ذات صلة

اتفاقيات إبراهيم بعد غزة: تغيير السياق

على الرغم من أن الاتفاقيات العربية الإسرائيلية صمدت لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب، إلا أن استمراريتها ومستقبلها لا يزالان مرتبطين بعدة عوامل معقدة. هذه العوامل تشمل الديناميكيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل الشرق الأوسط، بالإضافة إلى تأثيرات القوى الإقليمية والدولية المختلفة. لذلك، فإن تطورات الأوضاع الإقليمية والعالمية ستكون حاسمة في تحديد مدى نجاح هذه الاتفاقيات واستمرارها على المدى البعيد.

برنامج الاقتصاد السياسي

يُحلل برنامج الاقتصاد السياسي الأزمات المتعددة التي تواجه منطقة الشرق الأوسط، مع التركيز على سياسات التقشف وعدم المساواة، ويستعرض التحديات التي تواجه الاقتصادات المحلية في مسارات التكيف والتحول الاقتصادي.

في هذا السياق، تبرز اتفاقيات إبراهيم كإنجاز دبلوماسي بارز في الشرق الأوسط، حيث وُقّعت في البيت الأبيض في 15 سبتمبر 2020 خلال الإدارة الأولى للرئيس دونالد ترامب. أسفرت هذه الاتفاقيات عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل وكل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب، كما بدأت إسرائيل في خطوات تطبيع مع السودان، رغم أن هذا المسار لم يكتمل بسبب الاضطرابات السياسية في السودان.

كان الهدف الرئيسي من اتفاقيات إبراهيم هو تخفيف التوترات الإقليمية من خلال فتح قنوات دبلوماسية وتجارية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية التي تُعرف بـ “الدول المعتدلة”. في المقابل، استفادت هذه الدول من تقنيات متقدمة وفرص اقتصادية جديدة، مدفوعة برؤية مشتركة تُعتبر إيران فيها تهديداً استراتيجياً. جاءت هذه الاتفاقيات بعد ورشة العمل التي عُقدت في البحرين في يونيو 2019 تحت عنوان “السلام من أجل الازدهار”، والتي نظمها صهر ومستشار الرئيس ترامب آنذاك، غاريد كوشنر.

جاءت فكرة الاتفاقيات من مبدأ أن العوامل الجيواقتصادية يمكن أن تساعد في تخفيف التوترات الجيوسياسية عبر تقديم حوافز مالية واقتصادية، تسمح بتجاوز الصراعات التي تبدو معقدة ومستعصية على الحل. ومن منظور الولايات المتحدة، كانت اتفاقيات إبراهيم تهدف إلى تحقيق غرض مزدوج: تعزيز دور واشنطن كضامن للأمن الإقليمي، مع محاولة تجاوز الصراع الإسرائيلي الفلسطيني التقليدي، وفي الوقت نفسه مواجهة النفوذ المتزايد للصين، خاصة في مجال التكنولوجيا المتقدمة.

مع انتقال السلطة إلى إدارة جو بايدن، وُجد دعم مستمر لهذه الاتفاقيات، مع تصاعد دور المملكة العربية السعودية كمحور لجهود التطبيع الموسعة في المنطقة. غير أن هذه العملية شهدت توقفاً حاداً بعد هجمات حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، والتي دفعت إسرائيل إلى شن غزو واسع على قطاع غزة. أثار رد الفعل الإسرائيلي، الذي أدى إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتدمير هائل للبنية التحتية، موجة من الإدانة على المستوى الإقليمي والدولي.

على الرغم من كل ذلك، صمدت اتفاقيات إبراهيم إلى حد كبير بعد الحرب، إلا أن مستقبلها يبقى معتمداً على ديناميكيات أوسع وأكثر تعقيداً في الشرق الأوسط وخارجه، بما في ذلك التطورات السياسية، الأمنية، والاقتصادية التي ستحدد إمكانية استمرار هذه الشراكات أو تراجعها.

