خلال الأشهر الثلاثة الأولى من إدارة ترامب-فانس، أحرزت الولايات المتحدة تقدماً كبيراً في مساعيها لإرساء دعائم الاستقرار وتعزيز فرص السلام الدائم في منطقة الشرق الأوسط. فقد قادت الإدارة جهوداً فاعلة لرسم ملامح مستقبل قطاع غزة، في إطار رؤية تهدف إلى معالجة جذور التوتر الإنساني والسياسي في القطاع، كما أعادت تفعيل سياسة “الضغط الأقصى” ضد النظام الإيراني، مع الحفاظ في الوقت نفسه على انفتاح دبلوماسي يسمح بإجراء مفاوضات مباشرة بشأن برنامج إيران النووي، ما يشير إلى مقاربة مزدوجة تجمع بين الحزم والانفتاح. ومن أبرز الإنجازات أيضاً نجاح الوساطة الأمريكية في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله على الحدود اللبنانية، مما أسهم في تهدئة واحدة من أكثر الجبهات هشاشة في المنطقة. وتنطلق هذه السلسلة من تلك التحركات لتقديم تصور أوسع عن توجهات الإدارة الجديدة حيال بؤر الصراع الأكثر تعقيداً، عبر تحليل العوامل المؤثرة في كل منها، وطرح مجموعة من الخيارات العملية التي يمكن اعتمادها، دون أن تتبنى السلسلة مواقف أو توصيات سياسية محددة، بل تسعى إلى تزويد الرئيس وفريقه برؤية تحليلية تستند إلى المعطيات الراهنة وقت النشر.
المواضيع:
- إيران بين القنبلة ونقطة الانهيار
- غزّة: من إنقاذ الرهائن إلى الريفييرا
- سوريا بعد الأسد
- لبنان بعد وقف إطلاق النار
- اتفاقيات إبراهيم وفرص جديدة في الشرق الأوسط
- إيران بين القنبلة ونقطة الانهيار:
في أعقاب الهجوم الأكثر تدميراً الذي شنّه أحد وكلاء إيران على إسرائيل، تمرّ الجمهورية الإسلامية اليوم بمرحلة ضعف غير مسبوقة منذ تأسيس نظامها قبل أكثر من أربعة عقود. فخلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، تعرضت الشبكة الإقليمية لوكلاء إيران لضربات قاصمة، لا سيما بفعل الحملة العسكرية والاستخباراتية الجريئة التي قادتها إسرائيل، والتي أدّت إلى تقويض نفوذ معظم الميليشيات الموالية لطهران، إلى درجة الاختفاء الكامل أو شبه الكامل عن المشهد. وفيما يشكل الحوثيون حالياً نقطة التوتر الأبرز، نتيجة هجماتهم على إسرائيل وتهديدهم للملاحة الدولية في البحر الأحمر، فقد باتوا الآن هدفاً مباشراً للضربات الجوية الأمريكية.
على الصعيد الإيراني الداخلي، تعرض الحرس الثوري لصدمة استراتيجية بفعل عمليات نوعية نُفذت على أراضٍ إيرانية، في تطور غير معتاد يؤكد تفوق القدرات الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية. ورغم أن إيران ردت بهجومين مباشرين غير مسبوقين على إسرائيل، كان آخرهما أكبر هجوم صاروخي باليستي في التاريخ، فإن تأثيرهما الميداني كان محدوداً جداً، بفضل تفوق أنظمة الدفاع الإسرائيلية والتنسيق مع شركائها الإقليميين. وقد وجّهت إسرائيل رسالة صريحة من خلال ردّها القوي، مفادها أنها تملك القدرة على استهداف أي موقع داخل إيران في أي وقت، وهي رسالة يبدو أنها نجحت – حتى الآن – في ردع طهران عن القيام بأي تصعيد مباشر إضافي.
تزامناً مع هذه المستجدات، يواجه النظام الإيراني تحديين استراتيجيين داخليين: اندفاع متسارع في برنامجه النووي، واقتراب لحظة انتقال القيادة السياسية العليا، وهي مرحلة تنذر بعدم الاستقرار. وتزداد التحديات تعقيداً مع اقتراب انتهاء صلاحية عقوبات الأمم المتحدة السريعة في أكتوبر 2025، ما سيحرم الولايات المتحدة من أداة ضغط مهمة.
في هذا السياق، تظهر فجوة واضحة في السياسة الأمريكية، حيث لم تتبنّ إدارة بايدن حتى الآن “خطة بديلة” واقعية بعد فشل مساعيها لإحياء الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA). ومع اندلاع هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، انصبّ تركيز واشنطن على احتواء التصعيد الإقليمي الإيراني من خلال القنوات الدبلوماسية، دون تحميل طهران أي مسؤولية مباشرة، ما جاء على حساب التخطيط الجاد لمنع أو التعامل مع اختراق نووي إيراني محتمل.
السياسة الحالية:
صرّح الرئيس ترامب مراراً وتكراراً بأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي خلال فترة رئاسته، مؤكداً تفضيله المسار الدبلوماسي كوسيلة أولى لتحقيق هذا الهدف، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن فشل المفاوضات سيقود إلى إعادة النظر في الخيارات العسكرية. وفي هذا السياق، أعلن خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض في 7 نيسان/أبريل 2025، أن فريقه سيبدأ مفاوضات مباشرة مع نظرائه الإيرانيين في سلطنة عُمان، بهدف اختبار إمكانية التوصل إلى اتفاق. وقد منح الرئيس ترامب هذه المحادثات مهلة زمنية مدتها شهران، شهدت خلالها ثلاث جولات تفاوضية بقيادة المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف.
غير أن التفاؤل بنجاح المسار الدبلوماسي يظل محدوداً، نظراً إلى التجارب السابقة مع النظام الإيراني، الذي دأب على استخدام المفاوضات كوسيلة لكسب الوقت، مع الاستمرار في تطوير برنامجه النووي في الخفاء. ومن هذا المنطلق، فإن فشل هذه الجهود قد يكون مسألة وقت فقط، قبل أن تبدأ الإدارة الأمريكية في تفعيل أو دراسة خيارات عسكرية أكثر حزماً. وقد بدأت بوادر هذا التحول بالفعل، حيث نقلت واشنطن خلال الأسابيع القليلة الماضية عدداً كبيراً من الأصول العسكرية إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك منظومات الدفاع الجوي “ثاد” وبطاريات صواريخ “باتريوت” وقاذفات استراتيجية، بالتوازي مع تنفيذ تدريبات عسكرية مشتركة مع القوات الجوية الإسرائيلية، في خطوة تؤشر إلى جدية الاستعداد لخيارات تتجاوز حدود الدبلوماسية.
