ذات صلة

القوّة الكردية والمعركة من أجل مكان في مستقبل سوريا

بعد سنوات طويلة من الصراع الدامي والتغيرات الجيوسياسية العميقة، يواجه الشرق الأوسط مرحلة جديدة من عدم اليقين والتشابك السياسي، خصوصًا في أعقاب سقوط نظام الأسد في سوريا. هذا الانهيار ترك فراغًا كبيرًا، تتنافس من أجله قوى إقليمية ودولية مختلفة، عربية وغير عربية، على إعادة تشكيل البنية السياسية والأمنية في سوريا بما يتناسب مع مصالحها الاستراتيجية. في هذا السياق، تعكس التغيرات الجيوسياسية الراهنة ظهور عصر جديد من الدبلوماسية، يُبنى بشكل متزايد على الصفقات والتحالفات المتغيرة بين الأطراف الفاعلة الرئيسية في الملف السوري. يتطلب الواقع الجديد تبني سوريا ما بعد الأسد لسياسة خارجية متوازنة ومعتدلة، تهدف إلى إشراك الجهات الفاعلة المحلية بشكل استباقي، والعمل على موازنة التدخلات الأجنبية التي غالبًا ما تزيد من تعقيد المشهد. كما تفرض الاستراتيجية السورية الجديدة ضرورة تطوير شكل جديد من الدبلوماسية يأخذ بعين الاعتبار التنوع العرقي والديني والقومي بين الأطراف المختلفة، لا سيما في ظل وجود اختلافات جوهرية بين الجهات الفاعلة العربية وغير العربية. من الضروري أن تعي الحكومة السورية المؤقتة دور الجهات الفاعلة من دون الدولة والجهات غير الحكومية التي تمارس دبلوماسية موازية خارج نطاق سيادتها المباشرة، حيث باتت هذه الجهات تملك تأثيرًا كبيرًا على الأرض وعلى مواقف القوى الخارجية. ويجسد هذا التوجه ظهور ظاهرة الدبلوماسية الموازية التي تتجاوز الإطار التقليدي للدول ذات السيادة، إذ تشكل علاقات متعددة ومستقلة دون الحاجة إلى موافقة الدولة الرسمية. وتبرز قوات سوريا الديمقراطية (SDF) وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الكرديان في شمال شرق سوريا كأبرز نموذج عملي لهذا النوع من الدبلوماسية، إذ يتمتعون بنفوذ سياسي وعسكري متزايد يجعلهم لاعبًا لا يمكن تجاهله في صياغة مستقبل سوريا، مما يفرض على أي استراتيجية سياسية شاملة مراعاة هذه الجهات ضمن معادلة السلطة الجديدة في المنطقة. بهذا المعنى، يشير التطور إلى ضرورة إعادة التفكير في مفهوم السيادة والدبلوماسية في الشرق الأوسط، لتشمل معايير أكثر مرونة تتناسب مع الواقع المعقد والمتعدد الأطراف في سوريا والمنطقة بأسرها.

يمثل المسار الصعب الذي ينتظر سوريا تحديًا كبيرًا يتطلب مبادرة دبلوماسية شاملة ومؤيدة للسلام تقودها الحكومة السورية المؤقتة، بحيث تُقرّ بشرعية جميع الجهات الفاعلة على الأرض، وتمنحها حق المشاركة الفعلية على طاولة المفاوضات السياسية. فبدون احتواء هذه الأطراف المختلفة، خصوصًا تلك التي لا تخضع بالكامل للسلطة المركزية، يصعب تحقيق استقرار دائم في البلاد. في الوقت ذاته، وبالنظر إلى الطبيعة التبادلية للسياسة الخارجية، فإن بقاء الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل قوات سوريا الديمقراطية (SDF) وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) يعتمد بشكل كبير على التوازن الإقليمي والدولي، لا سيما وسط التغيرات المتسارعة في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. كما أن تطورات الحرب الإسرائيلية على غزة تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، حيث تؤثر هذه الأزمات على مواقف اللاعبين الإقليميين والدوليين في سوريا. في هذا الإطار، فإن العزلة المتزايدة التي تواجهها إيران وروسيا في سوريا، مقابل تصاعد التدخلات التركية في الشؤون السورية، تلقي بظلالها على شرعية ووضع هذه الجهات الفاعلة غير الحكومية. وتعتبر قوات سوريا الديمقراطية (SDF) أكبر قوة عسكرية على الأرض، ولذلك فإن تأثير هذه الديناميات السياسية الإقليمية والعالمية سيحدد مدى قدرتها على البقاء والتأثير في مستقبل سوريا. وبذلك، يصبح واضحًا أن أي استقرار سياسي في سوريا لن يتحقق إلا عبر سياسات دبلوماسية مرنة تأخذ بعين الاعتبار هذا التوازن الدقيق بين القوى المحلية والإقليمية والدولية.

