ذات صلة

مدّ يدَ العون لسوريا ما بعد الأسد

حقق القادة السوريون المؤقتون خطوات مهمة في مرحلة ما بعد نظام الأسد، مشيرين إلى بداية تحول سياسي في بلد أنهكته سنوات من الديكتاتورية والصراع الدموي. ومع ذلك، لا تزال البلاد تواجه تحديات جسيمة على مختلف الأصعدة، من الانقسام السياسي وغياب الاستقرار الأمني، إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية. في هذا السياق، تستعرض مجموعة الأزمات الدولية في مَقتطف من تقريرها “قائمة المراقبة 2025 – تحديث الربيع”، كيف يمكن للاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء أن يلعبوا دوراً محورياً في دعم مسار التعافي وإعادة البناء، من خلال تقديم الدعم السياسي والاقتصادي، والمساهمة في تعزيز الحكم الرشيد، والمصالحة الوطنية، وتهيئة الظروف لسلام مستدام في سوريا.

منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بدأ قادة سوريا الجدد في رسم ملامح مرحلة انتقالية دقيقة، محققين إنجازات ملموسة رغم ما يوجهونها من تحديات معقدة. ففي مارس/آذار، سجلت العملية السياسية تقدماً ملحوظاً من خلال تشكيل حكومة انتقالية أكثر شمولاً وتمثيلاً، إلى جانب إصدار إعلان دستوري مؤقت يُعد خطوة أولى نحو صياغة دستور دائم يعكس تطلعات السوريين.

وفي تطور محوري آخر، تم التوصل إلى اتفاق مهم مع القادة الأكراد في شمال شرق البلاد لدمج قوات سوريا الديمقراطية (SDF) ضمن الجيش الوطني الجديد، ما ساهم في تعزيز وحدة المؤسسة العسكرية وتوسيع نطاق سيطرة الدولة على مناطق ظلت خارج سلطة دمشق منذ عام 2015.

على الرغم من الزخم الدولي الذي كسبته الحكومة السورية الجديدة عبر حملة دبلوماسية فعّالة، لا تزال التحديات الداخلية تُلقي بظلالها الثقيلة على مسار المرحلة الانتقالية. فبينما فتح اللقاء التاريخي بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 14 مايو/أيار آفاقاً جديدة، بعد تعهّد ترامب برفع العقوبات الأمريكية، وتلاه التزام مماثل من الاتحاد الأوروبي، فإن مسألة الثقة لا تزال تؤرق العديد من الشركاء الدوليين.

يُبدي هؤلاء الحذر من نوايا القيادة الجديدة، ويتساءلون عمّا إذا كانت مستعدة فعلاً للانتقال إلى نظام سياسي أكثر شمولاً وتمثيلاً، أم أنها تسير نحو إعادة إنتاج نموذج سلطوي بوجه جديد. فالرئيس الشرع ومجموعة صغيرة من المقرّبين لا يزالون يحتفظون بقبضة قوية على مفاصل الحكم، مما يثير شكوكاً حول مدى التزامهم بتقاسم السلطة وبناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية.

في الداخل، بدأت التصدعات تظهر بوضوح. فقد اندلعت في مارس/آذار أعمال عنف طائفي في المناطق الوسطى والساحلية، كاشفةً هشاشة النسيج الاجتماعي، ومذكّرةً بأن الجروح التي خلّفتها سنوات الحرب لم تندمل بعد. كما كشفت هذه الأحداث عن خلل واضح في أداء الأجهزة الأمنية، التي ما زالت خارج السيطرة الكاملة للحكومة المركزية، مما يقوّض قدرتها على فرض الاستقرار وبسط سلطة الدولة في جميع أنحاء البلاد.

كل ذلك يشير إلى أن أمام الحكومة الجديدة طريقاً طويلاً، ليس فقط لاستعادة ثقة السوريين، بل أيضاً لكسب ثقة المجتمع الدولي في قدرتها على قيادة سوريا نحو مستقبل مستقر وشامل.

في إطار سعيها لحماية حدودها الشمالية، صعّدت إسرائيل من عملياتها العسكرية في سوريا، مدمّرةً جزءاً كبيراً من القدرات الدفاعية للنظام السابق، وفرضت منطقة عازلة في الجنوب، وواصلت استهداف مواقع عسكرية وأمنية سورية على نطاق واسع. وفي ظل هذا التصعيد، تبقى العقوبات الدولية، رغم الوعود برفعها، عائقاً رئيسياً أمام تحوّل سوريا نحو الاستقرار بعد رحيل الأسد.