صمود اتفاقيات إبراهيم

مع تصاعد التوترات الإقليمية خلال حرب غزة، أصبح التواصل العربي الإسرائيلي الناتج عن اتفاقيات إبراهيم محدودًا بشكل رئيسي على العلاقات الرسمية بين الدول والمعاملات التجارية المنفصلة، بينما تراجعت الاتصالات على المستوى الشعبي والمجتمعي، بل وانعكست في بعض الأحيان إلى موقف سلبي. وتصاعدت في هذا السياق المعارضة الشعبية بين الجماهير العربية تجاه التطبيع مع إسرائيل.

ومع ذلك، تم الحفاظ على الاتفاقيات الأصلية إلى حد كبير، ويرجع ذلك أساسًا إلى الفوائد الاستراتيجية التي توفرها هذه الاتفاقيات للدول المعنية. فقد تعاملت كل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب مع تداعيات حرب غزة وفقًا لمصالحها الوطنية والمصورة.

على سبيل المثال، شهدت الإمارات العربية المتحدة، بعد هجمات 7 أكتوبر، تهدئة في وتيرة التقارب القوي مع إسرائيل، والذي كان قائمًا بشكل كبير على العلاقات التجارية. فقد سارعت الإمارات وإسرائيل، بعد توقيع الاتفاقيات، إلى إقامة علاقات دبلوماسية رسمية، وإلغاء متطلبات التأشيرة بين مواطني البلدين، وإطلاق رحلات جوية مباشرة، مما أدى إلى تنشيط التبادل التجاري والسياحي، لا سيما من إسرائيل نحو الإمارات.

كما أبرمت الإمارات وإسرائيل في عام 2022 اتفاقية تجارة حرة وشراكة اقتصادية شاملة، ما يعكس رغبة قوية في التعاون عبر قطاعات متعددة مثل التكنولوجيا والبنية التحتية، مع هدف طموح لرفع حجم التجارة الثنائية السنوية إلى 10 مليارات دولار بحلول عام 2027، مقارنة بـ 2.5 مليار دولار في عام 2022.

في سبتمبر 2023، أطلقت الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة شراكة تُعرف باسم I2U2، تركز بشكل خاص على التقنيات المتقدمة والأمن الغذائي. وعلى الرغم من إدانة الإمارات العربية المتحدة علناً للإجراءات الإسرائيلية خلال حرب غزة، فإنها لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل. حيث حافظت الكيانات الحكومية الإماراتية على تواصلها مع نظيراتها الإسرائيلية، لكن تم تعليق بعض المشاريع الكبرى، مثل الاستغلال المشترك لأكبر حقل غاز بحري في إسرائيل، الذي تشارك فيه شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، وشركة بي بي (BP)، وشركة نيوميد الإسرائيلية.

تأثرت كذلك قطاعات السياحة والسفر الجوي بشكل ملحوظ، إذ شهدت دبي انخفاضًا حادًا في أعداد القادمين جواً من إسرائيل، قبل أن تبدأ أعداد الزوار في التعافي لاحقًا. بالمقابل، أدت التطورات الإقليمية إلى فتح طريق بري جديد يربط بين الإمارات وإسرائيل مرورًا بالمملكة العربية السعودية والأردن، ما مكن الشركات الإسرائيلية من تجاوز البحر الأحمر وتجنب التهديدات التي تشكلها هجمات أنصار الله من اليمن على السفن المتجهة إلى إسرائيل.

أما البحرين، التي تستضيف الأسطول الأمريكي الخامس، فقد أبرمت في عام 2022 أول اتفاقية أمنية رسمية بين إسرائيل وعضو في مجلس التعاون الخليجي. رغم ذلك، لا تزال التجارة بين البحرين وإسرائيل محدودة، حيث لم تتجاوز قيمتها 20 مليون دولار في 2021-2022، وهو رقم ضئيل مقارنة بحجم التجارة بين الإمارات وإسرائيل. عقب اندلاع الصراع في غزة، غادر السفير الإسرائيلي البحرين، لكن المنامة لم تُعلن عن نية لانسحاب من اتفاقيات إبراهيم، مؤكدّة على أهمية العلاقة الأمنية والدفاعية بين البلدين، والتي تشمل التعاون في مجالات التدريب الاستخباراتي وتوريد الطائرات بدون طيار من إسرائيل إلى البحرين.

