ذات صلة

دول الخليج العربية تعمل على احتواء تداعيات الهجوم الإسرائيلي على إيران

تقود عُمان وقطر جهوداً دبلوماسية لاحتواء التصعيد بين إسرائيل وإيران، في وقت أبدت فيه طهران انفتاحاً مشروطاً على استئناف المفاوضات النووية، بشرط توقّف الهجمات الإسرائيلية. هذا التطور يُشير إلى أن نافذة التهدئة لا تزال قائمة، رغم التوتر المتصاعد، ويعكس استمرار دور البلدين الخليجيين كوسطاء فعّالين في أزمات المنطقة. نجاح هذه المساعي سيعتمد على قدرة الوسطاء على تحقيق توافق مبدئي لوقف النار، وتهيئة بيئة تسمح بإعادة إطلاق مسار تفاوضي يوازن بين المطالب الأمنية والضغوط السياسية للطرفين.

ملخّص

أبلغ مسؤولان إيرانيان الوسطاء يوم الاثنين بأن طهران منفتحة على استئناف المحادثات النووية مع الولايات المتحدة، لكنهما أكدا أن استئناف المفاوضات مرهون بتوقف إسرائيل عن شن هجماتها أولاً، مؤكدين أن إيران لم تغادر طاولة المفاوضات لكنها ترفض أن تستمر المحادثات في ظل تعرضها للقصف المباشر. وفي الوقت الذي يستمر فيه القتال لليوم الرابع بين الخصمين الإقليميين، تقود كل من عُمان وقطر جهوداً دبلوماسية مكثفة لإطلاق محادثات لوقف إطلاق النار، في إطار مسعى خليجي يهدف إلى تهدئة التوتر المتصاعد الذي يثير مخاوف كبيرة في دول الخليج المجاورة. تتصاعد حالة القلق بسبب قرب النزاع من ممرات النفط الحيوية والذكريات المؤلمة للصراعات السابقة، وسط ارتباك بشأن مدى استعداد كل من إسرائيل وإيران، بالإضافة إلى إدارة ترامب، للتصعيد أو التراجع. من جهته، قال الرئيس دونالد ترامب يوم الاثنين إنه تلقى رسائل تفيد بأن إيران تسعى إلى وقف القتال، لكنه لم يوضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتدخل عسكرياً أو ستضغط على إسرائيل لوقف الهجمات. كما نشر ترامب تغريدة ندد فيها بالصراع واصفاً إياه بـ”العار” و”إهدار الأرواح”، مجدداً تأكيده على ضرورة عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، ودعا بشكل مثير للجدل إلى إخلاء مدينة طهران، في تصريح أثار تساؤلات واسعة حول دوافعه وملابساته.

إذا استمر الصراع، فقد يكون من المحتم أن ينجر الخليج بطريقة أو بأخرى إلى هذا التصعيد، وفقاً للمحللين الذين يشيرون إلى خطورة الوضع الراهن. يوم الاثنين، شهدت مدينة حيفا الساحلية وابلًا من الصواريخ الإيرانية، فيما ردّت إسرائيل بضرب بطاريات صواريخ إيرانية ومقر التلفزيون الرسمي الإيراني، في جولة أخرى من الهجمات الدموية التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 224 شخصًا في إيران و24 في إسرائيل منذ يوم الجمعة، بحسب مسؤولين. وعبّر بدر السيف، أستاذ التاريخ بجامعة الكويت، عن حالة الذعر التي تعم المنطقة، قائلاً: “نعمل منذ سنوات لتجنّب مثل هذه المواجهة، لأننا سنكون الضحايا في النهاية”، مشيراً إلى الخوف المنتشر الذي دفع الناس إلى إفراغ المتاجر الكبرى واللجوء إلى الحديث عن الملاجئ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واصفًا ما يحدث بأنه “أسوأ كوابيس تتحقق”.

لفترة طويلة، كانت دول الخليج تأمل في تجنب التداعيات العنيفة للصراع، خاصة بعد تعهد بعضها لإيران بعدم المشاركة في الهجمات عليها، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، ضمن مسعى خليجي جديد لصياغة سياسة أمنية مستقلة عن الولايات المتحدة وعزل المنطقة عن أية حروب محتملة. لكن مع اتساع قائمة أهداف إسرائيل وتباين رواياتها حول الحرب التي تخوضها، من إضعاف البرنامج النووي الإيراني إلى تغيير النظام أو حتى دفعه لذلك، تتزايد تساؤلات دول الخليج حول نوايا حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. في الوقت نفسه، تستعد هذه الدول لما قد تفعله إيران، خاصة إذا شعرت بأن نظامها مهدد، وسط خشية من أن توسع طهران أهداف ردها لتشمل مناطق أبعد من إسرائيل، إضافة إلى احتمال مضاعفة جهودها في تطوير برنامجها النووي.

