ذات صلة

بعد عشر سنوات، لم يفت الأوان بعد: الأسُس الاستراتيجية لاتفاق نووي جديد مع إيران

مع اقتراب الموعد النهائي الذي حدده الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لنفسه للتوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، تتصاعد المؤشرات التي تنذر بانهيار وشيك في المحادثات بين الجانبين، ما يهدد بإفشال الجهود الدبلوماسية بشكل كامل. وإذا ما حدث ذلك، فإن المنطقة قد تشهد تصعيداً خطيراً يمكن أن يتحول إلى مواجهة عسكرية شاملة، لا تقتصر على الولايات المتحدة وإيران فحسب، بل قد تشمل أيضاً إسرائيل ودولاً إقليمية أخرى ذات صلة مباشرة بالنزاع.

ويأتي هذا التطور بعد انسحاب ترامب، خلال ولايته الرئاسية الأولى، بشكل أحادي من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة. وإذا ما انتهت المحادثات الحالية إلى طريق مسدود، فسيكون ذلك بمثابة الانهيار الثاني – وربما النهائي – لمسار الدبلوماسية النووية مع طهران.

والمفارقة اللافتة والمؤلمة في الوقت ذاته، أن هذا الفشل المحتمل لا يحدث في ظل بيئة استراتيجية مشابهة لما كانت عليه في عام 2015، بل في واقع يوفر، من الناحية النظرية، فرصة أقوى لإبرام اتفاق مستدام وأكثر شمولاً، نظراً للتغيرات الجيوسياسية والتوازنات الجديدة في المنطقة التي كان من الممكن استثمارها بشكل بنّاء لصالح الاستقرار.

أسُس اتفاق عام 2015

كانت خطة العمل الشاملة المشتركة، التي أُبرمت قبل نحو عقد من الزمن بين إيران ومجموعة الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) إلى جانب الصين وروسيا والولايات المتحدة، وبدعم من الاتحاد الأوروبي، أكثر من مجرد اتفاق تقني يهدف إلى الحد من الانتشار النووي. فقد مثلت، في جوهرها، أداة سياسية ذات طابع استراتيجي، استندت إلى مجموعة من الافتراضات المترابطة التي هدفت إلى إعادة إدماج إيران في النظام الدولي القائم على القواعد.

كان الاتفاق يسعى إلى إعادة إضفاء الشرعية على البرنامج النووي المدني الإيراني، عبر ربطه بإطار من التعاون الدولي المشروع، وبالتالي إخراج إيران من عزلتها كدولة منبوذة على الساحة العالمية. وقد افترض مهندسوه أن هذا الإدماج سيتحقق تدريجياً من خلال تعميق العلاقات الاقتصادية مع أوروبا، لا سيما عبر زيادة التبادل التجاري وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. ومن شأن هذا الانفتاح، بحسب التصور الأصلي، أن يخلق أساساً مؤسساتياً لحوار دبلوماسي مستمر مع أوروبا، وأن يسهم في إعادة تشكيل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، على الأقل فيما يخص الملف النووي، بعيداً عن نهج المواجهة والضغوط الأحادية.

ومن بين الافتراضات الأساسية التي بني عليها الاتفاق أيضاً، فكرة أن إيران قد تكون قادرة على تنويع شراكاتها الدولية، بحيث يشكّل انفتاحها على الغرب مكملاً لعلاقاتها التقليدية مع روسيا والصين، الأمر الذي يوسّع من هامشها الدبلوماسي ويقلّص من تبعيتها لأي محور بعينه.

لكن، وعلى الرغم من الطابع الطموح للاتفاق، فقد انطوى على عدد من نقاط الضعف البنيوية التي أضعفت قدرته على الصمود. فقد مثّل استبعاد دول الخليج العربي من عملية التفاوض، ومن التصور السياسي العام للاتفاق، أحد أبرز جوانب القصور التي أضعفت شرعيته في الإقليم. ويمكن القول إن الثغرة الأهم تمثّلت في غياب آليات مؤسسية فعالة قادرة على تحويل الانفراج المؤقت في العلاقات الأمريكية الإيرانية إلى مسار مستدام من التفاعل المنظّم بدلاً من العداء المزمن.