ارتبط تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل ارتباطًا وثيقًا بقضية السيادة المغربية على الصحراء الغربية. ففي أواخر عام 2020، اعترفت إدارة ترامب بالمطالبات المغربية في هذه المنطقة، مما مهد الطريق أمام الرباط لإقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل.

وفي عام 2021، وقّع المغرب وإسرائيل مذكرة تفاهم في المجال الدفاعي، تلتها سلسلة من صفقات الأسلحة التي شملت طائرات مسيرة متقدمة، وأنظمة دفاع جوي، وأقمارًا صناعية للاستخبارات. إلى جانب المصالح الأمنية المشتركة، تجمع البلدين روابط ثقافية وتاريخية عميقة؛ إذ تعترف السلطات المغربية بالتراث اليهودي داخل المملكة، كما أن نسبة كبيرة من السكان اليهود في إسرائيل يرجعون أصولهم إلى المغرب.

رغم أن حرب غزة أدت إلى تراجع أعداد السياح الإسرائيليين إلى المغرب، فإن جوانب أخرى من العلاقة استمرت في التطور. فعلى سبيل المثال، في قطاع صناعة السيارات، استوردت إسرائيل سيارات من المغرب لتحل محل السيارات القادمة من تركيا. كما حافظت المؤسسات الأكاديمية المغربية، مثل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، على اتفاقيات تعاون مع نظيراتها الإسرائيلية.

بعيدًا عن الدول التي وقّعت على اتفاقيات إبراهيم، تبرز المملكة العربية السعودية كعنصر محوري في مسار التطبيع مع إسرائيل، حيث بدأت خطوات التقارب قبل اندلاع حرب غزة. ففي عام 2002، أطلق ولي العهد آنذاك، الأمير عبد الله، مبادرة السلام العربية، التي اقترحت إقامة علاقات كاملة مع إسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي العربية المحتلة، في أول إشارة رسمية إلى إمكانية التطبيع.

مع تولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان السلطة الفعلية عام 2016، قدم مبادرات حسن نية، من بينها فتح المجال الجوي السعودي أمام الرحلات التجارية الإسرائيلية، ضمن توجهه لجذب الاستثمارات الأجنبية في إطار رؤية 2030 التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد السعودي وتحقيق مشاريع ضخمة وطموحة مثل مشروع “نيوم”. ويُعد التعاون مع إسرائيل في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والتكنولوجيا الزراعية من العوامل الجاذبة لهذا المشروع.

ورغم أن ولي العهد ألمح إلى تحقيق تقدم في المحادثات الثنائية قبل أكتوبر 2023، فإن هجمات حماس ورد الفعل الإسرائيلي على حرب غزة أوقفا عملية التطبيع، مما دفع السعودية إلى تبني موقف أكثر تشدداً، مع المطالبة بمقايضة التطبيع بالتزام إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية.

تعكس هذه التطورات تباين ردود فعل الدول العربية التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل تجاه اختبار صراع غزة. فبينما لم ينسحب أي من الموقعين رسمياً من الاتفاقيات، مما يدل على أولوية الأهداف الاستراتيجية طويلة الأجل على التأثيرات السياسية قصيرة الأمد، فإن التكلفة السياسية للتطبيع ازدادت بشكل واضح منذ اندلاع الحرب. إذ يتعاطف الرأي العام العربي بشكل واسع مع القضية الفلسطينية، ويعتبرها قضية ذات أبعاد عربية شاملة، وليست مجرد قضية فلسطينية محلية.

بيئة متغيّرة لاتفاقيات إبراهيم

دفعت مشاركة بعض الدول العربية في مواجهة الهجمات الإيرانية ضد إسرائيل خلال ذروة حرب غزة، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إطلاق مبادرة تُعرف بـ “تحالف إبراهيم”، الذي يركّز على الجوانب الأمنية لدعم اتفاقيات إبراهيم. تُصوّر هذه الرؤية إيران كعدو إقليمي رئيسي مشترك بين إسرائيل والدول العربية.

