في ظل شن إسرائيل لهجوم واسع على إيران ضمن عملية “الأسد الصاعد”، تدرس الولايات المتحدة احتمال التدخل المباشر بمهاجمة المواقع النووية الإيرانية، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد كارثي في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يُعتبر اللجوء إلى الدبلوماسية الخيار الأكثر حكمة، حيث ينبغي لطهران تقديم حوافز ملموسة لتحفيز واشنطن على تبني هذا المسار.
بعد أقل من أسبوع على بدء إسرائيل حملة “الأسد الصاعد”، التي تهدف إلى إضعاف البرنامج النووي الإيراني بشكل كبير والقضاء على تهديد صواريخها، تواجه الولايات المتحدة نقطة قرار حاسمة. فبعد أشهر من محاولة إقناع الحكومة الإسرائيلية بتخفيف وتيرة هجماتها، في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تحاول التفاوض على اتفاق نووي جديد مع طهران، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا اهتمامًا محتملاً بالانضمام إلى إسرائيل في المواجهة. وأعلن البيت الأبيض في 19 يونيو/حزيران أنه سيتخذ قرارًا خلال أسبوعين.
وقد أسفرت الغارات الجوية والعمليات السرية الإسرائيلية خلال الأيام الماضية عن استهداف قادة رفيعي المستوى في الجيش الإيراني، ومقتل علماء نوويين بارزين بالإضافة إلى عدد كبير من المدنيين. كما تسببت في أضرار جسيمة بعدة منشآت نووية. ولم تقتصر الضربات على القطاع العسكري، بل شملت أيضًا الدفاعات الجوية، منشآت نفطية، وهيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية، إلى جانب هجوم إلكتروني على النظام المالي الإيراني.
وفي المقابل، تكبدت إيران خسائر ملحوظة، حيث شنت هجمات مضادة استهدفت مقر الجيش الإسرائيلي في تل أبيب ومصفاة نفط في حيفا، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن عشرين مدنيًا.
ومع ذلك، لكي تتمكّن إسرائيل من تعطيل البرنامج النووي الإيراني بالقدر الذي تسعى إليه، من المرجح أنها ستحتاج إلى دعم أمريكي لاختراق منشأة تخصيب اليورانيوم المحصّنة بشدة في فوردو. ومن هذه النقطة، قد تتسع أهداف إسرائيل لتشمل ليس فقط شل القدرات النووية والتقليدية لإيران، بل وأيضًا محاولة الإطاحة بالنظام الذي طور هذه القدرات. وقد تستخدم إسرائيل، كحجة لتصعيد الحرب، صعوبة التحقق من الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي دون اللجوء إلى قوات برية.
وفي صباح 19 يونيو/حزيران، وبعد إصابة صاروخ إيراني مباشر لمستشفى سوروكا جنوب إسرائيل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، لأول مرة بشكل صريح عن نية بلاده استهداف مكاتب حكومية إيرانية، مشيرًا ضمنًا إلى أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، قد يكون أيضًا هدفًا محتملاً.
ما كان ينبغي أن تصل الأمور إلى هذا التصعيد الحاد. خلال فترة ولايته الأولى، انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي متعدد الأطراف المبرم عام 2015، والذي فرض قيودًا صارمة على البرنامج النووي الإيراني وفرض رقابة دولية. وتلقي تقييمات الاستخبارات التي صدرت في عهد إدارة ترامب بظلال من الشك على التأكيدات الإسرائيلية التي تبرر حملتها بأنها ضرورية لمنع إيران من صنع قنبلة نووية في المستقبل القريب.
لكن الآن، بعد أن وجهت إسرائيل ضربة وردّت إيران، باتت خيارات تجنب اندلاع حرب أوسع نطاقًا أقل بكثير، مما يضع المنطقة على شفا أزمة خطيرة.
