شهد الأسبوع الماضي تصعيداً خطيراً في مسار العلاقات المتوترة منذ سنوات بين إسرائيل وإيران، وذلك بعد تنفيذ إسرائيل هجوماً عسكرياً مباشراً استهدف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وبعض الأصول العسكرية الحيوية. وردّت إيران بسلسلة من الضربات الصاروخية، ما أدى إلى مواجهة علنية غير مسبوقة بين الطرفين كانت حتى وقت قريب تدار في الخفاء عبر عمليات استخباراتية وصراعات بالوكالة في دول مثل سوريا ولبنان والعراق.
يمثل هذا التصعيد تحوّلاً جذرياً في نمط الصراع بين البلدين، ويطرح جملة من التساؤلات الجوهرية حول أهداف إسرائيل من هذا الهجوم وتوقيته، وخيارات الرد المتاحة أمام إيران، فضلاً عن التداعيات المحتملة على الأمن الإقليمي والعالمي. وفي هذا الإطار، يقدّم خبراء مؤسسة راند تحليلاً متعمقاً يشمل الأبعاد الاستراتيجية والدبلوماسية والاقتصادية لهذه الأزمة الآخذة في الاتساع.
يركز تحليل راند على عدة محاور رئيسية، من بينها احتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، ومدى استعداد الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، للعب دور في احتواء التوترات. كما يتناول التحليل تأثير هذه التطورات على السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بإعادة تقييم التزاماتها في الشرق الأوسط، وسعيها للحفاظ على توازن حساس بين دعم إسرائيل ومنع اندلاع حرب إقليمية شاملة.
من ناحية أخرى، لا يغفل التحليل الأبعاد الاقتصادية، وعلى رأسها تداعيات الصراع على أسواق الطاقة العالمية، لا سيما في ظل التهديدات المحتملة للممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز. فمع كل تصعيد عسكري، تتزايد المخاوف من تعطّل إمدادات النفط والغاز، مما قد ينعكس في ارتفاع الأسعار وتقلب الأسواق، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تحديات كبرى بالفعل.
تسلط هذه اللحظة الحرجة الضوء على هشاشة التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط، وتعقيدات المشهد الجيوسياسي الذي بات يتطلب مقاربات أكثر شمولاً وتنسيقاً دولياً حذراً للحيلولة دون الانزلاق إلى صراع شامل قد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة.
يُمثل هذا العنف تحوّلاً جذرياً عن حرب الظل الطويلة بين إيران وإسرائيل. لماذا يحدث هذا الآن؟
يعكس التصعيد الأخير بين إسرائيل وإيران لحظة مفصلية في الصراع القائم بين البلدين، وهو نتيجة لتراكمات استراتيجية وعسكرية وظرفية، كما يوضح عدد من خبراء مؤسسة راند في تحليلهم لتطورات المواجهة.
هيذر ويليامز ترى أن إسرائيل تسعى لاستثمار النجاحات التي حققتها مؤخراً ضد حماس وحزب الله، وكذلك ما تصفه بتفكك الوضع في سوريا بعد تراجع نظام الأسد، لتوجيه ضربة موجعة لإيران. وتعتبر أن هدف إسرائيل لم يعد يقتصر على تعطيل البرنامج النووي الإيراني، بل يتعدى ذلك إلى فرض كلفة استراتيجية طويلة الأمد على القدرات العسكرية الإيرانية وإضعاف الإرادة السياسية للنظام الإيراني.
رافائيل س. كوهين يضع الهجوم في سياق أكثر مباشرة، إذ يرى أن إسرائيل باتت تعتقد أن “الوقت قد حان تقريباً” لتوجيه ضربة وقائية، نظراً إلى الخطر المتصاعد الذي تمثله القنبلة النووية الإيرانية، خاصة في ظل المتغيرات بعد هجوم 7 أكتوبر 2023. فمع الضربات التي وُجهت إلى وكلاء إيران كحزب الله والحوثيين، وتحييد بعض القدرات الدفاعية الجوية الإيرانية، رأت إسرائيل أن اللحظة مؤاتية عسكرياً.
