قادَت المملكة العربية السعودية تحركًا إقليميًا موحدًا بإدانة الحرب التي شنتها إسرائيل على إيران، معبرةً عن موقفها بحزم، رغم وصفها لإيران بأنها دولة “شقيقة” رغم التنافس الإقليمي الطويل بين البلدين. هذا الموقف جاء في ظل توتر متصاعد في المنطقة، حيث أدركت دول الخليج أن تداعيات الصراع قد تتجاوز الحدود المحلية وتؤثر على استقرار المنطقة بأكملها.
في سياق ذلك، طالبت قيادات رفيعة المستوى في شبه الجزيرة العربية بضرورة خفض التصعيد والتهدئة، مشيرين إلى المخاطر الاقتصادية الكبيرة التي قد تنتج عن تمدد النزاع، إضافة إلى القلق من احتمالات انزلاق الصراع ليشمل قوى دولية مثل الولايات المتحدة، مما قد يفاقم الأزمة ويزيد من تعقيدها.
ورغم هذا التضامن الظاهر على المستوى الرسمي، يلفت بعض المحللين إلى وجود توجهات سرية في بعض عواصم دول الخليج التي ترى في ضعف إيران فرصة استراتيجية لتعزيز نفوذها وتقليل تهديدات المنطقة التي تشكلها طهران. ومع ذلك، هناك رؤية أخرى ترى أن أفضل مسار يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي اتباعه في هذه الأزمة هو الانخراط الدبلوماسي الفاعل، مع تبني موقف “الحياد الإيجابي” الذي يسمح لهم بتجنب الانجرار إلى صراعات مباشرة، والحفاظ على استقرار المنطقة والتوازنات الإقليمية.
بذلك، تبدو دول الخليج في مفترق طرق حاسم بين المشاركة السياسية الحكيمة للحفاظ على مصالحها وبين استغلال الأزمة لتغيير موازين القوى الإقليمية، وهو ما يتطلب حنكة دبلوماسية عالية وسط بيئة إقليمية ودولية متقلبة.
ردود الفعل الرسمية: فور ورود تقارير عن ضربات إسرائيلية على إيران في الساعات الأولى من صباح 13 يونيو/حزيران، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانًا أدانت فيه الهجوم، محمّلةً “المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مسؤولية كبيرة لوقف هذا العدوان”.
كما أعرب مجلس التعاون الخليجي على الفور عن انتقادات شديدة. وأكد الأمين العام لمجلس التعاون، جاسم محمد البديوي، أن الهجوم يشكل انتهاكًا للقانون الدولي، وحثّ على وقف فوري “لهذا العدوان” وتجنب التصعيد الذي “قد يشعل صراعًا أوسع”.
- حثّ وزير الخارجية العماني، السيد بدر البوسعيدي، “المجتمع الدولي على التكاتف لرفض العدوان الإسرائيلي ودعم خفض التصعيد”، واصفًا “الهجوم الأحادي الجانب” الإسرائيلي على إيران بأنه “غير قانوني وغير مبرر ويشكل تهديدًا خطيرًا للاستقرار الإقليمي”.
- أدان كبيرا الدبلوماسيين في قطر والإمارات العربية المتحدة بشدّة الهجوم الإسرائيلي في اتصالات مع نظيرهما الإيراني عباس عراقجي. وقد تم التأكيد على ذلك خلال مكالمة هاتفية في 14 يونيو/حزيران بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
- كما تحدّث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان آل سعود في 14 يونيو/حزيران مع بزشكيان، مقدّمًا تعازيه في ضحايا القصف الإسرائيلي، ومندّدًا بالحرب باعتبارها تهديدًا مباشرًا لسيادة إيران وأمنها. وحمّل محمد بن سلمان إسرائيل مسؤولية تعطيل الدبلوماسية الإيرانية الأمريكية وعرقلة جهود خفض التصعيد. وكان من المقرَّر أن يعقد المفاوضون الإيرانيون والأمريكيون جولة سادسة من المحادثات في 15 يونيو/حزيران في مسقط، لكنها أُلغيَت في أعقاب الهجوم الإسرائيلي المفاجئ.
أصدر وزراء خارجية الدول الأفريقية والآسيوية والإقليمية — بما في ذلك جميع أعضاء مجلس التعاون الخليجي — بيانًا مشتركًا في 16 يونيو/حزيران، أدانوا فيه هجوم إسرائيل على إيران، وحذّروا من عواقب وخيمة على الاستقرار الإقليمي.