تحليل:
تعود إدارة ترامب إلى البيت الأبيض وهي تحمل معها إرثاً واضحاً من السياسة الصارمة التي اتبعتها في ولايتها الأولى تجاه إيران، والتي تمثلت في سياسة “الضغط الأقصى”. وقد أثبتت التجربة، وفقاً لما أظهرته الأشهر الستة عشر الماضية من تطورات ميدانية، أن النظام الإيراني لا يستجيب إلا لإشارات القوة والحزم، كما ظهر في تراجعه الملحوظ عقب الضربات الإسرائيلية المركّزة ضد وكلائه الإقليميين. ومع ذلك، فإن “الضغط الأقصى” في عام 2025 لا يمكن أن يُعاد تطبيقه كنسخة مكررة من السابق، بل يتطلب إعادة معايرة دقيقة تأخذ في الحسبان المتغيرات الحالية، سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي.
تشمل هذه المعايرة عدة أبعاد، من بينها تطور الأنشطة الإيرانية في الشرق الأوسط، مثل محاولاتها المستمرة لترسيخ نفوذها في سوريا، ودعمها لانتهاكات روسيا والصين لعقوبات النفط المفروضة عليها، فضلاً عن محدودية الأدوات التقليدية، مثل العقوبات، في تحقيق تغيير جوهري بمفردها. في المقابل، يبرز تطور مهم يتمثل في وجود استعداد جديد لدى عدد من شركاء الولايات المتحدة الإقليميين والدوليين للتعاون بشكل أكثر فاعلية في مواجهة تهديدات إيران، وهو عامل يمكن البناء عليه لتعزيز نهج أكثر تنسيقاً وفعالية.
في ضوء هذه البيئة المتغيرة، تطرح الولاية الثانية لإدارة ترامب مجموعة من الأسئلة الجوهرية في ما يخص تعاملها مع إيران، أهمها: كيف يجب أن يُصاغ مفهوم “الضغط الأقصى” بما يتلاءم مع واقع 2025؟ وكيف ستتصرف واشنطن في حال فشلت الجهود الدبلوماسية الجارية في منع إيران من الاقتراب أكثر من العتبة النووية؟ وهناك أيضاً تساؤل حاسم حول موقف الولايات المتحدة إذا قررت إسرائيل – التي سبق أن شنت هجمات داخل العمق الإيراني – اتخاذ إجراء عسكري منفرد في الأشهر المقبلة، ومدى استعداد واشنطن لدعم أو احتواء تداعيات مثل هذا القرار.
خيارات العمل:
- الحفاظ على أقصى ضغط:
يبدو أن العودة إلى سياسة “الضغط الأقصى” تمثل الخيار الأكثر منطقية في سياق تعاطي إدارة ترامب مع إيران، نظراً لأنها كانت الركيزة الأساسية لنهجها خلال الولاية الأولى، ولما أثبتته من فعالية في إضعاف الاقتصاد الإيراني وعرقلة طموحاته النووية والإقليمية. وكسياسة تقوم على أدوات اقتصادية ودبلوماسية بالدرجة الأولى، فإنها تحظى بقبول أوسع، لكونها تلبي تطلعات من يفضلون تجنب الانخراط في عمل عسكري مباشر أو على الأقل تقييده ضمن مسارات محسوبة.
غير أن مجرّد العودة إلى هذه السياسة، من دون تكييفها مع معطيات الواقع الراهن، قد لا يكون كافياً في مواجهة إيران لعام 2025، والتي باتت تُظهر شهية جديدة للتصعيد الإقليمي والانخراط في مسارات أكثر تعقيداً، سواء في الخليج أو بلاد الشام أو البحر الأحمر. كما أن إيران لم تعد اللاعب الوحيد في هذا المشهد؛ فروسيا والصين قد تستغلان التزام الولايات المتحدة بسياسات جامدة أو غير متجددة كفرصة لتعزيز أجنداتهما في الشرق الأوسط، إما عبر الالتفاف على العقوبات أو من خلال دعم مباشر لطهران سياسياً واقتصادياً.
والأخطر من ذلك أن استبعاد الخيار العسكري بشكل صريح من جانب واشنطن، أو التلميح بعدم الرغبة في استخدامه، قد يضعف الردع الإقليمي الذي عملت إسرائيل على ترسيخه بشق الأنفس خلال الأشهر الستة عشر الماضية، عبر سلسلة من العمليات الجراحية الدقيقة التي استهدفت العمق الإيراني ووكلاءه. هذا التردد قد يفتح المجال أمام طهران لتجاوز الخطوط الحمراء دون خوف من عواقب مباشرة، ما لم يكن هناك تأكيد عملي على التزام الولايات المتحدة بدعم حلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل، سواء سياسياً أو عبر إعادة إمداد عسكري موثوق ومنتظم، وهو ما سيشكل أساساً ضرورياً لأي تحرك إسرائيلي مستقل محتمل ضد البرنامج النووي الإيراني.
- تحالف ضد إيران:
في هذه اللحظة الانتقالية المحورية، حيث تتقاطع فرص جديدة مع تحديات متجددة، تبرز الحاجة إلى نهج استراتيجي متكامل يستفيد من النجاحات السابقة، مع الانفتاح على ابتكار أدوات جديدة قادرة على التصدي للنطاق الواسع والمتنوع من أنشطة إيران الإقليمية والدولية. إن تصميم هذا النموذج السياسي الفاعل يعتمد بدرجة كبيرة على استعداد الشركاء العالميين لتقاسم المسؤولية، وملء الفراغات الأمنية والسياسية التي خلّفها تراجع النفوذ الإيراني في بعض مناطق الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي أظهرت فيه المؤسسات متعددة الجنسيات، خلال العامين الماضيين، ليس فقط محدودية دورها بل أحياناً انحيازها الضمني أو الصريح لدعم النظام الإيراني، فإن الحل لا يكمن في الاعتماد عليها، بل في تفعيل الأطر القائمة التي أثبتت قدرتها على العمل المشترك، وعلى رأسها تحالف دحر داعش، الذي يمتلك زخماً تنظيمياً وخبرة عملياتية تمتد لعقد كامل. ويمكن اليوم إعادة توظيف هذا التحالف، وتوسيعه ليكون نواة لتحالف جديد مكرّس لمواجهة تهديدات إيران، مع الحفاظ على المهام الأساسية ضد داعش، الذي لا يزال يجد فرصاً للنهوض في البيئات التي تهيئها له سياسات إيران ووكلائها.
