ذات صلة

الضمانة الأمنية الأكثر منطقية لأوكرانيا لن تأتي من الولايات المتحدة

تستبعد إدارة ترامب بشكل واضح تقديم أي ضمانات أمنية لأوكرانيا، وهو ما يُمثل تراجعًا كبيرًا عن النهج الذي تبنته إدارة بايدن، التي سعت إلى طمأنة كييف والتزمت بدعمها في وجه العدوان الروسي. هذا التحول يُعد بمثابة رسالة صريحة للأوروبيين والأوكرانيين على حد سواء: لا ينبغي لهم أن يُعوّلوا على تغيير في موقف واشنطن في ظل إدارة ترامب، بل عليهم أن يُعيدوا تقييم استراتيجياتهم الأمنية ويبحثوا عن مسارات واقعية بديلة لتعزيز أمن أوكرانيا على المدى الطويل.
تجلى هذا التحول بشكل صارخ خلال الاجتماع الكارثي الذي جرى بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس في البيت الأبيض. لم يقتصر الضرر على الجانب البروتوكولي أو السياسي، بل كان له أثر عميق في مضمون العلاقة بين البلدين، إذ بدا أن ترامب يرى أن زيلينسكي “لا يملك أوراقاً تفاوضية” تُجبر روسيا على تقديم تنازلات، بل على العكس، أوحى بأن على كييف أن تُبادر وحدها إلى تقديم تنازلات من أجل إنهاء الحرب. مثل هذا الخطاب، الذي أُطلق من المكتب البيضاوي في 28 فبراير/شباط، لم يُفاجئ الأوكرانيين فحسب، بل صدم العديد من الحلفاء الأوروبيين الذين يخشون من أن يؤدي تراجع الالتزام الأمريكي إلى تقوية موقف روسيا على طاولة المفاوضات.

الرسائل التي بعث بها هذا اللقاء كانت واضحة لموسكو، وأعطت انطباعًا بأن الإدارة الأمريكية قد تكون مستعدة للانخراط في تسوية تترك أوكرانيا ضعيفة، دون حماية، وتحت رحمة الإملاءات الروسية. وهو ما من شأنه أن يُغري الكرملين بمزيد من التصعيد. ومع ذلك، فإن هذا التطور يُقدم أيضًا درسًا مهمًا للمفاوضين في كييف وللحكومات الأوروبية: الولايات المتحدة، سواء تحت إدارة ترامب أو غيره، لا تبدو مستعدة للمخاطرة بتقديم ضمانات أمنية مباشرة لأوكرانيا في أي اتفاق مستقبلي مع روسيا.

في ضوء هذا الواقع، لم يعد من المجدي الضغط خلف الكواليس للحصول على التزامات أمنية أمريكية قد لا تتحقق، بل ينبغي توجيه الجهود نحو بلورة توافق جديد مع واشنطن يقوم على تعزيز القدرات الذاتية لأوكرانيا. ويُفضل أن يتمحور هذا المسار حول تطوير جيش أوكراني قوي ومستدام، يحصل على دعم طويل الأمد من الغرب، بما يضمن قدرًا كافيًا من الردع أمام أي مغامرة روسية مستقبلية. هذا المفهوم، الذي تبنته 26 دولة من أصل 27 في الاتحاد الأوروبي (باستثناء المجر) في بيان المجلس الأوروبي الصادر في 6 مارس/آذار، يُعد الآن المخرج الأكثر واقعية لضمان أمن أوكرانيا.

ومع أن موسكو لم تُبدِ حتى الآن أي مرونة في مطالبها، وعلى رأسها نزع السلاح الأوكراني، إلا أن أي تسوية لا تتضمن وسائل فعالة لردع روسيا ستُكرّس حالة عدم الاستقرار وتُمهّد لجولات أخرى من الحرب. لذلك، فإن النجاح في تأمين أوكرانيا لن يكون من خلال وعود لا يمكن ضمان تنفيذها، بل من خلال بناء قوة دفاعية فعلية تستند إلى دعم استراتيجي من الحلفاء الغربيين، وتُشكّل أساساً راسخاً لاستقرار طويل الأمد.

