أعرب مسؤول تايواني رفيع المستوى عن قلق بلاده المتزايد من محاولات الصين استغلال نفوذها المتنامي في قطاع الترفيه والإعلام في تايوان للتأثير على الرأي العام والترويج لأجندتها السياسية. ففي تصريح أدلى به في 26 مايو، حذّر وزير مجلس شؤون البر الرئيسي، تشيو تشوي تشنغ، من أن تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي الصينية مثل Douyin وRedNote، التي تعمل تحت مظلة جمهورية الصين الشعبية، قد تُستخدم كمنصات لنشر روايات تتماشى مع مصالح الحزب الشيوعي الصيني، دون أن يلاحظ المستخدمون ذلك بالضرورة.
وأوضح الوزير أن هذه التطبيقات قد تتحول إلى أدوات فعّالة ضمن استراتيجية “الجبهة المتحدة”، وهي سياسة شاملة تتبعها الحكومة الصينية لتوسيع نفوذ الحزب الشيوعي الصيني من خلال جذب واستقطاب فئات من خارج الحزب، بما في ذلك الأوساط الثقافية والإعلامية، لتعزيز الخطاب المؤيد للصين بين الجمهور التايواني. وأشار إلى أن هذه الجهود تهدف إلى تضمين رسائل مؤيدة للتوحيد مع الصين بشكل خفي في المحتوى الترفيهي والمجتمعي، ما يشكل تهديداً حقيقياً للأمن الفكري والسيادي في تايوان.
وتأتي هذه التصريحات في سياق التحديث الأسبوعي المشترك الذي يصدره كل من معهد دراسات الحرب ومعهد أمريكان إنتربرايز، ضمن إطار مشروع “تحالف الدفاع عن تايوان”. يهدف هذا المشروع إلى تقييم الحملات الصينية الموجهة ضد تايوان، وتحليل مسارات الضغط التي يستخدمها الحزب الشيوعي الصيني للهيمنة على الجزيرة، مع تقديم استراتيجيات بديلة للولايات المتحدة وحلفائها لردع أي عدوان محتمل من قبل جيش التحرير الشعبي، وضمان استقرار الوضع في مضيق تايوان.
تواصل جمهورية الصين الشعبية تكثيف أنشطة “الجبهة المتحدة” ضد تايوان بهدف تشكيل الوعي العام التايواني بما يتماشى مع روايات الحزب الشيوعي الصيني، خاصة تلك التي تدّعي أن بكين هي الحكومة الشرعية الوحيدة للصين، وأن تايوان جزء لا يتجزأ منها. وفي هذا السياق، أشار وزير مجلس شؤون البر الرئيسي التايواني، تشيو تشوي تشنغ، إلى التصريحات الأخيرة التي أدلى بها تشانغ ويوي، الباحث البارز في جامعة فودان ومدير معهد الدراسات الصينية فيها، حيث أكد أن الشعبية الواسعة لتطبيقات التواصل الاجتماعي الصينية في تايوان تتيح لبكين فرصة غير مسبوقة للتأثير على آراء التايوانيين، ولا سيما الشباب، بشأن هويتهم الوطنية.
وتعزز نتائج استطلاع للرأي، أجراه مركز أبحاث بيئة المعلومات في تايوان في نوفمبر 2024، هذه المخاوف، إذ أظهر أن مستخدمي تطبيق تيك توك في تايوان أكثر ميلاً لتبني وجهات نظر إيجابية تجاه الصين الشعبية، ويبدون استعداداً أكبر لتقبل روايات تتماشى مع مصالح الحزب الشيوعي الصيني، خاصة فيما يتعلق بمستقبل تايوان وعلاقتها مع الولايات المتحدة، مقارنة بغير المستخدمين.
وفي ظل هذه المعطيات، حذّرت إدارة شؤون الصين في الحزب الديمقراطي التقدمي (DPP) من تزايد تركيز الصين على قطاع الترفيه كأداة مركزية في حربها المعلوماتية، وذلك في منشور نُشر على صفحتها الرسمية على فيسبوك بتاريخ 28 مايو. كما كشف مسؤولون تايوانيون في الأجهزة الأمنية، في تصريحات لوسائل الإعلام يوم 29 مايو، عن أن بكين تُروّج حالياً لروايات إعلامية جديدة ضمن حملة معلوماتية منظمة تهدف إلى تقويض ثقة الشعب التايواني بقدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الجزيرة، وزعزعة الدعم الداخلي لفكرة مقاومة التوحيد مع الصين.
