ثورة الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة لم تصل بعد:
تخوض روسيا وأوكرانيا سباقًا تكنولوجيًا متسارعًا لتطوير ونشر طائرات بدون طيار مجهزة بقدرات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي، في محاولة لتعزيز قدراتهما العسكرية على ساحات القتال الحديثة. تسعى كل من القوتين إلى استغلال هذه التقنيات المتقدمة لأتمتة العمليات التشغيلية للطائرات بدون طيار، بما يشمل التنسيق البيني بين الطائرات، الاستهداف الدقيق، وتحليل ميدان المعركة بشكل أكثر فعالية. إن التكامل الناجح لتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي في هذه الطائرات يتيح للقوات الروسية والأوكرانية تقليل الاعتماد على المشغلين البشر لهذه الأنظمة، والتغلب على التحديات الناجمة عن الحرب الإلكترونية مثل التشويش والتداخل، إضافة إلى تخفيف القيود البشرية المرتبطة بتحديد الأهداف بدقة وسرعة، ما يسرّع بدوره عمليات صنع القرار المتعلقة باستخدام الطائرات بدون طيار في العمليات العسكرية.
تخطط روسيا وأوكرانيا لتشغيل هذه الأنظمة بدون طيار في مجموعة واسعة من المجالات، تشمل الطائرات الجوية بدون طيار (UAVs)، والمركبات السطحية بدون طيار (USF)، وأنظمة الأرضية بدون طيار (UGVs)، بهدف تنويع استخداماتها وتوسيع نطاق تأثيرها على ساحة المعركة. ومع ذلك، وعلى الرغم من الجهود المتزايدة في مجال البحث والتطوير، لم تشهد ساحات القتال حتى أوائل يونيو 2025 استخدامًا واسع النطاق لطائرات بدون طيار مزودة بالذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي من جانب أي من الطرفين. لكن في المقابل، تعمل روسيا وأوكرانيا بشكل مكثف ومتواصل على دمج قدرات التعلّم الآلي في الطائرات بدون طيار الجديدة مع بعض التعديلات المحدودة، ما يمهد الطريق تدريجيًا نحو تطوير طائرات بدون طيار ذاتية التشغيل بالكامل تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي في المستقبل القريب.
تتناول هذه الورقة مفهومَي الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي باعتبارهما أدوات تقنية ذات تطبيقات متنوعة ومستويات مختلفة من التعقيد في مجال تطوير الطائرات بدون طيار، مع الإشارة إلى أن هناك تداخلاً كبيراً في التعريفات، وغالباً ما يتم تصنيف وظائف التعلّم الآلي ضمن نطاق أوسع للذكاء الاصطناعي. وتبرز قدرات التعلّم الآلي كخيارات أكثر قابلية للتوسع وأسهل في التنفيذ داخل الطائرات بدون طيار، خاصة عندما تُدرّب النماذج على أداء مهام محددة ومتوقعة لا تتطلب موارد كبيرة من حيث قوة المعالجة أو الذاكرة أو بنى بيانات ضخمة.
من بين هذه المهام المحددة يمكن ذكر التنقل في بيئات محرومة من إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، والتوجيه الدقيق للطائرة، والتعرّف على الصور والأنماط، وقفل الأهداف، رغم أن بعض هذه الوظائف قد تتطلب استخدام أدوات وتقنيات ذكاء اصطناعي أكثر تقدماً. رغم ذلك، تظل الطائرات بدون طيار المزوَّدة بقدرات التعلّم الآلي بحاجة إلى إشراف وتوجيه بشري مستمر، سواء في تحديد الأهداف أو تعديل نماذج التعلم لتناسب بيئات جديدة أو معقدة، إلى جانب الحاجة لتواصل مستمر مع المشغل، مما يعني أن هذه الأنظمة قادرة على أداء مهام محددة ومبرمجة مسبقًا، لكنها تفتقر إلى درجة الاستقلالية والمرونة الذهنية اللازمة للتكيف مع ظروف معارك حقيقية دون تدخل بشري دقيق.