إزالة العوائق والتنظيف”:

انحرف اجتماع 28 فبراير/شباط في البيت الأبيض بشكل حاد عن مساره المتوقع، بعد أن تحول إلى مواجهة مباشرة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من جهة، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس من جهة أخرى. وعلى الرغم من أن المناقشات تناولت جملة من القضايا المتعلقة بالشراكة بين البلدين، إلا أن قرار زيلينسكي الضغط علنًا من أجل الحصول على ضمانات أمنية أمريكية – في الوقت الذي كانت فيه الكاميرات توثق مجريات اللقاء – جاء بنتائج عكسية تمامًا. فبدلاً من تعزيز موقفه، واجه زيلينسكي انتقادات لاذعة من ترامب وفانس، اللذين وصفاه بأنه “غير محترم” و”ناكر للجميل”، في إشارة إلى حجم المساعدات المالية والعسكرية الكبيرة التي قدمتها واشنطن لكييف حتى ذلك الحين.

مع انتهاء الاجتماع، بدا أن الأضرار السياسية قد تجاوزت مجرد فشل دبلوماسي مؤقت. لم يخرج الطرفان بأي اتفاقات ملموسة، بما في ذلك الاتفاقية التي كان من المفترض أن تُوقّع بشأن استثمارات في قطاع المعادن النادرة في أوكرانيا، والتي كانت الدافع الرئيسي وراء زيارة زيلينسكي إلى واشنطن. وبعد مغادرة زيلينسكي للبيت الأبيض، شن مسؤولو إدارة ترامب، إلى جانب شخصيات بارزة مؤيدة لهم في الإعلام، حملة شرسة ضد الرئيس الأوكراني، وظهروا في وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي لتصويره كشخص غير قادر على التفاوض وغير جدير بالثقة، في سياق تمهيدي لقرار أعلن بعد أيام يقضي بـ”وقف” المساعدات العسكرية الأمريكية لكييف.

غير أن مسار العلاقات لم يلبث أن شهد بعض الانفراج المؤقت في 4 مارس/آذار، عندما نشر زيلينسكي رسالة إلكترونية أعرب فيها عن أسفه لسير الاجتماع، مبدياً استعداده لبدء محادثات سلام مع روسيا، ومقترحاً وقفاً جزئياً لإطلاق النار كخطوة أولى. هذه المبادرة، التي لم تحمل أي اعتذار مباشر، قرأ منها ترامب مقتطفات أمام جلسة مشتركة للكونغرس، مُعبّراً عن أمله في إحراز تقدم في عملية السلام، وامتنع بشكل ملحوظ عن تكرار انتقاداته لزيلينسكي.

وفي 7 مارس/آذار، فاجأ ترامب المتابعين بخطوة غير متوقعة، إذ هدد بفرض عقوبات جديدة على موسكو في حال رفضت الانخراط في مفاوضات جدية، وهي سابقة تُسجَّل لإدارته التي ظلت حتى ذلك الحين مترددة في اتخاذ مواقف حازمة ضد الكرملين. ومع ذلك، لم تُترجم هذه التحركات إلى تحسن فعلي في العلاقات الثنائية. ففي 5 مارس/آذار، كُشف عن أن الولايات المتحدة بدأت بتقليص تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا، في خطوة وصفها مستشار الأمن القومي مايك والتز بأنها جزء من “تقييم شامل” للشراكة الأمنية.

وتعزز هذا التوتر مع تقارير إعلامية تحدثت عن لقاءات عقدها مسؤولون في إدارة ترامب مع خصوم سياسيين لزيلينسكي داخل أوكرانيا، في ما يبدو أنه جهد منسق لدفعه نحو تنظيم انتخابات – على الرغم من أنها معلّقة بموجب الأحكام العرفية المفروضة بسبب الحرب. هذا التوجه، إن صح، يكشف عن رغبة بعض دوائر صنع القرار في واشنطن بإيجاد قيادة أوكرانية جديدة قد تكون أكثر تجاوبًا مع التوجهات الأمريكية، وهو ما يعمّق من أزمة الثقة المتصاعدة بين البلدين، ويُهدد بإضعاف الجبهة الأوكرانية في لحظة حرجة من الصراع مع روسيا.

ومع ذلك، فإن الحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن خلال أسبوع 10 آذار/مارس، وربما برفقة شخصيات أوروبية بارزة مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – أو كليهما – يُعيد فتح نافذة دبلوماسية مهمة قد تسمح بتجاوز الأزمة الأخيرة. هذه الزيارة، إذا تمّ الإعداد لها بعناية وجرى توظيفها سياسياً بشكل ذكي، قد تُشكّل فرصة لإعادة بناء الثقة مع إدارة ترامب، وتأسيس أرضية جديدة لمفاوضات السلام مع روسيا.