مع سعي إسرائيل لتحقيق نصر استراتيجي حاسم في صراعها مع إيران، يحتم ذلك توخي الحذر الشديد من أي طرف قد يُوسّع نطاق الحرب ويجرّ المنطقة إلى تصعيد أوسع. وبينما بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبل أسبوعين، مرحّبًا بالدبلوماسية كخيار لتفادي التصعيد، لا يزال احتمال تدخله المباشر في النزاع قائماً بقوة. وإذا قرر الانخراط في الحرب، فإنه يخاطر بأن ينضم إلى قائمة من الرؤساء الأمريكيين من الحزبين الذين لم يقدروا خطورة الصراعات في الشرق الأوسط، مما كلف الاستقرار الإقليمي، وقوة الولايات المتحدة، وسمعة قيادتهم ثمناً باهظاً.
في المقابل، إذا بالغت القيادة الإيرانية، خصوصًا العناصر المُتمرّدة منها، في استغلال نفوذها المتصاعد وفشلت في إقناع واشنطن بالعودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق، فقد يؤدي ذلك إلى كارثة ليس فقط على الجمهورية الإسلامية نفسها، بل على الشعب الإيراني الذي عانى طويلاً تحت حكم النظام، بالإضافة إلى تداعيات خطيرة على دول المنطقة المحيطة.
تضيق فرصة وقف هذا الصراع تدريجيًا، غير أن الأمل لا يزال قائماً في نجاح دبلوماسية اللحظة الأخيرة، بشرط أن تأتي إيران مستعدة لتقديم تنازلات جدية، وأن تظهر الولايات المتحدة العزم على التوصل إلى اتفاق يضمن استقرار المنطقة ويمنع اتساع رقعة الحرب.
مكاسب إسرائيل والتحوّلات الأمريكية
تُشكّل العملية الإسرائيلية ضد إيران ذروة حملاتها المدمّرة التي استهدفت حلفاء طهران من الفصائل غير الحكومية في غزة ولبنان، وذلك على خلفية هجمات حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كما تأتي هذه العملية في ظل تدهور نظام بشار الأسد، الشريك السياسي الرئيسي لإيران في سوريا. وقد أدت نجاحات إسرائيل في إضعاف ما تسميه الجمهورية الإسلامية بـ”محور المقاومة” — شبكة تحالفاتها الإقليمية — إلى تآكل القدرة الانتقامية لإيران وحلفائها، مما عزز ثقة المخططين العسكريين الإسرائيليين الذين يتفاخرون بسيطرتهم الجوية على الأراضي الإيرانية.
ويبدو أن هذا الشعور بنجاح الحملة الإسرائيلية في إيران بدأ يؤثر بشكل واضح على صناعة القرار الأمريكي. ففي الأيام التي سبقت الضربات الإسرائيلية الأولى في 13 يونيو/حزيران، أبدى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب رغبته في منح المحادثات النووية مع إيران فرصة جديدة، حيث كان من المقرر عقد جولة سادسة من المفاوضات في 15 يونيو/حزيران. ومع انطلاق مناورات “الأسد الصاعد”، حاولت الولايات المتحدة لفترة وجيزة النأي بنفسها عن الهجمات، حيث صرح وزير الخارجية ماركو روبيو قائلاً: “اتخذت إسرائيل إجراءً أحادي الجانب ضد إيران الليلة، ولسنا متورطين في هذه الضربات. أولويتنا القصوى هي حماية القوات الأمريكية في المنطقة”. ولكن مع تواصل نجاحات إسرائيل، تصاعد الدعم العلني من جانب ترامب للحملة، مع تباهيه بالدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في تحقيق هذه الإنجازات.