على النقيض من ذلك، تتميز نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا بقدرتها على تنفيذ مهام معقدة تتطلب ذكاءً يشابه الذكاء البشري، مثل تحليل البيانات الضخمة، اختيار الأهداف بشكل مستقل، تعديل مسارات الطيران في الوقت الحقيقي بناءً على التغيرات البيئية، وإدارة أسراب الطائرات بدون طيار في عمليات منسقة ضد أهداف محددة. كما تتيح هذه النماذج تكاملًا متقدمًا بين الطائرات بدون طيار، وتخزين وتحليل بيانات المهام في السحابة لتحسين الأداء بشكل ذاتي، مما يقلل أو يلغي الحاجة للتواصل المستمر مع المشغلين.
ومع ذلك، فإن دمج قدرات الذكاء الاصطناعي في الطائرات بدون طيار يمثل تحدياً كبيراً من حيث التكلفة والوقت، ويتطلب تطوير خوارزميات معقدة، بالإضافة إلى بنية حوسبة قوية، وسحابات بيانات ضخمة، فضلاً عن عمليات اختبار مكثفة وطويلة المدى لتدريب هذه الأنظمة على العمل والتعلم ضمن بيئات ساحة المعركة المتغيرة والمتنوعة.
تتطلب التطورات التكنولوجية في مجال الطائرات بدون طيار الحربية دمج وتطوير قدرات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي بشكل متكامل. يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا أساسيًا في تمكين الطائرات من اتخاذ قرارات مستقلة على مستوى متقدم، بينما يساهم التعلم الآلي في أداء مهام محددة وتوفير القدرة على التعلم المستمر من بيئة ساحة المعركة. ويُعد مفهوم طائرات السرب بدون طيار نموذجًا بارزًا للطائرات التي تعتمد بشكل كبير على هذه التقنيات، حيث تستخدم الذكاء الاصطناعي في ضمان التعاون والتشغيل البيني بين الطائرات، بالإضافة إلى استهداف الأهداف وتوزيع وإدارة المهام بينها. في الوقت نفسه، تتيح تقنيات التعلم الآلي للطائرات أداء وظائف متخصصة مثل التعرف على الصور، وتجنب التصادم مع طائرات أخرى، وتركيز القفل على الهدف بشكل دقيق.
ومنذ منتصف عام 2023، بدأت روسيا وأوكرانيا في التركيز بشكل متزايد على تطوير طائرات بدون طيار مزودة بقدرات الرؤية الآلية، وهي تقنية تعتمد على خوارزميات التعرف التلقائي على الصور التي تتيح للطائرة حفظ صورة الهدف وتتبعها حتى في حالة تحركه. جاءت هذه الخطوة كرد فعل من الجانب الأوكراني على استخدام روسيا المكثف للحرب الإلكترونية وتقنيات الاستطلاع الإلكتروني في ساحة المعركة، إضافةً إلى مواجهة مشكلة فقدان الاتصال مع مشغلي الطائرات، ما كان يؤدي إلى عدم وصول الطائرات إلى أهدافها بدقة.
تمتاز الطائرات المزودة بالتعلم الآلي بقدرتها على تحديد الأهداف بشكل مستقل حتى عند انقطاع الاتصال مع المشغلين، وهو أمر حاسم في ظل تدخلات الحرب الإلكترونية. مع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه الطائرات مزودة بذكاء اصطناعي كامل في الوقت الحالي، إذ أنها لا تستطيع التمييز بين الأهداف بشكل مستقل تمامًا، ولا تزال بحاجة إلى تدخل بشري في بعض مراحل العمليات.
