ذات صلة

الأسد الكاذب والرئيس التعيس: هل وضع نتنياهو ترامب في مأزق؟

بعد ثلاثة عقود من التحريض والتهديدات المستمرة، بلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هدفه المنشود، بإشعاله شرارة المواجهة المباشرة مع إيران، عبر تنفيذ هجوم استراتيجي استهدف قيادتها السياسية والعسكرية، إلى جانب منشآتها النووية. يُنظر إلى هذا التحرك الإسرائيلي باعتباره تصعيدًا حاسمًا ضمن خطة أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، تمتد من بلاد الشام وصولًا إلى الخليج العربي، وذلك في ظل المتغيرات العميقة التي فرضتها التطورات الأخيرة، لا سيما هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذي شكّل نقطة تحوّل مفصلية في المشهد الإقليمي.

ورغم أن ضربة إسرائيل لإيران كانت متوقعة منذ سنوات، بل وبدت وشيكة في أكثر من محطة، فإن طريقة تنفيذها وتوقيتها الدقيق لم يكونا محكومين فقط بالحسابات الإسرائيلية، بل تأثرا أيضًا بدرجة كبيرة بالسياسات المرتبكة التي سادت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. فقد خلقت تلك الإدارة بيئة من الغموض وعدم الاستقرار في مقاربة الملفات الكبرى، لا سيما المتعلقة بإيران، ما أضفى على القرار الإسرائيلي مزيدًا من التعقيد، قبل أن يحسم نتنياهو أمره في لحظة رآها مواتية على المستويين الإقليمي والدولي.

آخِر فصل من فصول المأساة

انبثق ردّ فعل إسرائيل على صدمة هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول من تصميم استراتيجي واضح على استغلال تفوّقها العسكري والتكنولوجي، مدعومًا برأس مال سياسي كبير نابع من التضامن الغربي، لتغيير قواعد اللعبة جذريًا، ليس فقط في الساحة الفلسطينية بل على امتداد المنطقة. بدت إسرائيل عازمة على اغتنام اللحظة لإعادة رسم المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، مستخدمة القوة العسكرية كأداتها الوحيدة تقريبًا.

وفي إطار هذه الاستراتيجية، بدأت إسرائيل بإبادة بنية حركة حماس في قطاع غزة، من خلال حملة عسكرية شرسة دمّرت البنية التحتية للقطاع، وفرضت حصارًا خانقًا، ما أسفر عن كارثة إنسانية واسعة النطاق. وبالتوازي، صعّدت من قبضتها على الضفة الغربية، من خلال توسيع المستوطنات وتشديد الإجراءات الأمنية، بما يعمّق من مأزق السلطة الفلسطينية ويقوّض أي أفق لحل سياسي.

لكن طموحات إسرائيل تجاوزت الساحة الفلسطينية، لتطال مجمل محور المقاومة في المنطقة. ففي لبنان، نفّذت عمليات نوعية استهدفت قيادة حزب الله، وألحقت به خسائر فادحة، ما أدى إلى تراجع كبير في قدرته القتالية. أما في سوريا، فبعد سقوط نظام بشار الأسد، صعّدت إسرائيل من قصفها لبقايا القوات السورية والمواقع العسكرية التابعة لإيران، ووسّعت نفوذها على الأرض.

وفي اليمن، شنّت إسرائيل ضربات مكثفة ومتكررة على مواقع الحوثيين المدعومين من طهران، في خطوة لاحتواء التهديدات التي كانت تطال الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ثم جاء التحول الأكبر: الضربة المباشرة إلى قلب إيران، الجمهورية الإسلامية نفسها. فالهجوم الإسرائيلي الأخير كان الأعنف والأكثر جرأة، حيث استهدف القيادة العليا للقوات النظامية والحرس الثوري، الذراع الأمنية الإقليمية الأبرز لطهران. وقد شكّلت قائمة القتلى مفاجأة مذهلة، إذ شملت أسماء بارزة مثل محمد باقري، رئيس أركان القوات المسلحة، وحسين سلامي، القائد العام للحرس الثوري، وأمير علي حاجي زاده، قائد القوة الجوية الفضائية والمسؤول عن برنامج الصواريخ الباليستية. كما استُهدف علماء نوويون بارزون، بينما نجا على ما يبدو علي شمخاني، مستشار المرشد الأعلى في الشؤون الأمنية والدبلوماسية، من الهجوم بأعجوبة.