كارين م. سودكامب تلفت إلى التحول الواضح في العقيدة العسكرية الإسرائيلية منذ الهجوم الذي شنّته حماس في أكتوبر 2023، حيث أصبحت إسرائيل أكثر جرأة في تنفيذ عمليات عسكرية مباشرة ضد خصومها الإقليميين. وتشير إلى أن العمليات في غزة ولبنان واليمن، والضربات في سوريا، وحتى استهداف كبار القادة العسكريين الإيرانيين، تعكس توجهاً استباقياً لشلّ قدرات المحور المدعوم من الحرس الثوري، خاصة في شقه غير التقليدي.
ميشيل غريسيه تشير إلى أن تعثّر المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة، خصوصاً ما يتعلق بإحياء الاتفاق النووي، قد دفع إسرائيل إلى اعتبار أن الخيار العسكري أصبح الوحيد المتاح أمامها. فمع تضاؤل الأمل في التوصل إلى تسوية سياسية، كان لا بد من التحرك قبل أن تصل إيران إلى العتبة النووية.
أما مارزيا جيامبرتوني، فتُبرز تلاقي عدة ظروف حساسة ساهمت في اتخاذ القرار الإسرائيلي، منها اقتراب إيران من مستويات خطرة من تخصيب اليورانيوم (60%)، وتراجع قدرة حزب الله بعد اغتيال حسن نصر الله، وهو ما فُسِّر في تل أبيب كنافذة استراتيجية نادرة. وتشير إلى أن القرار بالانتقال من “حرب الظل” إلى المواجهة العلنية يُعد تحوّلاً مفصلياً في قواعد الاشتباك بين الطرفين.
تُجمع آراء الخبراء على أن الهجوم الإسرائيلي لم يكن وليد لحظة عابرة، بل جاء نتيجة لتحولات ميدانية ودبلوماسية كبرى، وقراءة استراتيجية ترى أن الوقت قد أصبح مناسباً لتوجيه ضربة مباشرة إلى إيران. وفي حين أن الأهداف الإسرائيلية تبدو متعددة، من تعطيل البرنامج النووي إلى تحجيم النفوذ العسكري الإيراني، فإن خطوة بهذا الحجم تفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات تصعيد واسع النطاق، قد يمتد ليشمل كامل الإقليم.
ما هي سبل الرد المحتملة التي لا تزال مفتوحة أمام إيران؟
تُسلّط تحليلات خبراء مؤسسة راند الضوء على الأبعاد المستقبلية الخطرة للتصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، حيث يُرجَّح أن الصراع قد لا يظل محصوراً في ضربة وردّ، بل قد ينزلق إلى مرحلة أكثر عنفاً وتعقيداً، سواء من حيث الوسائل المستخدمة أو مدى الانخراط الإقليمي والدولي.
هيذر ويليامز ترى أن الضربات الصاروخية المتبادلة قد تستمر لعدة أيام أو أسابيع، محدثة أضراراً بالبنية التحتية وسقوط ضحايا، لكنها تشدد على الخطر الأبعد مدى، وهو أن استمرار مثل هذه الهجمات قد يدفع إيران إلى تسريع تطوير برنامجها النووي، ليس فقط كوسيلة ردع، بل كخيار وجودي. وتُحذّر من أن ذلك قد يفتح الباب أمام شرق أوسط نووي، في سابقة تهدد الاستقرار العالمي، وليس الإقليمي فقط.
رافائيل س. كوهين يشير إلى أن إيران، رغم الضربات التي أضعفت وكلاءها، لا تزال تملك أدوات عديدة في ترسانتها. فهي تحتفظ بقدرات صاروخية ضخمة يمكنها الوصول إلى عمق إسرائيل، إلى جانب امتلاكها قدرات غير متكافئة كالهجمات السيبرانية، وعمليات التخريب والإرهاب. هذه الأدوات تمنح طهران خيارات ردّ متنوعة، قد تستخدمها في حال استمرار التصعيد، أو لتعويض خسائرها غير المباشرة.
كارين م. سودكامب تسلط الضوء على تغير المزاج داخل دوائر صنع القرار الإيرانية، وخاصة لدى المرشد الأعلى علي خامنئي والمؤسسة الأمنية، إذ قد تُفسَّر الضربات الإسرائيلية كتهديد وجودي مباشر للنظام. وبينما كان رد طهران حتى الآن محسوباً ومحدود الأثر، فإن هذا التقدير قد يتغير إذا طالت مدة الضربات أو تصاعدت حدتها، مما يزيد من احتمال أن تنتهج إيران نهجاً أكثر جرأة وأقل انضباطاً في ردودها المستقبلية.