مع ذلك، بدأت هذه الصورة الدفاعية في التآكل نتيجة التحولات الجيوسياسية المتسارعة على المستويين الإقليمي والعالمي. وعليه، قد تعتمد فعالية هذه الاتفاقيات واستمراريتها على المدى الطويل على مدى قدرتها على معالجة المخاوف الأمنية لجميع الأطراف المعنية في المنطقة، بما في ذلك إيران.

حقائق متغيّرة في الشرق الأوسط

أدى تطبيع العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، إثر الاتفاق السعودي الإيراني الذي توسطت فيه الصين عام 2023 وما تلاه من انفراج دبلوماسي، إلى تقليص الحاجة إلى التحوّط الجيوسياسي ضد إيران، مما قلل من مبرر “المظلة الأمنية” التي تستند إليها اتفاقيات إبراهيم. ومن المفارقات أن الضربات الإسرائيلية المكثفة على حماس في غزة، وتأثيرها على قدرة حزب الله في لبنان، إضافة إلى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا منذ أكتوبر 2023، كشفت عن نقاط ضعف إيرانية دفعت طهران إلى تبني موقف أكثر انفتاحًا وتعاونًا مع جيرانها العرب.

في مواجهة هذه التحديات، قدمت إيران إطار عمل إقليميًا خاصًا بها أطلقت عليه اسم مودّة (رابطة الحوار الإسلامي الغربي الآسيوي)، وهو بمثابة مقترح مضاد لاتفاقيات إبراهيم. وكما أوضح وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، فإن “مودّة” تهدف إلى تعزيز التعاون بين جميع الدول الإسلامية، سواء كانت شيعية أو سنية، سعياً لتحقيق الأمن والازدهار الإقليميين.

يتميز هذا المخطط بضمّه تركيا، التي كانت تاريخيًا خصمًا لإيران، لكنه يستثني إسرائيل لأسباب دينية، مما يبرز تباينًا واضحًا مع نموذج اتفاقيات إبراهيم الذي يركز على تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

الطريقة الوحيدة للتوفيق بين النهجين المتعارضين ظاهريًا — اتفاقيات إبراهيم التي تركز على التطبيع مع إسرائيل، ومبادرة “مودّة” الإيرانية التي تستبعدها — تكمن في اتفاق أمريكي إيراني. منذ عودته إلى السلطة في يناير 2025، أبدى الرئيس ترامب تفضيله لمثل هذه الصفقة الدبلوماسية عوضًا عن الخيار العسكري المتمثل في “قصف إيران قصفًا شاملاً”. لذا، يمكن تفسير العقوبات الأمريكية الحالية على طهران ضمن حملة “الضغط الأقصى” المتجددة على أنها محاولة لدفع إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.

قد تؤدي نتيجة دبلوماسية ناجحة إلى تقويض أحد الدوافع الرئيسية وراء اتفاقيات إبراهيم، مع إعادة القضية الفلسطينية إلى موقعها كقضية إقليمية مركزية يجب التعامل معها قبل محاولة توسيع نطاق الاتفاقيات لتشمل دولًا أخرى. أما في حال فشل المفاوضات، فقد تتجه الدول العربية إلى خفض التصعيد والسعي لتكامل اقتصادي أوسع مع إيران، مع تعزيز برامجها العسكرية، خاصة إذا لم توفر الولايات المتحدة ضمانات أمنية قوية لها. في كلا السيناريوهين، يبدو أن الزخم الجيوسياسي الذي أعقب توقيع الاتفاقيات في عام 2020 قد تلاشى في الوقت الراهن.

أخيرًا، لا يمكن إغفال دور تركيا في أي نقاش حول مستقبل الأمن الإقليمي. فقد علقت أنقرة، العضو في حلف شمال الأطلسي والتي تربطها علاقات تاريخية مع إسرائيل، علاقاتها التجارية مع الأخيرة إثر تصاعد حدة حرب غزة في مايو 2024. على الصعيد الداخلي، عزز الرئيس رجب طيب أردوغان مكانة تركيا كمدافع قوي عن القضية الفلسطينية، مما دعم القوة الناعمة التركية ومصالحها الإقليمية. كما شرع أردوغان في عملية مصالحة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما السعودية، بعد سنوات من التوتر وانعدام الثقة التي أعقبت الانتفاضات العربية في 2010-2011.