وعلى الرغم من أن احتمالات التوصل إلى موقف تفاوضي موحّد تماماً بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وحلفائها الأوروبيين تبقى محدودة بسبب اختلاف الأولويات السياسية والاستراتيجية لكل طرف، إلا أن هناك مجالاً حقيقياً لتقليص التباينات وتجنب الاقتتال السياسي والدبلوماسي الداخلي. يمكن للطرفين، عبر التنسيق الوثيق، التوصل إلى توافق مبدئي حول عدد من القضايا الجوهرية – مثل طبيعة الضمانات الغربية، وشروط وقف إطلاق النار، ومحددات الدعم العسكري المستقبلي – وهي قضايا تشكّل الأساس لأي تسوية ممكنة.

إن تشكيل جبهة متماسكة، حتى لو كانت غير متطابقة تماماً، من شأنه أن يعزّز موقف كييف التفاوضي ويُضعف قدرة موسكو على استغلال الخلافات الغربية. كما أن التنسيق الثلاثي المحتمل بين كييف وواشنطن والعواصم الأوروبية الكبرى قد يُعيد تأطير الصراع ليس فقط بوصفه مسألة أمنية أوكرانية، بل كمسألة أمن أوروبي شامل تتطلب حلولاً طويلة الأمد تعالج الجذور الجيوسياسية للنزاع. وفي أفضل الأحوال، قد تضع هذه الجهود الأساس لسلام أكثر استدامة في أوكرانيا، ولإعادة رسم منظومة الأمن الأوروبي على نحو أكثر تماسكاً واستقراراً.

ما وراء الضمانات الأمنية الأمريكية:
لعلّ الأهم في المرحلة الراهنة، وفي ضوء المعطيات السياسية المتغيرة، أن يُعيد صُنّاع القرار في كييف والعواصم الأوروبية توجيه استراتيجيتهم بعيداً عن الرهان على ضمان أمني أمريكي مباشر، وهو ما بات مستبعداً بشكل متزايد في ظل موقف إدارة ترامب. هذا التحول في التفكير تعكسه بوضوح الوثيقة الصادرة عن المجلس الأوروبي في 6 مارس/آذار، والتي تركّز على بناء القدرات الدفاعية الأوكرانية وعلى إمكانيات تقديم ضمانات أمنية من داخل أوروبا نفسها، بعيداً عن التعلق بتدخل أمريكي صريح.

ورغم إيمان كييف العميق – والمفهوم – بأن الضمان الأمريكي يُشكّل حجر أساس في أي ترتيبات دائمة لضمان السلام، فإن الواقع السياسي الأمريكي لا يدعم هذا التوجه. لا يبدو أن إدارة ترامب مستعدة لتقديم أي نوع من الضمانات التي كانت تُطرح سابقاً، سواء عبر منح أوكرانيا عضوية في حلف شمال الأطلسي، أو نشر قوات أمريكية على أراضيها، أو حتى عبر التزامات سياسية صريحة يمكن أن تُفهَم كنوع من “الردع المسبق” ضد روسيا. بالنسبة لواشنطن، تمثل هذه السيناريوهات تشابكات استراتيجية خطيرة قد تجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة – وربما نووية – مع روسيا، وهو خطر لا ترغب الإدارة الحالية في تحمّله بأي شكل.

وقد عبّر مستشار الأمن القومي مايك والتز عن هذا الموقف بعبارات لاذعة وصريحة بعد اجتماع المكتب البيضاوي، حين شبّه أوكرانيا بـ”حبيبة سابقة مزعجة” ترفض التخلي عن الماضي، في إشارة إلى إلحاح كييف المتكرر على نيل دعم أمريكي صريح. هذا التصريح، رغم فجاجته، يُعبّر عن موقف سياسي واضح: إدارة ترامب ترى أن دورها في دعم أوكرانيا قد وصل إلى حدوده، وأنها لا ترى نفسها مُلزمة بالمزيد – لا سياسياً ولا عسكرياً.

بالتالي، فإن الإصرار على مطالبة واشنطن بضمانات أمنية بات يُهدّد بأن يُصبح عبئاً دبلوماسياً أكثر منه وسيلة ضغط فعالة. ما تحتاجه كييف الآن هو بناء مقاربة جديدة مع شركائها الأوروبيين ترتكز على تقوية الردع الذاتي، عبر تعزيز جيشها الوطني، وتفعيل آليات الدعم الدفاعي والتقني الغربي، وتوسيع شراكاتها الأمنية داخل أوروبا. عندها فقط يمكن الحديث عن أمن أوكراني مستدام لا يعتمد على التمنيات، بل على وقائع استراتيجية يُمكن الدفاع عنها وتحقيقها على أرض الواقع.