وامتدت الضربات إلى عشرات المواقع داخل إيران، شملت منشآت نووية، ومراكز قيادة، ومنشآت دفاع جوي، ومصانع عسكرية، وحتى بنى تحتية للطاقة كحقول النفط والغاز. ولم تُعرف بعد الخسائر الكاملة التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني، لكن من المرجّح أن الضرر كبير ومتصاعد، خاصة إذا استمرت الهجمات في الأيام المقبلة.

في لحظاتها الأولى، بدت العملية الإسرائيلية نجاحًا عسكريًا مدوّياً، أدّى إلى إرباك النظام الإيراني وشلّ مراكز صنع القرار مؤقتًا. وقد كبّدت الهجمات الدفاعات الجوية الإيرانية ومواقع إطلاق الصواريخ خسائر هائلة، ما حدّ من قدرة إيران على الرد الفوري. وعلى الرغم من أن التصعيد لم يبلغ ذروته بعد، فإن إسرائيل تبدو في موقع متقدّم عسكريًا ونفسيًا، أمام نظام إيراني مثخن بالجراح، يحاول لملمة صفوفه واستيعاب الصدمة.

حسابات إسرائيل

صوّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الهجوم على إيران على أنه “إجراء وقائي” ضد تهديد وجودي وشيك، يتمثّل – بحسب روايته – في البرنامج النووي الإيراني. وكما هو معتاد في خطابه السياسي، اتّسعت الفجوة مرة أخرى بين تصريحاته والواقع الفعلي على الأرض. فإيران لا تمتلك أسلحة نووية، ولا تدير حالياً برنامجاً نووياً عسكرياً نشطاً. ما لديها هو برنامج نووي مدني واسع النطاق، طالما أثار قلقاً دولياً، لكنه لا يرقى إلى مستوى التهديد الذي سوّقه نتنياهو لتبرير التصعيد العسكري الأكبر في تاريخ الصراع بين الطرفين.

يكمن جوهر الخلاف في قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، وهو نشاط ذو طبيعة مزدوجة: يمكن استخدامه لأغراض سلمية، كما يمكن تحويله إلى الاستخدام العسكري إذا تجاوزت نسب التخصيب العتبات المتعارف عليها. وتزايدت المخاوف مؤخراً بعد صدور تقرير من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجّه انتقادات لإيران بسبب إخفاقها في الالتزام الكامل بمعايير الشفافية والتعاون. غير أن هذه الانتهاكات لم تكن مفاجئة، ولا دليلاً قاطعًا على وجود نوايا عسكرية مباشرة، بل كانت تعبيراً عن توتر سياسي طويل الأمد مع الغرب.

وفي تأكيد على هذا التقييم، صرّحت تولسي غابارد، التي شغلت منصب مديرة الاستخبارات الوطنية في عهد إدارة ترامب، قبل أقل من شهرين، بأن التقدير الاستخباراتي الأمريكي الرسمي ما زال يعتبر أن إيران أوقفت برنامجها النووي العسكري الناشئ في عام 2003، ولم تتخذ أي قرار بالعودة إليه منذ ذلك الحين. وتشير التقديرات إلى أنه حتى لو اتخذت إيران قراراً اليوم ببناء قنبلة نووية، فإنها ستحتاج إلى فترة تمتد بين عامين إلى ثلاثة أعوام لتحقيق ذلك، وهو إطار زمني لا يُبرّر الضربة الوقائية المفاجئة التي نفذتها إسرائيل.

الحقيقة الأكثر ترجيحاً هي أن إيران استخدمت برنامجها النووي وسيلة ضغط في مواجهتها مع الغرب، وليس كمنصة استراتيجية لبناء قدرة ردع عسكرية نووية. ويتضح هذا من انضمامها إلى الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) مع إدارة أوباما، ومن إشاراتها المتكررة إلى الاستعداد للتفاوض مجدداً، حتى مع إدارة ترامب التي كانت قد انسحبت من الاتفاق من جانب واحد عام 2018، مما قوّض الثقة في المسار الدبلوماسي.