وقد ظهرت هذه العيوب بشكل واضح في عام 2018، عندما قررت إدارة ترامب الانسحاب من الاتفاق بشكل أحادي، وهو قرار لاقى دعماً صريحاً من كل من إسرائيل، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة – مما أكد هشاشة التوافق الدولي الذي استند إليه الاتفاق في الأصل، وكشف حدود قدرته على البقاء دون غطاء سياسي أمريكي مستمر.

الأسُس الاستراتيجية لاتفاق جديد محتمَل

في السياق الراهن، يقوم أي اتفاق نووي محتمل مع إيران على مجموعة جديدة من الافتراضات تختلف جذرياً عن تلك التي بُنيت عليها خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015. فقد أعادت إدارة ترامب، منذ توليها السلطة، تعريف مسألة منع الانتشار النووي، ليس باعتبارها مسألة تقنية أو معزولة، بل بوصفها جزءاً من صراع أوسع ذي طابع أيديولوجي وجيوسياسي مع الجمهورية الإسلامية. من هذا المنطلق، لم يُنظر إلى الاتفاق النووي المحتمل كمجرد وسيلة للحد من تطوير الأسلحة النووية، بل كأداة استراتيجية قد تُمهّد لانفراج طويل الأمد في العلاقة بين واشنطن وطهران.

وعلى خلاف المقاربة التقليدية القائمة على فكرة “العداوات الدائمة”، عبّر الرئيس ترامب مراراً عن رفضه لنهج تغيير النظام، معتبراً إياه سياسة فاشلة من الماضي. وقد أبدى، في أكثر من مناسبة، رغبته في رؤية إيران مزدهرة وخالية من الأسلحة النووية، بل وأعرب عن أمله في أن تعود طهران للتفاعل مع الولايات المتحدة بشكل طبيعي. ورغم ميل ترامب المعروف إلى المبالغة في خطابه، فإن هذا التحوّل في النبرة مقارنةً بإدارتي بوش وأوباما كان لافتاً؛ فبينما اضطر الرئيس أوباما عام 2015 إلى تقديم الاتفاق النووي كخطوة تقنية محدودة لمنع الانتشار – بهدف تقليل حدّة الاعتراضات من إسرائيل وبعض الدول العربية، وكذلك من الكونغرس الأمريكي – أبدى ترامب استعداداً لاستخدام الاتفاق كمنصة لمقاربة أوسع وأشمل.

التحوّل الثاني البارز يتعلق بشكل المفاوضات نفسها؛ إذ انتقلت من إطار متعدد الأطراف، كما كان الحال مع خطة العمل الشاملة المشتركة، إلى إطار ثنائي يتركز على قنوات مباشرة بين واشنطن وطهران. وقد شهد الدور الأوروبي تراجعاً واضحاً، رغم أن أوروبا كانت في السابق لاعباً محورياً ومهندساً أساسياً للاتفاق الأصلي. اليوم، يقتصر نفوذ القوى الأوروبية إلى حد كبير على تفعيل آلية “العودة السريعة” – وهي أداة قانونية ضمن خطة 2015 تسمح بإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران إذا أخلّت بالتزاماتها. غير أن تفعيل هذه الآلية يحمل في طيّاته مخاطرة كبيرة، نظراً لتهديد طهران باتخاذ خطوات تصعيدية في حال استخدامه، بما في ذلك طرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتسريع أنشطتها النووية، ما يجعل هذا الخيار مكلفاً من الناحيتين السياسية والدبلوماسية.

أما التحوّل الثالث، فيكمن في تصاعد أهمية البُعد الإقليمي في أي تسوية نووية محتملة. ففي حين تم تهميش قضايا الإقليم، ولا سيما مخاوف دول الخليج، خلال مفاوضات 2015، أصبحت هذه الدول اليوم، وخاصة السعودية والإمارات، من الأطراف المؤثرة التي تُعبّر علناً عن دعمها لاتفاق نووي، شريطة أن يأخذ في الاعتبار أمنها ومصالحها الاستراتيجية. إن هذا الانخراط الإقليمي يعكس وعياً متزايداً بضرورة بناء اتفاق أكثر شمولاً، لا يعالج فقط القدرات النووية الإيرانية، بل يأخذ بعين الاعتبار البيئة الأمنية الأوسع في الشرق الأوسط.