في محادثات دبلوماسية حديثة، وقّعت قوات سوريا الديمقراطية (SDF) بقيادة القائد العام مظلوم عبدي—الذي برز كقائد عسكري رئيسي في الحرب ضد تنظيم داعش—اتفاقية مع رئيس الحكومة المؤقتة في سوريا أحمد الشرع تهدف إلى دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن جهاز الدولة السورية. هذه الاتفاقية تمثل خطوة محتملة للاعتراف السياسي بحقوق الأكراد، وتفتح بابًا أمامهم للمشاركة الرسمية في بناء الدولة السورية الجديدة. ومع ذلك، تحمل هذه الخطوة في طياتها مخاطر جسيمة على استقلالية الأكراد التي ناضلوا طويلاً لتحقيقها، كما قد تؤثر سلبًا على قدرتهم على ممارسة دبلوماسية مستقلة تخدم مصالحهم الإقليمية والسياسية. في هذا السياق، يفرض الواقع السياسي المعقد وغير المستقر في سوريا على الأكراد تبني نهج دبلوماسي مرن وحذر، لا يقتصر فقط على بناء تحالفات استراتيجية، بل يشمل أيضًا المحافظة على مرونة هيكل التحالفات التي ينتمون إليها، بما يتيح لهم التكيف مع متغيرات الساحة السياسية دون أن يفقدوا أوراق قوتهم. تكمن الاستراتيجية الأكثر جدوى أمام الأكراد في تأجيل إبرام الاتفاقات النهائية، وإلقاء عبء حالة عدم اليقين على الحكومة السورية المؤقتة بدلاً من استنفاد قوتهم من خلال تقديم تنازلات مبكرة، قد تضعف موقفهم الدبلوماسي وتعرّض تمثيلهم السياسي المستقبلي للخطر، خصوصًا في ظل الاستعدادات المتسارعة لسوريا نحو الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة. ومع التغير المستمر في ديناميكيات التحالفات السورية والإقليمية، ينبغي على الأكراد اغتنام هذه اللحظة التاريخية لتبني دبلوماسية مبتكرة ومرنة تتخطى القيود التقليدية لسيادة الدولة، كما جسدتها نماذج دبلوماسية بارزة في التاريخ، على غرار الأسلوب الذي اتبعه هنري كيسنجر في إدارة العلاقات الدولية، والذي يعتمد على الموازنة الدقيقة بين القوة والتفاوض لتحقيق مصالح الأطراف المتعددة في ظل بيئة سياسية معقدة ومتحركة.

خلفية رئيسية:

على الرغم من أن قوات سوريا الديمقراطية (SDF) وُصفت في بدايات تشكيلها كقوة مؤقتة استُحدثت استجابةً لتهديد تنظيم داعش، إلا أن استمرارها وتطورها إلى أكبر قوة عسكرية على الأرض السورية يتطلبان بالضرورة نفوذاً دبلوماسياً متنامياً. فالتحول الذي شهدته الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وقوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب قوات برية أخرى في مواجهة داعش، لم يكن مجرد تحالف عسكري مؤقت، بل شكل خطوة تدريجية نحو تطبيع العلاقات بين الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية داخل المشهد السوري. خلال الحرب ضد داعش، تلقت قوات سوريا الديمقراطية دعمًا أمريكيًا واسع النطاق من حيث التدريب والتسليح، بالإضافة إلى دعم جوي مكثف، ما مكّنها من لعب دور حاسم في تحرير مناطق رئيسية في شمال سوريا. وقد قامت هذه القوة على أساس وحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، التي شكلت العمود الفقري لها، إلى جانب مشاركة فصائل عربية سنية وجماعات أصغر متعددة، ما أكسبها طابعًا تعدديًا مكنها من استقطاب دعم محلي وإقليمي متنوع. هذا الدعم الأمريكي المكثف لم يقتصر فقط على الجانب العسكري، بل شكّل أيضاً قاعدة لنفوذ سياسي ودبلوماسي يعزز موقف قوات سوريا الديمقراطية في المشهد السوري، ويجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله في أي تسوية سياسية أو أمنية مستقبلية في سوريا.