وسيكون من الضروري أن يشمل هذا التحالف الموسع التزامات من شركاء الولايات المتحدة الإقليميين في مجال الحوكمة وإعادة البناء في المناطق التي انتهى فيها دور الوكلاء الإيرانيين، مثل لبنان وسوريا واليمن وغزة والضفة الغربية. كما سيضطلع الشركاء الأوروبيون، الذين شاركوا سابقاً في تحالف دحر داعش وأثبتوا التزاماً ملحوظاً خلال العام الماضي في كبح التصعيد الإقليمي الإيراني، بدور مهم في دعم هذه المبادرة، سواء عبر تعزيز القدرات الأمنية، أو بالمشاركة في تطوير خيارات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة والدول الإقليمية، بهدف تعزيز فعالية العقوبات، وردع النظام الإيراني عن أي خطوات تصعيدية أو محاولات لتجاوز العتبة النووية. بهذا النهج المتعدد المسارات، يمكن بناء تحالف أكثر اتساقاً وفاعلية لاحتواء التهديد الإيراني المتغير وتثبيت الاستقرار في المنطقة.
غزّة: من إنقاذ الرهائن إلى الريفييرا
أين نحن:
تواصل حماس احتجاز 59 رهينة من أصل 251 اختُطفوا في هجوم السابع من أكتوبر، من بينهم مواطن أمريكي لا يزال على قيد الحياة، مما يضع مزيداً من الضغط على المجتمع الدولي، ويختبر بشكل مباشر إنذار الرئيس ترامب الشهير بأن “الجحيم سيدفع”، وهو ما لم يترك أمام إسرائيل خياراً سوى تجديد عملياتها العسكرية ضد التنظيم الإرهابي.
وفي موازاة ذلك، قدمت مصر في 4 مارس 2025، بدعم من جامعة الدول العربية وعدد من الشركاء الأوروبيين، خطة لإعادة إعمار غزة، جاءت استجابة لإعلان الرئيس ترامب قبل شهر عن رؤيته لتحويل القطاع إلى “ريفييرا” مزدهرة. غير أن الخطة المصرية، رغم تفصيلها التقني ومراحلها المحددة لإعادة تأهيل البنية التحتية، لم ترقَ إلى مستوى تطلعات كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ تجاهلت الإشارة إلى حماس كعامل جوهري في الصراع، ولم تطرح تصوراً واضحاً لكيفية منع التنظيم من إعادة بناء نفسه عسكرياً وسياسياً. كما أغفلت الخطة أحد العناصر الأساسية في التصور الأمريكي، وهو النقل المؤقت لسكان غزة، وهي خطوة يرى الرئيس ترامب أنها ضرورية لتفكيك البنية التحتية العسكرية لحماس، التي تغلغلت في كل مفصل من مفاصل الحياة المدنية، من المستشفيات إلى غرف الأطفال.
وفي تطور لافت خلال الأسابيع الأخيرة، خرج العديد من سكان غزة في تظاهرات علنية ضد حماس، في مؤشر على التراجع المتواصل لشعبية الجماعة داخل القطاع. ويبدو أن هذا التحول يعكس تنامي شعور بالثقة لدى المواطنين في التعبير عن رفضهم لسلطة حماس، وهو شعور تعزز بوضوح في ظل التوافق الجديد والكامل بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد فترة من التباعد والتردد خلال إدارة بايدن. هذا التغير في المزاج الشعبي، مقترناً بالدينامية السياسية والعسكرية الجديدة، يفتح الباب أمام ترتيبات أكثر واقعية لإعادة بناء غزة على أسس تمنع عودة التهديدات المسلحة، وتوفر بديلاً ملموساً لحكم حماس القسري.
السياسة الحالية:
طوال حملته الانتخابية، ومن ثم خلال الأشهر الأربعة الأولى من تولّيه المنصب، لم يتردد الرئيس ترامب في تكرار إنذاره الصريح بأن حماس ستدفع “ثمناً باهظاً” ما لم تُفرج عن جميع الرهائن الذين ما زالت تحتجزهم، مؤكداً أن استعادة هؤلاء الرهائن تُعد أولوية غير قابلة للتفاوض. وفي تحوّل واضح عن نهج إدارة بايدن، اتخذت إدارة ترامب خطوات عملية لدعم إسرائيل ميدانياً، من بينها إرسال ذخائر وعتاد عسكري كان قد تم تعليق تسليمه في عهد الإدارة السابقة، مع امتناعها الكامل عن التدخل أو التعليق على الأساليب التي تختارها إسرائيل لتنفيذ عملياتها العسكرية في غزة.
ويبرز هذا التوجه كجزء من إعادة تموضع استراتيجي شامل، إذ حرصت إدارة ترامب على النأي بنفسها عن السياسات التي اتّسمت بها إدارة بايدن، والتي كثيراً ما تدخلت علناً في تفاصيل القرارات العسكرية الإسرائيلية. وبدلاً من ذلك، اعتمد فريق ترامب خطاباً داعماً بقوة لإسرائيل، مشيداً بمواقفها وقراراتها في مواجهة التهديدات، ومانحاً إياها حرية التحرك الكامل في الدفاع عن أمنها القومي. ويُعد هذا التحول في الموقف الأمريكي دعماً غير مشروط يُعيد التأكيد على متانة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ويشكّل تناقضاً صارخاً مع النهج السابق الذي تميّز بتوبيخ علني وانتقادات مستمرة من إدارة بايدن تجاه سياسات إسرائيل الدفاعية.
التحليل:
شكلت التغييرات التي أدخلتها إدارة ترامب في السياسة والخطاب الأمريكي قاعدة قوية ساهمت في خلق ظروف أكثر ملاءمة للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط، مما عزز زخمًا جديدًا وحيويًا لإسرائيل، خاصة مع استمرار حربها على سبع جبهات التي دخلت شهرها الثامن عشر. ولم يأت هذا الدعم فقط من خلال المواقف العلنية والواضحة التي تبنتها الإدارة تجاه إسرائيل، والتي شملت زيارتين لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض وتقديم مساعدات عسكرية مستمرة، بل أيضاً نتيجة التراجع الواضح عن سياسة الإدارة الأمريكية السابقة تجاه النظام الإيراني، والتي تمثلت في حملة “الضغط الأقصى” التي شنتها إدارة ترامب.
علاوة على ذلك، أعاد الرئيس ترامب التركيز في عدة مناسبات على أهمية وضع خطة واضحة ومستدامة لمستقبل قطاع غزة، وهو ملف طالما تأجل أو تم تجاهله من قبل الشركاء الإقليميين. وقد شكّل هذا الاهتمام مؤشرًا على نية الإدارة الأمريكية الحالية التعامل مع قضايا معقدة وحاسمة كانت لفترة طويلة في دائرة الإهمال، مما يعكس رغبة جدية في معالجة جذور التوترات وتحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة.
خيارات العمل:
يبدو أنه حتى الآن لم يُطرح أو يُناقش أي بديل ملموس لخطة إعادة إعمار غزة التي قدمتها مصر، رغم أن هذه الخطة نالت دعم عدد من الشركاء الأوروبيين والعرب. وعلى الرغم من ذلك، تظل الأولوية الأكثر إلحاحًا في الوقت الراهن هي ضمان إطلاق سراح الرهائن الـ 59 الذين لا يزالون محتجزين لدى حماس.