لا توجد فعليًا أي وسيلة للالتفاف على موقف البيت الأبيض في قضية الضمانات الأمنية لأوكرانيا، إذ أن الرفض الأمريكي لا ينبع فقط من موقف شخصي للرئيس دونالد ترامب – الذي حسم أمره بشكل واضح – بل يُعبّر عن توجه مستقر وعابر للإدارات والحزبيْن في واشنطن. فحتى خلال عهد الرئيس جو بايدن، الذي عُرف بدعمه السياسي والمالي الكبير لأوكرانيا، لم تُبدِ الولايات المتحدة أي رغبة حقيقية في تقديم ضمان أمني صريح لكييف. لقد عمد فريق بايدن إلى عرقلة أي تقدم نحو هذا المسار خلف الكواليس، خصوصًا في اجتماعات حلف شمال الأطلسي، حيث قاوموا إدراج أوكرانيا في أي ترتيبات أمنية مُلزمة.

الاقتراح الذي طُرح خلال الأشهر الأخيرة من ولاية بايدن، بمنح أوكرانيا “دعوة رمزية” للانضمام إلى الناتو في تاريخ مستقبلي غير محدد، لم يكن سوى محاولة سياسية لتخفيف الضغوط على الرئيس زيلينسكي داخليًا، دون أن يُرافقه أي التزام حقيقي من الحلف. كانت الغاية، كما فُهم من السياق، هي تمكين كييف من الإيحاء بأنها على طريق الانضمام إلى التحالف، مع تمكين الناتو من التملّص من أي التزامات فورية، وهي صيغة تُظهر مدى تعقيد الموقف الغربي وتناقضاته.

والحقيقة أن الحذر الأمريكي من تقديم مثل هذه الضمانات ليس بلا مبرر. فقد أشارت مؤسسات بحثية مرموقة مثل مجموعة الأزمات الدولية إلى المخاطر الكامنة في تقديم التزامات أمنية صريحة لأوكرانيا، خصوصًا إذا اختارت روسيا تحدي هذه الضمانات عسكريًا. في تلك الحالة، ستكون واشنطن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا – وهو سيناريو يحمل احتمالات تصعيد نووي كارثية – أو التراجع عن تعهداتها، مما سيُقوّض مصداقية الولايات المتحدة وحلف الناتو على حد سواء.

باختصار، فإن أي ضمان أمني حقيقي لا يمكن منحه إلا إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لتحمل عواقبه الكاملة، بما في ذلك احتمال الانزلاق إلى حرب شاملة مع روسيا. وفي ظل غياب هذا الاستعداد السياسي والعسكري، فإن الإصرار على هذا النوع من الضمانات يصبح ضربًا من الوهم الاستراتيجي، ويُعيق البحث عن حلول أكثر واقعية تضمن لأوكرانيا قدراً من الحماية والردع من دون المبالغة في التوقعات من الحلفاء الغربيين.