برز الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية، حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، بقيادة صالح مسلم، كقوة حاكمة ذات تأثير متزايد في المناطق الكردية بسوريا، وهو حزب ارتبط تاريخياً بمشاعر التهميش والحرمان التي عانى منها الأكراد السوريون على مدار عقود. فقد حرم النظام البعثي السوري الأكراد من حقوق المواطنة الأساسية من خلال سياسات تمييزية متواصلة، شملت حملات تعريب واسعة، حرمتهم من هويتهم القومية وحقوقهم السياسية والاجتماعية. في خضم الحرب الأهلية السورية، واستجابةً لانسحاب قوات النظام السوري من المناطق الكردية عام 2012، تمكن حزب الاتحاد الديمقراطي من فرض سيطرته الفعلية على معظم المدن والمناطق التي يسكنها الأكراد، مما شكّل نقطة تحول تاريخية في واقع الحكم والسيادة في تلك المناطق. وفي عام 2014، تم سن دستور كانتون روج آفا، الذي أرسى إطارًا قانونيًا مؤسسًا لحكم ذاتي محلي قائم على مبادئ الديمقراطية التعددية، حيث شرّع وجود وتوسّع الجماعات السياسية مثل حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي تطوّر سريعًا إلى منصة سياسية مركزية تدعم قوات سوريا الديمقراطية على الأرض. وقد أكد هذا الدستور على حق الحكم الذاتي للكرد، مشددًا على ضرورة الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للأكراد في سوريا، وداعيًا إلى نموذج حكم ذاتي ديمقراطي يتسم بالشمولية والتمثيل العادل لكافة مكونات المجتمع في شمال شرق سوريا، ما جعله نقطة ارتكاز في السعي نحو إعادة تشكيل الدولة السورية على أسس جديدة من التعايش والاعتراف المتبادل.

يُؤكّد بقاء قوات سوريا الديمقراطية وجناحها السياسي، حزب الاتحاد الديمقراطي، على مكانتهما المتزايدة دبلوماسيًا وعسكريًا، وسعيهما المتواصل للاعتراف بهما على المستويين الإقليمي والدولي، لا سيما بعد الانتصار الحاسم على تنظيم داعش في سوريا. ورغم ذلك، يبقى مستقبل الأكراد في الهيكل السياسي الجديد لسوريا رهينًا بشكل كبير بطريقة تفاعلهم مع دمشق ومع الجهات الدبلوماسية الفاعلة الأخرى. ومن بين العوامل الأساسية في هذا السياق، الحاجة الماسة إلى فتح محادثات فعّالة وبناءة مع الحكومة السورية المؤقتة، تركز بشكل خاص على المفاوضات المتعلقة بصياغة دستور جديد يضمن تمثيلاً سياسيًا هادفًا وعادلًا للأكراد، يعكس حقيقة التنوع القومي والسياسي في البلاد. ويستلزم تحقيق الاعتراف السياسي الكردي في الدستور الجديد بناء شبكة متينة من التواصل والتعاون مع حلفاء غير تقليديين، لا سيما تركيا التي تمثل تحديًا دبلوماسيًا معقدًا، بالإضافة إلى إقامة قنوات دبلوماسية رسمية مع جهات فاعلة رئيسية أخرى مثل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. ويُعدّ التعاون التقني والسياسي مع كل من الحلفاء الرئيسيين وغير الحلفاء أمرًا بالغ الأهمية للأكراد السوريين لتعزيز شرعيتهم على الساحة الإقليمية والدولية. ولتحقيق هذا الهدف، من الضروري أن يعزز الأكراد قنوات حل النزاعات المحلية وأن يستنفدوا جميع السبل الدبلوماسية الممكنة لتخفيف حدة التوترات مع الجهات الفاعلة غير الحليفة. فهذه الاستراتيجية الدبلوماسية التكاملية ليست مجرد خيار، بل ضرورة حتمية لحماية المكاسب السياسية التي حققها الأكراد السوريون، وضمان دور مستدام وفاعل لهم داخل هيكل الحكم السوري المتطور، بما يسهم في تحقيق استقرار سياسي شامل ومستدام في البلاد.