فاجأ التغير في موقف ترامب تجاه العمل العسكري الإسرائيلي الكثير من مراقبي الإدارة الأمريكية. لطالما أعرب أنصار سياسة عدم التدخل في الشؤون الخارجية، من كلا الحزبين، عن قلقهم من أن إسرائيل قد تشن حربًا على إيران بهدف جر القوات الأمريكية إلى الصراع. ومع ذلك، بدا ترامب مستعدًا للرد بحزم على أي محاولة من هذا النوع. خلال حملاته الرئاسية الثلاث، عارض التدخلات الأمريكية الفاشلة في الشرق الأوسط، وكان من بين أقرب حلفائه السياسيين مناصرو سياسة عدم التدخل بشكل واضح.
لقد أبقى ترامب صقور إيران خارج إدارته، مع حرصه على كبح جماحهم، مثل نائب الرئيس جيه دي فانس، من خلال عدم تعيينهم في مناصب رئيسية، على الرغم من أن بعض المعيَّنين الأكثر تشددًا، مثل ماركو روبيو، ما زالوا يشغلون مناصب بارزة، حيث يتولى روبيو حاليًا مهام وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي.
على الرغم من أن ترامب أعطى الضوء الأخضر في مارس/آذار لقصف الولايات المتحدة للحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن، إلا أنه تراجع عن هذا القرار بعد أسابيع قليلة عبر اتفاق لوقف إطلاق النار مع الحوثيين، والذي لم يشمل وقف هجماتهم الصاروخية على إسرائيل، ويُعتبر هذا الاتفاق انتصارًا لكبح جماح الحوثيين.
كما اتخذ ترامب خطوات أخرى في السياسة الإقليمية، مثل الإعلان عن نيته رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا بعد نظام بشار الأسد، مما يشير إلى أن توجهاته ليست دائمًا متوافقة تمامًا مع التفضيلات الإسرائيلية.
فلماذا حدث هذا التحوّل المفاجئ؟ يعود ذلك جزئياً إلى الصراع بين المعسكرين التدخلي وغير التدخلي داخل إدارة ترامب نفسها. كما قد يعكس شعوره بأن المفاوضين الإيرانيين كانوا يماطلون في تحقيق تقدّم، إلى جانب المخاوف المتزايدة من تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أظهرت عراقيل في تحقيقات الضمانات النووية وازدياد مخزونات اليورانيوم الإيرانية. كما ساهمت أيضاً معلومات المخابرات الإسرائيلية التي تشير إلى أن إيران تسعى سرّاً لتسريع تطوير سلاح نووي.
يلعب الضغط الإسرائيلي دوراً رئيسياً في هذا التحوّل، حيث ضغط رئيس الوزراء نتنياهو على مدى عقود وبشكل مستمر من أجل تدخل أمريكي مباشر ضد إيران، رافضاً الحلول التي تقتصر على الحدّ من البرنامج النووي بدلاً من القضاء عليه تماماً. يزعم المسؤولون الإسرائيليون حالياً أن الضربات الأمريكية فقط هي التي يمكن أن تُنهي الحرب بسرعة، وهو مطلب بات أكثر إلحاحاً مع وجود ملايين الإسرائيليين في الملاجئ. تصريحاتهم هذه، سواء العلنية أو السرية، تعزز مواقف الصقور في الإدارة الأمريكية المتشددة تجاه إيران.
في ظل هذه الخلفية، يبدو أن البيت الأبيض يقترب من الانخراط المباشر في الصراع. لعدة أيام، تمسّك ترامب وفريقه بموقف دفاعي، مؤكدين أن الولايات المتحدة ستتدخل فقط إذا استهدفت إيران أو حلفاؤها مصالح أو أصولاً أمريكية. لكن هذا الموقف بدأ يتراجع تدريجياً. ففي 17 يونيو/حزيران، نشر ترامب على منصته “تروث سوشيال” رسالة تطالب بـ”استسلام غير مشروط” من إيران. وفي الوقت نفسه، لاحظ المراقبون حركة غير معتادة لطائرات التزويد بالوقود والطائرات المقاتلة متجهة من الولايات المتحدة إلى أوروبا والشرق الأوسط.