على الجانب الروسي، بدأت القوات لأول مرة باستخدام طائرات بدون طيار ذات الرؤية الآلية مع إدخال طائرة لانسيت-3 في منتصف إلى أواخر عام 2023. وفي فبراير 2024، أعلن وزير التحول الرقمي الأوكراني، ميخائيلو فيدوروف، أن أوكرانيا تسعى لإنشاء طائرات بدون طيار ذكية مماثلة لطائرات Lancet-3 الروسية. وعرضت القوات الأوكرانية نماذج لطائرات بدون طيار ذات قدرات رؤية آلية في مارس 2024. وفي المقابل، واصلت روسيا تطوير هذه التقنيات، حيث أعلنت في مايو 2025 عن بدء الإنتاج التسلسلي لطائرات الهجوم الخفيفة Tyuvik، التي تتميز بأنظمة متقدمة لتوجيه الأهداف ومقاومة التداخل الإلكتروني، وتم اختبارها لأول مرة في يونيو 2024. وتتميز طائرات Tyuvik بقدرتها على تنفيذ الضربات بشكل مستقل بعد قيام المشغل بتحديد الأهداف في المرحلة الأخيرة من التخطيط، معتمدة على بيانات خرائط محملة مسبقًا وتقنيات التعرف على الصور، كما أنها قادرة على الطيران بدون الاعتماد على الملاحة عبر الأقمار الصناعية أو الاتصالات المباشرة مع المشغل في بيئات مشوشة بالحرب الإلكترونية.
وأشار المسؤولون الأوكرانيون في مايو 2025 إلى زيادة ملحوظة في استخدام روسيا لطائرات بدون طيار مجهولة الهوية تحمل قدرات ذكاء اصطناعي ورؤية آلية، مما يعكس توسعًا في عدد الطائرات المتطورة التي تستخدمها روسيا.
مع ذلك، واجهت كل من روسيا وأوكرانيا تحديات كبيرة في تطوير ونشر طائرات بدون طيار تعتمد على التعلم الآلي على الخطوط الأمامية خلال عامي 2024 وبداية 2025. وبسبب هذه الصعوبات، اتجه الطرفان إلى توسيع استخدام الطائرات بدون طيار التي تعمل عبر الألياف الضوئية. تجدر الإشارة إلى أن طائرات Lancet-3 الروسية شهدت مشاكل تقنية في وضع القفل على الهدف المستقل بين أواخر 2023 وبداية 2024. فقد أظهرت مقاطع فيديو قتالية في يناير 2024 أن طائرات Lancet-3 تمكنت من قفل هدف مركبة مدرعة لكنها أخطأت في اللحظة الأخيرة وضربت كومة حطام بدلاً من الهدف المقصود. وعلى الرغم من قدرتها على إصابة بعض أنظمة المدفعية وقاذفات الصواريخ، إلا أن Lancet-3 لم تظهر قدرة موثوقة على استهداف أهداف متخفية أو مموهة. وعبّر الخبراء الغربيون في فبراير 2024 عن شكوكهم بشأن مستوى الأتمتة الفعلي لطائرات Lancet-3 ودقة تقنيات التعرف على الأهداف المستخدمة فيها.
في الوقت ذاته، شرع المطورون الروس في تطوير وإنتاج متزامنين لطائرات بدون طيار تعمل بالألياف الضوئية، والتي تعد تقنية أقل تطورًا من الرؤية الآلية، لكنها توفر مزايا استراتيجية مهمة. تُعتبر الطائرات بدون طيار ذات الألياف الضوئية نوعًا من الذخائر الموجهة سلكيًا، وهي تقنية موجودة منذ عقود، لكنها أضحت فعالة بسبب مقاومتها العالية لتداخل الحرب الإلكترونية، وقدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة ضد المعدات المدرعة، وسهولة توسعتها بسبب بساطتها. وقد تمكنت القوات الروسية من فرض تحديات جديدة على القوات الأوكرانية باستخدام هذه الطائرات منذ منتصف 2024.
بشكل عام، تعكس هذه التطورات محاولات مستمرة من كلا الطرفين لتعزيز قدرات الطائرات بدون طيار الذكية، مع وجود تقدم ملموس في تقنيات الرؤية الآلية والذكاء الاصطناعي، ولكن مع استمرار وجود عقبات تقنية وبشرية تؤخر تحقيق الاستقلالية الكاملة لهذه الطائرات في بيئات القتال الحديثة.