في ظل تدهور العلاقات بين إسرائيل وتركيا إلى أدنى مستوياتها، طرحت أنقرة إطارها الجغرافي الاقتصادي الإقليمي الخاص، الذي يربط آسيا بأوروبا عبر مشروع طريق التنمية العراقي. يهدف هذا المشروع إلى إنشاء ممر تجاري يمتد من ميناء الفاو المرتقب في العراق وصولاً إلى حدود تركيا، مقدماً بذلك بديلًا قويًا للممر الاقتصادي الذي يربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.

ويُعزز هذا المشروع نفوذ تركيا الإقليمي، خاصة مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الذي دعمته جماعات متمردة ترتبط بأنقرة. ومن خلال هذا التأثير، تملك تركيا فرصة أكبر للعب دور فاعل في صياغة مستقبل الجغرافيا السياسية والجيواقتصادية في منطقة الشرق الأوسط.

الشرق الأوسط في عالم متعدّد الأقطاب

إلى جانب التغيرات الإقليمية العميقة، كان الشرق الأوسط جزءًا لا يتجزأ من التحول العالمي نحو التعددية القطبية، التي تسارعت وتيرتها بفعل التنافس الأمريكي الصيني وتشكيل تكتلات جيوسياسية وجيواقتصادية متعددة، متنافسة وأحيانًا متداخلة. تشمل هذه التكتلات الكتلة الغربية التي تقودها دول مجموعة السبع، إلى جانب تجمعات بديلة مثل مجموعة بريكس+، التي تضم دولًا من الشرق الأوسط مثل إيران ومصر والإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى مجموعة أوبك+ التي تشمل دول مجلس التعاون الخليجي، وروسيا، وإيران، والعراق، وعدداً من منتجي النفط في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.

تدل هذه التطورات على تراجع الزخم للانضمام إلى الأطر التي ترعاها الولايات المتحدة مثل اتفاقيات إبراهيم. إذ تسعى دول مجموعة بريكس+ إلى إيجاد بدائل للنظام المالي العالمي الذي يهيمن عليه الغرب، بقيادة الصين وروسيا، اللتين انتقدتا الاستخدام المتكرر للدولار الأمريكي كسلاح، خصوصًا في سياق الصراع الأوكراني.

على الرغم من أن احتمال اعتماد عملة احتياطية خاصة بمجموعة بريكس+ لا يزال بعيدًا، فإن المشروع يعكس الترويج البراغماتي للصين لعملة اليوان كعملة مفضلة لتسعير وتسوية مشتريات النفط الخام. فقد أصبح هذا الأمر واقعًا منذ إدراج أول عقد نفط خام باليوان في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة عام 2018.

بالنسبة للمنتجين الرئيسيين في الشرق الأوسط، مثل السعودية والإمارات، يُمكن أن يُترجم هذا إلى تنويع خفي لاحتياطياتهم الأجنبية بعيدًا عن الدولار الأمريكي، مما يخلق بدوره الحاجة إلى إعادة تدوير أصول “البترو يوان” غالبًا في مشاريع الحزام والطريق الصينية التي ترعاها بكين، وكذلك من خلال التجارة والاستثمارات المتوافقة مع مجموعة بريكس+.

وقد سهّل تطوير العملات الرقمية، سواء كانت برعاية الحكومات كالنقود الرقمية الوطنية والعملات العابرة للحدود للبنوك المركزية، أو مملوكة للقطاع الخاص مثل العملات المستقرة، هذا الاتجاه نحو إزالة الدولرة. وتُعد الإمارات العربية المتحدة من الدول الرائدة في هذا المجال، حيث طورت إطارًا تنظيميًا متقدمًا لدعم تطوير كلا النوعين من العملات المشفرة، وأطلقت مشاريع تجريبية مثل mBridge وعملة الدرهم الإماراتي الرقمية (AED).