- دعا الموقعون إلى شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية، وحثّوا جميع دول المنطقة على الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. يُذكر أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في غرب آسيا التي رفضت التوقيع والتصديق على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
- أكد كبار الدبلوماسيين أيضًا أن الدبلوماسية هي السبيل الوحيد القابل للتطبيق للمضي قدُمًا، وشدّدوا على أهمية حرية الملاحة والأمن البحري، مشيرين إلى التداعيات المحتملة للصراع الإيراني الإسرائيلي
الجدل الخليجي العربي: بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران، أكدت العديد من وسائل الإعلام الإقليمية تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي أكد فيها أن الهجوم يهدف إلى حماية “الاستقرار الإقليمي” مما وصفه بالعدوان الإيراني.
مع ذلك، لم تلقَ هذه المزاعم صدىً إيجابيًا في عواصم دول الخليج العربية، التي تتابع بقلق تبادل إطلاق النار بين الطرفين، مما وضع دول مجلس التعاون الخليجي في موقف صعب يثير مخاوفها من الوقوع في مرمى الصراع.
- في مقال نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية بتاريخ 15 يونيو/حزيران، تساءل الصحفي والكاتب السعودي طارق الحميد عن موقف دول الخليج في ظل تصاعد الأزمة، متسائلًا ما إذا كانت ستظل على الحياد أم ستتخذ موقفًا واضحًا، خصوصًا في حال استهداف إيران للمصالح الأمريكية في الخليج واحتمال تدخل الولايات المتحدة في النزاع.
- وأشار الخبير السعودي عبد العزيز صقر، مؤسس ورئيس مركز الخليج للأبحاث، إلى الوضع “الحرج للغاية” الذي تمر به دول مجلس التعاون، مشيرًا إلى ارتباطها الجغرافي والاقتصادي الوثيق بإيران، ما يجعلها عرضة لمخاطر كبيرة. وأضاف أن الأولوية القصوى لهذه الدول تتمثل في “تجنب الانجرار إلى الصراع سواء كساحة قتال أو كهدف للانتقام غير المباشر”.
- من جانبه، صرح المحلل السياسي السعودي هشام الغنام بضرورة أن تعمل دول الخليج على “تعزيز الدبلوماسية الإقليمية لتهدئة التوترات، وحث جميع الأطراف على ضبط النفس لتفادي التصعيد”.
- فيما شدد الخبير الكويتي ظافر العجمي على أهمية تمسك دول الخليج بسياسة “الحياد الإيجابي”، معتبرًا أن هذا الموقف هو السبيل الأمثل للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة وسط الأوضاع المتوترة.
على الرغم من إصرار دول مجلس التعاون الخليجي على عدم استخدام أراضيها لشنّ عمليات عسكرية هجومية ضد إيران، إلا أن هذا الموقف لا يضمن حمايتها الكاملة من تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية، مما يثير مخاوف الخبراء من اندلاع صراع إقليمي شامل وتأثيراته السلبية على أمن واقتصادات دول الخليج.
- حذّر محلل الشؤون الدفاعية القطري، نواف محمد آل ثاني، من أن “الضربة الإسرائيلية على إيران ربما لم توقف البرنامج النووي، لكنها قد تُشعل عاصفة إقليمية تجرّ الخليج والغرب إلى الصراع”، مضيفاً أن مثل هذا الصراع سيكون “حرباً إقليمية ذات تداعيات عالمية”.
- أشارت دراسة أجراها معهد رصانة الدولي للدراسات الإيرانية، ومقرّه الرياض، في 15 يونيو/حزيران، إلى أن طهران استخدمت برنامجها النووي كورقة مساومة في مفاوضاتها مع الغرب. ومع ذلك، جادلت الدراسة بأن “إيران تواجه خياراً حاسماً: إمّا التخلّي عن تخصيب اليورانيوم… أو التوجّه نحو تسليح قدراتها النووية لإنشاء قوّة ردع”. كما سلّط المحلل السياسي السعودي هشام الغنام الضوء على المخاطر البيئية، مشيراً إلى أن قصف مفاعل بوشهر النووي “قد يتسبّب في تسرب إشعاعي كارثي” يلوث مياه الخليج، مما يعرض تشغيل محطات تحلية المياه للخطر، وهو ما من شأنه “أن يُفاقم ويُعقّد التوترات السياسية في المنطقة”.
- يُعدّ تعطيل التجارة البحرية مصدر قلق كبير آخر. فقد أشار موقع إيلاف السعودي في 14 يونيو/حزيران إلى خطر قيام إيران بإغلاق أو مهاجمة السفن في مضيق هرمز، الأمر الذي قد يعرقل التجارة ويرفع أسعار النفط. وتجدر الإشارة إلى أن دراسة “رصانة” الصادرة في 15 يونيو/حزيران أشارت إلى أن إيران قد تُحاول أيضاً تعطيل حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر عبر حركة أنصار الله في اليمن “لرفع الرهانات على واشنطن”.