في صيف عام 2024، صرّح الرئيس التنفيذي لشركة أوكرانية متخصصة في تصنيع الطائرات بدون طيار أن المطورين الأوكرانيين واجهوا صعوبات في تطوير تقنيات الرؤية الآلية بوتيرة سريعة، بسبب ضعف خوارزميات التوجيه. وأوضح أن الانتشار الواسع للحرب الإلكترونية الروسية على طول خط المواجهة، وليس فقط قرب الهدف، زاد من صعوبة الحفاظ على الاتصال المستمر مع الطائرات بدون طيار أثناء إطلاقها واستخدامها في العمليات.
في مايو 2025، أفاد أحد مطوري الطائرات بدون طيار الأوكرانيين، الذي كان يختبر طائرات مزودة بالرؤية الآلية منذ ما يقارب عامين، بأن التكنولوجيا المستخدمة لا تزال “في مراحلها الأولية” وتعمل “بشكل متوسط” على الطائرات التكتيكية المستخدمة على طول خطوط المواجهة. وأضاف أن مراحل التوجيه النهائية عادة ما تُجرى على الطائرات ذات الأجنحة الثابتة التي تطير لمسافات طويلة، بينما تواجه القوات الأوكرانية صعوبات في إدخال طائرات رباعية المراوح مزودة بالرؤية الآلية داخل نطاق الأهداف الروسية على ساحة المعركة. كما ذكر المطور أن هذه الطائرات تعاني من مشاكل في التوجيه خاصة عند متابعة أهداف متحركة، وأن كاميرات منظور الشخص الأول (FPV) غير قادرة على التعرف بدقة على الأهداف على مسافات تصل إلى 500 متر.
من جانبه، صرح قائد سرية أوكرانية بأن القوات تركز حالياً على دمج طائرات بدون طيار تعمل بالألياف الضوئية في العمليات الميدانية، نظرًا لمقاومتها العالية لتداخلات الحرب الإلكترونية.
في الوقت نفسه، أظهرت كل من روسيا وأوكرانيا بعض التكامل المحدود لقدرات الذكاء الاصطناعي في طائراتهما بدون طيار بحلول مايو 2025، لكنها لا تزال تستخدم هذه القدرات بشكل تجريبي ولم يتم نشرها على نطاق واسع في ساحة المعركة. وأشار خبير أوكراني في الحرب الإلكترونية إلى أن القوات الروسية نشرت سربًا مكونًا من ست طائرات بدون طيار بأجنحة مختلفة الألوان للتعرف على الطائرات بدون طيار الأخرى في 18 مايو 2025. وتُحمل هذه الطائرات رأسًا حربيًا يزن حوالي 3 كيلوغرامات، وتتمتع بمدى يصل إلى 80 كيلومترًا، مع أنظمة ملاحة بالقصور الذاتي والأقمار الصناعية، وتعتمد بشكل كبير على مكونات أجنبية الصنع.
كما تحتوي طائرات السرب الروسية على كاميرات عالية الدقة، ووحدة معالجة فيديو JETSON، وجهاز تحديد مدى بالليزر، ومحرك أقراص ثابت عالي السعة يتجاوز 100 جيجابايت. وأحد نماذج هذه الطائرات مزود بمحرك غاز يزيد من مدى التشغيل إلى أكثر من 100 كيلومتر. وفقًا للتقارير، تطلق القوات الروسية من 30 إلى 50 طائرة من هذا النوع يوميًا عبر عدة اتجاهات تشغيلية، في تشكيلات مختلفة تتراوح بين طائرتين وست طائرات بدون طيار. تعتمد هذه الطائرات على الملاحة البصرية للتضاريس لتوجيه رحلاتها، كما تكتشف الأهداف وتصنفها وتختارها بشكل مستقل دون الحاجة لموافقة المشغل النهائي على قرار الضربة.
من جانبها، استخدمت القوات الأوكرانية لأول مرة في أواخر مايو 2025 طائرة بدون طيار جديدة تعمل بالذكاء الاصطناعي تُعرف باسم “طائرة الأم” GOGOL-M. وأعلنت شركة ناشئة أوكرانية في 26 مايو 2025 أن هذه الطائرة نفذت أول مهامها المستقلة بنجاح ضد أهداف روسية. وأوضحت الشركة أن GOGOL-M قادرة على حمل طائرتين هجوميتين بدون طيار FPV، وإطلاق ضربات دقيقة تصل إلى مدى 300 كيلومتر.