ولفت المسؤولون إلى أن بعض المشاهير التايوانيين قد بدأوا بالفعل بترديد هذه الروايات، في مؤشرات مثيرة للقلق بشأن مدى اختراق التأثير الصيني للوسط الثقافي والإعلامي المحلي. وفي هذا الإطار، أكد مجلس شؤون البر الرئيسي التايواني أنه يُجري حالياً تحقيقات مع 20 من الشخصيات العامة والمشاهير في تايوان يشتبه في تعاونهم مع جهات صينية لنشر محتوى يهدف إلى الإضرار بالمعنويات الوطنية، والترويج لرؤية الحزب الشيوعي الصيني بشأن مستقبل تايوان.
كثّفت جمهورية الصين الشعبية في الآونة الأخيرة جهودها لاستخدام قطاع الترفيه والإعلام الشعبي في تايوان كأداة رئيسية ضمن استراتيجية الجبهة المتحدة، مستهدفة بشكل خاص الجيل الشاب في محاولة لتشكيل هويته السياسية والثقافية بما يتماشى مع سرديات الحزب الشيوعي الصيني. وقد لاحظ مراقبون أن عدداً من المشاهير التايوانيين أعادوا في وقت واحد نشر محتوى دعائي يتماشى مع مواقف بكين، لا سيما فيما يتعلق بالهوية الوطنية لتايوان ووضعها السياسي. وقد تزامن ترويج هذا المحتوى في بعض الحالات مع المناورات العسكرية الكبرى التي نفذتها الصين حول الجزيرة، وهي مراحل تُكثّف فيها بكين من رسائلها المناهضة لسيادة تايوان.
وفي تطور لافت، كشف عدد من المؤثرين ومشاهير الإنترنت في تايوان عن تلقيهم محاولات تجنيد مباشرة من جانب الحزب الشيوعي الصيني منذ يونيو 2024، ضمن مساعٍ لاستقطاب شخصيات ثقافية وشعبية للمشاركة في تمرير رسائل سياسية موجهة. ويُعتقد أن هذه الجهود تركز على الشباب التايواني باعتباره فئة ديموغرافية محورية في تشكيل الوعي الوطني المستقبلي، وهو ما يجعل من وسائل التواصل الاجتماعي والتأثير الثقافي أدوات استراتيجية لبكين في معركتها الرمزية مع تايبيه.
وفي سياق متصل بالأوضاع الجيوسياسية الأوسع، اتخذت الصين موقفاً لافتاً في منتدى شانغريلا الأمني السنوي في سنغافورة، حيث امتنعت للمرة الأولى منذ خمس سنوات عن إرسال وزير دفاعها، واكتفت بإيفاد وفد من جامعة الدفاع الوطني التابعة لجيش التحرير الشعبي، برئاسة الأدميرال هو جان فينغ. وقد تجنب الوفد الصيني المشاركة الفعالة في جلسات المنتدى، وامتنع عن عقد إحاطات صحفية أو لقاءات ثنائية، ما فُسّر على نطاق واسع كمؤشر على استياء بكين مما تعتبره خطابات عدائية تستهدف صورتها الدولية.
وفي المقابل، استغل وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث منصة المنتدى لتسليط الضوء على ما وصفه بـ “التهديد الوشيك” الذي تشكّله جمهورية الصين الشعبية على الأمن الإقليمي، متهماً إياها بتقويض الاستقرار عبر تحركاتها العدوانية. وقد أيّد عدد من المسؤولين الإقليميين هذا التقييم، بما فيهم وزير الدفاع الفلبيني جيلبرتو تيودورو، ووزير الدفاع الأسترالي ريتشارد مارليس، اللذان عبّرا عن قلق بلديهما من التصرفات الصينية. من جانبها، ردّت كل من وزارتي الخارجية والدفاع في الصين على هذه الاتهامات باتهام الولايات المتحدة بأنها المحرّض الحقيقي، في محاولة لإعادة توجيه السرد نحو اعتبار واشنطن طرفاً استفزازياً.