ميشيل غريسيه ترى أن حجم ونطاق الضربات المتبادلة في هذه الأزمة يمثّلان تصعيداً غير مسبوق، خاصة مع تزايد الخسائر بين المدنيين. وتشير إلى أن إيران لا تبدو مستعدة بعد للسعي إلى تسوية دبلوماسية، بل ترجّح أن تختار تصعيد ردودها العسكرية خلال الفترة المقبلة، في إطار سياسة الردع بالمثل أو حتى التفوق الميداني.
مارزيا جيامبرتوني تلاحظ أن الردّ الإيراني أظهر قدرة طهران الصاروخية التقليدية، لكن الاستراتيجية الأوسع ستتمحور – كما يبدو – حول تفعيل شبكة الوكلاء في المنطقة. ويُعدّ تورّط الحوثيين في الصراع إشارة واضحة لهذا التوجه. وتُحذّر من أن محدودية الخيارات المتاحة للطرفين من أجل خفض التصعيد بطريقة تحفظ ماء الوجه، إلى جانب التزاماتهم الأيديولوجية الصلبة، تجعل احتمالات الانزلاق نحو حرب أوسع أمراً وارداً جداً.
خلاصة تحليلية:
يبدو أن الصراع الإسرائيلي–الإيراني دخل مرحلة جديدة تتسم بانخفاض عتبة استخدام القوة، وتراجع الحسابات التقليدية المرتبطة بالردع والاحتواء. وفي ظل غياب مسار دبلوماسي موثوق، وتزايد مخاطر سوء التقدير، والتورط التدريجي لوكلاء طهران في اليمن ولبنان وسوريا، فإن التهديد بانفجار إقليمي واسع لم يعد افتراضاً نظرياً، بل احتمالاً واقعياً.
في هذا السياق، تتصاعد الدعوات إلى دور دولي أكثر فاعلية في التوسط لخفض التصعيد، لا سيما من الولايات المتحدة وأوروبا، اللتين تتحملان مسؤولية رئيسية في منع تحوّل هذا الصراع إلى كارثة أمنية إقليمية وعالمية، خصوصاً مع تصاعد الهواجس المرتبطة بالانتشار النووي وأمن الطاقة العالمي.
ما الذي ينبغي للولايات المتحدة فعله لحماية أفرادها وأصولها العسكرية في المنطقة؟ كيف يمكن لواشنطن التعامل مع صراع الشرق الأوسط المتّسع مع إدارة المنافسة الاستراتيجية مع الصين وروسيا؟
تضيف المداخلات الأخيرة من خبراء مؤسسة راند بعداً حاسماً إلى تحليل الأزمة المتصاعدة بين إسرائيل وإيران، وهو البُعد المتعلق بتداعيات الصراع على السياسة الخارجية الأمريكية وارتباطه بالتنافس الجيوسياسي العالمي مع قوى مثل الصين وروسيا. ويكشف هذا التحليل عن مأزق استراتيجي حقيقي تواجهه واشنطن، يتمثل في التوفيق بين دعم حليفها الوثيق إسرائيل، وتفادي الانجرار إلى صراع مفتوح في وقت تحاول فيه إعادة توجيه تركيزها نحو أولويات عالمية أخرى.
هيذر ويليامز تُبرز التهديد المباشر الذي يواجهه الأفراد الأمريكيون في المنطقة، في ظل احتمال استهدافهم من قبل إيران أو وكلائها في إطار ردود انتقامية على الهجمات الإسرائيلية. وتُحذر من أن النجاحات العسكرية الإسرائيلية، رغم أنها قد تُضعف إيران مؤقتاً، إلا أنها قد تؤدي على المدى الطويل إلى خلق ظروف لصراع أكثر شمولاً، قد يُجبر الولايات المتحدة على التورط مجدداً في الشرق الأوسط، في وقت تسعى فيه لتركيز جهودها على مناطق أخرى كآسيا وأوروبا الشرقية.