وفي 29 مايو 2025، أعلن وزير التحول الرقمي الأوكراني ميخايلو فيدوروف أن منصة الدفاع الأوكرانية Brave1 قامت بإنشاء واختبار طائرة بدون طيار من طراز “السفينة الأم” يمكنها تحديد الأهداف وإيجادها وضربها بشكل مستقل باستخدام طائرتين بدون طيار FPV، ضمن مدى يصل إلى 300 كيلومتر، بما في ذلك استهداف الطائرات الروسية وأنظمة الدفاع الجوي والبنية التحتية الحيوية. وأشار فيدوروف إلى أن الطائرة الأم قادرة على العودة لاستخدامات إضافية إذا عملت على مسافة تصل إلى 100 كيلومتر، وتعتمد على نظام “SmartPilot” والكاميرات للملاحة البصرية والقصور الذاتي.
رغم هذه التطورات، لا تزال الفعالية الكاملة واستقلالية الطائرات بدون طيار الروسية والأوكرانية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي غير واضحة بشكل كامل، إذ تخضع كلا الأنظمة لاختبارات ميدانية مستمرة في ظروف القتال الواقعية، ما يعني أن هناك حاجة لمزيد من التطوير والتحسين قبل تحقيق أداء مستقل وموثوق على نطاق واسع في ساحة المعركة.
يعتمد التوسع الروسي في تطوير الطائرات بدون طيار المزودة بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي بشكل كبير على بناء نظام متكامل للوعي الظرفي وإدارة ساحة المعركة. تسعى روسيا لإنشاء نظام سحابي متطور يمكنه تجميع وتحليل بيانات الخطوط الأمامية، مما يتيح تدريب طائراتها بدون طيار المدعومة بالذكاء الاصطناعي على التعرف التلقائي على الأهداف، وتجنب الاصطدام بالطائرات الصديقة، فضلاً عن تمكين الجيش من متابعة عمليات الطائرات بدون طيار على طول خط المواجهة بشكل فعال.
في المقابل، طورت أوكرانيا منذ سنوات أنظمة متعددة للوعي الظرفي مثل “دلتا” و”كروبيفا”، والتي تحاكي نموذج وزارة الدفاع الأمريكية للقيادة والسيطرة المشتركة الشاملة (CJADC2). يُعتبر نظام دلتا برنامجًا سحابيًا شاملاً يجمع ويحلل البيانات، ويوفر وعيًا ظرفيًا متكاملاً يدعم عمليات اتخاذ القرار. يمكّن هذا النظام القوات الأوكرانية في مختلف الفروع ومستويات القيادة من تنسيق المعلومات الاستخباراتية المجمعة من مصادر متعددة مثل الطائرات بدون طيار، والأقمار الصناعية، والكاميرات الثابتة، وأجهزة الاستشعار، ووحدات الاستطلاع في الخطوط الأمامية.
كما أضاف نظام دلتا تطبيقًا للتحكم في المهام يُعرف بـ”مصفوفة التزامن”، يستخدمه مشغلو الطائرات بدون طيار الأوكرانيون لتجنب النيران الصديقة وتنظيم مهام الطائرات بكفاءة. بالإضافة إلى ذلك، دمج النظام تطبيق “Vezha” الخارجي، وهو نظام متطور لتحليل فيديو ساحة المعركة يتضمن بث الفيديو وقدرات استغلال الفيديو الجماعي، مما يتيح استهدافًا دقيقًا بمساعدة الذكاء الاصطناعي وإرسال الأهداف إلى وحدات الضرب عبر وحدة الوعي الظرفي المسماة “Monitor”. ويعتمد “Vezha” على نظام “Avengers AI” لاكتساب الأهداف، ما يعزز من قدرات تحليل وإدارة البيانات القائمة على السحابة، ويمنح القوات الأوكرانية ميزة في تدريب الطائرات بدون طيار المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي.