هذه التطورات تُبرز الطابع المتعدّد الأبعاد للمواجهة المتصاعدة بين الصين وتايوان، والتي لا تقتصر على المجال العسكري أو الدبلوماسي، بل تمتد أيضاً إلى الفضاء الثقافي والإعلامي، حيث تخوض بكين حرب سرديات تسعى من خلالها إلى كسب العقول والقلوب داخل المجتمع التايواني.
أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث خلال كلمته في منتدى شانغريلا على التزام الولايات المتحدة بإعطاء الأولوية لسياسة الردع في مواجهة التهديدات المتزايدة من جانب جمهورية الصين الشعبية، مسلطاً الضوء على أن بكين تمثّل التحدي الأمني الأبرز في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وشدد هيغسيث على أهمية تعزيز التعاون مع حلفاء وشركاء واشنطن في المنطقة، متعهداً بأن أي محاولة صينية لغزو تايوان ستواجه بعواقب ملموسة. وقد ساهم هذا الخطاب في تركيز المنتدى بشكل واضح على الصين كعامل زعزعة أساسي في البيئة الأمنية الإقليمية.
وفي تطور مواكب، أفادت وسائل الإعلام الكبرى في 30 مايو، وهو اليوم الأول لانعقاد المنتدى، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعتزم زيادة مبيعات الأسلحة إلى تايوان خلال ولايته الثانية المتوقعة، بما يتجاوز ما تم اعتماده في فترته الأولى. وكان ترامب قد وافق على صفقات أسلحة لتايوان بقيمة تقارب 18.3 مليار دولار أمريكي خلال ولايته الأولى، وهو ما يفوق بأكثر من الضعف القيمة التي أقرّتها إدارة جو بايدن والتي بلغت نحو 8.4 مليار دولار أمريكي. هذه الأنباء تعزز الإشارة إلى وجود دعم أمريكي متزايد لتعزيز القدرات الدفاعية التايوانية في وجه التهديدات الصينية.
من جهة أخرى، عكس غياب وفد رفيع المستوى من جمهورية الصين الشعبية عن المنتدى مدى تحفظ بكين على المشاركة في فعاليات دولية يُحتمل أن تتعرّض فيها لانتقادات جماعية بسبب سلوكها الإقليمي العدواني. ويفسر مراقبون هذا الغياب بأنه يعكس نظرة الصين للمنتدى على أنه فقد جزءاً من شرعيته من وجهة نظرها، أو على الأقل لم يعد يخدم سردياتها الاستراتيجية. كما يُعتقد أن بكين تفضل الانخراط في منصات أمنية دولية تديرها أو تؤثر فيها بشكل مباشر، ما يتيح لها التحكم في الخطاب العام وتفادي الانتقادات العلنية المرتبطة بسياساتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي وتجاه تايوان.
هذا الاتجاه ينسجم مع نمط أوسع تعتمده جمهورية الصين الشعبية في التعامل مع المجتمع الدولي، حيث تسعى إلى بناء منظومة موازية من المنتديات والمبادرات، مثل “منتدى شيانغشان” و”مبادرة الحزام والطريق”، لتجنب الإحراج الدبلوماسي والسيطرة على السرديات المتعلقة بدورها الجيوسياسي.
النقاط الرئيسية
تايوان:
- أعرب مسؤول تايواني كبير عن مخاوف من أن جمهورية الصين الشعبية تستغل نفوذها في قطاع الترفيه التايواني لتشكيل الرأي العام، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل Douyin وRedNote.
- حذر المسؤول من الترويج الخفي للسرديات المؤيدة للحزب الشيوعي الصيني والمشجعة على “التوحيد”، خصوصاً بين الشباب التايواني.
جمهورية الصين الشعبية:
- خفضت مستوى تمثيلها في منتدى حوار شانغريلا الأمني، في خطوة قد تعكس نفورها من الفعاليات الدولية التي تُنتقد فيها سردياتها وسياساتها.
- تُفضّل بكين المشاركة في منتديات تسيطر عليها بشكل مباشر، مما يُمكنها من توجيه السرديات وتجنّب الانتقادات الدولية.
التطورات السياسية في تايوان:
- فشلت عرائض سحب الثقة من نائبين عن الحزب الديمقراطي التقدمي (DPP)، واللذين يمثلان دوائر السكان الأصليين، في الوصول إلى الحد الأدنى المطلوب من التوقيعات بحلول 31 مايو.