الاتفاق مع دمشق:

بموجب الاتفاق الجديد، توصلت الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية إلى تفاهم استراتيجي يهدف إلى تعزيز المصالحة الوطنية وتجنُّب اندلاع صراعات جديدة في شمال شرق سوريا، وهو ما يمثل خطوة نوعية في مسار استعادة الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة. ويتضمن الاتفاق التنازل التدريجي لقوات سوريا الديمقراطية عن السيطرة الاستراتيجية على الأراضي والموارد الحيوية لصالح الحكومة المؤقتة، مع دمج هذه القوات في مؤسسات الدولة الإدارية والعسكرية والأمنية والاقتصادية القائمة، مما يعكس تحوّلاً جوهريًا في العلاقات بين الطرفين. ويحدد الاتفاق موعدًا نهائيًا لإنجاز جميع بنوده وتنفيذها بحلول نهاية عام 2025، بما يشمل دمج المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز في شمال شرق سوريا تحت سيطرة دمشق الكاملة، وهو ما يُعد إشارة واضحة إلى تعزيز سيادة الدولة على كامل أراضيها. كما يفرض الاتفاق على قوات سوريا الديمقراطية دمج عناصرها في الهيكل الأمني والعسكري الموحد التابع لوزارة الدفاع السورية، ضمن رؤية لبناء جيش وطني موحَّد يعبّر عن وحدة البلاد ومصالحها. ويشكّل هذا الاتفاق فرصة تاريخية أمام قوات سوريا الديمقراطية والفصائل الكردية الأخرى لإعادة تقييم مواقعها السياسية والاستراتيجية، والانخراط بشكل استباقي وفاعل مع الحكومة السورية، سعياً لوضع أطر تنظيمية تحفظ مصالحهم طويلة الأمد ضمن سوريا الجديدة. وما كان سابقًا يبدو مستحيلاً سياسياً بالنسبة للأكراد في ظل نظام الأسد، مثل تحقيق الاعتراف الدبلوماسي والسياسي الكامل، بات الآن أقرب إلى التحقيق بفضل التغيرات المستمرة في موازين القوى الدولية والإقليمية، ومرونة أصحاب المصلحة المتعددين الذين يتنافسون على النفوذ في سوريا، مما يفتح آفاقًا جديدة لمستقبل سياسي أكثر شمولية واستقرارًا.

يُثبت اتفاق قوات سوريا الديمقراطية مع دمشق بروز مراكز نفوذ جديدة وناشئة داخل سوريا، يعكس تحوّلًا جوهريًا في طبيعة النظام الإقليمي والسياسي نحو تعددية قطبية، يترافق مع تزايد الغموض في أنماط الدعم الدولي. ففي حين كانت قوات سوريا الديمقراطية تعتمد في السابق بشكل رئيس على الدعم الأمريكي العسكري واللوجستي، فإنها اليوم تنخرط بنشاط في حوار دبلوماسي أوسع يسعى إلى تنويع علاقاتها السياسية والاستراتيجية، وتوسيع شبكة تحالفاتها بعيدًا عن الأطر التقليدية التي كانت تهيمن عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها. يُعتبر هذا التكيّف المستمر والاستراتيجي لقوات سوريا الديمقراطية مع التحولات المتسارعة في المشهد الإقليمي والدولي أمرًا حيويًا، ليس فقط لكسر حالة الجمود السياسي التي تعاني منها سوريا منذ سنوات، بل وللحد من نقاط الضعف التي نتجت عن الانسحاب العسكري الأمريكي المخطط له، والذي سيقلص عدد الجنود الأمريكيين إلى حوالي 1000 جندي فقط في شمال شرق سوريا. ومن خلال هذا التوجه الجديد، تبرز قوات سوريا الديمقراطية كلاعب محوري قادر على إعادة رسم خارطة النفوذ في سوريا، متيحًا بذلك فرصًا جديدة للتفاوض والتوافق بين مختلف الجهات الفاعلة المحلية والدولية.

بشكلٍ عام، تُشير السيطرة الفعلية التي تمارسها قوات سوريا الديمقراطية على الأرض، إلى جانب قدرتها على توفير الأمن والحوكمة في شمال شرق سوريا، إلى عاملٍ رئيسي يُؤثّر في تفاعلاتها مع كل من الحكومة السورية المؤقتة والمجتمع الدولي على حد سواء. ويُعكس الاتفاق الحالي الذي يسعى الرئيس أحمد الشرع إلى تنفيذه نيابةً عن الحكومة السورية المؤقتة اعترافًا عمليًا بالسلطة الشاملة التي تتمتع بها قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب التفاوض حول المطالب المتنافسة على السلطة في سوريا التي تشهد تفككًا وتقسيمًا شديديْن. وعليه، فإن أي تعامل سياسي مستقبلي مع دمشق سيستلزم من قوات سوريا الديمقراطية التركيز على تأمين دور فاعل ومؤثر في مفاوضات السلام المقبلة ككيان إقليمي مستقل، إضافة إلى المطالبة بتعديلات دستورية تكرّس الحقوق الكردية ضمن إطار سوريا موحدة. وسيكون من الأهمية القصوى أن تحظى قوات سوريا الديمقراطية بسلطة اتخاذ القرار في صياغة التسويات السياسية ومفاوضات المعاهدات، حفاظًا على مصالحها السياسية والاقتصادية والثقافية على المدى البعيد، مما يضمن تمثيلًا حقيقيًا ومستدامًا للأكراد داخل النظام السوري المستقبلي، ويعزز من فرص استقرار سوريا ككل.