رافائيل كوهين ينظر إلى الصراع من زاوية التنافس الاستراتيجي العالمي، ويعتبر أن السماح لإسرائيل بمواصلة الضغط على إيران يخدم المصالح الأمريكية بطريقة غير مباشرة، لأنه يُضعف شريكتي موسكو وبكين في المنطقة. وبهذا المنظور، تصبح الضربات الإسرائيلية أداة تصبّ في استراتيجية الاحتواء الكبرى التي تنتهجها واشنطن ضد خصميها الرئيسيين، روسيا والصين، من خلال إضعاف شريكهما الإقليمي.
كارين سودكامب تشير إلى أن الولايات المتحدة تدرك جيداً خطر تحوّل الأزمة إلى تهديد مباشر لمصالحها، ولذلك سارعت إلى إجلاء غير الأساسيين من البحرين والكويت والعراق والإمارات، وهي دول قد تصبح ساحات محتملة لهجمات انتقامية تطال القوات أو المصالح الأمريكية. كما أن الحشود البحرية الأمريكية باتت تتخذ مواقع أقرب إلى مسرح العمليات في الشرق الأوسط، وهو ما يعكس استعداداً للتدخل إذا استدعت الضرورة حماية القوات الأمريكية أو احتواء التصعيد.
ميشيل غريسيه تضيف بُعداً دبلوماسياً مهماً، مشيرة إلى محاولات كل من روسيا والصين استغلال الأزمة لتعزيز صورتهما كوسطاء دوليين. وتسعى هاتان القوتان إلى تقديم نفسيهما كجهات فاعلة قادرة على لعب دور بنّاء في احتواء التوترات، وهو ما يشكّل تحدياً استراتيجياً لواشنطن، التي تحاول الحفاظ على صدارتها في إدارة الأزمات الدولية. وبهذا المعنى، فإن الأزمة الإسرائيلية–الإيرانية لم تعد فقط مسألة أمن إقليمي، بل أصبحت ساحة اختبار للمكانة الأمريكية في النظام الدولي.
خلاصة شاملة:
تواجه الولايات المتحدة موقفاً شديد الحساسية. فبينما تخدم الضربات الإسرائيلية مصالحها من حيث إضعاف أحد أعداء النظام الليبرالي العالمي، فإنها في الوقت نفسه تهدّد بإعادة انخراط واشنطن في صراعات الشرق الأوسط، في وقت تحاول فيه التفرغ لمواجهة التحديات الكبرى المتمثلة في روسيا (في أوكرانيا وأوروبا الشرقية) والصين (في بحر الصين الجنوبي وتايوان).
وتُظهر التحركات الإيرانية المحتملة، من خلال الوكلاء أو الرد المباشر، أن المصالح الأمريكية في الخليج – سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي – قد تكون عرضة للخطر المباشر. ويعني ذلك أن التحدي لا يكمن فقط في إدارة الأزمة الحالية، بل في منعها من التحول إلى مستنقع استراتيجي طويل الأمد في وقت يشهد فيه النظام الدولي تحولات عميقة.
كيف يمكن أن يؤثر هذا الحادث على السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط؟
تشير تحليلات خبراء مؤسسة راند إلى أن الهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران لا يُمثّل مجرد تصعيد عسكري، بل نقطة تحول قد تكون لها عواقب استراتيجية وإقليمية واسعة المدى، تتجاوز حدود الضربة نفسها لتطال بنية التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتفرض تحديات جديدة على السياسة الخارجية الأمريكية.
الأثر على السياسة الخارجية الأمريكية: موازنة بين الانخراط والتحوّط
هيذر ويليامز تؤكد أن ردود أفعال الولايات المتحدة تجاه إيران كانت تقليدياً ردّة فعلية لا استباقية، لكنها ترى في هذا التصعيد فرصة نادرة أمام واشنطن لترجمة المكاسب العملياتية الإسرائيلية – سواء في لبنان ضد حزب الله أو في إيران – إلى نجاحات استراتيجية أكثر ديمومة. من وجهة نظرها، فإن “محور المقاومة” بقيادة إيران بات مهدداً بشكل غير مسبوق، وعلى الولايات المتحدة أن تستثمر هذا الظرف لا فقط لدعم إسرائيل، بل لإعادة صياغة قواعد اللعبة الإقليمية بما يخدم مصالحها الأوسع.