للمساهمة بفعالية في دعم المرحلة الانتقالية وتعزيز فرص تحقيق السلام والاستقرار في سوريا، ينبغي على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء أن يتبنّوا نهجاً شاملاً يقوم على الإجراءات التالية:

  1. دعم العملية السياسية والتحوّل الديمقراطي:
  • حثّ الحكومة السورية الجديدة على ضمان تمثيل أوسع في تركيبتها، بما يشمل تعزيز مشاركة النساء في مواقع صنع القرار.
  • تشجيع التعاون البنّاء مع الأمم المتحدة في إعداد مسودة دستور جديد يعكس تطلعات جميع فئات الشعب السوري.
  1. إصلاح قطاع الأمن وبناء الثقة في مؤسسات الدولة:
  • تعزيز الثقة في قوات الأمن من خلال الضغط على السلطات الجديدة لقبول عناصر الشرطة السابقين الذين لم يتورطوا في انتهاكات، لضمان استمرارية مؤسسية فعالة.
  • المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الفظائع التي ارتكبتها القوات الموالية للدولة خلال أحداث مارس/آذار، في إطار جهود المصالحة والعدالة الانتقالية.
  • تقديم الدعم الفني لبناء القدرات الإدارية وتعزيز فعالية الوزارات والمؤسسات الحكومية.
  1. إدارة ملف الشمال الشرقي والنزاع الكردي–التركي:
  • دعم عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الأجهزة الأمنية الرسمية بما يضمن حفظ التوازن والتمثيل.
  • المساهمة في تهدئة الصراع المستمر بين قوات سوريا الديمقراطية والفصائل المدعومة من تركيا المنضوية تحت راية الجيش الوطني السوري.
  • تسريع إعادة مواطني الاتحاد الأوروبي المحتجزين في معسكرات تابعة لقوات سوريا الديمقراطية، والمتهمين بالانتماء لتنظيم داعش، بالتعاون مع الجهات المختصة في مجال الأمن والقضاء.
  1. دبلوماسية إقليمية نشطة لمنع التصعيد:
  • الانخراط في جهود دبلوماسية متعدّدة الأطراف لردع إسرائيل عن اتخاذ خطوات إضافية قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الجنوب السوري.
  • العمل على تخفيف حدة التوتر بين إسرائيل وتركيا في الساحة السورية، تفادياً لأي مواجهة إقليمية أوسع.
  1. رفع العقوبات وتفعيل الاستثمارات:
  • الإسراع في تنفيذ القرار الأوروبي برفع ما تبقّى من العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا.
  • توفير المعلومات والمحفزات للشركات الأوروبية للمشاركة في جهود إعادة الإعمار، وخلق فرص اقتصادية تساهم في إنعاش الاقتصاد السوري ودعم الاستقرار الاجتماعي.

إن التزام الاتحاد الأوروبي بدعم سوريا في هذه المرحلة المفصلية لا يقتصر على البُعد السياسي فحسب، بل يشمل أيضاً مسؤولية المساهمة في إرساء سلام مستدام، ومساعدة السوريين على بناء دولة أكثر شمولاً وعدلاً بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام.

الديناميكيات السياسية والأمنية

خلال الأشهر الستة التي أعقبت سقوط نظام الأسد، كثّفت السلطات الجديدة في دمشق جهودها لترسيخ سيطرتها، وفرض النظام، وبدء مسار سياسي يُفترض أن يقود البلاد نحو مستقبل أكثر استقراراً، غير أن نتائج هذه المحاولات جاءت متفاوتة. ففي 29 يناير/كانون الثاني، أُعلن أحمد الشرع رئيساً مؤقتاً خلال ما سُمي بـ”مؤتمر النصر” — وهو اجتماع ضيّق حضرته بشكل حصري الفصائل المسلحة التي تعاونت مع هيئة تحرير الشام في إسقاط النظام.

في خطوة وُصفت بأنها محاولة لطيّ صفحة الماضي، أعلنت تلك الفصائل، بما فيها هيئة تحرير الشام، عن حل نفسها طوعاً، إلى جانب تفكيك كافة الأجهزة الأمنية التي كانت تابعة للنظام السابق. وقد فُسّرت هذه الخطوة كمقدمة لإعادة بناء جهاز أمني جديد على أسس مغايرة، يُفترض أن يكون أكثر مهنية وخاضعاً للسلطة المدنية.

وفي فبراير/شباط، عقدت الحكومة المؤقتة “مؤتمر الحوار الوطني”، الذي كان يُؤمَل منه أن يشكل منصة شاملة لإطلاق عملية سياسية جامعة لكل المكوّنات السورية. إلا أن المؤتمر أخفق في تلبية التطلعات، سواء من حيث تمثيل الأطراف المختلفة أو من حيث المخرجات السياسية، ما أظهر محدودية قدرة الحكومة المؤقتة على توسيع قاعدة الشرعية والتوافق الوطني في هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة.

في تطور سياسي بارز، وقّع الرئيس المؤقت أحمد الشرع في 13 مارس/آذار إعلاناً دستورياً يُرسي الإطار القانوني لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات، ما منح سلطته طابعاً رسمياً وعزّز قبضته على مؤسسات الحكم. وقد أبدت السلطات الجديدة انفتاحاً نسبياً خلال صياغة هذا الإعلان، حيث أخذت في الاعتبار عدداً من المقترحات التي قدمتها الأمم المتحدة، لا سيما تلك المتعلقة بضمان حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ما اعتُبر إشارة إيجابية على الاستعداد للتعاون الدولي، ولو ضمن حدود محسوبة.

على الصعيد الدبلوماسي، كثّف الشرع ووزير خارجيته، أسعد الشيباني، جهودهما في بناء علاقات خارجية فعالة، لا سيما مع الدول العربية وأوروبا. وقد تُوجت هذه التحركات باجتماع تاريخي عُقد في الرياض يوم 14 أيار/مايو بين الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو لقاء ساهم بشكل كبير في تعزيز شرعية الحكومة المؤقتة على الساحة الدولية.

داخلياً، بدا أن الحكومة الجديدة، التي أُعلنت في 29 آذار/مارس، تمثّل محاولة لإعطاء الانطباع ببدء صفحة جديدة من الشمولية السياسية. فقد ضمّت وزراء من مختلف المكونات السورية، بمن فيهم ممثلون عن الطوائف العلوية والمسيحية والإسماعيلية والكردية والدرزية، إلى جانب شخصيات من المجتمع المدني، وتكنوقراط، وعدد محدود من المسؤولين الذين خدموا في حكومات الأسد ما قبل الحرب.

إلا أن هذه التركيبة “الموسّعة” لم تُخفِ حقيقة استمرار تركّز السلطة في يد الدائرة الضيقة المحيطة بالشرع. فقد أُسندت الوزارات السيادية الأكثر تأثيراً – مثل الداخلية، والدفاع، والخارجية، والعدل، والطاقة – إلى شخصيات مقرّبة منه، معظمها من قيادات سابقة في هيئة تحرير الشام.

كما أن تمثيل المرأة ظل محدوداً رغم تعهدات الشرع العلنية بتعزيز مشاركتها؛ إذ لم تضم الحكومة سوى امرأة واحدة، هي هند قبوات، التي تولّت حقيبة الشؤون الاجتماعية والعمل. وقد أُثيرت انتقادات داخلية وخارجية على ضوء هذا التمثيل المحدود، مما وضع علامات استفهام حول جدية القيادة الجديدة في التزامها بالمساواة والتعددية السياسية.

بحلول الوقت الذي استعادت فيه الحكومة المؤقتة السيطرة على الساحل السوري، كانت الكارثة الإنسانية قد بلغت ذروتها: ما يقرب من 900 مدني من الطائفة العلوية قُتلوا، بينهم أكثر من مئة امرأة وطفل، فيما فرّ أكثر من 30 ألفاً إلى لبنان هرباً من العنف. وعلى الرغم من أن معظم سكان الساحل يحملون النظام السابق مسؤولية الكارثة، فإن العديد منهم لا يخفون غضبهم من تقاعس الحكومة الجديدة عن حمايتهم، في لحظة حرجة كان يُفترض أن ترمز إلى بداية عهد جديد أكثر شمولاً وعدلاً.

رداً على موجة الغضب الشعبي، أعلن الرئيس المؤقت أحمد الشرع عن التزامه بمحاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم. وشكّل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق، كُلّفت بتوثيق الانتهاكات والتوصية بإجراءات قانونية للمساءلة. من المنتظر أن تُقدَّم نتائج التحقيق بحلول يوليو/تموز، وهو اختبار حاسم لمدى جدية الحكومة في إرساء قواعد العدالة والمصالحة.

لكن المساءلة وحدها لن تكون كافية لمعالجة التحديات الأعمق التي كشفتها أحداث مارس/آذار. فقد أظهرت الفظائع التي ارتكبتها القوات الموالية للدولة مدى هشاشة سيطرة دمشق على الجماعات المسلحة التي ساعدتها في إسقاط النظام، خاصة بعد تفكيك الأجهزة الأمنية القديمة. هذا الفراغ الأمني خلق معضلة جديدة: آلاف المقاتلين السابقين، المزودين بخبرة قتالية وسهولة الوصول إلى السلاح، تُركوا من دون أدوار واضحة أو فرص اقتصادية، ما جعلهم فريسة سهلة للاستقطاب، سواء من فلول النظام السابق أو من جهات تسعى لتقويض الاستقرار.

وزادت المشكلة تعقيداً مع قرار دمج بعض هذه العناصر في قوات أمن الدولة، من دون وجود منظومة انضباط فعالة أو إشراف مؤسسي صارم. وفي ظل استمرار العقوبات الاقتصادية، تعاني الدولة من صعوبة في تغطية رواتب الموظفين، بما في ذلك العاملين في القطاع الأمني، ما يدفع كثيرين من هؤلاء المسلحين للبحث عن مصادر دخل بديلة – غالباً عبر أنشطة خارجة عن القانون أو عبر الولاءات القديمة.

يُظهر هذا الوضع هشاشة المرحلة الانتقالية في سوريا، ويؤكد أن بناء مؤسسات أمنية فاعلة لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح اقتصادي موازٍ، وإطار سياسي شامل، ودعم دولي حقيقي يُخفف من وطأة الضغوط المالية، ويُعزز قدرة الدولة على استعادة احتكارها المشروع للعنف وتنظيمه.

إن انعدام القيادة المركزية والسيطرة الحازمة على الجماعات المسلحة الموالية للحكومة لا يزال يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار الهش في سوريا ما بعد الأسد. ففي أواخر نيسان/أبريل، شهدت البلاد تصاعداً مفاجئاً في العنف إثر انتشار رسالة صوتية منسوبة إلى شخصية درزية بارزة، تتضمن إساءة للنبي محمد. هذا الحدث أشعل فتيل موجة من الهجمات التي شنّتها عناصر مسلحة تابعة للحكومة على ضواحي دمشق ذات الغالبية الدرزية، قبل أن تمتد الاشتباكات إلى محافظة السويداء في الجنوب، مخلفة أكثر من 100 قتيل خلال ثلاثة أيام فقط.

ورغم أن الاضطرابات هدأت لاحقاً، فإن ما جرى سلّط الضوء على هشاشة الأوضاع الأمنية، وإمكانية انفجار التوترات الطائفية والمحلية في أي لحظة، نتيجة لاستفزازات أو أحداث فردية، في ظل غياب مؤسسات أمنية موحّدة وخاضعة للمساءلة.

هذا الواقع يفاقم معاناة شرائح عدة من السكان، لا سيما النساء، اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة مخاطر متزايدة في بيئة يسيطر عليها منطق السلاح وضعف القانون. غالباً ما تُقيَّد حرية تنقلهن، ويواجهن الاعتقال التعسفي أو التحرش من قِبل الجماعات المسلحة أو أفراد الأمن غير المنضبطين. وفي ظل غياب آليات رسمية فعّالة للاستجابة، تلجأ بعض العائلات إلى وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة أخيرة للمطالبة بالكشف عن مصير بناتهن المفقودات. غير أن هذه المناشدات قد تنقلب ضدهن، إذ تؤدي أحياناً إلى مزيد من المضايقات والانتهاكات بحق الضحايا وأسرهن.

وفي ظل هذا الفراغ الأمني والتشريعي، بدأ بعض المسؤولين المحليين في اتخاذ خطوات أحادية الجانب تفرض قيوداً صارمة على النساء، بما في ذلك منع تواجدهن في أماكن عامة معينة، أو فرض الفصل بين الجنسين في وسائل النقل والمرافق العامة كالمستشفيات والمحاكم. ومع أن هذه الإجراءات قوبلت بالرفض من قِبل فئات من المجتمع المدني، وأُلغيت بعد احتجاجات شعبية، إلا أنها تكشف ميلاً مقلقاً نحو تقييد الحريات الفردية، خاصة في غياب إطار قانوني واضح يحمي حقوق النساء.

في المجمل، يُظهر هذا الوضع أن التحدي الأمني في سوريا الجديدة لا يقتصر على احتواء الجماعات المسلحة أو ضبط السلاح، بل يتعداه إلى ضمان سيادة القانون، وحماية الحقوق المدنية، ومنع تغوّل السلطة على حساب الحريات، في مرحلة لا تزال ملامح الدولة فيها تتشكّل وسط صراعات متشابكة وهوية وطنية قيد الإعادة والتفاوض.

الشمال الشرقي

عندما تم الإعلان عن الاتفاق بين دمشق وقوّات سوريا الديمقراطية في 10 مارس/آذار، اعتبره كثيرون نقطة تحول محتملة في مسار سوريا ما بعد الحرب. فرغم أن نص الاتفاق لم يُكشف عنه بالكامل، إلا أن جوهره يقوم على التزام الطرفين بدمج القوات المسلحة والإدارات المدنية التابعة لقوّات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة المركزية، وذلك بحلول نهاية عام 2025.

بالنسبة للحكومة المؤقتة في دمشق، يمثل هذا الاتفاق فرصة استراتيجية مزدوجة: أولاً، لاستعادة سلطة الدولة على الشمال الشرقي، المنطقة التي تضم أبرز موارد سوريا النفطية والزراعية، والتي بقيت فعلياً خارج سلطة دمشق منذ العام 2012؛ وثانياً، لاستعادة جزء من مصداقيتها، بعد الانتقادات التي طالتها بسبب أعمال العنف الطائفي في مارس/آذار، والتي كشفت هشاشة سيطرتها على بعض الفصائل المسلحة.

أما بالنسبة لقوّات سوريا الديمقراطية، التي طالما واجهت تهديداً مستمراً من تركيا، فإن الاتفاق يقدّم لها غطاءً سياسياً وأمنياً مهماً. فهو يُقلل من احتمالية وقوع هجوم تركي واسع النطاق عبر دمج القوات الكردية ضمن إطار الدولة السورية المعترف به دولياً، ويتيح لها دخول الساحة السياسية في سوريا الجديدة كلاعب شرعي، بعد سنوات من العزلة والتهميش.

رغم ذلك، لا يزال الاتفاق يثير العديد من التساؤلات الجوهرية، أبرزها ما إذا كانت الدولة السورية القادمة ستتبنّى نموذجاً لا مركزياً حقيقياً يتيح للإدارات المحلية الكردية الاحتفاظ بقدر من الاستقلالية، أم أن الدمج سيكون أقرب إلى استيعاب قسري يُعيد تركيز السلطة في يد المركز. كما أن آليات تنفيذ الاتفاق – بما في ذلك كيفية إعادة هيكلة سلاسل القيادة العسكرية، وتوزيع الموارد، وتحديد الصلاحيات القانونية – لم تُحسم بعد.

في هذا السياق، شكّل الطرفان لجاناً فنية وسياسية لبدء العمل على التفاصيل الدقيقة للاتفاق، وهي عملية يُتوقع أن تكون معقدة وطويلة، تتطلب مفاوضات حساسة ومستمرة، ليس فقط بين الطرفين المباشرين، بل أيضاً مع حلفائهم الدوليين والإقليميين. ومع استمرار الضغوط من أنقرة، والعقبات الاقتصادية المتفاقمة في الداخل، سيكون مصير هذا الاتفاق مؤشراً أساسياً على ما إذا كانت سوريا قادرة فعلاً على التوجّه نحو نموذج دولة تعددية ومستقرة، أم أنها ستظل عالقة في دوامة الصراعات والانقسامات.

نجح الاتفاق الأولي بين دمشق وقوّات سوريا الديمقراطية حتى الآن في خفض وتيرة القتال العنيف الذي اندلع بين قوات سوريا الديمقراطية وفصائل الجيش الوطني السوري المدعومة من تركيا، والذي أودى بحياة المئات، معظمهم من المقاتلين، خلال الفترة الممتدة بين كانون الأول/ديسمبر وشباط/فبراير. في نيسان/أبريل، واصلت المحادثات بين الطرفين تركيزها على نقاط التوتر الرئيسية في شمال سوريا، سعياً لتثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز الاستقرار.

في مدينة حلب، ثاني أكبر المدن السورية، تم الاتفاق على خطوات جزئية نزع السلاح في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، اللذين يسيطر عليهما قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب جهود لإعادة دمج هذه الأحياء بشكل أفضل مع بقية المدينة. أما النزاع حول سد تشرين على نهر الفرات، الذي يُعد منشأة حيوية لإمدادات الكهرباء والمياه في البلاد، فلم يُحسم بعد، لكن المفاوضات ساهمت في تقليل خطر اندلاع قتال جديد على هذه المنشأة الحساسة.

كما بدأ الطرفان مناقشة قضايا قطاع التعليم، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية دمج الهياكل الحكومية، والأمنية، والعسكرية المتعددة والمتشابكة في المنطقة. لا تزال هناك فجوات كبيرة تتطلب جهداً دبلوماسياً وتقنياً مستمراً لتذليلها.

على صعيد آخر، تحرس قوات سوريا الديمقراطية منشآت احتجاز تضم عناصر من تنظيم داعش المعتقلين وأسرهم، ومن بينهم نحو 40 ألف شخص في مخيم الهول وحده. ويشكل الأجانب، بمن فيهم مواطنون أوروبيون أو أبناء لمواطنين أوروبيين، نسبة كبيرة من هؤلاء المحتجزين. في حين اتخذت الولايات المتحدة موقفاً نشطاً وسريعاً في إعادة مواطنيها المحتجزين إلى أوطانهم، فإن غالبية الدول الأوروبية تأخرت في اتخاذ خطوات مماثلة، مما أدى إلى تحميل السلطات المحلية أعباء كبيرة في تأمين هذه المنشآت، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر أمنية وإنسانية متزايدة.

هذا الواقع يعكس تعقيدات التحديات الأمنية والسياسية والإنسانية التي تواجهها سوريا في مسار إعادة البناء، ويبرز الحاجة الملحة إلى دعم دولي منسق يشمل كافة الجوانب، بما في ذلك إعادة التأهيل، ومراقبة حقوق الإنسان، وحماية المجتمعات المحلية من انزلاق جديد إلى العنف.

في ظل تخفيضات المساعدات الإنسانية الأخيرة واحتمال انسحاب متسرّع للقوات الأمريكية، تتزايد المخاوف من تفاقم الأوضاع داخل مخيمات الاحتجاز، خاصة تلك التي تضم آلاف المعتقلين وعائلاتهم من عناصر تنظيم داعش. في حال تفاقم الظروف أو تدهورها، يواجه المخيم خطر اندلاع اضطرابات واسعة النطاق، تشمل أعمال شغب جماعية ومحاولات فرار قد تؤدي إلى زعزعة أمن المناطق المحيطة وتعقيد جهود الاستقرار في سوريا.

إلى جانب ذلك، تستمر خلايا تنظيم داعش في الصحراء الشرقية، وهي منطقة ذات سيطرة حكومية محدودة، في تعزيز تواجدها وقدراتها عبر استغلال طبيعة التضاريس الوعرة ومحدودية الوجود الأمني. تستفيد هذه الخلايا من قدراتها على المناورة لإعادة بناء قوتها استعداداً لتنفيذ هجمات مستقبلية. ويُشير السكان المحليون إلى أن التنظيم ينشط في تجنيد عناصر جديدة، بينما تؤكد مصادر من قوات الأمن السابقة والحالية أن داعش يستعين بشخصيات قيادية ذات خبرة عالية كانت محتجزة سابقاً في سجون نظام الأسد، تم تحريرها خلال الفوضى التي أعقبت سقوط النظام.

حتى الآن، يواصل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة جهوده لدعم القوات المحلية في مواجهة خطر داعش، مساهماً في كبح جماح التنظيم والحفاظ على مستوى معين من السيطرة الأمنية في المنطقة. إلا أن استمرار هذا التوازن هش، ويتطلب استمرار الدعم الدولي والتنسيق الإقليمي للحيلولة دون عودة داعش إلى المشهد العسكري والسياسي في سوريا بشكل أكثر عنفاً وتدميراً.

التدخّلات الإسرائيلية المُنهِكة

برزت إسرائيل كأحد أبرز القوى الخارجية التي تُزعزع استقرار سوريا في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد. وتعكس استراتيجيتها محاولة استباق أي تهديد أمني محتمل على حدودها الشمالية الشرقية، خصوصاً مع تصاعد النفوذ التركي، المنافس الإقليمي الرئيس، على الحكومة السورية الجديدة. ورغم تأكيدات الرئيس الشرع وشخصيات أخرى بعدم وجود نوايا عدائية من جانب دمشق تجاه إسرائيل، حافظت تل أبيب على موقف حذر وفعال على الأرض.

على الصعيد العسكري، لم تتردد إسرائيل في التحرك بقوة. فور سقوط الأسد، دخل الجيش الإسرائيلي المنطقة منزوعة السلاح في مرتفعات الجولان التي أنشئت عام 1974، وأعلن إقامة منطقة عازلة تمتد عبر جنوب سوريا، محظور على القوات السورية دخولها. وأكد مسؤولون إسرائيليون كبار أن تواجد الجيش الإسرائيلي في هذه المنطقة سيستمر إلى أجل غير مسمى. في الوقت ذاته، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات جوية متعددة استهدفت تدمير جزء كبير من القدرات الجوية والبحرية والأسلحة الثقيلة السورية، مستهدفة مواقع حساسة من بينها غارة أخيرة قرب القصر الرئاسي في دمشق، في رسالة صريحة للحكومة الجديدة بعدم السماح لها بالتمدد جنوب العاصمة.

بالإضافة إلى ذلك، حرصت إسرائيل على كسب تأييد الأقلية الدرزية في جنوب غرب سوريا، بوعدهم بالحماية والدعم، في محاولة لاستمالة حلفاء محليين وخلق شرخ بين هذه الفئة السكانية والسلطات المركزية في دمشق. هذه الخطوة تأتي في إطار استراتيجيتها لتقليل النفوذ الحكومي على المناطق الحدودية وتأمين مصالحها الاستراتيجية.

وبينما كانت الحكومة الجديدة تسعى لترسيخ سلطتها وبناء دولة مستقرة، شكلت الإجراءات الإسرائيلية عائقاً واضحاً، إذ أضعفت قادة سوريا الجدد وجعلتهم في موقف هش. علاوة على ذلك، فإن هذه السياسات تزيد من احتمال تصاعد الفوضى في البلاد، ما قد يستغله المسلحون الجهاديون لتعزيز وجودهم، أو تدفع الحكومة السورية الجديدة للتقرب أكثر من تركيا، ما يعقد المشهد الإقليمي ويزيد من توترات الحرب السورية المستمرة.