مع أن ترامب بقي متحفظاً بشأن موعد أو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدخل الحرب، ولم يطلب موافقة الكونغرس كما ينص القانون، إلا أن خطابه أعطى إشارات واضحة بوجود نوايا للتصعيد، مما ينذر بتطورات خطيرة في الصراع.
ربما تأمل واشنطن أن يدفع مزيج التهديدات واستعراض القوة طهران إلى تقديم تنازلات كبيرة في اتفاق نووي شامل أكثر صرامة من ذلك الذي أُبرم عام 2015، مع هدف إضافي هو ردع إيران عن استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة. ولكن في الوقت نفسه، قد يكون تدفق القوات والأسلحة الأمريكية تحضيراً لاحتمال عمل عسكري مباشر إذا رفضت إيران تقديم شروط ترضي واشنطن، أو إذا نفد صبر ترامب على المفاوضات.
في هذا السيناريو، من المتوقع أن تعتمد إسرائيل بشكل كبير على الدعم الأمريكي لإنهاء المهمة التي بدأت بها، عبر استخدام قنابل خارقة للتحصينات ألقتها طائرات قاذفة أمريكية، والتي وفقاً للتقارير تحتاج إلى عدة طلعات جوية لتعطيل، إن لم يكن تدمير، منشأة تخصيب اليورانيوم فوردو الواقعة تحت الأرض.
ويجادل صقور بارزون، مثل السيناتور ليندسي غراهام، بأن الولايات المتحدة يجب أن تقدّم لإسرائيل الدعم الكامل لتحقيق هذا الهدف، مستفيدين من ضعف الدفاعات الإيرانية التي تبدو مستنزفة، وكذلك من تقليل قدرتها على الرد والانتقام.
يبدو أن العديد من الخطابات الداعمة للحرب تهدف إلى إقناع ترامب بأن شن هجوم أمريكي على منشأة فوردو سيكون استخدامًا قوياً وفعالاً مع مخاطر منخفضة، مما يمنحه “نصرًا” استراتيجيًا مستدامًا — رغم أنه يبدو أن لدى ترامب بعض الشكوك حول مدى فعالية هذه الضربة.
يجب أن يتم ذلك بالفعل. فمنذ اندلاع الحرب، لم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من زيارة منشأة فوردو. وتقع هذه المنشأة العميقة داخل جبل، مما يمنحها حماية طبيعية تجعل حتى أعنف القنابل غير قادرة على الوصول إلى قلبها بسهولة. عملياً، قد يستغرق الأمر أسابيع بعد القصف لتقييم مدى تدمير المواد النووية عالية التخصيب، خاصة إذا كان الإيرانيون قد نقلوا هذه المواد مسبقاً توقعاً للضربة. وحتى في هذه الحالة، سيظل هناك قدر كبير من عدم اليقين بشأن الوضع الحقيقي داخل المنشأة. ولكن فيما يتعلق بالمخاطر المحتملة، فإن هذا التحدي ليس سوى جزء صغير من مجموع التهديدات الأوسع التي تحيط بالصراع.
مخاطر من كل جانب
يشكل تصعيد الحرب بين إسرائيل وإيران تهديداً كبيراً لجميع الأطراف الفاعلة حالياً والمحتملة في الصراع، ما يوجب على الأطراف الثلاثة توخي الحذر الشديد في خطواتهم المقبلة.
أولاً فيما يخص الولايات المتحدة، فإن اتخاذ خطوة تصعيدية يحمل في طياته مخاطر جسيمة في ثلاثة جوانب رئيسية. أولاً، هناك خطر التصعيد الفوري. فقد يجد النظام الإيراني نفسه أمام خيارين: الاستسلام أو القتال حتى النهاية، وقد يختار الخيار الثاني رغم تراجع قدراته العسكرية. هذا قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع عبر استهداف الأفراد، الأصول، والحلفاء الأمريكيين، بالإضافة إلى تهديد خطوط الشحن البحرية الحيوية. بالفعل، تشير التقارير إلى أن المسؤولين الأمريكيين يستعدون لعدة سيناريوهات انتقامية، تشمل استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة وتصاعد التهديدات البحرية من إيران أو الحوثيين في اليمن.