في المجمل، فإن هذه التحولات الثلاث – إعادة تأطير القضية النووية، تغير بنية التفاوض، وتصاعد أهمية البعد الإقليمي – تشكّل معالم السياق الجديد الذي تتحرك ضمنه الدبلوماسية النووية، وهو سياق مختلف تماماً عن ذلك الذي ساد قبل عقد من الزمان.

يعكس هذا التحوّل الأخير في المواقف الإقليمية، لا سيما في الرياض وأبو ظبي، إعادة تقييم عميقة للحسابات الاستراتيجية التي تحكم علاقتهما بالملف النووي الإيراني. فقد جاءت هذه المراجعة مدفوعة بتجربة ملموسة ومكلفة لتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي كانت لها تداعيات مباشرة على أمن الخليج واستقراره. فمنذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، شهدت المنطقة سلسلة من الأحداث التصعيدية، أبرزها ازدياد الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، وتعرّض حركة الشحن التجاري في خليج عمان لأعمال تخريبية، ووصولاً إلى الهجوم المباشر على منشآت “أرامكو” النفطية في السعودية عام 2019، الذي شكل منعطفاً حاداً في تقييم التهديد الإيراني من وجهة نظر الخليج.

في هذا السياق، لم يعد يُنظر إلى الاتفاق النووي المحتمل كمجرد ملف تقني أو تفاوضي بين واشنطن وطهران، بل كأداة سياسية ضرورية لإرساء حدّ أدنى من الاستقرار الإقليمي الدائم. ومن ثم، فإن دعم دول الخليج، الذي كان في السابق مشروطاً ومتحفظاً، بات يميل اليوم إلى دعم صريح للتسوية النووية، شريطة أن تكون جزءاً من تصور أوسع يعالج جذور التوتر ويُسهِم في احتواء السلوك الإيراني في الإقليم.

إلى جانب هذا البعد الإقليمي المتعزز، يبرز افتراض استراتيجي رابع يدعم إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد، ويتمثل في أهمية الحفاظ على شبكة العلاقات الدولية التي نسجتها إيران خلال السنوات الماضية. فالاتفاق لن يكون نقيضاً لشراكات إيران التقليدية، بل سيكون متوافقاً معها. فالجمهورية الإسلامية، التي عززت علاقاتها مع روسيا والصين، وأظهرت اهتماماً متزايداً بالانضمام إلى أطر متعددة الأطراف مثل مجموعة بريكس+، تسعى إلى تنويع تحالفاتها وتقوية مكانتها الدولية ضمن نظام عالمي متعدد الأقطاب.

وفي هذا السياق، فإن التوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة لن يُنظر إليه، من قِبل شركاء إيران، كتنازل استراتيجي، بل كخطوة مدروسة ضمن سياسة خارجية أكثر توازناً. ومن شأن هذا الاتفاق أن يبعث بإشارة طمأنة إلى تلك الأطراف الدولية، مفادها أن طهران مستعدة للالتزام بقواعد السلوك المسؤول في العلاقات الدولية، وهو ما قد يُعزز من موقعها التفاوضي ويمنحها هامشاً أوسع للمناورة ضمن النظام الدولي القائم.

وبذلك، فإن أي اتفاق نووي جديد لن يكون مجرد تسوية مؤقتة لمسألة منع الانتشار، بل نتيجة لتقاطع أربعة مسارات استراتيجية: رغبة أمريكية في إعادة ضبط العلاقة مع طهران، تراجع الدور الأوروبي لصالح الثنائية، انخراط إقليمي مباشر داعم للاستقرار، وتوسّع محسوب في علاقات إيران الدولية بما يخدم فكرة إعادة إدماجها المشروط في النظام العالمي.

التحدّيات السياسية والحلول التقنية

على الرغم من التبدّلات الكبيرة في السياق الاستراتيجي والديناميكيات الإقليمية والدولية التي تدعم احتمال التوصّل إلى اتفاق نووي جديد، لا تزال هناك عقبات جوهرية تُهدّد بانهيار العملية التفاوضية. ويُعدّ التحدّي الأبرز في هذا السياق إصرار إيران على الاحتفاظ بقدرة وطنية مستقلة على تخصيب اليورانيوم، وهي قدرة تُعدّ من وجهة نظر طهران عنصراً غير قابل للتفاوض في أي برنامج نووي مدني سيادي. غير أن هذه القدرة تمثّل، من منظور الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، نقطة تقاطع حرجة بين الاستخدامات السلمية والتطبيقات العسكرية المحتملة، إذ إن رفع نسبة التخصيب يفتح المجال أمام إنتاج مواد انشطارية صالحة لصنع الأسلحة النووية.