يمكن لإدارة ترامب أن تستثمر بنجاح الإجراءات المتعددة التي اتخذتها تجاه إيران ووكلائها الإقليميين، بدءًا من المفاوضات النووية المستمرة وصولاً إلى العمليات العسكرية، مثل الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة على الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن — الذين وصفهم ترامب بوضوح بأنهم يعملون كذراع لإيران في المنطقة — وذلك بهدف ممارسة ضغوط استراتيجية تسهل تحقيق إطلاق سراح هؤلاء الرهائن في أسر حماس. هذه المقاربة المتكاملة تتيح ربط ملفات مختلفة في المنطقة بما يخدم تحقيق أهداف إنسانية وسياسية عاجلة.
قصر المشاركة في هذا الموضوع على دعم توسيع إسرائيل:
للحفاظ على أكبر قدر من المرونة وتعزيز الأولويات الإقليمية الأخرى، قد تختار إدارة ترامب عزل ملف غزة عن القضايا الإقليمية الأوسع. فقد تجنّب العديد من الشركاء الإقليميين الربط المباشر بين اتفاقيات إبراهيم — التي تُعد من أبرز إنجازات إدارة ترامب في الشرق الأوسط — وهجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، حرصًا منهم على عدم تقويض هذه الاتفاقيات الهامة. بناءً عليه، قد تمضي الإدارة قدمًا في إبقاء الملفات منفصلة، وربما تعزز نفوذها على حماس عبر توسيع نطاق اتفاقيات إبراهيم، مع إعطاء أولوية خاصة للتطبيع بين إسرائيل والسعودية، وهو الإنجاز الذي كان الهجوم الإرهابي لحماس يهدف إلى إحباطه.
مع ذلك، يبقى من غير الواضح ما هي الحوافز التي يمكن أن تُقدم للشركاء العرب لإقناعهم بإعادة الانخراط الفعّال في اتفاقيات إبراهيم، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، والتي قد تؤثر سلبًا على دعمهم أو استعدادهم للتعاون ضمن هذه الأطر الدبلوماسية. هذا الأمر يشكل تحديًا رئيسيًا في التنسيق الإقليمي ويستلزم إدارة دقيقة لتحقيق التوازن بين الضغط العسكري والتطلعات السياسية.
نهج “الريفييرا” الإقليمي:
نظرًا للاهتمام الشخصي الذي يبديه الرئيس ترامب بإعادة إعمار غزة، تتاح له فرصة مهمة للمطالبة بمشاركة أعمق وأكثر مباشرة من شركائنا الإقليميين في هذه الجهود. وينبغي أن تركز هذه المشاركة ليس فقط على قطاع غزة، بل تشمل أيضاً مناطق أخرى في المنطقة كانت تمثل معاقل نفوذ إيراني أو تشهد تصعيداً من جانب إيران ووكلائها.
على وجه الخصوص، يمكن للشركاء العرب أن يلعبوا دوراً محورياً في خلق ظروف الاستقرار والسلام من خلال دعم وتكملة الجهود العسكرية الناجحة التي تقودها إسرائيل لدفع النفوذ الإيراني ووكلائها إلى التراجع، وذلك عبر مسارات متعددة. ويمكن أن يبدأ ذلك في لبنان، حيث يمكن اتخاذ خطوات لتهميش حزب الله عسكرياً وسياسياً بشكل أكبر، وكذلك في جنوب وشرق سوريا، اللذين كانا يعتبران معاقل للنظام الإيراني، إضافة إلى اليمن، الذي يشهد نشاطاً مكثفاً لوكلاء إيران.
كما يجب أن تحظى الضفة الغربية بالاهتمام اللازم، حيث وُثّق تهريب الأسلحة من قبل إيران خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو ما ساهم في تمكين هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. إن إشراك الشركاء الإقليميين في هذه الجهود يشكل مفتاحاً أساسياً لإحداث تغيير حقيقي ومستدام في موازين القوى بالمنطقة، ويعزز فرص تحقيق استقرار طويل الأمد.
مفاوضات المرحلة الانتقالية مع إيران ستركز على أنشطتها الإقليمية، بدءًا بإطلاق سراح الرهائن:
خلال الأسابيع المقبلة، سيصبح من الواضح بشكل متزايد ما إذا كانت إيران ستدخل المفاوضات بنية صادقة، رغم أن جميع المؤشرات الحالية والتاريخية توحي بأنها ستستغل هذه المفاوضات كذريعة لكسب الوقت ومواصلة تخصيب اليورانيوم سراً. ومع توجه إدارة ترامب نحو الخيارات العسكرية كوسيلة لضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي، يمكن للإدارة في الوقت ذاته إعادة صياغة إطار المفاوضات الجارية مع إيران لتشمل ليس فقط الملف النووي، بل أيضاً الأنشطة الإقليمية للنظام، بدءاً بمطالبة صريحة بإطلاق سراح جميع الرهائن المحتجزين لدى حماس.
هذا النهج الدبلوماسي، المدعوم بتفويض مطلق من الإدارة يسمح لإسرائيل باتخاذ أي إجراءات عسكرية تراها ضرورية وفي الوقت المناسب للقضاء على تطوير إيران للأسلحة النووية والتقليدية، من شأنه أن يعزز بشكل كبير نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها في المفاوضات. كما يضمن إبقاء وكلاء إيران في المنطقة تحت السيطرة، أو دفع بعضهم إلى التراجع أو الخروج، ما يعزز فرص استقرار الوضع الإقليمي ويضغط على النظام الإيراني للامتثال بشكل أكبر لمطالب المجتمع الدولي.
سوريا بعد الأسد:
أين نحن الآن؟ بعد 14 عاماً من الحرب الأهلية السورية، دخلت الأزمة مرحلة جديدة جذرياً مع الإطاحة ببشار الأسد ونهاية حكم عائلته الذي استمر لنصف قرن. الجماعة التي باتت تهيمن على السلطة هي هيئة تحرير الشام (HTS) بزعيمها أبو محمد الجولاني، الذي تخلّى عن صورته الجهادية التقليدية، معيداً اعتماد اسمه الأول أحمد الشرع وارتداء بدلة رسمية، في محاولة لإظهار وجه أكثر اعتدالاً. هيئة تحرير الشام، التي تُعتبر فرعاً لتنظيم القاعدة وصُنفت كمنظمة إرهابية أجنبية منذ 2018، تسعى اليوم للحصول على اعتراف دولي، وقد عقدت بالفعل اجتماعات مع وفود أجنبية، من بينها وفد أمريكي يُقال إنه التقى بها في دمشق في ديسمبر 2024.
بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه سوريا، فقد تميزت على مدى السنوات الـ 14 الماضية بالارتباك وعدم الثبات، حيث تنقلت بين التردد وأنصاف الإجراءات. في عهد أوباما، كان الشعار “يجب أن يرحل الأسد”، لكن المواقف العملية كانت أقل حسمًا، مع دعم محدود لبعض فصائل المعارضة دون تبني استراتيجية واضحة ونهائية. وعندما تجاوز الأسد “الخط الأحمر” الذي رسمه أوباما، وفشلت الإدارة في اتخاذ إجراءات حاسمة، تآكلت مصداقية الولايات المتحدة، مما أتاح لإيران توسيع نفوذها في سوريا. ونتيجة لهذه التراخيات، نشأ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي أعلن “خلافته” على مساحات واسعة من شرق سوريا، ليصبح بعدها الهدف المركزي لإدارة أوباما والولايات المتحدة بشكل عام.
في ولاية ترامب الأولى، تم القضاء عمليًا على الخلافة الإقليمية لداعش، مما أتاح فرصة للولايات المتحدة لتقليل تركيزها على سوريا. كما وضعت إدارة ترامب أولوية لطرد إيران ووكلائها من سوريا، لكن في عهد بايدن، شهدت المنطقة عودة نشاط داعش وبناء إيران وجودها العسكري هناك. رغم ذلك، أدت الغارات الجوية الإسرائيلية خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية إلى تقويض هذا التمدد الإيراني إلى حد كبير، مما أعاد تشكيل مشهد القوة في سوريا بشكل ملموس.
التحليل:
لقد ساهمت الولايات المتحدة، وخاصة خلال عهد إدارة أوباما، في تعقيد المشهد السياسي والعسكري في سوريا، مما خلق تحديات متعددة للسياسة الأمريكية في البلاد. مع نهاية عهد أوباما، وبعد فشل واضح في التركيز على سياسات واضحة وتنفيذ فعال، وجدت الولايات المتحدة نفسها تواجه مجموعة متشابكة من القضايا، أهمها تحدي تنظيم داعش بالإضافة إلى سلسلة من التحديات الناجمة عن محاولات نظام الأسد للتمسك بالسلطة، مثل:
- ضعف أو انحسار الحكم المحلي في مناطق مختلفة،
- تجنب التصعيد المباشر مع روسيا،
- تهدئة التوترات بين تركيا والأكراد في شمال سوريا،
- الحفاظ على تماسك قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، القوة المحلية الأساسية الداعمة للولايات المتحدة،
- منع سوريا من التحول إلى بؤرة للإرهاب.
وسط هذه القضايا المهمة، تضاءل تركيز الولايات المتحدة على التهديد الإيراني المتزايد داخل سوريا. فقد كانت القوات الأمريكية هناك تركز بشكل رئيسي على مواجهة داعش فقط. أما التحدي العسكري الإيراني، الذي يتمثل في بناء بنية عسكرية متينة، ونقل الأسلحة والمقاتلين لدعم نظام الأسد بالتنسيق مع حزب الله، فكان محور جهود إسرائيل السرية التي أطلقت عليها “حملة بين الحروب” على مدار عقد من الزمن.
ومع تطورات ما بعد 7 أكتوبر، توسع نطاق هذه الحملة جغرافياً واستهدافياً ليشمل سوريا ولبنان، وامتد من مجرد إزالة الأسلحة إلى استهداف قادة كبار من الحرس الثوري الإيراني. في أوائل عام 2024، نجحت إيران في تبرير تقليص وجودها العسكري خشية فقدان المزيد من قياداتها العليا، وهو القرار الذي أدى بسحب دعمها العسكري المباشر عن نظام الأسد، ما سرّع من سقوطه بعد استهداف بنيته التحتية وقادة حزب الله، الأمر الذي مهد للوضع الراهن في سوريا.
وعلى الجانب الإنساني، لا يزال هناك على الأقل مواطن أمريكي محتجز لدى النظام السوري، وهو أوستن تايس، ويُعتقد أنه ما زال على قيد الحياة، ما يمثل نقطة حساسة إضافية في الملف السوري.
خيارات العمل:
يبدو أن التعاون مع الحكومة المؤقتة الجديدة في سوريا يكتسب قبولاً متزايداً داخل المجتمع الدولي ودوائر السياسة الأمريكية، خاصةً في ظل الحاجة الملحة لمعالجة الأزمة الإنسانية المستمرة في البلاد. وفي إطار هذا التحول، يثار نقاش متجدد حول إمكانية رفع العقوبات المفروضة على سوريا، وما إذا كان ينبغي تعديلها أو تخفيفها جزئياً، مع الأخذ في الاعتبار التأثير المحتمل على استقرار المنطقة. ومع ذلك، يبقى ملف هيئة تحرير الشام حساساً للغاية، إذ لا تزال مصنفة كمنظمة إرهابية أجنبية من قبل الولايات المتحدة ومجلس الأمن الدولي، مما يعقد أي تعامل مباشر معها. وفي أعقاب الإطاحة ببشار الأسد، أعلن الرئيس ترامب بوضوح أن هذا النزاع ليس حرب الولايات المتحدة، وأن إدارته لم تتعاون مع حكومة الشرع أو هيئة تحرير الشام، مؤكداً على موقف الحياد وعدم التدخل المباشر في الشؤون السورية.
التواصل مع الشرع والحكومة المؤقتة:
تواصلت إدارة بايدن وعدد من الشركاء الأوروبيين والشرق أوسطيين مع أحمد الشرع، إدراكًا منهم أن تجاهله قد يدفعه إلى التحالف مع خصوم الولايات المتحدة. يُذكر أن هناك مواطنًا أمريكيًا واحدًا على الأقل، أوستن تايس، يُعتقد أنه لا يزال على قيد الحياة، وقد يشكل التواصل مع الشرع فرصةً للعثور عليه وإنقاذه. ومع ذلك، يطرح التحدي الكبير غموض شخصية الشرع، الذي تغيرت تصرفاته بشكل مفاجئ، مما يثير الشكوك حول مصداقيته وقدرته على تحقيق أولويات واشنطن، ومنها إطلاق سراح تايس. كما أن التواصل معه دون وضوح النوايا أو التأكد من إمكانياته قد يُسهم في تعزيز شرعيته، عبر الإيحاء بأن الولايات المتحدة تعترف به كقوة حاكمة في سوريا، وهو ما يمثل مخاطرة سياسية واستراتيجية.
