعلية ومرونة.
من جهة أخرى، تُعيد هذه التطورات إلى الأذهان المراحل الأولى من صعود “داعش”، حين نجح في ملء الفراغ الذي خلّفه تفكك الدولة والصراعات الأهلية. فبعد ظهوره في سوريا عام 2013، ثم تمدده السريع وإعلانه “الخلافة” في 2014، مارس التنظيم أقصى درجات العنف والإرهاب المنظّم، إلى أن تلقى ضربات قاصمة culminated في سقوط آخر معاقله في بلدة الباغوز عام 2019. ورغم ما قيل حينها عن “نهاية داعش”، فإن التحولات الأخيرة تكشف أن التنظيم لم يُقضَ عليه جذريًا، بل دخل في مرحلة كمون تكتيكي أعاد من خلالها انتشاره عبر خلاياه النائمة، مستهدفًا القوات، والمدنيين، والمجتمع المحلي على حد سواء.
في ضوء ذلك، بات من الضروري التعامل مع “داعش” كظاهرة مستمرة، لا كتنظيم زائل، ما يتطلب استجابة متكاملة تشمل الأمن، والاستخبارات، والتنمية المحلية، والمقاربات الفكرية والاجتماعية التي تعالج الأسباب العميقة التي تسهّل عودته.
الخلاصة:
شهدت سوريا خلال العقد الماضي صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في ظل انهيار مؤسسات الدولة والفوضى الأمنية، حيث استغل التنظيم الأبعاد الرمزية والدينية، خاصة في مناطق مثل دابق، لتكريس شرعيته الأيديولوجية وبناء مشروع “الخلافة الإسلامية”. ورغم خسارته المعاقل الجغرافية الرئيسية مثل الرقة والباغوز، لم يُنه التنظيم كليًا، بل تحول إلى نموذج شبكي غير مركزي يعتمد على خلايا نائمة وهجمات تخريبية.
تكشف التطورات الميدانية أن التنظيم يتكيف باستمرار عبر تكتيكات حرب العصابات والاغتيالات، مستفيدًا من الانقسامات المحلية والفراغ الأمني في مناطق شمال وشرق سوريا، وهو ما يشكل تهديدًا متزايدًا للأمن والاستقرار، ليس فقط في المناطق التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية، بل حتى داخل مناطق النظام.
تؤكد الدراسة أن المواجهة الفعالة مع داعش لا تقتصر على العمل العسكري، بل تتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين تفكيك الخطاب المتطرف فكريًا، وتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ودعم مؤسسات دينية معتدلة، مع إشراك المجتمع المحلي في بناء مناعة ضد التطرف. كما يشكل التعاون الأمني والاستخباراتي الدولي والاقليمي ركيزة أساسية في مكافحة التنظيم واحتواء خطره المتجدد.
إن استمرار هجمات التنظيم يعكس غياب استراتيجية أمنية وتنموية متكاملة ومستدامة، مما يجعل خطره قائمًا ويهدد الاستقرار الإقليمي. لذلك، لا بد من تبني مقاربة شاملة تراعي خصوصيات المجتمع السوري، وتدمج بين الحلول الأمنية، والفكرية، والاجتماعية، لضمان منع إعادة إنتاج هذه الظاهرة أو ظهور تنظيمات متطرفة مماثلة في المستقبل.
الخاتمة:
يُبرز هذا البحث أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لا يمكن فهمه باعتباره مجرد جماعة مسلحة ذات أهداف عسكرية محدودة، بل كظاهرة مركّبة تتقاطع فيها الدوافع العقائدية، والرمزية، والاجتماعية، والسياسية. لقد أثبت التنظيم قدرته على التأقلم مع التحولات الجذرية في الساحة السورية، وانتقاله من حالة السيطرة الجغرافية إلى نمط الخلايا اللامركزية، ما يؤكد أنه يتغذى على الفراغات، لا فقط العسكرية، بل الفكرية والتنموية كذلك.
شكلت خسارته الرمزية في قرية دابق عام 2016 نهاية مرحلة وبداية أخرى، حيث لم تُقضَ عليه، بل تحوّل إلى فاعل أمني تخريبي غير تقليدي، يضرب في أماكن غير متوقعة مستفيدًا من هشاشة الواقع السوري وانقساماته البنيوية. وقد بيّنت الأحداث الميدانية اللاحقة أن تنظيم “داعش” ما زال يمتلك قدرة على الفعل، بل ويمكنه استعادة زمام المبادرة إذا ما استمرت العوامل المولِّدة له دون معالجة جذرية.
ومن خلال تتبّع تطوراته الأخيرة في شمال وشرق سوريا، يتضح أن المعركة ضد التنظيم ليست فقط عسكرية أو أمنية، بل هي معركة وعي، وعدالة، وتنمية. تتطلب هذه المواجهة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل:
- تفكيك الخطاب المتطرف ومواجهة السرديات الرمزية التي يستخدمها التنظيم في تجنيد الأفراد.
- تمكين المجتمعات المحلية اقتصاديًا واجتماعيًا، لكسر دورة التهميش التي يستغلها التنظيم.
- تعزيز التنسيق الأمني الدولي والمحلي لمواجهة الخلايا النائمة وشبكات الدعم.
- بناء مؤسسات دينية وتعليمية معتدلة قادرة على تقديم بدائل فكرية متماسكة.
إن تجربة العقد الماضي في التعامل مع “داعش” أثبتت أن المعالجة المجتزأة أو الآنية لا تنتج أمنًا مستدامًا، بل تؤدي إلى إعادة تدوير العنف في أشكال جديدة. من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة وطويلة الأمد تتعامل مع التنظيم لا فقط كعدو مسلح، بل كعرض لمشكلات أعمق في بنية الدولة، والمجتمع، ونظام القيم.
وفي الختام، تبقى هذه المعركة مفتوحة، ما لم يتم التعامل معها برؤية استراتيجية شاملة، تتجاوز منطق “رد الفعل” إلى بناء مناعة داخلية مجتمعية، وتحقيق بيئة سياسية واجتماعية قادرة على الوقاية من ظهور نسخ جديدة من هذه الظاهرة في المستقبل.
مركز أسبار
24 أيار 2025
المراجع:
https://en.wikipedia.org/wiki/Dabiq_(magazine)
https://www.brookings.edu/articles/isis-fantasies-of-an-apocalyptic-showdown-in-northern-syria/
https://www.cnas.org/publications/reports/virtual-caliphate
https://www.theguardian.com/us-news/2025/may/24/syria-thomas-barrack-ahmed-al-sharaa