من جانبها، تحاول روسيا اللحاق بهذه الابتكارات الأوكرانية عبر تطوير نظام مشترك للوعي الظرفي. في 22 مايو 2025، أفادت وكالة الأنباء الروسية الحكومية RBC أن نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية الروسي “GLONASS” ومؤسسة المبادرة التكنولوجية الوطنية NTI قد أعدتا مسودة لمفهوم نظام جديد يحمل اسم “السماء الرقمية لروسيا”. يهدف هذا النظام إلى دمج مختلف أنظمة الجو والفضاء والطائرات بدون طيار غير المترابطة حاليًا في شبكة واحدة ونظام معلومات موحد، تُدار بياناته عبر الذكاء الاصطناعي بالتنسيق مع العنصر البشري، من أجل نقل وتحليل بيانات الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار بكفاءة عالية.
وفقًا لتقارير RBC، يتضمن “السماء الرقمية لروسيا” إنشاء كوكبة من الأقمار الصناعية الروسية منخفضة المدار، وشبكات اتصالات هجينة، وبيئة موثوقة لتبادل المعلومات، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير اتصالات آمنة مع المركبات غير المأهولة. كما يخطط المطورون الروس لتقديم مقترح المشروع إلى وزارات وهيئات حكومية مختلفة، بما في ذلك وزارة النقل، وروسكوسموس، ووزارة التنمية الاقتصادية بحلول 16 يوليو 2025.
على الرغم من هذه المبادرات الطموحة، قد يعرقل النهج المركزي الذي تتبعه روسيا في تطوير وإنتاج الطائرات بدون طيار تقدمها في مجال الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. يسعى الكرملين إلى السيطرة المركزية على الشركات والمنظمات التي يقودها متطوعون، والتي كانت تمثل سابقًا محركات رئيسية للابتكار في تكنولوجيا الطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي داخل روسيا. ومنذ عامي 2023 و2024، استثمر الكرملين بشكل متزايد في شركات تطوير الطائرات بدون طيار والشركات الناشئة، مخصصًا نحو 243 مليار روبل (ما يعادل ثلاثة مليارات دولار) لهذه الصناعة، وهو مبلغ يُقارَن تقريبًا بالاستثمارات المخططة لتطوير الطاقة النووية على مدى ست سنوات.
في هذا السياق، أنشأت وزارة الدفاع الروسية مركزًا للتدريب وإنتاج الأنظمة غير المأهولة في قاعدة كتيبة المتطوعين “سودوبلاتوف” بمنطقة دونيتسك المحتلة أواخر عام 2023. ومع ذلك، أنتج المركز طائرات بدون طيار رخيصة وغير فعالة كانت عرضة لتأثير أنظمة الحرب الإلكترونية الأوكرانية، مما يشير إلى محدودية هذه الجهود.
تؤدي جهود المركزية والبيروقراطية هذه إلى تآكل استقلالية مطوري الطائرات بدون طيار الروس، وتقيد قدرتهم على تحقيق اختراقات تكنولوجية سريعة وفعالة، وهو ما قد يعيق روسيا عن المنافسة الفعالة في ميدان الطائرات بدون طيار الذكية مقارنة بالتطورات الأوكرانية التي تتسم بمرونة أكبر وابتكار مستمر.