رافائيل كوهين يتبنّى موقفاً أكثر حدة، رافضاً حيادية أمريكية مفترضة. فهو يرى أن إيران ليست مجرد خصم، بل عدو فعلي استهدف الأمريكيين لعقود، ومن هذا المنطلق، فإن أي تدهور في قدرات طهران العسكرية – أو تعطيل لبرنامجها النووي – يُعد إنجازاً بحد ذاته ويخدم الأمن القومي الأمريكي. بالنسبة له، على الولايات المتحدة تبنّي موقف نشط لا دفاعي في هذا الصراع.
ميشيل غريسيه من جهتها، تسلط الضوء على التحدي الدائم للسياسة الخارجية الأمريكية: الموازنة بين مواجهة التهديد النووي الإيراني وبين تجنّب الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط. فبينما ترغب واشنطن في التفرغ لمناطق التوتر في المحيطين الهادئ والأطلسي، لا تزال الضرورات الأمنية في الشرق الأوسط تفرض نفسها بقوة، خاصة في ظل تعثر المسار الدبلوماسي مع طهران، وتزايد تدخلات روسيا والصين في المنطقة.
العواقب الإقليمية: خريطة متغيّرة وإعادة رسم للأدوار
رافائيل كوهين يرى في هذا الهجوم احتمالاً لإعادة رسم خارطة القوى الإقليمية. فإذا تمكّنت إسرائيل من تحييد البرنامج النووي الإيراني فعلياً، فإن هذا قد يُزعزع استقرار النظام الإيراني، ويدفع باتجاه تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط لصالح دول أكثر اعتدالاً أو تقارباً مع الغرب. لكنه يُحذّر في الوقت نفسه من دروس الماضي، مذكّراً بأن تغيير الأنظمة في المنطقة يحمل مخاطر ضخمة وغير مضمونة النتائج، وقد يؤدي إلى فوضى سياسية أو صعود قوى أكثر تطرفاً.
مارزيا جيامبرتوني تعزز هذا التقييم، معتبرة أن ضعف فعالية وكلاء إيران – مثل حزب الله والحوثيين – في الردع يعكس تراجعاً استراتيجياً لطهران، وربما يدفعها إلى مراجعة تكتيكاتها. وترى أن الانتقال من حرب الوكالة إلى مواجهة مباشرة يشير إلى إدراك إيراني بأن الصراع قد بلغ مرحلة تهديد وجودي لا تُعالجها أدوات غير تقليدية فقط. هذا قد يؤدي إلى إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي، سواء بتكثيف إيران لبناء شبكة وكلاء جديدة، أو بتوجهها نحو بناء قدرات تقليدية وعلنية لمواجهة التهديدات.
خلاصة تحليلية: تقاطع الفرص والمخاطر
تتّفق الآراء على أن الهجوم الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من ردود، يتجاوز بُعده العسكري التكتيكي، ليشكل لحظة استراتيجية فارقة. إنه:
- فرصة للولايات المتحدة لترسيخ نظام إقليمي جديد يُضعف “محور المقاومة” ويعزز أمن حلفائها.
- مخاطرة كبرى إذا أدت التطورات إلى زعزعة داخلية في إيران بدون بديل واضح، أو إلى انزلاق أمريكي مباشر في حرب جديدة.
- نقطة تحول في فهم إيران لفاعلية حروب الوكالة، وربما بداية لمرحلة صراع أكثر وضوحاً وأقل رمادية.
بالتالي، فإن سلوك الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة – سواء بالتدخل الدبلوماسي، أو بتمكين إسرائيل، أو باحتواء طهران – سيكون حاسماً في رسم ملامح النظام الأمني القادم في الشرق الأوسط.
ما هي التداعيات الاقتصادية المحتملة؟
يشير تحليل هوارد ج. شاتز إلى أن التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران بدأ بالفعل يُلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي، لا سيما من خلال أسواق الطاقة التي تُعدّ من أكثر المؤشرات حساسية للتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فمع بدء العمليات الإسرائيلية، سُجل ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط، وهو ما يعكس تزايد قلق الأسواق من احتمالات تعطل الإمدادات أو اتساع رقعة الصراع إلى مناطق إنتاج أو عبور حيوية.