الفيدرالية والطريق إلى الأمام

فيما يتعلق بمسألة الفيدرالية، تؤكد الحكومة السورية المؤقتة على أهمية تأسيس منصة متعددة الأطراف تعزز وحدة سوريا وسلامة أراضيها، حيث أصدرت رئاسة الحكومة بيانًا واضحًا يرفض إقامة كيانات منفصلة تحت ذريعة الفيدرالية أو الإدارة الذاتية دون تحقيق توافق وطني واسع وشامل. تعكس هذه الرؤية حرص الحكومة المؤقتة على الحفاظ على وحدة الدولة ومنع تفككها في ظل تحديات الانقسام السياسي والإقليمي. مع ذلك، لا تتفق جميع مكونات سوريا مع هذا الموقف الرافض للفيدرالية، حيث يبرز الأكراد كأبرز المؤيدين لهذا الخيار، معتقدين أنه السبيل الأمثل لتحقيق مصالحهم وحماية حقوقهم القومية. وتجسد هذا الموقف انعكاسًا واضحًا في مؤتمر “الوحدة والتضامن الكردي” الذي عُقد مؤخرًا في مدينة القامشلي، حيث أكد المشاركون دعمهم للفيدرالية كحل وطني شامل يتيح للأكراد درجة واسعة من الحكم الذاتي ضمن إطار سوريا موحدة، ما يعكس رغبتهم في إيجاد صيغة سياسية توازن بين حقوقهم القومية ومتطلبات وحدة الدولة السورية. هذا الخلاف في المواقف يعكس التحديات الجوهرية التي تواجه سوريا في عملية بناء الدولة، ويبرز الحاجة إلى حوار سياسي شامل يجمع جميع الأطراف على طاولة التفاوض لإيجاد حلول توافقية تحفظ مصالح الجميع وتضمن استقرار البلاد.

تتشارك قوات سوريا الديمقراطية والفصائل العسكرية والسياسية الكردية، مثل حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية المرأة، في رؤية واضحة تجاه مستقبل سوريا الفيدرالي، حيث يسعون إلى ضمان السيطرة الدستورية والإقليمية على شمال شرق سوريا ضمن إطار الحكم الذاتي الكردي. ويُعتبر هذا الطرح رد فعل طبيعي لتنوع النسيج الاجتماعي السوري الذي يضم مجموعات متعددة، من العرب السنة والأكراد إلى المسيحيين واليهود والدروز والعلويين وغيرهم، مما يجعل من الصعب جداً أن يتحقق توافق وطني شامل دون تبني شكل حكم فيدرالي يعترف بالتعددية السياسية والقومية والثقافية. وفي هذا السياق، فإن أي تعديل دستوري لا يقوم على أساس الفيدرالية يبدو غير قادر على تحقيق التوازن المطلوب بين مكونات المجتمع السوري المتنوعة. إضافة إلى ذلك، فإن المفاوضات حول الدستور ليست القضية الوحيدة التي تشغل الأكراد السوريين؛ إذ يبرز قلق متزايد لديهم بشأن طبيعة النظام الانتخابي، الذي يلعب دورًا حاسمًا في تحديد مدى تمثيلهم وحجم مشاركتهم السياسية في الحكومة السورية الجديدة. وتتنامى المطالبات بين الأكراد والأقليات الأخرى لاعتماد نظام انتخابي يقوم على التمثيل النسبي، يضمن لهم مشاركة متساوية وفاعلة في صنع القرار السياسي، ما يسهم في بناء دولة تعددية أكثر ديمقراطية وعدالة، ويعزز من فرص الاستقرار السياسي والاجتماعي في سوريا المستقبل.