- هناك 13 عريضة أخرى ضد نواب من الحزب الديمقراطي التقدمي لا تزال في المرحلة الثانية لجمع التوقيعات، مع مواعيد نهائية تمتد طوال يونيو.
- لم تتجاوز أي من هذه العرائض الحد الأدنى لبدء الانتخابات، بينما قُدمت عرائض سحب ثقة من 31 نائباً من الحزب الديمقراطي التقدمي إلى لجنة الانتخابات المركزية للمراجعة والمصادقة.
تكشف التطورات الأخيرة في تايوان عن تصاعد الضغوط السياسية والأمنية من جانب جمهورية الصين الشعبية، إذ أعرب مسؤول تايواني كبير عن قلقه من استغلال بكين لنفوذها في قطاع الترفيه ووسائل التواصل الاجتماعي للتأثير على الرأي العام، خاصة بين الشباب، من خلال الترويج لسرديات مؤيدة للحزب الشيوعي الصيني والتوحيد مع الصين. وعلى الصعيد الدولي، خفّضت بكين مستوى تمثيلها في منتدى شانغريلا الأمني، في خطوة تعكس رغبتها في تجنّب الفعاليات التي تتعرض فيها لانتقادات، مفضّلة المنتديات التي تستطيع التحكم في خطابها. سياسيًا، فشلت محاولات سحب الثقة من نائبين عن الحزب الديمقراطي التقدمي، بينما لا تزال ثلاث عشرة عريضة أخرى قيد جمع التوقيعات، وسط تقديرات داخل الكومينتانغ بعدم نجاح أي من هذه المحاولات، ما يضع المعارضة في موقف دفاعي أمام 31 من نوابها المهددين بالاستفتاء، فيما يضمن الحزب الديمقراطي التقدمي مقاعده الـ 51. ويسعى الحزب إلى الفوز بستة مقاعد لاستعادة الأغلبية البرلمانية، ما يسمح له بإلغاء تخفيضات الميزانية التي أقرتها المعارضة، خصوصًا في مخصصات الدفاع، وتوحيد المجلس التشريعي مع أجندة الرئيس ويليام لاي تشينغ تي الدفاعية. أمنيًا، حكمت المحكمة العليا في 28 مايو بالسجن على شقيقين وثمانية عسكريين لتورطهم في شبكة تجسس صينية، أنشأ فيها المتهمان شركات واجهة لتجنيد أفراد من الجيش والبحرية والقوات الجوية وخفر السواحل، وتقديم معلومات استخباراتية لبكين، ما يسلط الضوء على حجم الاختراقات التي تحاول جمهورية الصين الشعبية تنفيذها داخل المؤسسات التايوانية الحساسة.
سلّط تقرير صادر عن مكتب الأمن القومي التايواني في 12 يناير/كانون الثاني الضوء على القنوات الرئيسة التي تستخدمها جمهورية الصين الشعبية لاختراق المجتمع التايواني، مشيرًا إلى أن بكين تستغل الثغرات المالية لدى أفراد الجيش التايواني لتجنيدهم كجواسيس وبناء شبكات تجسّس مدفوعة بالمال. وأكد الرئيس التايواني ويليام لاي في خطاب ألقاه في 13 مارس أن هذه الأنشطة تُعد جزءًا من حملة أوسع للنفوذ الخبيث من قبل الصين، مشيرًا إلى الحاجة إلى تدابير صارمة لمواجهتها. وقد شهدت تايوان في السنوات الأربع الماضية زيادة ملحوظة في عدد القضايا المتعلقة بالتجسّس لصالح الصين، إذ ارتفع عدد الملاحقات من 16 في عام 2021 إلى 64 في عام 2024، وكان ثلثا هؤلاء من العسكريين المتقاعدين أو العاملين في الخدمة الفعلية، مما يبرز تركيز بكين على اختراق المؤسسة العسكرية لجمع معلومات استخباراتية وتقويض الثقة بالحكومة. وتُظهر هذه الزيادة إما تصعيداً في أنشطة التجسّس من جانب الصين، أو فعالية أكبر في جهود تايوان لمكافحة التجسّس، أو كليهما. وتأتي هذه القضايا في أعقاب حادثة خطيرة كُشف عنها في أبريل، تضمنت تجسّساً واسع النطاق من قبل موظفين تايوانيين يعملون في مكاتب شخصيات حكومية رفيعة، بما في ذلك مجلس الوزراء ومكتب الرئيس، ما أثار قلقاً بالغاً حول عمق وامتداد الاختراق الصيني داخل مؤسسات الدولة التايوانية.