إن استراتيجية الرئيس ترامب، التي تقوم على تقديم تنازلات استباقية لروسيا قبل حتى بدء المفاوضات، تُثير الكثير من الحيرة والقلق في الأوساط الدبلوماسية. فبدلاً من استخدام أوراق القوة الأمريكية كورقة تفاوضية – كما اقترح العديد من المحللين، ومنهم مجموعة الأزمات الدولية – اختارت إدارة ترامب التخلّي المسبق عن بعض هذه الأوراق، مثل تعليق العمليات السيبرانية الهجومية لوزارة الدفاع، دون الحصول على أي مقابل من موسكو. هذا النهج لا يضعف فقط الموقف التفاوضي الغربي، بل يبعث أيضاً برسائل مقلقة لروسيا مفادها أن بإمكانها حصد التنازلات بمجرد التصعيد، لا بالحوار.
من جهة أخرى، فإن تعمّد إدارة ترامب التقليل من شأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وإذلاله علناً أمام جمهور دولي، وتصوير كييف على أنها المسؤولة عن حرب بدأها الكرملين، لا يخدم إطلاقاً هدف تعزيز السلام أو الأمن في أوروبا. ورغم أن مثل هذا الخطاب قد يلقى صدىً إيجابيًا لدى القاعدة الشعبوية المناصرة لترامب وفانس، فإنه يُقوّض من صورة الولايات المتحدة كحليف موثوق، ويُضعف قدرة واشنطن على لعب أي دور بنّاء في المفاوضات المستقبلية.
ومع ذلك، من الخطأ الاعتقاد بأن الإصرار على ضمانات أمنية أمريكية في ظل هذه الظروف قد يُصلح الوضع أو يُعيد ضبط العلاقة. على العكس، فإن المضي في هذا المسار، رغم فشله شبه المؤكد، لن يؤدي إلا إلى تغذية سرديات سياسية خطيرة داخل الولايات المتحدة – تحديداً تلك التي تتبنّاها التيارات اليمينية المتشددة – والتي تزعم أن حلفاء واشنطن، مثل أوكرانيا ودول أوروبا الشرقية، يسعون إلى جرّ الولايات المتحدة إلى حرب عالمية ثالثة، على حساب مصالحها الوطنية.
من هنا، يصبح واضحاً أن مواصلة الضغط من أجل ضمانات أمريكية مباشرة، سواء عبر عضوية الناتو أو التزامات عسكرية صريحة، لن تؤدي إلا إلى نتائج عكسية، بل وربما تسهم في تعميق التصدعات داخل المعسكر الغربي نفسه. المطلوب اليوم ليس الإصرار على مسارات مسدودة، بل صياغة نهج واقعي يرتكز على تعميق الدعم الأوروبي لأوكرانيا، وتعزيز قدرتها على الدفاع الذاتي، مع ترك هامش دبلوماسي قابل للحياة لإعادة إشراك الولايات المتحدة – إن أمكن – ضمن إطار أكثر اتزاناً وواقعية في المستقبل.

الأجندة الإيجابية:
بالنظر إلى ما هو أبعد من مسألة الضمانات الأمنية – التي ثبت تعذّر الحصول عليها من الولايات المتحدة – تظهر مجموعة من النقاط الجوهرية التي قد يكون التوافق حولها ممكنًا بين الولايات المتحدة وأوروبا وأوكرانيا، ويمكن أن تُمهّد الطريق نحو سلام أكثر واقعية واستدامة. غير أن تحقيق هذا التوافق يتطلب العمل الاستباقي لتحديد تفاصيل هذه النقاط وتنسيق المواقف بشأنها قبل أي محادثات مباشرة مع روسيا، أو قبل انخراط واشنطن في مفاوضات أوسع نطاقاً.

أولاً هذه النقاط تتعلق بالمبدأ الأساسي لأمن أوكرانيا: قدرتها العسكرية الذاتية. فعلى المدى الطويل، لن يتمكّن أي اتفاق سلام من الصمود إذا لم تكن لدى كييف القدرة الكافية لردع العدوان الروسي وفرض تكاليف باهظة على أي محاولة للتقدّم العسكري، كما فعلت منذ بداية الغزو الروسي في 2022. هذا لا يعني أن أوكرانيا بحاجة إلى أن تكون عضواً في الناتو أو أن تحظى بضمان أمني أمريكي مباشر، بل أن تكون ببساطة في موقع يُمكّنها من الدفاع عن أراضيها بفعالية، بغض النظر عن مستوى الالتزام الخارجي.

في هذا السياق، ورغم أن إدارة ترامب لا تبدو مستعدة للعب دور داعم رئيسي في تسليح أوكرانيا مستقبلاً، فإن الحد الأدنى المطلوب – والذي يمكن السعي للتوافق عليه – هو التزام بعدم عرقلة قدرة أوكرانيا على التسلّح والدفاع عن نفسها. قد لا يكون البيت الأبيض راغبًا أو قادرًا على ضمان أمن أوكرانيا، لكنه في المقابل لا يجب أن يضع العراقيل أمام حصولها على الوسائل اللازمة لذلك.

من الناحية العملية، ينبغي الضغط من أجل ترتيبات تسمح لأوكرانيا بالحفاظ على جيش قوي ومتقدم تقنياً، حتى في حال تقليص المساعدات الأمريكية المباشرة. إذا كانت إدارة ترامب مستعدة للاستمرار في تقديم بعض الأسلحة، فسيكون ذلك مفيدًا. أما إذا لم يكن ذلك واردًا، فيجب على الأقل أن توافق واشنطن على السماح بتوريد الأسلحة إلى الدول الأوروبية الحليفة، لتقوم هي بدورها بتسليمها إلى أوكرانيا. وهنا، ينبغي أن يكون واضحًا لجميع الأطراف أن أوروبا ستكون مطالبة بتعزيز صناعتها الدفاعية بشكل سريع وفعّال، لتغطية أي فجوة قد تنتج عن انكفاء الدعم الأمريكي.