أما التحدّي الثاني، الأقل تعقيداً نسبياً، فيكمن في التوافق على تفاصيل نظام التحقق ومراقبة الامتثال، من حيث نطاقه ودرجة شموليته، إضافة إلى تسلسل تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. وعلى الرغم من أن هذه القضايا قابلة من حيث المبدأ للتفاوض التقني والسياسي، فإنها تُعقّدها البيئة العامة من انعدام الثقة المتبادل.

وفي هذا الصدد، لا يمكن تجاهل الأثر العميق الذي خلّفه انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، حيث تآكلت ثقة إيران في مدى جدّية واستمرارية الالتزامات الأمريكية. ويُضاعف هذه المشكلة أن الاتفاق الجديد يُفترض أن يُبرم في عهد الرئيس نفسه – دونالد ترامب – الذي انسحب من الاتفاق السابق، وهو شخصية سياسية ارتبطت بسجلّ من الخطابات والسياسات المتقلّبة، وبتحدّي الالتزامات الأمريكية في عدد من الملفات الدولية.

ورغم ما تُبديه كل من طهران وواشنطن من تفضيل واضح لمسار التسوية الدبلوماسية، إلا أن خمس جولات من المحادثات غير الرسمية التي عُقدت في مسقط وروما لم تُسفر عن تقدّم ملموس. بل تشير المؤشرات الأخيرة إلى أن الفجوة بين الطرفين آخذة في الاتساع. ففي الوقت الذي ألمحت فيه الإدارة الأمريكية في بداية العملية إلى قبولها بقدرة تخصيب إيرانية محدودة وتحت رقابة صارمة، تراجع هذا الانفتاح تدريجياً، ليصل إلى موقف أكثر تشدداً، حيث بات شعار “التخصيب الصفري” يبدو وكأنه أصبح خطاً أحمر غير قابل للتجاوز.

ويُرجّح أن يكون هذا التشدّد جزءاً من تكتيك تفاوضي متعمّد تتبعه إدارة ترامب بهدف دفع إيران إلى تقديم تنازلات أكبر مما هي مستعدة لقبوله في الوقت الراهن. ويصبّ في هذا الاتجاه قرار الولايات المتحدة بدعم مشروع قرار قدّمته مجموعة الدول الأوروبية الثلاث (E3) في الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإدانة إيران، وهو ما يُعد مؤشراً على تصعيد الضغط السياسي والدبلوماسي. وقد جاء القرار في أعقاب صدور تقرير لافت من الوكالة الدولية، أكد أن إيران كانت منخرطة في أنشطة ذات طابع عسكري نووي حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كما أثار التقرير شكوكاً خطيرة حول وجود كمية غير معلومة – وإن ربما صغيرة – من المواد الانشطارية لا تزال مجهولة الموقع والمصير داخل إيران.

وعلى الرغم من أن هذا القرار لا يؤدي تلقائياً إلى إحالة إيران إلى مجلس الأمن الدولي، إلا أنه يُمثّل خطوة أولى باتجاه احتمال تفعيل آلية “العودة السريعة” لإعادة فرض العقوبات الأممية، وهو خيار ما زال مطروحاً على الطاولة من قبل مجموعة الدول الأوروبية، لكنه محفوف بمخاطر سياسية قد تُفجّر العملية الدبلوماسية برمتها.

في هذا المناخ المأزوم، يبدو أن الفجوة بين الرؤية الأمريكية المتشدّدة ومطالب إيران الأساسية لم تُردم بعد، ما يُبقي احتمالات التوصّل إلى اتفاق هشّة ومعلّقة على قدرة الطرفين على الخروج من الحلقة المفرغة للتصعيد المتبادل والتكتيكات القصوى.

ربما يُشكّل الضغط الدولي المتزايد عاملاً محفزاً لإيران على تعزيز مستوى تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن نجاح أي جهد دبلوماسي متجدد لا يتوقف فقط على تجاوب طهران، بل على استعداد واشنطن كذلك لتقديم تنازلات جوهرية، ولا سيما بشأن مسألة تخصيب اليورانيوم، التي تبقى محور الخلاف الأساسي.