وفي 18 يونيو/حزيران، أعلن السفير الأمريكي مايك هاكابي عن بدء إجلاء طوعي للدبلوماسيين والمواطنين الأمريكيين من إسرائيل. وعلى الرغم من ثقة ترامب بإمكانية تحقيق نصر في مواجهة الجيش الإيراني، يبقى حجم الضرر المحتمل غير معروف، خاصة أن إيران المحاصرة التي لا تملك ما تخسره قد تهاجم أهدافاً أمريكية وإسرائيلية في مختلف أنحاء المنطقة، مما قد يزعزع الاستقرار الاقتصادي العالمي من خلال ارتفاع أسعار النفط.
لذلك، عمل حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، رغم تحفظاتهم تجاه النظام الإيراني، على إقناع واشنطن بالابتعاد عن التصعيد العسكري لتجنب تداعيات كارثية على المنطقة بأسرها.
ثانياً، هناك خطر ما بعد انتهاء الصراع. يُشير المتشدّدون في كل من إسرائيل والولايات المتحدة إلى أن تصاعد الحرب قد يؤدي إلى تغيير النظام في إيران. تاريخياً، من غير المرجّح أن تؤدي حملة عسكرية تعتمد فقط على القوة الجوية إلى إشعال ثورة، رغم أن المشاعر المعادية للنظام قد تثير اضطرابات جماهيرية. ولكن، سواء صمد النظام أو انهار، فإن استهداف القادة السياسيين ومؤسسات الدولة قد يُحدث فراغاً خطيراً في منطقة استراتيجية حيوية لمصالح الولايات المتحدة وشركائها. وقد يؤدي ذلك إلى فشل الدولة أو صراع طويل الأمد، كما حدث في أعقاب التدخلات الأمريكية في أفغانستان والعراق وليبيا.
هنا يجب على واشنطن أن تأخذ في الاعتبار أن رؤيتها ورؤية إسرائيل لهذه المرحلة النهائية المحتملة قد تختلف، فبينما قد ترى إسرائيل دولة إيران الضعيفة والفوضوية كهدف مرغوب، فإن الولايات المتحدة عليها أن تتعلم من تجاربها المريرة أن مثل هذه الفوضى قد تضر بمصالحها وتركزها الإقليمي، بل وتمسّ إرث الرئيس الأمريكي نفسه. وفي حالة ترامب، هناك خطر إضافي يتمثل في توسيع الخلافات داخل حزبه بين المتشددين والمعارضين، والتي ازدادت حدتها في الأيام الأخيرة.
ثالثاً، هناك خطر بقاء الهدف الأساسي – نزع السلاح النووي من إيران – دون تحقيق. فبدون إعادة هيكلة جذرية للسياسة الإيرانية، قد يكون إعادة بناء البرنامج النووي مسألة وقت فقط. وقد يسارع النظام في ظل الحرب الحالية إلى الحصول على سلاح نووي، كوسيلة لتأمين رادع نهائي. ورغم أن فرص هذا السيناريو ضئيلة، إلا أن خطره لا يمكن تجاهله.
أما إيران، فقد تطلب إصرارها الطويل على تطوير قدراتها المحلية في التخصيب عقوداً من العقوبات، والآن تواجه عواقب عسكرية متزايدة. النظام متردد في التراجع عن الخطوط الحمراء التي رسمها كمسألة كرامة وطنية، لكن التمسك بهذه المواقف قد يسبب كارثة للشعب الإيراني، حيث يمكن أن تتحول البلاد إلى دولة فاشلة تغرق في الفوضى والمعاناة.