- في مقال نُشر في صحيفة الشرق الأوسط في 15 يونيو/حزيران، دعا الخبيران ظافر العجمي وهشام الغنام إلى تعزيز القدرات الدفاعية لدول الخليج لمواجهة أي رد انتقامي محتمل من إيران أو من أعضاء “محور المقاومة”، مع التأكيد على أهمية التنسيق مع الشركاء الدوليين لحماية مرافق الطاقة والبنية التحتية الحيوية.
السياق/التحليل: يعكس الرد الموحّد وإن بدا متضارباً في بعض الجوانب من دول الخليج العربية على حرب إسرائيل ضد إيران، تعقيدات الحسابات الجيوسياسية التي تواجهها المنطقة، حيث تتقاطع المنافسات الإقليمية مع مخاوف أمنية راسخة.
- يمكن اعتبار هذا الموقف الدبلوماسي نجاحًا نابعًا من التقارب الإيراني السعودي الذي توسطت فيه الصين عام 2023. وقد شكّل هذا التقارب تحوّلًا جذريًا مقارنة بالسياسات والخطابات السعودية السابقة، التي كانت تصف إيران بـ “رأس الأفعى”.
- يُقال إن ما اعتُبر فشلاً أمريكيًا في تقديم الدعم الكافي لدول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا عقب الهجمات التي أُلقي باللوم فيها على إيران في فترة رئاسة دونالد ترامب (2017-2021)، قد أدى إلى تحوّل تدريجي في اعتماد دول الخليج على الضمانات الأمنية الأمريكية، وزاد من وتيرة انخراطها الدبلوماسي مع طهران.
- على النقيض من المحادثات التي سبقت الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، تبنّت أبو ظبي والرياض نهجًا إيجابيًا تجاه المفاوضات النووية الإيرانية-الأمريكية الحالية. فبينما كانت دول مجلس التعاون تخشى في السابق أن يؤدي التقارب الإيراني-الأمريكي إلى تهميشها، فإنها الآن تتركز مخاوفها على احتمال الانجرار إلى صراع مباشر بين إيران والولايات المتحدة.
- في 12 مارس/آذار، نقل المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش رسالة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إيران، في وقت سابق على بدء المحادثات بين طهران وواشنطن. وأشارت التقارير إلى أن أبو ظبي عرضت تسهيل جهود دبلوماسية، إلا أن عُمان كانت الدولة المستضيفة للمحادثات في نهاية المطاف.
- في أبريل/نيسان، قام وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان آل سعود بأعلى زيارة لمسؤول سعودي إلى إيران منذ عام 2023. ووفقًا لتقارير أمواج ميديا، كانت الزيارة تهدف إلى ترسيخ العلاقات الدبلوماسية وطمأنة إيران بموقف المملكة من الأمن الإقليمي، لا سيما فيما يتعلق بالصراع في اليمن. بالإضافة إلى ذلك، أبدت السعودية انفتاحًا على إمكانية التنازل عن بعض الطموحات النووية الإيرانية، إذا حصلت على دعم من الولايات المتحدة لبرنامجها النووي، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم، مع فصل هذا الملف عن مسألة التطبيع السعودي مع إسرائيل.
- في نهاية المطاف، من المرجّح أن تلعب المصالح والحسابات الاقتصادية دورًا حاسمًا في تشكيل مخاوف دول الخليج من أي تصعيد محتمل بين إيران وإسرائيل.
- ويُعتبر هذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة للمملكة العربية السعودية، حيث يعتمد تركيز ولي العهد محمد بن سلمان على النمو الاقتصادي والمشاريع العملاقة وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، بشكل كبير على تحقيق استقرار إقليمي مستدام.
المستقبل: من المرجح أن تواصل دول الخليج العربية اتباع سياستها الدبلوماسية المتوازنة، حيث تظل تدين علنًا الأفعال الإسرائيلية، بينما تأمل في الوقت نفسه سريًا أن تتراجع إيران دون أن يؤدي ذلك إلى اندلاع صراع إقليمي أوسع.
- تعكس هذه الديناميكيات احتمال استمرار الضغط على الوساطة الدولية. ومن خلال التركيز على الدعوات للتحرك عبر مجلس الأمن الدولي، يبدو أن مسؤولي دول مجلس التعاون الخليجي يُفضلون اعتماد نهج متعدد الأطراف يهدف إلى احتواء أي تصعيد محتمل ومنع توسع النزاع.
- في نهاية المطاف، تظل مشاريع التنمية الإقليمية واستراتيجيات التنويع الاقتصادي في دول الخليج عرضة لمخاطر الصراع الطويل الأمد. وهذا الواقع يعزز الدعوات المستمرة لخفض التصعيد والحفاظ على الاستقرار، بغض النظر عن المواقف والتوترات المرتبطة بالتطورات المحتملة في إيران.
مركز أسبار
رابط البحث