وقد حاولت إدارة ترامب تجاوز هذا المأزق عبر طرح صيغة وسطية، تقضي بالسماح لإيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم بمستويات منخفضة – لكن بشكل مؤقت ومشروط. وتقوم الخطة الأمريكية المقترحة على مرحلتين: في المرحلة الأولى، يُسمح لإيران بالتخصيب الداخلي في إطار ضيق وتحت رقابة صارمة، بينما تبدأ الولايات المتحدة وشركاؤها العمل على تطوير خطة طويلة الأجل تشمل بناء مفاعلات نووية إيرانية مدنية مدعومة بمنشآت تخصيب إقليمية. ومن المُفترض أن تُدار هذه المنشآت من قبل اتحاد يضم دول مجلس التعاون الخليجي، ما يخلق ترتيبات مشتركة للثقة والمساءلة. وبمجرد اكتمال هذه المنظومة، تُطالَب إيران بوقف جميع أنشطة التخصيب على أراضيها.

لكن مثل هذا التصور يصطدم بجدار سياسي صلب في طهران. فالنظام الإيراني استثمر على مدار عقود في برنامجه النووي، واعتبر التخصيب المحلي رمزاً للسيادة والكرامة الوطنية، بعد سنوات من العقوبات والتخريب والاغتيالات التي استهدفت علماءه. من هذا المنطلق، ترى طهران أن التخصيب لا يُمثّل مجرد عنصر تقني، بل إنجازاً تكنولوجياً واستراتيجياً لا يمكن التنازل عنه.

والواقع أن التجربة التي قادت إلى إبرام خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015 تُشير إلى أن التخلي عن التخصيب لم يكن يوماً شرطاً ضرورياً لإبرام اتفاق. فقد رضخت إدارة أوباما، في نهاية المطاف، لمطلب إيران بالحفاظ على قدرة تخصيب محلية، شريطة أن تخضع لقيود صارمة – ولو مؤقتة – وإشراف دولي كامل. وتُبرز هذه السابقة أن “التخصيب الصفري” ليس شرطاً لبناء الثقة في الطابع السلمي للبرنامج الإيراني، ما دام هناك التزام بمعايير فنية صارمة تشمل:

  • خفض مستويات التخصيب إلى ما لا يتجاوز 3.67%، وهو الحد اللازم لتشغيل مفاعلات الطاقة النووية ولا يُستخدم في إنتاج الأسلحة؛
  • إخراج أو تحويل مخزونات اليورانيوم العالي التخصيب (خصوصاً تلك المخصبة بنسبة 60%)، والتي لا توجد لها استخدامات مدنية واقعية؛
  • استعادة نظام رقابة شامل يغطي دورة الوقود النووي بأكملها، بما يشمل مواقع البحث والتطوير والمواقع ذات الطابع العسكري المحتمل؛
  • تقديم تقرير تفصيلي وموثوق بشأن جزيئات اليورانيوم المكتشفة في مواقع غير معلنة، بما يُعيد الثقة في شفافية إيران وامتثالها.

في هذه الظروف، قد يكون الحل الأكثر واقعية هو التوصّل إلى اتفاق مؤقت يقوم على مبدأ التنازلات المتبادلة، ويوفّر نافذة زمنية تمتد بين ستة إلى عشرة أشهر، يُمنَح خلالها المفاوضون الوقت الكافي للتفاوض حول التفاصيل التقنية والسياسية لاتفاق أكثر شمولاً.

ولضمان التزام إيران بالمسار الدبلوماسي خلال هذه الفترة، يمكن لمجموعة الدول الأوروبية الثلاث (E3)، بدعم من روسيا والصين، طلب تمديد آلية “العودة السريعة” المرتبطة بالعقوبات، والتي يُفترض أن تنتهي صلاحيتها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ما يشكل وسيلة ضغط وقائية ضد انسحاب طهران. من جهة أخرى، يُمكن للاتحاد الأوروبي أن يُقدّم دعماً علنياً للاتفاق النووي ويعرض على إيران تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية، شريطة تجاوبها مع مخاوف الأوروبيين بشأن قضايا حساسة، من بينها الاحتجاز التعسفي للمواطنين مزدوجي الجنسية، وتقديم الدعم العسكري لروسيا في حربها ضد أوكرانيا.