يشكل التحول العالمي في مجال الطاقة وإزالة الكربون أحد الأبعاد الأساسية في المشهد العالمي المتغير، لما يترتب عليه من آثار جيواقتصادية عميقة على منطقة الشرق الأوسط. تبوّأت الصين موقعًا مهيمنًا في سلاسل التوريد الصناعية الحيوية المرتبطة بـ”الاقتصاد الأخضر”، حيث تعمل شركاتها المدعومة من الدولة عبر مجموعة واسعة من الصناعات، بدءًا من الطاقة المتجددة وحتى التنقل المستدام، على ترسيخ حضورها في الشرق الأوسط بشكل مستمر.

وقد أظهرت هذه الشركات قدرة عالية على بناء وتمويل مشاريع ضخمة لإزالة الكربون في دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب نقل التقنيات المتعلقة بهذه المشاريع إلى شركائها في المنطقة. ويأتي هذا في ظل سياسة مناخية متقلبة في الولايات المتحدة، لا سيما بعد التراجع الكبير الذي شهدته التزامات إدارة بايدن في هذا المجال خلال فترة إدارة ترامب.

علاوة على ذلك، تُعتبر الصين لاعبًا رئيسيًا في التحول الرقمي العالمي، حيث توسع شركات التكنولوجيا العملاقة مثل هواوي وتينسنت وبايت دانس وعلي بابا نطاق تأثيرها دوليًا. من تقنيات أشباه الموصلات والحوسبة السحابية إلى الروبوتات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، تقدم الصين بدائل متطورة للتقنيات الغربية الرائدة.

وتُعد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ساحة خصبة لنشر هذه التقنيات، حيث تشهد دول المنطقة تحولات اقتصادية متعددة الأوجه ومواكبة تكنولوجية تُقودها الحكومات. وتشجع بكين شركاتها على التعاون مع الحكومات الإقليمية وصناديق الثروة السيادية من خلال التكيف مع الظروف المحلية وتسهيل نقل التكنولوجيا، خصوصًا إلى دول مجلس التعاون الخليجي، ضمن إطار مبادرة “طريق الحرير الرقمي”.

في المقابل، شهدت الشراكة التقنية المزدهرة سابقًا بين إسرائيل والصين تراجعًا ملحوظًا، بفعل التأثير المشترك لحرب غزّة وانتقادات الصين الحادة لسلوك إسرائيل، إضافة إلى ضغوط أمريكية متزايدة على الحكومة الإسرائيلية ونظامها التكنولوجي المحلي المتكامل مع وادي السيليكون، للحد من التعاون التكنولوجي مع الصين.

عبر مختلف القطاعات الجيواقتصادية، من الصناعات التقليدية إلى التقنيات المالية والبيئية والرقمية الناشئة، إضافة إلى شبكاتها التجارية والإنتاجية، بدأت الأُطر الجيواقتصادية التي تشكل أساس اتفاقيات مثل اتفاقيات إبراهيم تفقد جاذبيتها. ومن منظور سياسي، تفاقم هذا التحول نحو التعددية القطبية الاقتصادية والجيوسياسية بفعل سياسات العزلة التي تبناها ترامب، وتفضيله لعالم يُنظم وفقًا لمناطق نفوذ محددة.

في هذا السياق، يبدو من المنطقي أن تتجه القوى الإقليمية الكبرى، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلى تبني تحالفات متعددة كاستراتيجية وقائية طويلة الأمد ضد تراجع “لحظة القطب الواحد” التي كانت تهيمن على النظام الدولي، مع الحرص في الوقت ذاته على الحفاظ على علاقات قوية مع الغرب، وبالأخص الولايات المتحدة.

بالنسبة للإمارات العربية المتحدة، يُعد التوجه نحو آسيا، وخاصة الصين، خيارًا لا يعني خسارة التوازن، حيث تظل الإمارات ملتزمة بشراكة أمنية عميقة مع الولايات المتحدة. كما زادت استثماراتها في السوق الأمريكية إلى مستوى يقارب تريليون دولار، مع تركيز خاص على التكنولوجيا المتقدمة، وذلك عبر أدوات استثمارية رائدة مثل صناديق ADQ وMGX.