بمعنى آخر، يجب أن تقوم الركيزة الدفاعية لأوكرانيا في المرحلة المقبلة على بناء قدرة عسكرية محلية رادعة، مدعومة من أوروبا بشكل مباشر، مع إزاحة الولايات المتحدة تدريجياً من دور المزوّد الأساسي، إذا اقتضت الضرورة. هذه المقاربة، الواقعية من الناحية السياسية والممكنة من الناحية اللوجستية، قد تُوفّر الحد الأدنى من الاستقرار المطلوب لبدء أي عملية سياسية ذات معنى مع روسيا، دون تعريض أوكرانيا للابتزاز أو التعرية الدفاعية.

ثالثاً من المؤكد أن روسيا، في أي مفاوضات مستقبلية، ستسعى لفرض قيود صارمة على القدرات العسكرية لأوكرانيا، كما فعلت خلال المحادثات التي جرت قبل ثلاث سنوات، حين كانت هذه المسألة من أبرز نقاط الخلاف. لكن الواضح اليوم – أكثر من أي وقت مضى – أن أي اتفاق يترك أوكرانيا منزوعة الدفاع أو محدودة القدرة على حماية نفسها، لن يكون قابلاً للصمود. فمثل هذا الاتفاق لا يشكّل أساسًا للسلام، بل وصفة لتكرار العدوان. في هذا السياق، يُمثّل بيان المجلس الأوروبي الصادر في 6 مارس/آذار موقفاً متقدماً، إذ يؤكّد صراحة أن أمن أوكرانيا يجب أن يرتكز على قدرتها الذاتية، مدعومة من أوروبا، لا على وعود فارغة أو ضمانات غير واقعية.

ثانياً التي بدأت تُطرح بجدية هي فكرة نشر قوة أوروبية على الأراضي الأوكرانية، وهي فكرة يتداولها القادة الأوروبيون منذ أشهر، بأشكال مختلفة. تختلف أهداف هذه القوة حسب المقترح: فقد تكون قوة حفظ سلام بموافقة الأطراف؛ أو تمثل نوعاً من “الفخ الاستراتيجي” الذي يؤدي تلقائياً إلى تدخل الناتو إذا ما تعرّضت لهجوم؛ أو قد تكون ببساطة أداة لرفع تكاليف أي غزو روسي محتمل، بحيث يصبح الثمن السياسي والعسكري أعلى بكثير من الفائدة المتوقعة.
ورغم تنوع هذه المقترحات، فإن معظمها يشترك في نقطة ضعف رئيسية: اعتمادها الضمني على “الدعم” الأمريكي. فحين يتحدث الأوروبيون عن الحاجة إلى دعم من واشنطن، فإنهم غالباً ما يعنون شيئاً محدداً: تدخلاً عسكرياً مباشراً إذا تعرضت القوات الأوروبية للخطر، أو على الأقل توفير خدمات النقل الجوي، والدعم اللوجستي، والمعلومات الاستخباراتية، وهي قدرات تملكها الولايات المتحدة ولا تزال أوروبا تفتقر إلى نظير مكافئ لها حتى الآن.
في الواقع، من الصعب – وربما من غير الواقعي – تخيّل أي قوة أوروبية كبيرة في أوكرانيا خلال المدى القريب لا تعتمد، ولو جزئياً، على البنية التحتية والدعم الأمريكي. وهذا الاعتماد، حتى لو تم تقليصه، يُعقّد قدرة أوروبا على التحرك المستقل، ويضع أي مبادرة عسكرية في مرمى الحسابات السياسية الأمريكية المتغيرة.
إذا أرادت أوروبا تقديم بديل حقيقي وجدّي، فعليها أن تتعامل بجدية مع الفجوات الصلبة في قدرتها العسكرية – من الاستخبارات إلى اللوجستيات، مروراً بالنقل الاستراتيجي – لا أن تفترض ببساطة أن الولايات المتحدة ستتدخل كلما تعرّضت المصالح الأوروبية للخطر. ومن دون هذا التحوّل، ستبقى فكرة القوة الأوروبية في أوكرانيا عرضة للتقويض، سواء من الداخل الأوروبي أو من التردد الأمريكي.