تواصل جمهورية الصين الشعبية تصعيد ضغوطها البحرية على تايوان من خلال تكرار عمليات التوغّل التي ينفّذها خفر السواحل الصيني (CCG) في المياه المحظورة حول الجزر التايوانية، في مقدّمتها جزيرتا كينمن وبراتاس. ففي مايو/أيار 2025 وحده، نفّذ خفر السواحل الصيني أربع عمليات توغّل في المياه المحظورة حول كينمن في أيام 15 و16 و27 و28، ضمن نمط متكرّر يتمثل في إرسال أربع سفن صينية للبقاء داخل هذه المياه نحو ساعتين خلال كل عملية. وبحسب جمعية خفر السواحل التايوانية (CGA)، بلغ إجمالي هذه التوغّلات 74 منذ بدء هذه الأنشطة في فبراير 2024، ويُرجّح أن الهدف منها هو تطبيع هذا السلوك وتقليل استجابة تايوان ورفع كلفة إنذارها المبكر، وهو ما وصفه معهد دراسات الحرب (ISW) بمحاولة لتآكل الوعي التايواني بالتهديد. كما تُعتبر هذه التوغّلات بمثابة “بروفة” لحصار محتمل على كينمن، حيث توفّر لبكين خبرة عملية في تنفيذ إجراءات عزل بحري أولية حول الجزيرة، ما قد يعزز عنصر المفاجأة في حال تنفيذ عملية عسكرية فعلية. وبالتوازي مع ذلك، رُصدت ثلاث دوريات بحرية صينية داخل المياه المحظورة حول جزيرة براتاس في مايو، في إشارة إلى تركيز صيني متزايد على هذه الجزيرة المرجانية النائية، التي تديرها تايوان في شمال بحر الصين الجنوبي وتضم مركزاً لخفر السواحل ومهبط طائرات. ورغم خلوها من السكان، تتمتع براتاس بوضع قانوني كمنطقة سيادية تشمل مياهاً محظورة ومقيدة. وأظهرت بيانات من برنامج Starboard لتتبّع السفن أن سفينة تايوانية تابعة لخفر السواحل نفّذت دوريات جزئية ثم كاملة حول الجزيرة في 1 و28 مايو، تزامناً في الحالة الأخيرة مع توغّل صيني في مياه كينمن، ما يثير احتمال تنسيق زمني من جانب بكين لفرض ضغوط مزدوجة ومتزامنة. تشير هذه الأنشطة إلى نهج تدريجي تقوده جمهورية الصين الشعبية لقضم سيادة تايوان وتعويد العالم على وجودها العسكري والإداري داخل المياه التايوانية، في ظل مساعٍ لإعادة رسم خطوط السيطرة الفعلية في غياب ردع حاسم.