أما من جانب واشنطن، فإن الحافز الأهم الذي قد يُحدث اختراقاً في المفاوضات هو طرح إمكانية إعادة فتح العلاقات الاقتصادية مع إيران – وهو عرض قد يدفع طهران إلى تقديم تنازلات فنية بشأن تخصيب اليورانيوم، دون المساس بالمبدأ الرمزي للسيادة النووية.

وباختصار، فإن الشروط الفنية لتوقيع اتفاق نووي قابل للتحقق والاستدامة قائمة بالفعل. لكن نجاح هذه التسوية يتطلب من واشنطن أن تتراجع عن هدفها القديم المتعلق بتفكيك كامل لقدرات التخصيب الإيرانية، وأن تقبل بواقع أن التحكم في التخصيب – لا القضاء عليه – هو السبيل الأكثر واقعية لضمان عدم تحوّل البرنامج النووي الإيراني إلى مسار عسكري.

مقدّمات قوية، آفاق قاتمة

إذا أصرت إدارة ترامب على مطلبها بإلغاء كامل لقدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، مدفوعة باعتقاد سائد داخل دوائرها بأن طهران في أضعف حالاتها، وتحت تأثير ضغط سياسي من إسرائيل والمتشدّدين في الكونغرس، فإن فرص التوصُّل إلى اتفاق نووي ستكون شبه معدومة. إن التمسّك بهذا الشرط غير الواقعي – في ظل تعقيدات الداخل الإيراني، واعتبارات السيادة الوطنية، والتجربة السابقة لخطة العمل الشاملة المشتركة – يعني عملياً إغلاق الباب أمام أي تسوية دبلوماسية.

وسيكون ذلك تطوراً مأساوياً بكل المقاييس. فتعثّر المفاوضات بسبب تصلّب الموقف الأمريكي – وليس نتيجة رفض إيراني جوهري لمبدأ التسوية – قد يوفّر ذريعة سياسية داخلية لإدارة ترامب للادعاء بأنها “استنفدت المسار الدبلوماسي”، ما يُعطيها مبرّراً لتبنّي خيارات أكثر عدوانية. في هذا السيناريو، قد تميل الإدارة إلى تبنّي توصيات حكومة إسرائيل السابقة بشن ضربات عسكرية على المنشآت النووية الإيرانية.

هذا الخيار، إذا تحقق، لن يكون دون تبعات كارثية. فمن غير المرجّح أن تلتزم إيران الصمت في وجه عدوان بهذا الحجم. بل من المتوقّع أن تردّ عبر وسائل متعددة، بدءاً من إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على أهداف إسرائيلية، مروراً بتحريك حلفائها في العراق لاستهداف القوات الأمريكية، ووصولاً إلى تهديد حرية الملاحة في الخليج العربي – مما يفتح الباب أمام تصعيد شامل يصعب احتواؤه.

وما يُفاقم هذه المأساة المحتملة أن الانزلاق نحو المواجهة ليس قدراً حتمياً. فكل من الولايات المتحدة وإيران عبّرتا بشكل متكرر عن رغبتهما في تجنّب الصراع، ولديهما حوافز قوية لتفضيل التسوية على المواجهة. والأسوأ من ذلك أن فرص النجاح في إبرام اتفاق قابل للاستمرار باتت اليوم، من الناحية الهيكلية، أفضل مما كانت عليه قبل عشر سنوات. فهناك الآن إدراك إقليمي أوسع بأهمية التهدئة، ودعم مشروط من دول الخليج، وانفتاح ضمني من روسيا والصين على احتواء المخاطر، إضافة إلى تجارب سابقة أظهرت أن الاتفاقيات التقنية المقترنة برقابة صارمة وشفافية يمكن أن تحقق أهداف منع الانتشار دون نزع سيادة إيران النووية.

في المحصّلة، فإن مواصلة التصلّب الأمريكي بشأن “التخصيب الصفري” لا تهدد فقط مستقبل الدبلوماسية، بل تنذر بانفجار أزمة جديدة في الشرق الأوسط، لا تحتاجها المنطقة ولا العالم – خاصة وأن البديل السياسي المنطقي والآمن ما زال متاحاً.

ريكاردو ألكارو

لودوفيكا كاستيلي

مركز أسبار

١٢ يونيو ٢٠٢٥

رابط البحث

https://www.iai.it/en/pubblicazioni/c05/ten-years-later-not-too-late-strategic-premises-new-nuclear-deal-iran