الحفاظ على مهمة دحر داعش:
سعت داعش خلال العام الماضي جاهدةً لاستعادة نفوذها في ظل الضغوط المتزايدة على نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين. ومن المنطقي الاستمرار في تركيز الجهود على مهمة دحر داعش، خصوصًا مع احتمال الإفراج عن عدد كبير من مقاتلي التنظيم من المعتقلات. تواجه داعش خصمًا رئيسيًا يتمثل في هيئة تحرير الشام التي تسعى حاليًا للسيطرة على السلطة، حيث استغل قائدها أحمد الشرع في الأسابيع الأخيرة اعتقالات مقاتلي داعش لتحقيق هدفين: تلميع صورته التي حاول إبرازها كغير جهادية، وإضعاف منافسه التنظيمي. بهذا المعنى، تواجه داعش عقبات حقيقية في محاولاتها للعودة، مما يختلف كثيرًا عن الوضع قبل عقد من الزمن. ومع ذلك، تبقى تساؤلات كبيرة حول مستقبل هذا النهج، خاصة في ظل غياب هدف سياسي واضح مثل تفكيك الخلافة الإقليمية، إضافة إلى الضغوط الكبيرة والتشرذم الذي تعاني منه قوات الشركاء المحليين للولايات المتحدة، وعدم وضوح مستقبل الحوكمة والاستقرار في المناطق المحررة، إلى جانب التحديات التي تفرضها الحشود العسكرية الإيرانية في مختلف أنحاء البلاد.
دحر داعش + الحرب بين الحروب الإسرائيلية:
تعديل مهمة القوات الأمريكية في سوريا لتشمل دعم وتعزيز “الحملة بين الحروب” الإسرائيلية ضد إيران ووكلائها يتيح للولايات المتحدة التركيز بشكل فعال على التهديدين الرئيسيين: عودة داعش وإعادة بناء البنية التحتية العسكرية الإيرانية. وهذا النهج يُمكّن من الحفاظ على عدد القوات الحالي (حوالي 2000 جندي) دون الحاجة إلى زيادة كبيرة في التواجد العسكري، مما يقلل مخاطر التورط في صراعات سياسية معقدة وغير محسومة داخل سوريا. كما أن هذا التركيز على الجوانب الأمنية والعسكرية يساهم في حماية مصالح الأمن القومي الأمريكي ويعزز التنسيق مع حلفاء إقليميين مثل إسرائيل، دون الانخراط بشكل مباشر في العملية السياسية التي لا تزال غير واضحة المعالم. هل ترغب في استكشاف كيف يمكن لهذا النهج أن يؤثر على استقرار المنطقة بشكل عام؟
لبنان بعد وقف إطلاق النار:
أين نحن:
بعد “عملية غريم بيبر” – العملية الإسرائيلية السرية التي أدت إلى شل حركة آلاف مقاتلي حزب الله من خلال استهداف أجهزة الاتصالات، والاغتيالات المستهدفة لقيادات الحزب، تحولت جماعة حزب الله من وكيل إيراني قوي إلى منظمة تكافح لتفادي الفشل. تم استبدال الزعيم السابق حسن نصر الله بالشيخ نعيم قاسم، قائد يفتقر إلى القدرات الكاريزمية والاستراتيجية التي كان يتمتع بها نصر الله. وقد أُبطلت القدرات العملياتية لحزب الله بشكل كبير، حيث يقدر جيش الدفاع الإسرائيلي انخفاضًا بنسبة 80% في القدرات العسكرية، وتراجعًا بأكثر من 50% في عدد الأفراد المتاحين. رغم احتفاظ الحزب بحضوره في البرلمان اللبناني، فإنه فقد السيطرة على الرئاسة ورئاسة الوزراء بعد انتخابات 2022، حيث انخفض عدد مقاعده من 71 إلى 61 مقعدًا من أصل 128، ما أدى إلى فقدان الأغلبية. تم تمديد وقف إطلاق النار المبرم في 24 نوفمبر 2024 حتى 18 فبراير 2025، لكنه لم يشهد أي تغيير جوهري. في الأسابيع الأخيرة، نجحت إدارة ترامب في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، والذي صمد إلى حد كبير منذ ذلك الحين. إلى جانب التفكيك الكامل للبنية التحتية العسكرية لحزب الله على الحدود، سيعتمد الحل طويل الأمد جزئيًا على مستقبل القوات المسلحة اللبنانية ودور قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).
السياسة الحالية:
المستقبل المنشود للبنان يتلخص في دولة مستقلة خالية من حزب الله وأي وكلاء إيرانيين يتدخلون في شؤونها الحكومية. جاء تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية أجنبية في عام 1997 كخطوة أولى نحو تحقيق هذا الهدف، حيث عزز هذا التصنيف قدرة الولايات المتحدة على قطع التمويل الموجه للجماعة، وسهل التنسيق مع الشركاء الدوليين للحد من نشاطاتها. ورغم التقدم الذي تحقق في كبح النشاطات العالمية لحزب الله، ظل تأثيره السياسي في لبنان قويًا، بل نما الحزب ليشكل تهديدًا مباشرًا لإسرائيل. في 8 أكتوبر 2023، وبعد يوم واحد من الهجوم الوحشي الذي شنته حماس، قام حزب الله بشن هجمات عبر الحدود على البلدات الإسرائيلية الشمالية، ونشر قوات النخبة “قوة رضوان” المتخصصة في التسلل، وأطلق صواريخ متطورة، مما تسبب في نزوح نحو 80 ألف إسرائيلي داخليًا حتى الآن. هذا النشاط يعد انتهاكًا صريحًا لقرارات مجلس الأمن الدولي 1559 و1701. بعد عمليات جيش الدفاع الإسرائيلي ضد الحزب، شهدت الجهود الدولية لتعطيل نفوذ حزب الله السياسي تصاعدًا ملحوظًا، مدفوعة بشعور متزايد بالإلحاح من قبل الولايات المتحدة. ورغم أن إدارة ترامب جمدت المساعدات الخارجية لمعظم الدول عدا إسرائيل ومصر، فإن الوضع الاقتصادي الهش في لبنان دفع إلى منح تنازل رفع تجميد 95 مليون دولار من المساعدات، مع شروط ملزمة تلزم الجيش اللبناني بمواصلة جهوده لمصادرة أسلحة حزب الله وإغلاق خلاياه، في خطوة تهدف إلى تقليص نفوذ الحزب وتعزيز استقرار لبنان على المدى الطويل.
تحليل:
أكبر تحدٍ تواجهه السياسة الأمريكية في لبنان هو كيفية مواجهة تدخل حزب الله، مع العمل في الوقت نفسه على استقرار البلاد. في السابق، ركزت الولايات المتحدة بشكل كبير على محاولة القضاء العسكري على حزب الله، متجاهلة تأثيره السياسي القوي، مما سمح لإيران بالتحكم بالحكومة اللبنانية بشكل خفي. مع اغتيال حسن نصر الله، تغيّر المشهد، وأصبح من الضروري إيجاد توازن بين إعادة إعمار لبنان الذي يعاني من أزمة اقتصادية حادة، واحتواء النفوذ الإيراني المتنامي، ودعم انتقال سياسي مستقر. انتخاب الرئيس عبود ورئيس الوزراء سلام، الذين لا ينتميان لحزب الله، يمثل بداية إيجابية، لكن من المهم استمرار هذا الاتجاه حتى انتخابات 2026 لضمان استقرار طويل الأمد.