وفي هذا السياق، يعبّر الكاتب والمحلل السياسي السعودي علي الشهابي عن قلقه قائلاً: “هل استفزّ الإسرائيليون الإيرانيين للتو في عجلة من أمرهم نحو القنبلة؟” وهو تساؤل يعكس المخاوف المتصاعدة من أن هذا التصعيد قد يدفع إيران إلى تسريع خطى تطوير أسلحتها النووية، مما قد يزيد من تعقيد الوضع الإقليمي ويهدد الاستقرار في الخليج والمنطقة بأسرها.

كان هناك أيضاً تساؤل كبير حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنضم إلى إسرائيل في مهاجمة إيران، وهو سيناريو يحذر المحللون من أن تدخله قد يؤدي إلى عواقب وخيمة وغير متوقعة على سكان إيران البالغ عددهم 90 مليون نسمة، فضلاً عن تداعياته على الاستقرار الإقليمي بأكمله. كتب حمود أبو طالب في صحيفة عكاظ السعودية: “إذا كانت أمريكا حكيمة وعقلانية وتعطي الأولوية لمصالح الجميع في المنطقة، فلن تتدخل وستجبر إسرائيل على التوقف”، محذراً من أن أي استدراج للولايات المتحدة قد يدفع المنطقة إلى “مرحلة أسوأ من أي مرحلة شهدتها من قبل”.

إدارة ترامب متورطة بالفعل، بصفتها المورد الرئيسي للأسلحة لإسرائيل وبمساعدتها في إسقاط صواريخ إيران، لكن بالرغم من دعوات بعض حلفائه للتدخل بقوة أكبر، واصل ترامب التلميح إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، معبراً في الوقت نفسه عن دعمه للضربات الإسرائيلية ومهدداً باستخدام “كامل قوته” إذا هاجمت إيران المصالح الأمريكية.

في قمة مجموعة السبع في كندا يوم الاثنين، أجاب ترامب بـ”نعم” عندما سُئل عمّا إذا كانت هناك إشارات من الوسطاء بأن إيران تسعى لإنهاء الصراع، قائلاً: “إنهم يرغبون في التحدث، لكن كان عليهم فعل ذلك من قبل. عليهم التحدث فوراً قبل فوات الأوان”. لكنه تجنب الإجابة صراحةً عندما طُلب منه توضيح ما الذي يتطلبه الأمر لتدخل عسكري أمريكي.

في الوقت نفسه، أعلن مسؤولون أمريكيون أن البنتاغون يوسّع وجوده العسكري في الشرق الأوسط وأوروبا، مضيفين موارد جديدة من طائرات التزويد بالوقود وحاملة طائرات لتعزيز القدرة الدفاعية الأمريكية في المنطقة، في خطوة تهدف إلى حماية المصالح الأمريكية حال التصعيد.

ووسط هذه الأجواء، عبّر بدر السيف عن شعور متزايد في الخليج بأن تعهدات ترامب خلال زيارته الأخيرة للمنطقة، التي ركزت على الاستقرار وإنهاء الحروب، تعكس جزءاً من عقيدته السياسية. وقال: “إنه يغرد عن تحقيق السلام وجعل الشرق الأوسط عظيماً مرة أخرى”، مؤكداً على أن لدى ترامب نفوذاً على إسرائيل وعليه استخدامه بحكمة.

لو كان ترامب ورقة رابحة في التوازنات الإقليمية، لكان هناك تفاؤل أكبر بأن طهران قد لا تستهدف جيرانها المباشرين، لا سيما في ظل تحسُّن العلاقات بين السعودية وإيران التي كانت في أدنى مستوياتها قبل نحو عقد من الزمن. ففي أبريل الماضي، زار وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان طهران، في إشارة إيجابية إلى تحسن العلاقات، حيث أكد في خطاباته أن “الإسرائيليين يبحثون عن ذريعة للهجوم”، داعياً إيران إلى التفاوض مع الولايات المتحدة بشأن برنامجها النووي، كما قال علي الشهابي، الكاتب والمحلل السياسي السعودي.

أضاف علي الشهابي أن دول الخليج، لا سيما السعودية، تعهّدت بعدم المشاركة بأي شكل في العمليات العسكرية ضد إيران، مشيراً إلى أن العلاقات بين دول الخليج وإيران قد تحسّنت خلال العام الماضي، مما يقلل من احتمال أن ترغب طهران في تعريض هذه المكاسب للخطر. وأوضح أن خطر تحرك الجماعات المتحالفة مع إيران بشكل منفرد في المنطقة قد تضاءل أيضاً، مع استثناء ميليشيا الحوثيين في اليمن التي لا تبدو راغبة في إشعال حرب جديدة.