ومع ذلك، يُحذّر شاتز من القفز إلى استنتاجات سريعة بشأن الآثار الاقتصادية العالمية الكاملة، ويشدد على وجود عاملين حاسمين سيكونان بمثابة نقطة التحول في مسار التأثير الاقتصادي:
- استهداف البنية التحتية النفطية في الخليج
إذا قررت إيران توسيع ردّها العسكري ليشمل منشآت إنتاج النفط في دول الخليج، مثل السعودية أو الإمارات، فإن ذلك سيعني ضربة مباشرة للعرض العالمي من الطاقة، الأمر الذي سيرفع الأسعار بشكل حاد، وقد يؤدي إلى أزمة إمدادات شبيهة بما حدث في السبعينيات. هذا الاحتمال سيؤثر على جميع الاقتصادات المستوردة للنفط، ويزيد من تكاليف الإنتاج والتشغيل عالمياً، مما يهدد بإبطاء النمو وربما دفع بعض الدول إلى الركود.
- إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز
مضيق هرمز يُعدّ شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط اليومية في العالم. أي تهديد مباشر له – سواء عبر هجوم صاروخي، أو زرع ألغام، أو استهداف السفن – سيؤدي إلى قفزة حادة في الأسعار بسبب تعطل سلاسل الإمداد. هذا النوع من التصعيد لا يؤثر فقط على العرض، بل أيضاً على مخاطر التأمين والنقل والتجارة البحرية في المنطقة، ما ينعكس سلباً على التجارة العالمية ككل.
السيناريوهات المحتملة:
- إذا حدث أحد هذين الأمرين أو كلاهما (الهجوم على منشآت خليجية أو تعطيل المضيق)، فإن العالم سيواجه موجة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة، قد تكون مصحوبة بتراجع في الاستهلاك، وزيادة في معدلات التضخم، واحتمال ركود اقتصادي عالمي، خاصة في الاقتصادات الهشة.
- أما إذا لم يحدث أي منهما، فإن الأسواق ستبقى متوترة، لكن الزيادة في الأسعار ستظل قابلة للاحتواء، وقد يكون التأثير مقتصراً على تباطؤ طفيف في النمو العالمي، ضمن حدود يمكن لإدارات اقتصادية كبرى التعامل معها، خاصة إذا حافظت دول “أوبك+” على الاستقرار في الإمدادات.
خلاصة اقتصادية:
يرتبط الأثر الاقتصادي العالمي لهذا الصراع ارتباطاً مباشراً بطبيعة الرد الإيراني وتوسّعه الجغرافي. فكلما اقتربت الهجمات من البنى التحتية الحيوية للطاقة أو من ممرات الملاحة الاستراتيجية، زاد الخطر على الأسواق، وعلى الاستقرار الاقتصادي العالمي. أما إذا ظل الصراع محصوراً في نطاق عسكري تقليدي بين إسرائيل وإيران دون توسّع إقليمي مباشر، فستبقى الآثار الاقتصادية تحت السيطرة – وإن مقلقة.
تظل مرونة الاقتصاد العالمي مرتبطة بإدارة هذه الأزمة على المستويين العسكري والدبلوماسي، وهو ما يُبرز من جديد أهمية الشرق الأوسط كمركز ثقل ليس فقط سياسياً، بل أيضاً اقتصادياً على المستوى العالمي.
ما هي التداعيات طويلة المدى على طموحات إيران النووية؟
تشير تحليلات خبراء مؤسسة راند إلى أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة قد لا توقف المشروع النووي الإيراني، بل قد تدفعه نحو مسار أكثر عدوانية وتسليحاً، مما يزيد من خطر سباق تسلح إقليمي ويقوّض نظام حظر الانتشار النووي الدولي. وتبرز من خلال هذه المداخلات نقطة مركزية: الهجوم ربما أجّل امتلاك إيران لسلاح نووي، لكنه في الوقت ذاته غيّر البيئة الاستراتيجية بطريقة قد تدفع إيران إلى تسريع السعي إليه.