رغم هذه التطورات، لا تزال القوات اللبنانية واليونيفيل ضعيفتين في مواجهة انتهاكات حزب الله للحدود مع إسرائيل، مما يستدعي دورًا أمريكيًا أقوى في ضمان تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالمنطقة. الحفاظ على وقف إطلاق النار الحالي أمر حيوي، ويجب أن تركز الولايات المتحدة على تعزيز قدرة الجيش اللبناني والضغط السياسي على حزب الله لتفكيك ترسانته العسكرية وتقليص نفوذه السياسي والمجتمعي. في ظل سعي إيران للحفاظ على نفوذها في لبنان، تحتاج واشنطن إلى قيادة حازمة ومتوازنة بين الضغط والتشجيع لضمان مستقبل مستقر للبنان وخالٍ من تأثير حزب الله.
مواصلة الضغط على الجناح السياسي لحزب الله:
مع فقدان ائتلاف حزب الله أغلبيته في البرلمان اللبناني، سيشرع الحزب في جهود مكثفة لإعادة بناء ثقة الشعب اللبناني به، في محاولة منه لمواجهة الرسائل الغربية التي تصوره ككيان معزول وغير شرعي. سيواصل سياسيّو الحزب، وهم جزء فاعل في السلطة التشريعية والتنفيذية، العمل كأدوات إعلامية وسياسية تروج لأجندة النظام الإيراني داخل لبنان، مستغلين نفوذهم السياسي للحفاظ على مكانتهم وقوتهم. وعلى الرغم من وجود بعض التساؤلات والشكوك حول استقرار الائتلاف الحاكم الحالي، فإن عودة حزب الله السياسية تمثل تهديدًا جديًا، لا تقل خطورته عن عودته العسكرية التي ما زالت تؤثر بشكل كبير على أمن لبنان والمنطقة بشكل عام. وقد ساعدت العقوبات الدولية المتعددة على حزب الله، التي تشمل تصنيفه كمنظمة إرهابية أجنبية من قبل عدة دول وهيئات دولية، على تقليص قدرته على ممارسة أنشطته بشكل علني ومنظم، كما لعبت العقوبات الاقتصادية المفروضة على الكيانات المرتبطة به دورًا مهمًا في إضعاف نفوذه المالي والسياسي، ما حدّ من توسع أنشطته في المشهد اللبناني، لكنه لا يزال يملك قاعدة واسعة من الدعم المحلي تمكنه من الصمود رغم الضغوط الخارجية.
التحالف المضاد لحزب الله:
بالنظر إلى ما وراء بيروت، توجد دول أخرى في بلاد الشام تشارك الغرب الرغبة في قمع النفوذ الإيراني في المنطقة. إلى الجنوب، ساعدت المواقع الاستراتيجية التي يسيطر عليها جيش الدفاع الإسرائيلي في مراقبة حركة مقاتلي حزب الله وردعهم من تنفيذ هجمات أو تعزيز قدراتهم العسكرية على الحدود. وفي الوقت نفسه، عملت دول مثل المملكة العربية السعودية والأردن على تعزيز علاقاتها مع الحكومة اللبنانية الجديدة عبر تفاوضها على اتفاقيات شاملة لدعم لبنان اقتصادياً وإنسانياً، وهو ما ساهم في تخفيف حدة الأزمة التي يعاني منها البلد. اتخذ الأردن موقفًا حازمًا في مواجهة تجارة حزب الله غير المشروعة للكبتاغون، والتي تؤثر سلبًا على المجتمعات الأردنية والإقليمية الأخرى، مما يعكس حرصه على حماية أمنه الداخلي والإقليمي. مع تزايد اهتمام اللاعبين الإقليميين والدوليين بدعم استقرار لبنان، بات من الممكن أن يؤدي هذا التنسيق إلى إنشاء تحالف مضاد لحزب الله، يهدف إلى تقليص نفوذ الجماعة في الساحة اللبنانية والإقليمية، وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
الحفاظ على التمويل الطارئ للجيش اللبناني:
على الرغم من المشاكل الهيكلية العميقة التي يعاني منها الجيش اللبناني، فإن توفير تمويل مشروط له يظل خيارًا منطقيًا وضروريًا، خاصة إذا تم ربط هذا الدعم بتحقيق تقدم ملموس في تطبيق قرارات ومواثيق الأمم المتحدة المتعلقة بلبنان. إن استقرار لبنان يعتمد بشكل كبير على وجود جيش وطني قوي ومستقل، خالٍ من النفوذ الإيراني، وقادر على التنسيق الفعال مع الولايات المتحدة وشركائها لتحقيق الأهداف الإقليمية المشتركة. إلى جانب ذلك، يساهم الضغط المستمر على الجيش اللبناني في تقليص قدرة حزب الله على اختراق مؤسساته، ما يحد من إمكانية توسع نفوذ الحزب داخل المؤسسة العسكرية. وتشير مشاركة الولايات المتحدة المستمرة في دعم الجيش اللبناني ضمن هذه الإطار المشروط إلى فرصة حقيقية لتحقيق نتائج إيجابية مختلفة عن تلك التي شهدتها الفترة التي تبعت اعتماد القرارات الأممية في عام 2006، مما يعزز فرص استقرار لبنان على المدى الطويل.
مستقبل اليونيفيل:
مع إعلان الرئيس عون معارضته الواضحة لتدخل الشركات الخاصة في تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي، يبرز احتمال حدوث تغييرات استراتيجية في مهام قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). إن أي تعديل في مهمة اليونيفيل لن يقتصر فقط على موافقة الولايات المتحدة ولبنان، بل سيمتد ليشمل مشاركة وتنسيق الدول الأوروبية المشاركة في القوة. مع اقتراب الحرب في أوكرانيا من نهايتها، تبدو هذه اللحظة مناسبة لإعادة تقييم وتوسيع مساهمات الشركاء الأوروبيين في اليونيفيل، خاصة أولئك الذين يمكنهم تقديم دعم أكبر يعكس التحولات الجيوسياسية والإقليمية الحالية. ومن المتوقع أن تكون هذه التغييرات دون الحاجة إلى إصلاحات هيكلية جذرية، مع الحفاظ على المهمة الأساسية لليونيفيل، مع التركيز على تحسين كفاءة القوات، وتوسيع مناطق النفوذ، وتعزيز القدرات العملياتية بما يتناسب مع التحديات الجديدة في المنطقة.