أما المملكة العربية السعودية، فقد دفعها استياءها من تردد إدارة بايدن في تقديم ضمانات أمنية شاملة إلى استكشاف خيارات شراكة بديلة، شملت تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا. ويُذكر أن السعودية لعبت دورًا فعالًا في قيادة تحالف أوبك+ مع روسيا، حيث أسهمت في توجيه آلية التنسيق بين أوبك ومنتجي النفط خارجها منذ تأسيسها في نوفمبر 2016.

مؤخرًا، مُنحت السعودية صفة “شريك الحوار” في منظمة شنغهاي للتعاون، وهو مؤشر على انفتاحها على تحالفات جديدة. ورغم تلقيها دعوة رسمية للانضمام إلى مجموعة بريكس+ خلال قمة جوهانسبرغ في أغسطس 2023، لم تصدر السعودية أي قرار نهائي بشأن الانضمام حتى الآن.

وفي الوقت نفسه، تحافظ السعودية على التزامها العميق بشراكتها التقليدية مع الولايات المتحدة، مستفيدة من تفضيل إدارة ترامب للدبلوماسية المعاملاتية. فمثلاً، استخدمت الرياض علاقاتها الجيدة مع كل من روسيا وأوكرانيا لاستضافة جولات متعددة من محادثات السلام المدعومة أمريكيًا بين موسكو وكييف.

الخلاصة: مؤشر غزّة

أعاد دونالد ترامب إحياء فكرة توسيع نطاق اتفاقيات إبراهيم، مركّزًا بشكل خاص على ضم المملكة العربية السعودية إلى هذه الاتفاقيات. ومع ذلك، فإن الدوافع التي تستند إليها هذه الجهود لم تعد محصورة في المكاسب الجيوسياسية التي كانت تشكّل الأساس الأولي للاتفاقيات، بل تحوّلت لتصبح ذات أولوية اقتصادية بالدرجة الأولى. فالازدهار الاقتصادي المشترك، الذي كان يُتوقع تحقيقه من خلال هذه الاتفاقيات، لا يزال بحاجة إلى إثبات عملي وملموس على نطاق أوسع، خاصة في ظل التحديات الهائلة المرتبطة بإعادة إعمار غزّة ودعم الدول العربية المتضررة من الأزمات المستمرة مثل سوريا ولبنان وليبيا واليمن.

وقد يصبح نجاح إعادة بناء غزّة وإدارة شؤونها مؤشرًا حاسمًا على مدى إمكانية تحقيق الازدهار الاقتصادي المشترك الذي تدعو إليه اتفاقيات إبراهيم. من هذا المنطلق، يمكن لمشروع إعادة تأهيل منسّق يشمل الدول العربية والجهات الدولية المعنية، استنادًا إلى الخطة المصرية التي أعلنتها جامعة الدول العربية في مارس 2025، أن يمهّد الطريق أمام تسوية سلمية إقليمية شاملة، بالإضافة إلى إطار عمل متكامل لإعادة الإعمار.

وفي المقابل، فإن ربط جهود إحياء غزّة بمبادرات اقتصادية إقليمية أوسع، تشمل إعادة الإعمار في سوريا ولبنان، والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومشروعات الطاقة المشتركة، إلى جانب استكشاف وتصدير الغاز، يمكن أن يعزز من المصالح المشتركة ويزيد من مستوى الثقة بين الأطراف المعنية. كما أن الشراكات الاقتصادية في مجالات التكنولوجيا والتجارة والطاقة المتجددة، لا سيما تلك التي تقودها قطاعات الأعمال والمجتمع المدني، يمكن أن تلعب دورًا داعمًا لجهود التطبيع.

ومع ذلك، يكشف التاريخ الحديث أن غياب التزام جدي ومستدام تجاه القضية الفلسطينية، التي كانت محور الخلاف الأساسي الذي حاولت اتفاقيات إبراهيم الالتفاف عليه، يجعل أي مسعى للتطبيع الشعبي والتواصل من الأسفل مهمة شاقة وكأنها مهمة سيزيف؛ فهي تتكرر دون أن تصل إلى نقطة الانتهاء والنجاح الحقيقي.

ألكسندر كاتب

٢٥ نيسان/أبريل ٢٠٢٥
مركز أسبار
رابط البحث

https://carnegieendowment.org/research/2025/04/the-abraham-accords-after-gaza-a-change-of-context?lang=en