- الفرق بين القدرة النووية والنية النووية
هيذر ويليامز توضح أن المناقشات العامة كثيراً ما تخلط بين تخصيب اليورانيوم وبين امتلاك سلاح نووي فعلي. فإيران قادرة تقنياً على تخصيب اليورانيوم إلى مستويات عسكرية في غضون أسابيع، لكنها – بحسب تقييمات الاستخبارات الأمريكية – لم تكن تسعى لتصنيع سلاح نووي حتى الآن، ولم تنخرط في أبحاث التسليح المتقدمة اللازمة لذلك.
لكنها تحذر الآن من أن الوضع قد تغيّر، وأن الضغط العسكري قد يكون دافعاً لإيران للتخلّي عن الحذر الاستراتيجي والسعي فعلاً نحو إنتاج قنبلة نووية، كرد على التهديد الوجودي المتصوّر.
- الضربات تؤخّر ولا تُوقف
رافائيل كوهين يشير إلى حقيقة أساسية: لا توجد ضربة عسكرية واحدة يمكنها القضاء بالكامل على البرنامج النووي الإيراني، خاصة بالنظر إلى تعقيده وتوزّعه في منشآت تحت الأرض. ولكنه يُضيف بعداً آخر للتحليل:
عند الحكم على هذه الضربات، يجب النظر إلى ما كانت ستؤول إليه الأمور لو امتلكت إيران السلاح النووي. بالنسبة له، فإن السماح بذلك قد يؤدي إلى دوامة انتشار نووي في الشرق الأوسط تشمل السعودية، وربما تركيا ومصر، لذا فإن الضربات، رغم كونها مؤقتة في مفعولها، قد تكون مساهمة إيجابية في جهود منع الانتشار.
- حافز لتسريع التسليح النووي
ميشيل غريسيه تُعبّر عن قلق واضح من أن الهجمات قد تكون أتت بنتائج عكسية، فهي رغم أنها ألحقت ضرراً ببعض المنشآت واغتالت علماء، فإنها لم تُدمّر المنشآت النووية المحصّنة، ولم تُلغِ المعرفة الفنية والقدرات المؤسسية التي راكمتها إيران. وبهذا، فإن إيران – كرد فعل – قد ترى أن امتلاك السلاح النووي بات الضامن الوحيد لأمنها القومي، ما يعزز فرص انتقالها من “العتبة النووية” إلى “الامتلاك الكامل”.
- تحوّل في الحسابات الاستراتيجية
جوليا ماسترسون تشير إلى أن إيران، لسنوات، مارست استراتيجية مرنة، حافظت فيها على برنامج نووي متقدّم تقنياً، لكنها امتنعت عن تجاوز الخط الأحمر نحو السلاح، تجنباً للعقوبات الدولية والعزلة. إلا أن الضربات الإسرائيلية غيّرت المعادلة، وقد تؤدي إلى مراجعة جذرية لهذه السياسة. ومن الصعب الآن، كما تقول، تخيّل قبول إيران بأي قيود إضافية على برنامجها النووي، بل قد تُعيد النظر في التزاماتها تجاه معاهدة عدم الانتشار (NPT).
خلاصة تحليلية:
- الهجوم الإسرائيلي لم يُوقف البرنامج النووي الإيراني، بل أجّله جزئياً.
- الخطر الأكبر اليوم ليس في قدرات إيران، بل في التحوّل المحتمل في نواياها.
- الضربات ربما أضعفت المرافق، لكنها قد قوّت الحافز السياسي الإيراني لامتلاك السلاح كوسيلة ردع.
- المشهد المستقبلي يُرجّح إما تسارعاً في البرنامج النووي الإيراني، أو مزيداً من العزلة الدولية والصدام العسكري المستمر.
وبالتالي، فإن هذه التطورات تُنذر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار النووي في الشرق الأوسط، حيث تصبح جهود نزع السلاح أو التفاوض أكثر صعوبة، ويُحتمل أن نشهد تصاعداً في سياسات الردع النووي الإقليمي على حساب الحلول الدبلوماسية والتوافقية.
١٦ حزيران/يونيو ٢٠٢٥
مركز أسبار
رابط البحث
https://www.rand.org/pubs/commentary/2025/06/the-israel-iran-conflict-qa-with-rand-experts.html