من جانبها، لا تملك إسرائيل، رغم كل الظروف المحيطة بها، ما يدعوها للتفاؤل بتوسيع الصراع دون وجود استراتيجية خروج واضحة. فقد تجد نفسها في مواجهة حملة استنزاف طويلة الأمد، مع سيل يومي من الصواريخ التي تجبر سكانها الذين يبلغ عددهم حوالي عشرة ملايين نسمة على اللجوء للملاجئ، وتعطل اقتصادها مع ارتفاع تكلفة الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية والممتلكات.
إن إنهاء هذا الصراع هو أمنية مشتركة للجميع، ويجب أن يكون الهدف الأساسي الذي تسعى إليه الأطراف المعنية.
دبلوماسية اللحظة الأخيرة في لحظة حرجة
المسار الدبلوماسي ضيّق للغاية، لكن حتى تتخذ الولايات المتحدة قرارها بشأن خوض الحرب بنفسها، فإنه ليس مغلقاً تماماً. والسؤال الرئيسي الآن هو: كيف ستستغل واشنطن وطهران مهلة الأسبوعين التي أعلن عنها البيت الأبيض؟
من الجانب الأمريكي، قد ترى إدارة ترامب أن مكاسب إسرائيل الأخيرة واحتدام الحديث عن الحرب في واشنطن تمثل ذروة نفوذها على إيران. ولكن لكي يكون هذا النفوذ فعّالاً، سيتطلب الأمر التحلّي بالصبر، والسماح للمفاوضات بالاستمرار، وطلب عرض جاد من طهران.
أما طهران، فبحاجة إلى تجاوز التمثيليات التي تقوم على مفاوضات غير مباشرة ورفع مستوى أدائها. والأهم من كل مبادرات اللحظة الأخيرة هو ما ستقدمه إيران فعلاً على الطاولة. ينبغي أن تقدم تنازلات تقنع الرئيس ترامب بإنهاء الحرب. وعلى الرغم من أن قلة في طهران قد ترغب في سماع ذلك، فإن أفضل مسار للعمل — وربما الوحيد المتاح حالياً لتجنب التدخل العسكري الأمريكي — هو الاعتراف بعدم تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية السيادية.
كبديل، يمكن لإيران قبول مبدأ إنشاء اتحاد نووي متعدد الجنسيات مع دول المنطقة، كما نوقش نظرياً في مفاوضاتها مع إدارة ترامب. يمكن للولايات المتحدة أن تلعب دوراً محورياً في هذه المبادرة، من خلال دمج المراقبة الدولية مع عمليات التفتيش المتبادلة بين الأطراف الإقليمية. كجزء من وقف الأعمال العدائية، قد توافق الحكومة الإيرانية أيضاً على تعهد جوهري بعدم الاعتداء وعدم مهاجمة إسرائيل، سواء مباشرة أو عبر وكلائها، متخلّية بذلك عن العداء الأيديولوجي الذي لم يخدم شعبها ولا القضية الفلسطينية التي تدّعي دعمها. وعلى الجانب الآخر، سيتعيّن على إسرائيل أن ترد بالمثل.
إذا قررت إيران عدم تقديم مثل هذه الصفقة، فهذا لا يعني بالضرورة أن على الولايات المتحدة الاندفاع نحو صراع قد يكون كارثياً. ولكن في هذه الظروف، لا ينبغي لطهران أن تعتمد على هدوء واشنطن. الصفقة الموضحة أعلاه هي صفقة يمكن للأطراف الثلاثة التعايش معها، لا سيما في ظل البديل المروع الذي يبدو وشيكاً للغاية. لا ترامب ولا طهران يريدان حرباً موسعة، وإسرائيل ستعاني من عواقبها أيضاً. على البيت الأبيض أن ينتهز فترة التوقف التي أُعلن عنها لمدة أسبوعين لإعطاء فرصة أخيرة للدبلوماسية، وعلى طهران أن تضع هذه الصفقة على الطاولة، وعلى ترامب أن يستغلها.
مركز أسبار
رابط البحث