اتفاقات أبراهام وفرص جديدة في الشرق الأوسط
أين نحن؟
باعتبارها الإنجاز الأبرز في السياسة الخارجية لإدارة ترامب خلال ولايته الأولى، تعرضت اتفاقيات إبراهيم لقمع نشط خلال السنة الأولى من إدارة بايدن. فقد كان فريق بايدن، الذي سعى إلى بناء إرثه في الشرق الأوسط خاصة بعد فشله في إحياء الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعته إدارة أوباما، مترددًا في دفع توسيع هذه الاتفاقيات، ولا سيما التطبيع بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، حتى صيف عام 2023. ومع ذلك، أدى هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، الذي جاء جزئيًا لتعطيل هذا المسار، إلى توقف أي نقاش عام حول اتفاقيات إبراهيم. وفي رد فعل واضح على هذه التطورات، طالبت المملكة العربية السعودية بوضع شرطين أساسيين لاستئناف تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهما: أولاً، الانخراط في مسار جاد نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وثانيًا، ضمان وجود ترتيب دفاعي تدعمه الولايات المتحدة لضمان أمن المنطقة.
السياسة الحالية:
يوجد اليوم دعم قوي من الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة لاتفاقيات إبراهيم، حيث تؤيد كل من إدارتي بايدن وترامب الاتفاقيات، ويعزز هذا الدعم أيضاً تأييد من الحزبين في الكونجرس ومجلسيه، الذين يسعون إلى توسيع نطاق هذه الاتفاقيات. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن زخم الاتفاقيات قد استعاد زخمه، مدفوعاً بالتصور المشترك للتهديدات التي تمثلها إيران في المنطقة. فقد شهدنا استجابة سريعة من العديد من الشركاء الإقليميين للدفاع عن إسرائيل، حيث عرقل هؤلاء الشركاء جهود فرض حظر إقليمي على إسرائيل، كما تدخلوا عسكرياً لوقف الهجمات المباشرة التي شنتها إيران ضد إسرائيل. ويرجع هذا التدخل بشكل كبير إلى كون إسرائيل تقع ضمن منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، مما يعزز التنسيق الأمني والعسكري بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
التحليل:
تشير الفوائد الواضحة لاتفاقيات إبراهيم والتعاون العسكري الدفاعي الأخير مع إسرائيل في مواجهة التصعيد الإيراني إلى أن الشركاء الإقليميين، رغم تحفظهم الظاهر، لا يزالون راغبين في استئناف توسيع هذه الاتفاقيات التي كانت قائمة قبل 7 أكتوبر. إن إدارة ترامب لا تجلب فقط تغييراً في النبرة، بل توفر وضوحاً أكبر في السياسة تجاه الشركاء الإقليميين وفي مواجهة النظام الإيراني، وهو ما يُرجح أن يكون دافعاً قوياً لاستئناف الاتفاقيات. لذا، لم يعد السؤال ما إذا كانت هذه الاتفاقيات ستتقدم، بل إلى أي مدى يمكن أن تتوسع.
لكي تحقق هذه الاتفاقيات كامل إمكاناتها في إرساء السلام والاستقرار في المنطقة، لابد من وضع ترتيبات واضحة ومسؤولة لإدارة المناطق التي كانت تحت سيطرة وكلاء إيران، ومع تراجع نفوذ النظام الإيراني أو اختفائه، ستتاح فرص حقيقية للشركاء الإقليميين لملء الفراغ والمساهمة في تشكيل الظروف المحلية الجديدة. هذا لن يحدث تلقائياً، بل سيتطلب تركيزاً أمريكياً قوياً والتزامات واضحة تجاه الشركاء الإقليميين الذين قد يسعون للحصول على ضمانات وحماية في ظل تصعيد إيران ضدهم.
من الطبيعي أن تستغل بعض هذه الدول هذه اللحظة لتقديم طلباتها ومطالبها، ويجب على الولايات المتحدة التعامل مع كل حالة بحذر، مع تقييم أثرها على المصالح الأمريكية العامة. بشكل عام، ستكون هذه العملية تدريجية، لكن مع قيادة أمريكية جديدة، تظهر فرص حقيقية لوضع الشرق الأوسط على مسار أكثر إشراقاً، خصوصاً مع تراجع نفوذ النظام الإيراني في المنطقة.
خيارات العمل:
تُعدّ الفوائد التجارية لاتفاقيات إبراهيم لكل من إسرائيل وجيرانها منطقية للغاية، وستلقى ترحيبًا واسعًا من جميع الأطراف، خاصة مع بدء تطبيع العلاقات بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية. تمثل هذه الاتفاقيات أقل المسارات إثارةً للجدل في ملف التطبيع، إذ تركز على توسيع الجوانب الاقتصادية والدبلوماسية والاجتماعية، متجنبةً الخلافات السياسية والإقليمية التي لطالما عرقلت تقدم السلام في المنطقة. مع ذلك، تشير التصريحات السعودية خلال العام الماضي إلى وجود مطالب جديدة لدى الشركاء الإقليميين تجاه إسرائيل والولايات المتحدة في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر، لا سيما ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وترتيبات الدفاع الإقليمي. لذلك، قد لا يكون التركيز فقط على الجوانب التجارية للتطبيع كافياً لمعالجة هذه المخاوف والتحديات الجديدة.
من جهة أخرى، يمكن للولايات المتحدة أن تتبنى نهجًا استباقيًا لتهدئة هذه المطالب، وتعزيز أهدافها الإقليمية من خلال استخدام اتفاقيات إبراهيم كآلية لضمان التزامات الشركاء بتحقيق الاستقرار في المناطق التي طُردت منها إيران ووكلاؤها، مثل غزة وسوريا ولبنان واليمن. كذلك، تشكل الضفة الغربية منطقة حرجة في هذا السياق، حيث سعت إيران على مدار السنوات الماضية لتحويلها إلى منصة للهجمات الإرهابية، وتتنافس فيها حماس على السلطة. لذا، سيكون دمج خطة إقليمية شاملة لما بعد الوكالة، والتي تتعامل مع هذه المناطق بجدية، في صالح جميع الشركاء الإقليميين، إذ سيُفضي إلى تقليص النفوذ الإيراني بشكل نهائي في مناطقهم الخلفية، ويفتح آفاقًا جديدة لمرشحي اتفاقيات إبراهيم المستقبلية، ويعزز التعاون الإقليمي الفعّال في مواجهة هجمات إيران خلال الشهور الماضية. بهذا الشكل، تُترجم الاتفاقيات إلى إطار عمل أوسع لتحقيق الاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط.
الدكتور جاكوب أوليدورت: مدير مركز الأمن الأمريكي في معهد أمريكا أولاً للسياسات.
إيثان تان: محلل سياسات في مركز الأمن الأمريكي في معهد أمريكا أولاً للسياسات.
مركز أسبار
رابط البحث:

