تُعد إعادة تفعيل اتفاقية “ستارت الجديدة” لعام 2010 واستئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا حول ضبط الأسلحة النووية خطوة حاسمة وأساسية نحو تعزيز الأمن الدولي ومنع تصاعد التوترات النووية. إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين جديين في تعزيز التعاون الثنائي، فإن هذه الاتفاقية تشكل نقطة انطلاق مناسبة لبناء الثقة بين الطرفين.
تتركز جهود إدارة ترامب بشكل رئيسي على إنهاء النزاع العسكري في أوكرانيا، إلا أن هناك ضرورة أمنية ملحة أخرى لا تقل أهمية، وهي الحد من التسلح النووي. فقد أعلن ترامب منذ عودته إلى منصبه عن رغبته في إطلاق مفاوضات مشتركة مع روسيا والصين تهدف إلى “نزع السلاح النووي بشكل واسع”، وهو هدف طموح ولكنه يتطلب وقتاً وجهداً دبلوماسياً كبيراً.
وبالرغم من أن التوصل إلى اتفاقات جديدة شاملة قد يستغرق سنوات، يمكن للولايات المتحدة وروسيا اتخاذ خطوة فورية من خلال إعادة العمل بتنفيذ اتفاقية “ستارت الجديدة” لعام 2010، التي تهدف إلى تقليص عدد الأسلحة الهجومية الاستراتيجية. هذا الاتفاق، الذي سينتهي مفعوله في فبراير 2026، يمكن تمديده وتنشيطه من خلال استئناف حوار منتظم ومستمر بين البلدين.
إن استئناف هذه المحادثات سيوفر إطاراً مستداماً للتفاوض على اتفاقيات أوسع نطاقاً تشمل المزيد من الدول، مثل الصين، ويبعث برسالة إيجابية للعالم مفادها أن الولايات المتحدة وروسيا لا تزالان قادرتين على التعاون من أجل الحد من المخاطر النووية وحماية الأمن العالمي من أي تصعيد محتمل.
تحدد معاهدة “ستارت الجديدة” لعام 2010 الترسانات النووية الاستراتيجية لكل من الولايات المتحدة وروسيا، بحيث يُسمح لكل طرف بامتلاك 1550 رأسًا حربيًا منتشرة، و700 صاروخ بعيد المدى وقاذفات ثقيلة منتشرة. كما تتضمن المعاهدة نظامًا شاملاً لتبادل البيانات والمراقبة والتفتيش الميداني، بهدف ضمان الالتزام المتبادل والشفافية بين الطرفين. وبفضل هذه الآليات التفصيلية، شكّلت “ستارت الجديدة” حجر الزاوية في ضبط سباق التسلح النووي بين القوتين العظميين، حيث لعبت دورًا جوهريًا في كبح التنافس النووي غير المقيد خلال العقد الماضي.
على مدى عشر سنوات من سريانها، نفّذ الجانبان المعاهدة بجدية والتزام، مما ساعد في تعزيز الاستقرار الاستراتيجي العالمي. وفي أوائل عام 2021، أبرم الطرفان اتفاقًا لتمديد المعاهدة لمدة خمس سنوات إضافية. غير أن هذه المسيرة الإيجابية تعرضت لانتكاسة كبيرة بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، حيث شهدت المعاهدة، إلى جانب الحوار الثنائي الذي يدعم الاستقرار الاستراتيجي، تهديدات خطيرة بالانهيار.
في فبراير 2023، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعليق مشاركة روسيا في معاهدة “ستارت الجديدة”، بما في ذلك أحكام التحقق والتفتيش، مُبررًا ذلك بدعم الولايات المتحدة لأوكرانيا، وهو قرار ألقى بظلاله على آفاق التعاون المستقبلي. وفي المقابل، تبنت الولايات المتحدة إجراءات قانونية مضادة بعد عدة أشهر، تعكس في جوهرها الخطوة الروسية، مما زاد من تعقيد المشهد وأثر سلبًا على استمرارية نظام ضبط الأسلحة النووية بين القوتين.
رغم محاولات إدارة الرئيس جو بايدن السابقة للتواصل مع الكرملين بشأن قضايا الاستقرار الاستراتيجي، واجهت تلك المبادرات رفضًا من جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فقد شدّد بوتين على أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تتوقع تحقيق استقرار استراتيجي إذا كانت تسعى إلى تحقيق “هزيمة استراتيجية” لروسيا في أوكرانيا. ومع ذلك، شهدت الأمور تطورًا غير ملحوظ إلى حد كبير بعد تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه، حيث دعا بوتين إلى تعاون ثنائي بشأن ضبط الأسلحة النووية دون أن يشترط بشكل صريح وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا كشرط مسبق لهذا التعاون.
هذا التحول في المواقف، إلى جانب رغبة ترامب المعلنة في “نزع السلاح النووي على نطاق واسع”، شكّل فرصة ثمينة أمام الولايات المتحدة وروسيا لإثبات أن ضبط الأسلحة النووية لا يزال ممكنًا وقابلًا للتطبيق، حتى في ظل التوترات الإقليمية والسياسية القائمة.
ومع ذلك، إذا استندنا إلى التجارب السابقة، فإن التفاوض على اتفاقية جديدة تحل محل معاهدة “ستارت الجديدة” لن يكون بالأمر السهل أو السريع، إذ قد يستغرق هذا العمل أشهرًا عدة، وربما سنوات طويلة. ومن المتوقع أن تركز هذه المحادثات على قضايا معقدة وشائكة أعاقت محاولات التوصل إلى اتفاقات أوسع خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، مثل الأسلحة النووية غير الاستراتيجية أو التكتيكية، والقدرات النووية المتنامية للصين، ونظام الدفاعات الصاروخية الاستراتيجية، بالإضافة إلى تطور القدرات التقليدية للهجوم والدفاع.
إذا انتهت صلاحية معاهدة “ستارت الجديدة” دون التوصل إلى بديل لها، فإن العالم سيشهد للمرة الأولى منذ عقود غياب حدود متفق عليها للترسانتين النوويتين الأكبر في العالم، وهما ترسانتا الولايات المتحدة وروسيا. هذا السيناريو يثير مخاوف جمة بشأن سباق تسلح نووي غير منضبط قد يزيد من مخاطر التصعيد والصراعات المستقبلية.
في المقابل، فإن استعادة العمل بمعاهدة “ستارت الجديدة” واستئناف الحوار بشأن الاستقرار الاستراتيجي يشكلان حجر الأساس الضروري للسعي إلى ترتيبات أكثر شمولاً في المستقبل. كخطوة أولى وقريبة، يمكن للجانبين أن يتعاهدا سياسيًا على الالتزام بالحدود الحالية التي تنص عليها المعاهدة حتى بعد تاريخ انتهائها، بينما تجرى مفاوضات لتحديد حدود جديدة تشمل محاولة دمج الصين ضمن منظومة ضبط الأسلحة النووية.
وبالرغم من أن الترسانة النووية الصينية في تزايد مستمر ولا تخضع حاليًا لأي قيود دولية مثل تلك التي تحكمها المعاهدة بين الولايات المتحدة وروسيا، إلا أن الحفاظ على حدود معاهدة “ستارت الجديدة” يبقى قرارًا منطقيًا وضروريًا. فالصين، على الأرجح، لن تصل إلى مستوى منافسة الولايات المتحدة أو روسيا من حيث عدد الرؤوس الحربية المنشورة خلال العقد المقبل على الأقل، مما يمنح الولايات المتحدة مرونة كافية في إدارة قوة الردع النووي وتأخير تحول التوازن العسكري بشكل جذري.
علاوة على ذلك، يُعتبر وجود نظام فعال لضبط الأسلحة بين الولايات المتحدة وروسيا شرطًا أساسيًا لأي ترتيبات مستقبلية تشمل الصين. فإرساء قواعد واضحة وموثوقة بين القوتين النوويتين الأكبر يساهم في تقليل حوافز الصين للإسراع في توسيع ترسانتها النووية لتصل إلى مستوى التكافؤ معهما، وهو أمر تسعى كل من روسيا والولايات المتحدة إلى تجنبه. إن التزام الطرفين بالبقاء ضمن مستويات القوات المنصوص عليها في معاهدة “ستارت الجديدة”، إلى جانب السعي لوضع حدود قصوى جديدة، من شأنه أن يخفف من الحاجة إلى استثمارات مكلفة في تحديث القدرات النووية، خصوصًا في ظل التحديات المالية والجدول الزمني الضيق التي تواجهها الولايات المتحدة في هذا المجال.
ومع امتلاك الولايات المتحدة وروسيا لأكثر من 85% من الرؤوس الحربية النووية في العالم، يتحملان مسؤولية خاصة في الحد من التهديد الوجودي الذي تشكله هذه الأسلحة. لذا، فإن العودة إلى الامتثال لمعاهدة “ستارت الجديدة” واستئناف الحوار بشأن الاستقرار الاستراتيجي يمثلان خطوة فورية وأساسية نحو تقليل مخاطر الصراع النووي وتعزيز الأمن الدولي.
صموئيل شاراب:
رئيس قسم متميّز في سياسة روسيا وأوراسيا، وعالم سياسي بارز في مؤسّسة راند. عمل في مكتب الحدِّ من التسلح بوزارة الخارجية الأمريكية.
كينغستون ريف:
باحث أول في الشؤون الدولية/الدفاعية في مؤسّسة راند، شغل منصب نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي للحدِّ من التهديدات والحدّ من التسلح.
4 حزيران/يونيو 2025
مركز أسبار
رابط البحث