يجمع نظام الانتخابات التمثيلي النسبي الأصوات والخلفيات المتنوعة داخل حكومة حديثة التأسيس، مما يتيح تمثيلًا أوسع وأكثر عدالة لمكونات المجتمع السوري المتعددة. إلا أن مدى تفضيل الحكومة السورية المؤقتة لهذا النظام الانتخابي يبقى محل تساؤل، خاصة في ظل العلاقات الوثيقة التي تربط الرئيس السوري الحالي بتركيا، التي تسعى بدورها إلى إضعاف تمثيل الأكراد سياسيًا. وقد تشكل هذه العلاقة إشكالية كبيرة، إذ قد تستخدم تركيا نفوذها على الحكومة المؤقتة لتهميش مطالب الأكراد المتعلقة بنظام انتخابي عادل، بل وتجاهل المطالب المتعلقة بالفيدرالية أو اللامركزية في السلطة التي يطالب بها الأكراد لتأمين حقوقهم السياسية والثقافية. ومن هذا المنطلق، يبدو من مصلحة الأكراد السعي لإبرام صفقة سياسية متوازنة من خلال تعاون فني استراتيجي مع كل من تركيا والحكومة المؤقتة، ويفضل أن يتم ذلك قبل إجراء الانتخابات الجديدة، وقبل الشروع في صياغة دستور جديد يحدد مستقبل البلاد. هذه الصفقة السياسية ليست مجرد خيار، بل ضرورة حتمية للأكراد في ظل الانسحاب الأمريكي من سوريا، الذي سيعيد تشكيل المشهد الأمني والسياسي والدبلوماسي في البلاد، ويفتح آفاقًا جديدة للتفاوض والتوافق بين الأطراف المتنافسة، مما يجعل من قدرة الأكراد على بناء تحالفات استراتيجية عاملاً حاسمًا لضمان مصالحهم واستمرارية تمثيلهم في سوريا المستقبل.

في ظل احتمال حدوث انسحاب جزئي للقوات الأمريكية، لا سيما مع القيادة غير المستقرة لإدارة ترامب الثانية، قد يجد الأكراد أنفسهم في موقع قوة متزايدة على الأرض. إذ تُعد قوات سوريا الديمقراطية (SDF) اليوم أكبر حجمًا وأفضل تجهيزًا من القوات العسكرية التابعة للحكومة السورية المؤقتة، مما يمنحهم نفوذًا عسكريًا وسياسيًا لا يمكن تجاهله. وفي هذا السياق، يظل دور تركيا محوريًا في تشكيل مستقبل سوريا السياسي، خاصة بالنظر إلى مصالحها الراسخة في الحد من التأثير السياسي للأكراد السوريين ومنع توسيع حكمهم الذاتي. لذلك، قد يُعد خيار تعزيز التعاون الوثيق بين الأكراد السوريين وكيانات كردية أخرى مثل إقليم كردستان خطوة استراتيجية مهمة، إذ يمكن لهذا الجسر أن يسهم في تحسين العلاقات مع تركيا ويخلق فرصًا جديدة لتحقيق استقرار طويل الأمد لشمال شرق سوريا في ظل المتغيرات الجيوسياسية. كما أن توقيع اتفاقية سلام بين تركيا وإسرائيل يمكن أن يلعب دورًا حاسمًا في تعزيز المكانة السياسية للأكراد داخل الهيكل السياسي السوري المستقبلي، حيث لن يُعزز هذا التحالف نفوذهم الدبلوماسي فحسب، بل سيضمن أيضًا تمثيل مصالحهم بشكل أكثر فاعلية مع تطور المشهد السياسي في سوريا. من خلال المشاركة الاستراتيجية الفاعلة مع الأطراف المتنافسة الرئيسة في مفاوضات السلام ومسارات الحكم، يمكن للأكراد السوريين أن يكتسبوا موقعًا أكثر تأثيرًا وقدرة على صياغة مستقبل بلادهم بشكل يراعي مصالحهم ويحقق استقرارًا طويل الأمد في المنطقة.

الحكم الذاتي الكردي ودستور سوريا:

إن الاعتراف بالوضع السياسي للأكراد في سوريا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمسار مفاوضات السلام بين الأطراف السياسية الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وإسرائيل، وتركيا، وإيران، وروسيا، لكنه يتوقف أيضًا بشكلٍ جوهري على كيفية وتوقيت ومن سيشرف على كتابة الدستور الجديد لسوريا. فعملية صياغة الدستور تؤثر بشكل مباشر على ضمان التمثيل السياسي المتساوي والشمولية لجميع مكونات الشعب السوري، غير أن الواقع الحالي يُظهر أن واضعي الدستور ليسوا ممثلين منتخبين بشكل مباشر من الشعب عبر انتخابات نزيهة وشفافة، مما يضعف من شرعية الدستور ومصداقيته. ومن ثم، يتطلب إنشاء دستور يعكس أصوات جميع السوريين، بمن فيهم الأكراد والمكونات العرقية والدينية المتنوعة، أولاً إجراء انتخابات حرة ونزيهة يُشرف عليها ممثلون منتخبون يعكسون إرادة الشعب السوري بكامله. ولهذا، يتعين على السكان الأكراد في شمال شرق سوريا أن يتوحدوا ويستعدوا بشكل فعّال للانتخابات القادمة، بهدف المشاركة الفاعلة في الحكومة الجديدة التي ستتشكل، والعمل على تأمين حقوقهم السياسية التي حُرموا منها لفترات طويلة تحت حكم النظام السابق. فالمشاركة الديمقراطية الحقيقية تمثل السبيل الأمثل لتحقيق الاعتراف السياسي الدائم والمستدام للأكراد ضمن الدولة السورية الموحدة.