لا يزال الغموض يحيط بقدرة أوروبا على صياغة رؤية استراتيجية مستقلة بشأن أوكرانيا، بمعزل عن الاعتماد التقليدي على واشنطن. في الوقت الراهن، لا توجد مؤشرات حاسمة على أن العواصم الأوروبية – سواء في باريس أو برلين أو حتى لندن – مستعدة لخوض مواجهة مباشرة مع روسيا دفاعاً عن أوكرانيا، في حال نُشرت قوات أوروبية هناك وتعرّضت لهجوم. هذا التردّد ليس فقط مسألة عسكرية، بل أيضاً سياسية وشعبية، إذ لا يبدو أن الرأي العام الأوروبي مهيأ لدعم تدخل عسكري كبير خارج حدود الاتحاد.

أما إذا كانت الرؤية الأوروبية لانتشار قوة عسكرية في أوكرانيا تقوم على أن هذا الانتشار سيتم بعد اتفاق سلام أو وقف إطلاق نار، فإن مثل هذا السيناريو لن يكون قابلاً للتطبيق دون موافقة روسية – وهي موافقة مستبعدة جداً. فقد رفض كبار المسؤولين الروس مراراً وتكراراً فكرة وجود أي قوات تابعة لدول الناتو على الأراضي الأوكرانية، حتى وإن كانت بصيغة حفظ سلام. ورغم أن الرئيس ترامب يبدو واثقاً من إمكانية انتزاع نوع من الانفتاح الروسي على هذه الفكرة، فإن الوقائع السياسية والميدانية لا تدعم هذا التفاؤل.

في هذا السياق المعقّد، تظل “صفقة المعادن” التي سعى زيلينسكي لتوقيعها في واشنطن واحدة من المسارات القليلة المتاحة لتعزيز نوع مختلف من الارتباط الأمريكي بأوكرانيا. صحيح أن هذه الصفقة تُستغل في لحظة ضعف سياسي وعسكري تمر بها كييف، لكن من الناحية الواقعية، فهي تمثّل فرصة لتعميق العلاقات الثنائية بطريقة قد لا تكون عسكرية، لكنها تحمل بُعداً استراتيجياً ملموساً. وفقاً لما جاء في تصريحات ترامب، فإن دخول شركات أمريكية في مشاريع لاستخراج المعادن النادرة داخل أوكرانيا يمكن أن يخلق حافزاً أمريكياً جديداً – من خلال المصالح الاقتصادية المباشرة – للدفاع عن استقرار البلاد.

مع ذلك، يجدر الإقرار بأن الأثر العملي لمثل هذه الصفقة لا يزال غير مضمون. فالثروة المعدنية الأوكرانية، رغم إمكاناتها الهائلة، تتطلب سنوات من التنقيب والتطوير حتى تصبح قابلة للاستغلال التجاري على نطاق واسع. كما أن مستوى الأمن الذي قد توفّره هذه الاستثمارات – مقارنة بالوجود العسكري أو الضمانات السياسية – يبقى محدودًا نسبيًا. لكنها، مع ذلك، تشكّل وسيلة عملية لتعزيز شعور واشنطن بالاستثمار في أوكرانيا، وتوسيع قائمة المصالح الأمريكية هناك، وهو أمر قد يُضيف طبقة من الردع السياسي والاقتصادي في وجه أي مغامرة روسية مستقبلية.
في النهاية، لا تُمثل صفقة المعادن حلاً سحريًا، لكنها أداة ممكنة ضمن مجموعة أدوات أوسع. وإذا أُحسن استغلالها، فقد تسهم في إبقاء واشنطن منخرطة – ولو جزئياً – في معادلة أمن أوكرانيا، حتى في ظل إدارة أمريكية ترفض بشكل واضح تقديم أي التزام عسكري مباشر.