تواصل خفر السواحل التايواني تنفيذ دوريات داخل المياه المحظورة حول جزيرة براتاس، حيث أبحرت إحدى سفنه لفترة وجيزة داخل حافة حدود هذه المياه في 13 أيار/مايو 2025، عقب سلسلة من التوغّلات المتكررة في المنطقة. وسبق أن أفادت إدارة خفر السواحل التايوانية (CGA) بأن سفنها دخلت مياه براتاس في شباط وآذار 2025 لمنع أسطول صيد صيني كبير كان يمارس صيداً غير قانوني، وبعد مغادرة قوارب الصيد استمرت الدوريات التايوانية العرضية داخل المياه المحظورة، في محاولة للحفاظ على السيطرة. في المقابل، زاد خفر السواحل الصيني من نشاطه البحري حول براتاس، متجاوزاً عدد عمليات التوغّل في هذه المياه خلال أول خمسة أشهر من 2025 إجمالي التوغّلات التي سجلت طوال عام 2024، وفقاً لبيانات برنامج ستاربورد لتتبّع السفن. تعكس هذه الأنماط البحرية اعترافاً ضمنياً من السفن الصينية بحدود المياه التايوانية، لكنها تتجاهلها عمداً، مما يعكس استراتيجية مشابهة لتلك المعتمدة في مياه كينمن منذ فبراير 2024. وتهدف هذه الدوريات الصينية إلى إضفاء شرعية زائفة على سلطات إنفاذ القانون لجمهورية الصين الشعبية في المنطقة، وتقويض سيطرة تايوان عليها، مع احتمال أن تشكل قاعدة لحصار محتمل للجزيرة كما هو متوقع حول كينمن. ويُعتقد أن تدخّل خفر السواحل الصيني جاء بعد محاولة تايوان طرد أسطول الصيد الصيني الذي وصل في وقت واحد من مناطق مختلفة بالصين، إذ أشارت تقارير من هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية (CCT) إلى اقتراح مجهول في مايو 2024 بأن “نموذج كينمن” المتمثل في تطبيع الدوريات تحت ذريعة حماية الصيادين الصينيين قد يُستخدم لتوسيع النفوذ الصيني البحري إلى الجزر التايوانية الأخرى وربما إلى كامل مضيق تايوان. ومن هذا المنظور، قد تكون جزيرة براتاس هي الهدف التالي ضمن هذا النهج التصعيدي للإكراه البحري.
استمرّت عمليات توغّل طائرات الجيش الشعبي الصيني في منطقة تحديد الدفاع الجوي (ADIZ) التايوانية بوتيرة مرتفعة خلال شهر أيار/مايو 2025، حيث بلغ عدد الطلعات 339 عملية عبور للخط الأوسط لمضيق تايوان ودخول منطقة الدفاع الجوي التايوانية. وتعكس هذه الأرقام تصعيداً ملحوظاً مقارنة بالمتوسط الشهري البالغ 304 عمليات منذ تنصيب الرئيس التايواني ويليام لاي تشينغ تي في أيار/مايو 2024، وهو أكثر من ضعف متوسط العامين السابقين. تهدف جمهورية الصين الشعبية من خلال هذا التصعيد العسكري إلى تطبيع مستوى عالٍ من النشاط حول تايوان، بهدف تقليل وعي الجانب التايواني بالتهديد ورفع عتبة الاستجابة لديه، إضافة إلى توجيه رسالة قوية ضد سياسة لاي التي تعتبرها بكين انفصالية وخطيرة. كما رافق هذه التوغّلات مناورات عسكرية كبرى نظمتها بكين ردّاً على أي خطاب أو خطوات من جانب لاي يُنظر إليها على أنها انفصالية، حيث شهدت تلك الفترات تصاعداً في عمليات التوغّل، لكنها ظلت مرتفعة حتى خارج فترات المناورات. يمثل هذا التطبيع المتكرر لطائرات الجيش الشعبي في منطقة الدفاع الجوي تحدياً كبيراً لتايوان، إذ يرهق الأفراد والموارد بسبب الاستنفار المستمر، ويصعّب التمييز بين التوغّلات الاعتيادية والتهديدات الحقيقية التي تستوجب رد فعل سريع، مما يزيد من مخاطر الاستجابة المتأخرة لأي اعتداء محتمل.
كشفت جمهورية الصين الشعبية للمرة الأولى أن الأدميرال مياو هوا، المفوض السياسي الأعلى للجنة العسكرية المركزية، يُشتبه في ارتكابه انتهاكات قانونية. فقد أُوقف مياو عن منصبه في اللجنة العسكرية المركزية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بسبب “انتهاكات جسيمة للانضباط”، لكنه كان حتى الآن يُنظر إلى ذلك على أنه شأن داخلي حزبي دون إشارة صريحة إلى قضايا قانونية. كان مياو يشغل منصب مدير قسم العمل السياسي في اللجنة العسكرية المركزية، مما يجعله المسؤول الأعلى رتبة المكلف بضمان الالتزام بأيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني داخل الجيش الشعبي الصيني. في مارس/آذار 2025، عزله المؤتمر الوطني الشعبي من منصبه كنائب، وهي خطوة مهمة لأن نواب المجلس يتمتعون بحماية خاصة، وطرده يفتح الباب أمام اعتقاله وملاحقته قضائياً. وأفاد بيان صادر عن المجلس الوطني لنواب الشعب بتاريخ 15 أيار/مايو بأن الطرد جاء بسبب “الاشتباه في ارتكابه انتهاكات خطيرة للانضباط والقانون”، وهو أول اعتراف رسمي يشير إلى احتمال تورطه في مخالفات قانونية، مما يشكل سابقة في التعامل مع قادة كبار داخل الجيش الصيني.