عبء العقوبات

على الرغم من قرب حدوث تخفيف للعقوبات، لا يزال الاقتصاد السوري يعاني بشدة من وطأة مجموعة واسعة من العقوبات المفروضة من جهات عدة، أبرزها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. وتُعتبر العقوبات الأمريكية الأكثر تأثيراً، إلا أن جميعها تُلحق أضراراً بالغة بالاقتصاد الوطني. هذه العقوبات كان من شأنها أن تؤدي إلى كارثة حقيقية في بلد يعيش فيه أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، ويفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الأساسية.

كان النظام السابق يعتمد في مواجهة هذه الضغوط على دعم مالي من إيران وروسيا، إلى جانب العوائد الكبيرة التي كانت تحققها إمبراطورية عائلة الأسد غير المشروعة، التي تشمل تجارة المخدرات وتُقدر بمليارات الدولارات. أما السلطات الجديدة في دمشق، فهي تفتقر إلى مثل هذه الموارد السهلة، مما يزيد من التحديات التي تواجهها لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، مثل دفع رواتب موظفي القطاع العام وتأمين إمدادات الوقود والكهرباء.

في حال فشلت الحكومة في تلبية هذه الاحتياجات، فإنها قد تفقد شرعيتها، الأمر الذي سيُسهم في تقوية نفوذ الفاسدين، سواء كانوا من الداخل أو الخارج، مما يعرض عملية الانتقال السياسي والاستقرار في سوريا لمخاطر جمة.

مع ذلك، أُحرز تقدم ملحوظ نحو تخفيف هذا العبء الاقتصادي. ففي 20 مايو/أيار، وبعد ستة أيام فقط من إعلان الرئيس الأمريكي ترامب، تبنى الاتحاد الأوروبي قراراً برفع الجزء الأكبر من العقوبات الاقتصادية المتبقية على سوريا، مع الإبقاء فقط على العقوبات المرتبطة مباشرة بنظام الأسد أو المتعلقة بالأسلحة والتكنولوجيا التي قد تُستخدم في القمع الداخلي. وأكدت بروكسل أن هذه الخطوات قابلة للمراجعة والرجوع عنها، وأن الاتحاد سيواصل مراقبة الوضع السوري عن كثب، لا سيما التقدم المحرز في مجال المساءلة عن أحداث العنف الأخيرة.

يجب الآن أن يتركز الجهد على تنفيذ هذا القرار بشكل فعّال، وضمان أن تتخذ الدول التي ترفع العقوبات إجراءات مكملة تُشجع على الاستثمار الضروري لإنعاش الاقتصاد السوري، وتحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام يُسهم في استقرار البلاد ودعم مرحلة الانتقال السياسي.

ما يمكن للاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء فعله

يمكن للاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بل وينبغي عليهم، أن يكونوا شركاء فاعلين لسوريا خلال فترة تعافيها الحساسة. ورغم أن دمشق أحرزت تقدماً أقل مما كان مأمولاً في تعزيز انتقال سياسي شامل، وهو أمر بالغ التعقيد في بلد خرج من أكثر من عقد من حرب أهلية مدمرة، إلا أن على الاتحاد الأوروبي أن يواصل دفع الحكومة السورية الجديدة نحو هذا الهدف الحاسم. فقد أظهر القادة السوريون الجدد تجاوباً مع مثل هذه المطالبات في مراحل سابقة، سواء أثناء حكمهم لإدلب كمنطقة مستقلة بحكم الواقع خلال الحرب، أو بعد تولّيهم السلطة في دمشق.

في إطار هذا الجهد، ينبغي للاتحاد الأوروبي مواصلة دعم منظمات المجتمع المدني السورية وتعزيز صوت المعارضة التي كشفت عن توجهات السلطات الإقصائية ودعتها إلى بذل مزيد من الجهود لتحقيق حكم أكثر شمولية. كما يتوجب عليه التشديد على أهمية إشراك المرأة في مراكز القيادة واتخاذ القرار، بوصف ذلك ركيزة أساسية لعملية الانتقال الديمقراطي. والأهم من ذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي تشجيع استمرار التعاون البنّاء بين الحكومة المؤقتة والأمم المتحدة، لا سيما في المضي قدماً بصياغة دستور جديد يعزز حقوق الإنسان ويؤسس لإطار قانوني مستقر.

ثانياً، ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يستثمر في تعزيز قدرات الدولة بشكل شامل، بما في ذلك القطاع الأمني الحيوي. ولتسريع بناء قوة أمنية أكثر فاعلية، يمكن للاتحاد الأوروبي تشجيع دمشق على إعادة دمج أفراد الشرطة من نظام الأسد السابق الذين تم التحقق من هوياتهم ونزاهتهم، ما يساهم في توفير خبرات ضرورية مع ضمان الالتزام بالقانون. إلى جانب ذلك، يجب أن يوسع الاتحاد الأوروبي برامجه التنموية، مع التركيز بشكل خاص على دعم التعافي الاقتصادي من خلال مشاريع تنموية تخلق فرص عمل جديدة، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، مما يعزز من استقرار المجتمع ويقوي شرعية الدولة الجديدة في عيون مواطنيها.