بدوره، شدد بدر السيف على أن موقف دول الخليج من البقاء خارج الصراع يعتمد على تقييمها للتهديد الإيراني، محذراً من أن إيران قد تتخذ إجراءات أكثر حدة إذا شعرت بأن وجودها مهدداً، مثل إغلاق مضيق هرمز الحيوي أو استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، معتبراً الوضع “منطقة مجهولة” مليئة بالمخاطر.

في ظل هذه التوترات، سارعت دول الخليج إلى طمأنة شعوبها؛ فقد أكدت وزارة البيئة وتغيّر المناخ القطرية عبر قناة X أن مستويات الإشعاع في البلاد طبيعية وتُراقب بشكل مستمر، بينما أصدر الجيش الكويتي بياناً نفى أن تكون الصواريخ التي أُطلقت باتجاه إسرائيل قد دخلت المجال الجوي للكويت أو شكلت تهديداً.

من جانبه، رأى عبد الخالق عبد الله، أستاذ العلوم السياسية الإماراتي، أن الأزمة تحمل في طياتها تحديات وفرصاً للخليج، مشيراً إلى أن ضعف إيران قد يكون إيجابياً للمنطقة بسبب تمويلها لوكلائها وتوسعها المستمر، لكنه حذر من تصاعد جرأة إسرائيل العسكرية على حساب المنطقة والفلسطينيين الذين ستظل معاناتهم قائمة. واعتبر أن فكرة انهيار النظام الإيراني تظل مجرد أمنية، متوقعاً أن تركز طهران على الداخل بعد انتهاء الأعمال العدائية بدلاً من التوسع الإقليمي.

وأضاف عبد الله أن الاتصالات تجري على أكثر من صعيد لإنهاء القتال، قائلاً: “الهواتف مشتعلة”. وفي الختام، حذّر سيف من التقليل من تأثير الضربات على سكان الخليج، مشيراً إلى ترابط وتعقيد المنطقة قائلاً: “على من افترضوا أن سكان الخليج سعداء بالضربات ضد إيران أن يفكروا مرتين”.

أثّرت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت يوم السبت منشآت نفطية وغازية إيرانية على حقل الغاز المشترك بين إيران وقطر، مما أثار قلقاً إقليمياً بشأن استقرار إمدادات الطاقة. وعلى الرغم من أن محطة بوشهر للطاقة النووية لم تتعرض لأي هجوم، إلا أنها تقع على الساحل الغربي لإيران وعلى بعد أقل من 200 ميل من الكويت، مما يبرز مدى قرب هذا التوتر من الدول المجاورة. وأوضح بدر السيف قائلاً: “جميعنا متأثرون”، مشدداً على أن أي اضطراب في هذه المنشآت يؤثر بشكل مباشر على أمن الطاقة والاقتصاد في المنطقة بأسرها.

الصراع في الشرق الأوسط

في 18 مارس/آذار، شن الجيش الإسرائيلي حملة قصف واسعة على قطاع غزة، منتهكاً بذلك وقف إطلاق النار الهش مع حماس الذي كان سارياً منذ أواخر يناير/كانون الثاني. تأتي هذه التطورات بعد تصعيد كبير بدأ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين شَنّ مسلّحو حماس هجوماً غير مسبوق عبر الحدود على إسرائيل، أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز رهائن مدنيين. ردّت إسرائيل بإعلان الحرب على حماس وشنّ غزو بري، ما تسبب في أكبر نزوح منذ قيام الدولة عام 1948، ثم مقتل زعيم حماس إسماعيل هنية في هجوم عام 2024 اتهمت حماس إسرائيل بالمسؤولية عنه.

على الجبهة الشمالية، انتهى عام 2024 باتفاق هش لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله اللبناني بعد عام من أعمال عدائية شملت غارات جوية إسرائيلية مكثفة، أودت بحياة أكثر من 1400 شخص، من بينهم زعيم حزب الله حسن نصر الله، في استمرار لتاريخ طويل من العنف على الحدود الإسرائيلية اللبنانية.

في غزة، عاشت المنطقة واحدة من أكثر الحروب تدميراً في القرن، مع سقوط عشرات الآلاف من القتلى، ودفع نصف السكان إلى أوضاع تقترب من المجاعة، وسط مقاومة إسرائيلية لضغوط غربية للسماح بدخول مساعدات إنسانية كافية.

وعلى الصعيد الدولي، رغم التوترات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وبعض السياسيين الأمريكيين، من بينهم الرئيس جو بايدن، تستمر الولايات المتحدة في دعم إسرائيل عسكرياً ومالياً، مستخدمة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع قرارات الأمم المتحدة الداعية لوقف إطلاق النار.

كريم فهيم
سوزانا جورج
مركز أسبار
رابط البحث

https://www.washingtonpost.com/world/2025/06/16/israel-iran-conflict-gulf-states/