أزال موقع وزارة الدفاع الوطني لجمهورية الصين الشعبية بهدوء اسم الأدميرال مياو هوا من قائمة أعضاء اللجنة العسكرية المركزية، في مؤشر واضح على الإجراءات العقابية التي يتعرض لها، والتي تعكس فقدان الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، شي جين بينغ، للثقة بقيادة الجيش الشعبي الصيني مع اقتراب مواعيد التحديث العسكري الرئيسية. يُعتبر مياو من بين أعلى المسؤولين العسكريين الذين خضعوا للتحقيق أو عوقبوا في حملة مكافحة الفساد التي يقودها شي خلال العامين الماضيين، حيث سبقه في ذلك نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية الثاني، الجنرال هي ويدونغ، الذي لم يُشاهد علناً منذ تقارير اعتقاله في مارس/آذار، وكذلك قائد القيادة الشرقية للجيش لين شيانغيانغ، الذي غاب عن الفعاليات العامة بنفس الفترة دون أي توضيح رسمي. تشمل عمليات التطهير أيضاً وزيران سابقان للدفاع وقائد سابق لقوة الصواريخ، مما يعكس عمق انعدام الثقة داخل القيادة العسكرية، وهو عامل قد يقيّد قدرة بكين على تنفيذ عمليات عسكرية كبيرة ضد تايوان.
على الصعيد الدبلوماسي، أنشأت جمهورية الصين الشعبية هيئة الوساطة الدولية (IOMed) التي وقع عليها 33 دولة في 30 مايو/أيار، معظمها من دول الجنوب العالمي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، باستثناء بيلاروسيا وصربيا، فيما لم توقع أي دولة من الاتحاد الأوروبي أو مجموعة الدول السبع. تهدف هذه المنظمة إلى حل النزاعات الدولية عبر الوساطة، وتعزز طموحات بكين في تلميع صورتها كقائدة في الأمن العالمي ومنافسة النفوذ الغربي، لا سيما الولايات المتحدة، التي تشهد تراجعاً في التزاماتها العالمية. تدعم الصين كذلك منتديات متعددة الأطراف مثل منتدى البريكس الموسّع ومنصة “أصدقاء السلام” التي تهدف إلى توسيع الحوار وحل الصراعات مثل الحرب في أوكرانيا، مستغلة الانتقادات الموجهة للنظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة واصفة إياه بالهيمنة والاستغلال، مما يعكس استراتيجية الصين لتعزيز نفوذها في النظام الدولي من خلال تحالفات دول الجنوب.
كوريا الجنوبية
أشار الرئيس الكوري الجنوبي الجديد، لي جاي ميونغ، المنتمي للحزب الديمقراطي، إلى نية موازنة تحالف بلاده القوي مع الولايات المتحدة واليابان مع تعزيز العلاقات مع جمهورية الصين الشعبية وكوريا الشمالية. فاز لي بأغلبية كبيرة بلغت 49.42%، متفوقًا بفارق أكثر من 8 نقاط على منافسه كيم مون سو من حزب قوّة الشعب، وتولى منصبه في 4 حزيران/يونيو. في خطاب التنصيب، وصف سياسته الخارجية بأنها “براغماتية”، مؤكداً على تعزيز التعاون الثلاثي بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان، مع فتح قنوات حوارية مع كوريا الشمالية بهدف تخفيف التوترات العسكرية واستعادة العلاقات بين الكوريتين، والعمل نحو نزع السلاح النووي وإقامة نظام سلمي في شبه الجزيرة الكورية. خلال حملته، شدد لي على عدم الحاجة لأن تكون كوريا “عدائية بشكل غير ضروري” تجاه جمهورية الصين الشعبية وروسيا.