يتطلّب الواقع السياسي الراهن من الأكراد في شمال وشرق سوريا تبنّي نهج براغماتي ومتوازن، يقوم على الانخراط في مفاوضات جدّية ومساومات مدروسة مع الحكومة السورية المؤقتة، بهدف الوصول إلى أرضية مشتركة تؤسّس لتفاهمات تحقق المصالح المتبادلة وتفتح آفاقاً لحل سياسي مستدام. وفي هذا السياق، تلعب الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES)، وقوات سوريا الديمقراطية (SDF)، دوراً محورياً كجهات فاعلة معترف بها على المستويين المحلي والدولي، قادرة على إدارة حوارات مباشرة ليس فقط مع الحكومة المؤقتة، بل أيضاً مع الأطراف الإقليمية المؤثّرة، مثل تركيا وإيران ودول الخليج.

يمثّل هذا الانخراط الدبلوماسي مدخلاً ضرورياً لبناء تصوّرات إيجابية حول شمال شرق سوريا ككيان سياسي يتمتّع بقدر من الشرعية والقدرة على إدارة شؤونه الداخلية. ويُعدّ وضع أجندة واضحة من قبل قوات سوريا الديمقراطية، تركز على حماية الحقوق القومية والسياسية والثقافية للأكراد ضمن إطار دولة سورية موحدة، خطوة استراتيجية لتأكيد حضورهم السياسي. كما يمكن لهذه الأجندة أن تكتسب زخماً إضافياً من خلال الانفتاح على شراكات غير تقليدية مع أطراف كانت تُعدّ في السابق خصوماً، كتركيا أو إسرائيل، خاصة في ظل تشابك المصالح في الشرق الأوسط وتبدّل الأولويات الإقليمية والدولية.

وفي ظل تراجع تدريجي للنفوذ الإيراني في سوريا، وتزايد جرأة التحركات الإسرائيلية وحلفائها، تبرز فرصة سانحة أمام الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية لاعتماد استراتيجية دبلوماسية أكثر استباقية، تهدف إلى ترسيخ مكانة المنطقة كفاعل سياسي مستقل. هذه الاستراتيجية لا تُبنى فقط على الحسابات الإقليمية والدولية، بل تعتمد بالدرجة الأولى على قدرة الإدارة الذاتية على تحقيق الحكم الرشيد، وتوفير الخدمات، والحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، وكسب ثقة السكان المحليين بمختلف مكوناتهم.

في ظل الديناميكيات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، فإن تجنّب التصعيد غير الضروري مع النظام في دمشق يبقى أمراً بالغ الأهمية، لكنه لا يتعارض مع سعي الأكراد إلى ترسيخ موقعهم في الخارطة السياسية السورية المستقبلية. فالعامل الحاسم في هذه المرحلة يتمثل في قدرة الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية على قراءة التحوّلات الإقليمية بعناية، والتكيّف معها بمرونة، مع الحفاظ على مبادئهم الأساسية ومصالح شعبهم. ومن خلال هذه الرؤية، يمكن لشمال شرق سوريا أن يتحوّل إلى نموذج حوكمة مستقر، يحظى بقبول إقليمي ودولي متزايد، خاصة في مرحلة ما بعد الأسد، التي ستتطلّب ترتيبات جديدة وشاملة على مستوى الدولة والمجتمع.

نور عمر، ٤ أيّار/مايو ٢٠٢٥

مركز أسبار

رابط البحث:

https://innov8.channel8.com/wp-content/uploads/2025/05/KURDISH-POWER-AND-THE-BATTLE-FOR-A-PLACE-IN-SYRIAS-FUTURE.pdf

المراجع:

Criekemans, David. 2010. “Regional Sub-State Diplomacy from a Comparative Perspective: Quebec, Scotland, Bavaria, Catalonia, Wallonia, and Flanders.” The Hague Journal of Diplomacy 5 (1-2): 37-64

Dekel, Udi, Nir Boms, and Ofir Winter. “Syria’s New Map and New Actors: Challenges and

Opportunities for Israel.” Institute for National Security Studies, August 2016.