وينبغي عليه أيضاً استكشاف إمكانية دعم قدرة الدولة على دفع رواتب القطاع العام، سواءً للحفاظ على الموظفين الحاليين أو لتوظيف موظفين جُدد، بالتنسيق الوثيق مع الجهات الفاعلة الدولية الأخرى. ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يوازن بعناية بين الميل إلى ربط الدعم بالتقدّم في المسائل السياسية أو الأمنية، وبين حقيقة أن قدرة الدولة نفسها شرط ضروري لتحقيق هذه الأهداف. وبالتوازي مع ذلك، ينبغي على الاتحاد الأوروبي أيضاً مواصلة استكشاف المساعدة الفنية التي يمكنه تقديمها لإعادة بناء قدرة الدولة، على سبيل المثال في قطاعي الأمن والمصارف. كما ينبغي عليه التأكيد على أهمّية وفاء الحكومة بتعهّدها بالتحقيق في فظائع آذار/مارس وضمان المساءلة عنها.

ثالثاُ، في الشمال الشرقي، ينبغي على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء مواصلة تعزيز اندماج قوّات سوريا الديمقراطية في الدولة، وتشجيع الخطوات التي تتخذها الأطراف لتهدئة الصراع بين قوّات سوريا الديمقراطية والجيش الوطني السوري، بما في ذلك حثُّ أنقرة على إرسال رسالة مماثلة إلى الجماعات التي تدعمها في المنطقة. في غضون ذلك، فإن التهديد المستمر بعودة داعش يجعل من الضروري بقاء قوّات التحالف في البلاد حتى يتم تنفيذ الاتفاق بالكامل، لمنع الجماعة من أن تصبح عاملاً مزعزعاً للاستقرار. لتخفيف العبء عن قوّات سوريا الديمقراطية، وخاصةً في إدارة مراكز الاحتجاز، ينبغي على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تسريع إعادة مواطنيها المرتبطين بتنظيم داعش إلى أوطانهم، وتحديد جنسية الأطفال غير المسجَّلين.

رابعاً، فيما يتعلق بأفعال إسرائيل، ينبغي على دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي إيصال رسالة منسّقة إلى إسرائيل مفادها أن أفعالها تقوّض الاستقرار السوري، وبالتالي مصالحها العليا. كما ينبغي على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء استخدام قنواتهم للمساعدة في تجنُّب دوامة تصعيدية بين إسرائيل وتركيا على الأراضي السورية.

خامساً، ينبغي على بروكسل تنفيذ قرار 20 مايو/أيار بسرعة برفع جميع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا. كما ينبغي على بروكسل تقديم الدعم لإعادة الإعمار وتشجيع المستثمرين الأوروبيين من القطاع الخاص على العودة إلى سوريا، ومساعدتهم على تجاوز العوائق في قطاعات مثل التمويل والطاقة، وتقديم الحوافز عند الاقتضاء. ويمكن أن يوفر الدعم المستهدف للمشاركة المبكرة في قطاع الطاقة نقطة انطلاق عملية: فالشركات الأوروبية التي سبق لها العمل في البنية التحتية للطاقة في سوريا في وضع جيّد للمساعدة في استعادة شبكة الكهرباء. ينبغي على الاتحاد الأوروبي أيضاً العمل مع الدول الأعضاء والمؤسّسات المالية للحد من الإفراط في الامتثال، والذي قد يستمر حتى بعد رفع العقوبات، بما في ذلك من خلال تقديم التوجيه التنظيمي.

سادساً، ينبغي على الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء تشجيع الحوار السياسي الشامل بين الأطراف السورية كافة، بما في ذلك المعارضة والمكونات المختلفة في المجتمع، مع التركيز على بناء مؤسسات ديمقراطية وشفافة، وتعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون، لضمان انتقال سلمي ومستدام في سوريا.

في النهاية، تقع مسؤولية إعادة إعمار سوريا بعد عقود من الدكتاتورية والصراع المروِّع على عاتق السلطات الجديدة في دمشق، والمجتمع المدني السوري، والشعب السوري. ولكن بإمكان الاتحاد الأوروبي والقوى الخارجية الأخرى، بل ينبغي عليها، أن تقدّم لهم يد العون التي يستحقونها بجدارة. إن عدم القيام بذلك قد يُدمر هذه التجربة الواعدة في إعادة بناء مجتمع مزّقته الحرب الأهلية.

22 أيار/مايو 2025

مركز أسبار

ترجمة يوسف سامي مصري

رابط البحث

https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/east-mediterranean-mena/syria/helping-hand-post-assad-syria