في الوقت ذاته، ظل لي حذرًا في استجابته لضغوط واشنطن المتزايدة بشأن المرونة الاستراتيجية للقوات الأمريكية في كوريا الجنوبية (USFK) لمواجهة تهديد جمهورية الصين الشعبية في حال صراع تايوان، حيث عبّر عن موقف غامض حين قال إنه سينظر في مساعدة تايوان “عندما تغزو الكائنات الفضائية الأرض”، ما يعكس حرصه على عدم التصعيد. كما يسعى إلى تعزيز القدرات الدفاعية المحلية لكوريا الجنوبية، عبر نقل السيطرة العملياتية في زمن الحرب من الولايات المتحدة إلى سيول، وتطوير نظام دفاع صاروخي متقدم، متماشياً مع دعوات إدارة ترامب لحلفائها لتحمل مزيد من مسؤولية الدفاع عن أنفسهم.
أوقيانوسيا
استضافت جمهورية الصين الشعبية لأول مرة اجتماع وزراء خارجية الصين ودول جزر المحيط الهادئ في مدينة شيامن، في إطار حملة دبلوماسية تهدف إلى تعزيز نفوذها في منطقة جنوب المحيط الهادئ. حضر الاجتماع ممثلون من كيريباتي وفيجي وجزر سليمان وناورو وبابوا غينيا الجديدة وفانواتو ونيوي وتونغا وولايات ميكرونيزيا المتحدة، إلى جانب وزير خارجية الصين وانغ يي، حيث تم التوصل إلى تسع توافقات تشمل تعزيز التعاون في مبادرة الحزام والطريق وتأكيد الاحترام المتبادل والشراكات الاستراتيجية. تستخدم بكين استثماراتها ومساعداتها كأدوات ضغط لدفع دول المنطقة لتحويل اعترافها الدبلوماسي من تايوان إلى الصين، وهو ما حدث مع ناورو في 2024، وجزر سليمان وكيريباتي في 2019، مما يقلص عدد دول المحيط الهادئ التي تعترف بتايوان إلى ثلاث فقط: بالاو وتوفالو وجزر مارشال.
أثارت هذه التحركات انتقادات واسعة، حيث اتُهمت الصين بالإكراه، مثل الضغط على وزير التنمية الريفية في جزر سليمان لمغادرة التحالف البرلماني الدولي بشأن الصين، إضافة إلى اتهامات بتعديات على المنطقة الاقتصادية الخالصة لبالاو واستخدام “تسليح السياحة” كوسيلة للضغط بسبب موقفها من تايوان. كما كشف مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد في بالاو عن نشاط عصابات مرتبطة بالحزب الشيوعي الصيني تعمل في المنطقة، مما يعكس جهود بكين الواسعة لفرض رؤيتها بشأن قضية تايوان على دول المحيط الهادئ.
يسمح استثمار جمهورية الصين الشعبية المتزايد في منطقة المحيط الهادئ بتحسين موقعها الجيوستراتيجي مقابل الولايات المتحدة، كما يتضح من مبادرة أطلقتها في 27 أيار/مايو لإحياء مطار قديم يعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية في جزيرة وولياي المرجانية التابعة لولايات ميكرونيزيا المتحدة. تقع وولياي على بعد حوالي 400 ميل جنوب غوام، وهي نقطة استراتيجية مهمة في المحيط الهادئ. تُعد ميكرونيزيا واحدة من ثلاث دول جزر في المحيط الهادئ التي وقعت اتفاقية شراكة حرة مع الولايات المتحدة، التي توفر بموجبها الدعم الدفاعي والاقتصادي للدول الموقعة. إلا أن انخراط ميكرونيزيا مع الصين رغم هذه الاتفاقية يشير إلى تآكل نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، نتيجة الانخراط الاقتصادي والدبلوماسي المتنامي للصين، مما يعكس تحوّلاً في موازين القوى في جنوب المحيط الهادئ.
المؤلفون: ماثيو سبيرزل، دانيال شاتس، أليسون أونيل، كارينا ووغانغ، وألفريد هان من معهد دراسات الحرب؛ أليكسيس توريك، ييجي تشونغ، وأليكس تشو من معهد أمريكان إنتربرايز
المحرِّرون: دان بلومنثال ونيكولاس كارل من معهد the American Enterprise Institute
مركز أسبار
٦ حزيران/يونيو ٢٠٢٥
رابط البحث
https://www.understandingwar.org/backgrounder/china-taiwan-weekly-update-june-6-2025