تشهد روسيا وأوكرانيا سباقًا معقدًا لتطوير طائرات بدون طيار تعمل بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، وسط تحديات تقنية واستثمارية وتنظيمية كبيرة تعكس الفروق الجوهرية في النهج والموارد بين الطرفين. من جهة، يعمل الكرملين على إنشاء مركز تطوير ذكاء اصطناعي تديره الدولة بهدف تنسيق الجهود بين الوكالات الحكومية والمناطق والشركات، ودعم أولويات الحكومة في المجال التقني، خاصة العسكرية منها. يطمح هذا المركز إلى تحديث رقمي شامل للأنظمة الحكومية المتباينة الأداء على المستويين الفيدرالي والإقليمي، مما يعكس رغبة روسيا في تأكيد موقعها في صدارة سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، كما أعلن نائب رئيس الوزراء دميتري تشيرنيشينكو في منتصف مايو 2025. على الرغم من ضخامة الاستثمارات الحكومية، والتي بلغت حوالي ثلاثة مليارات دولار في قطاع الطائرات بدون طيار خلال عامي 2023 و2024، يواجه التطوير الروسي تحديات بيروقراطية ناجمة عن النهج المركزي الذي يهيمن على صناعة الطائرات بدون طيار. إذ تسعى الدولة للسيطرة على الشركات والمنظمات التي كانت في السابق بيئة خصبة للابتكار التطوعي، مما قد يحد من سرعة الابتكار والمرونة التكنولوجية، خاصة مع القيود المفروضة على المجموعات التطوعية والتمويل الجماعي، وحظر وصولهم إلى خطوط المواجهة. من جهة أخرى، تتقدم روسيا بمشروع “السماء الرقمية”، الذي يهدف إلى بناء شبكة متكاملة لأنظمة الجو والفضاء والطائرات بدون طيار، تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوفير وعي ظرفي شامل وتحسين العمليات القتالية، وهو مشروع طموح يدمج تكنولوجيا الأقمار الصناعية واتصالات هجينة وآليات تبادل بيانات موثوقة.
أما أوكرانيا فتواجه واقعًا مختلفًا، إذ تعاني من نقص حاد في التمويل والموارد التقنية، مما يعيق تطوير الطائرات بدون طيار الذكية. بالرغم من امتلاكها قدرات بارزة في مجال الذكاء الاصطناعي تعتمد على المصادر المفتوحة والقطاع التجاري، فإن هذه القدرات وصلت إلى ما وصفه خبراء بـ”السقف الزجاجي”، حيث لم تعد قادرة على تحقيق قفزات نوعية بسبب محدودية الاستثمارات والدعم الحكومي. هذا النقص في التمويل ينعكس أيضًا على قدرات البنية التحتية البشرية والتقنية، حيث تفتقر أوكرانيا إلى عدد كافٍ من المتخصصين ذوي الخبرة في الذكاء الاصطناعي وقوة الحوسبة المطلوبة لتطوير ونشر الطائرات بدون طيار ذات التعلم الآلي بشكل فعال. تواجه أوكرانيا تحديًا مزدوجًا: مواصلة الابتكار التكنولوجي طويل الأمد في ظل الحرب، وفي الوقت نفسه، تلبية الاحتياجات القتالية العاجلة، بما في ذلك محاولة مضاهاة طائرات الألياف الضوئية الروسية الأكثر تطورًا. تتسم جهود التطوير الأوكرانية بتجزئة واضحة بين الهيئات العسكرية والمدنية، ونقص التنسيق بين الحكومة والجيش، مما يزيد من صعوبة تسريع وتيرة الابتكار.
على الصعيد الميداني، تبقى طائرات FPV التكتيكية هي الأكثر استخدامًا في الخطوط الأمامية لكلا الطرفين، نظرًا لتكلفتها المنخفضة ومرونتها في التعامل مع ظروف الحرب المتغيرة. بينما لا تزال طائرات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في مراحل اختبار وتطوير تجريبية، مع استخدامات محدودة في مهام معينة مثل استهداف معدات أو دبابات محددة. وبهذا، تبدو الثورة في استخدام طائرات الذكاء الاصطناعي بعيدة نسبيًا، وستحتاج كل من روسيا وأوكرانيا إلى المزيد من الوقت والاستثمارات والاختبارات لتمكين هذه التكنولوجيا من الانتشار على نطاق واسع في ساحة المعركة. وبناءً على ذلك، يُنتظر أن يظل مزيج من الطائرات بدون طيار التقليدية والمتقدمة هو السائد في القتال خلال الأشهر والسنوات القادمة، مع استمرار الطرفين في تحسين قدراتهم التقنية والعمل على توسيع نطاق إنتاج هذه الأنظمة المتطورة.
كاترينا ستيبانينكو
2 حزيران/يونيو 2025
مركز أسيار
رابط البحث