Daban Mohammed, “Syrian Committee to Meet Mazloum Abdi Next Wednesday to Oversee SDF-Syrian Agreement, Channel8 Reports,” Channel8, March 17, 2025,

Channel8. “Syria’s Constitutional Declaration Sparks Debate Over Transitional Period.” Channel8, March 5, 2025.

Mroue, Bassem. “US-Backed Commander Says His Kurdish-Led Group Wants a Secular and Civil State in Post-Assad Syria.” Local10, February 2, 2025.

The Syrian Observer. “Syria and SDF Begin Implementation of Historic Agreement to Reinstate National Unity.” The Syrian Observer, March 20, 2025.

De Guzman, Chad. “The Key Players to Know to Understand What’s Happening in Syria.” Time, December 11, 2024.

Shira Efron and Danny Citrinowicz, “Israel’s Dangerous Overreach in Syria,” Foreign Affairs, April 23, 2025.

BBC News. “Syria in Maps: Who Controls the Country Now Assad Has Gone?” BBC News, December 13, 2024.

Al-Kanj, Sultan. “SDF Factions: Uncertain Scenarios in Complex Relations with Damascus.” Asharq Al-Awsat, February 14, 2025. Read More.

Radpey, L. 2016. “Kurdish Regional Self-Rule Administration in Syria: A New Model of Statehood and Its Status in International Law Compared to the Kurdistan

Regional Government (KRG) in Iraq.” Japanese Journal of Political Science 17 (3): 468-488.

Montevideo Convention on Rights and Duties of States. 2016. In International Law Documents, edited by J. Klabbers, 2-4. Cambridge: Cambridge University Press.

“The Kurdish Regional Constitution within the Framework of the Iraqi Federal Constitution: A Struggle for Sovereignty, Oil, Ethnic Identity, and the Prospects for a Reverse Supremacy Clause.” 2010. Penn State Law Review 114: 707.

UN Security Council. 1991. Security Council Resolution 688 (1991) [Iraq]. April 5. S/RES/688 (1991).

Ashari, Halisah. 2012. Diplomacy and Foreign Relations.

Hocking, Brian, Jan Melissen, Shaun Riordan, and Paul Sharp. 2012. Futures for Diplomacy: Integrative Diplomacy in the 21st Century.

Hestermeyer, Holger P. 2009. “Vienna Convention on Diplomatic Relations (1961).” Max Planck Encyclopedia of Public International Law.

Dorsey, Leroy. 1999. “Woodrow Wilson’s Fight for the League of Nations: A Reexamination.” Rhetoric and Public Affairs 2 (1): 107-135.

Aksoy, M., and A. Çiçek. 2018. “Redefining Diplomacy in the 21st Century.” MANAS Sosyal Araştırmalar Dergisi 7 (3).

Cornago, Noé. 2010. “On the Normalization of Sub-State Diplomacy.” The Hague Journal of Diplomacy 5 (1-2): 11-36.

Barfi, Barak. 2016. Ascent of the PYD and the SDF. The Washington Institute for Near East Policy, 32: 1-22.

McCullough, Alex. 2015. The Legitimacy of States and Armed Non-State Actors: Topic Guide. Birmingham: University of Birmingham.

Lamb, Robert D. 2014. Rethinking Legitimacy and Illegitimacy: A New Approach to Assessing Support and Opposition Across Disciplines. Rowman & Littlefield.

La-Porte, Maria Teresa. 2015. “The Legitimacy and Effectiveness of Non-State Actors and the Public Diplomacy Concept.”

Atlantic Council. “Landmark SDF-Damascus Deal Presents Opportunity and Uncertainty for Turkey.” March 10, 2025.

BBC News. “Syria’s SDF Agreement with Damascus: What It Means for the Region.” March 10, 2025.

The Guardian. “Syrian Government Reaches Deal with Kurdish-Led SDF to Integrate North-East Region.” March 10, 2025.

Reuters. “Syria Reaches Deal to Integrate SDF Within State Institutions, Presidency Says.” March 10, 2025.

Medya News, “SDF, Global Coalition Resume Joint Anti-ISIS Operations,” Medya News, January 6, 2023,

CNN. “Syrian Government Signs Deal with Kurdish-Led SDF to Merge Forces.” CNN, March 10, 2025.

Middle East Eye. “Map of Control: Damascus Is Green.” Middle East Eye, December 8, 2024.

Qadi, Ahora. “DEM Party: Kurdish Unity Conference Marks a Historic Step for a Democratic Middle East.” Kurdistan24, April 27, 2025.