رابعاً، رغم الصعوبة الكبيرة في التفكير بمنح مكافأة لروسيا على عدوانها، يدرك معظم صناع القرار في كييف والعواصم الداعمة لأوكرانيا أن التنازلات الإقليمية قد تكون جزءاً لا مفر منه من أي صفقة سلام محتملة. وهذا لا يقتصر فقط على تجميد خطوط القتال الحالية، بل قد يشمل أيضاً انسحاباً روسياً جزئياً من بعض المناطق، مقابل انسحاب القوات الأوكرانية من أجزاء من منطقة كورسك الروسية التي تحتلها كييف حالياً. لكن الأمر لا يتوقف عند تحديد الخطوط الجغرافية فقط، بل يشمل أيضاً توصيف طبيعة الحكم الروسي في هذه المناطق. فبينما يتوقع الجميع – في موسكو وكييف والعواصم الغربية – أن السيطرة الروسية ستكون في إطار سلطة القوة المحتلة بموجب القانون الإنساني الدولي، وليس اعترافاً بسيادة دولة كاملة، إلا أن تصريحات الرئيس ترامب التي ألمحت إلى استعداد إدارته لمنح اعتراف قانوني كامل بضم أراضٍ خارج أوكرانيا (مثل أجزاء من كندا وغرينلاند وبنما) تثير قلقاً كبيراً. فمثل هذا الموقف قد يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الدول القوية يمكنها ضم أراضي جيرانها الأضعف بالقوة دون عواقب حقيقية، وهو ما قد يمهد الطريق لصراعات مفتوحة ومستقبل مشحون بعدم الاستقرار، بعكس ما يدّعي ترامب السعي إليه من سلام عالمي.

خامساً وأخيراً، يمكن لكييف أن تستعيد زمام المبادرة الدبلوماسية بإبراز التزامها الحقيقي برغبتها في السلام. ويبدأ ذلك بتوضيح استعدادها ليس فقط لوقف إطلاق نار جزئي كما اقترحه الرئيس زيلينسكي في 5 مارس/آذار، بل وحتى لوقف إطلاق نار كامل إذا ما وافقت روسيا عليه. كما يجب على زيلينسكي أن يؤكد بوضوح وقوة استعداده للقاء نظيره الروسي والانخراط في محادثات سلام دون شروط مسبقة، مما يضع الكرة في ملعب موسكو ويدفعها إلى اتخاذ قرار بشأن وقف الأعمال العدائية وبدء المفاوضات. هذا الموقف قد يمنح واشنطن فرصة لتلعب دور الوسيط وتسهيل عودة المفاوضات إلى مسارها الصحيح. وحتى الآن، رغم رفض موسكو القاطع لوقف إطلاق النار، إلا أن لهجتها تجاه الحوار مع كييف قد شهدت مؤخراً بعض التلطيف، ما قد يشير إلى وجود هامش ضئيل لإمكانية التفاوض في المستقبل القريب.

الخلاصة:
أكدت أحداث الأسابيع الأخيرة أن الطريق نحو تحقيق السلام في أوكرانيا لا يزال مليئاً بالتحديات والصعوبات المعقدة. ويُبرز غضب البيت الأبيض من زيلينسكي، الذي يُعزى إلى ما يُعتبر فشلاً في التوافق مع توجهات الإدارة، حقيقةً مهمة مفادها أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة مباشرة وفاعلة من كييف وداعميها الأوروبيين. وبينما تمتلك واشنطن القدرة على تغيير حوافز جميع الأطراف عبر تقديم الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا أو حرمانها منه، وكذلك من خلال إعادة تقييم التزاماتها الأمنية تجاه أوروبا على نطاق أوسع، فإن القرار النهائي يظل في يد كل طرف من الأطراف المعنية.

وبينما لا تستطيع موسكو أو واشنطن فرض اتفاق على أوكرانيا وحلفائها، فإن كييف وشركاءها لا يملكون القدرة على إرغام واشنطن على تعديل مواقفها الرافضة لمنح ضمانات أمنية أمريكية مباشرة. إذ تظل هذه الضمانات خارج نطاق الطرح الجدي في السياسات الأمريكية الحالية. ومع ذلك، فإن التنسيق الوثيق بين كييف وواشنطن والعواصم الأوروبية حول قضايا رئيسية أخرى، قبل انطلاق محادثات مباشرة محتملة بين الولايات المتحدة وروسيا، قد يساهم في خلق أرضية مشتركة تعزز فرص نجاح المفاوضات المقبلة. ومن شأن ذلك أن يمهد الطريق نحو السلام المستدام ويجعل تحقيقه أكثر واقعية ومتاحة في المستقبل القريب.

مجموعة الأزمات الدولية

مركز أسبار

رابط البحث

https://www.crisisgroup.org/europe-central-asia/eastern-europe/ukraine-united-states-europe-central-asia/ukraines-most-plausible-security-guarantee