الأخطر في التوقيت هو أن الضربة الإسرائيلية جاءت قبل أقل من 72 ساعة من انعقاد جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في العاصمة العُمانية مسقط. ويبدو أن الهجوم كان يستهدف، في أحد وجوهه، إحباط هذا المسار الدبلوماسي بالكامل. ويُعزز هذا التحليل استهداف شخصية بحجم علي شمخاني، أحد كبار مهندسي التفاوض الإيراني مع إدارة ترامب. فإصابة شمخاني في الهجوم لا تبدو عرضية، بل رسالة سياسية واضحة تهدف إلى تصفية الرموز المرتبطة بأي احتمال للعودة إلى طاولة المفاوضات.

وقد سارعت طهران بعد الهجوم إلى وصف المحادثات مع الولايات المتحدة بأنها “بلا معنى”، في تصريح يعكس تحوّلاً جذرياً في موقفها، ليس نتيجة فقدانها الرغبة في الدبلوماسية، وإنما بسبب الشعور بأن هذه القناة أصبحت عديمة الجدوى في ظل ازدواجية السلوك الأمريكي – بين إدارة تفاوض وإسرائيل تُهاجم. فالغموض والتذبذب اللذان طبعا أداء إدارة ترامب ساهما بشكل مباشر في خلق بيئة غير مستقرة، لا يمكن لإيران فيها الوثوق بأي مسار تفاوضي طويل الأمد، دون أن يُفسَّر ذلك على أنه استسلام كامل.

بذلك، يُفهم الهجوم الإسرائيلي ليس فقط بوصفه ضربة عسكرية، بل كمحاولة ممنهجة لدفن المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، وتعزيز واقع المواجهة المفتوحة كخيار وحيد مطروح على الطاولة.

ترامب في مأزق

في البداية، سعت الإدارة الأمريكية إلى إبقاء مسافة واضحة بينها وبين الهجوم الإسرائيلي على إيران، فوصَف وزير الخارجية ماركو روبيو الضربة بأنها “عمل أحادي الجانب”، في ما بدا محاولة لدرء أي تفسيرات تُحمّل واشنطن مسؤولية مباشرة. وفي الوقت نفسه، وجّه تحذيرات حادة إلى إيران بعدم استهداف القوات أو المصالح الأمريكية في المنطقة. غير أن موقف الرئيس دونالد ترامب سرعان ما تبدّل، كما هو معتاد في مساره المتقلب تجاه إيران. فبعد أن أبدى تفاؤلاً علنيًا قبل ساعات من الهجوم بشأن فرص استئناف المحادثات، انتقل سريعًا إلى لهجة تهديد، داعياً طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات قبل أن “تفقد كل شيء”.

وفي خطوة استثنائية وغير مسبوقة، أصدر البيت الأبيض “دعوة إخلاء” لأكثر من عشرة ملايين شخص من سكان طهران، ما عُدّ إشارة واضحة إلى أن الإدارة تتعامل مع الموقف كمقدمة محتملة لصراع واسع النطاق.

يبدو أن ترامب افترض، أو ربما أوهمه نتنياهو، بأن الضربات الإسرائيلية ستدفع النظام الإيراني إلى الانهيار أو إلى الرضوخ الكامل، لا سيما فيما يتعلّق بالمطلب الإسرائيلي والأمريكي المبالغ فيه بتفكيك كامل لقدرات تخصيب اليورانيوم. ويبدو أن هذه القناعة تعزّزت بالنجاح الميداني لإسرائيل في تصفية عدد من كبار الشخصيات التي كانت محسوبة على التيار المتشدّد في ملف التخصيب، مما غذّى تصوراً لدى ترامب بأن “الرأس تم قطعه”، وأن نظاماً من هذا النوع سيتحرك مدفوعاً بالخوف لا غير.

وبحسب ما رشح من داخل الإدارة، فإن ترامب يرى هذا التحول المفاجئ – من التنصّل من الهجوم إلى تبريره لاحقاً كجزء من خطة محكمة لخداع إيران – ليس كتناقض، بل كمرونة استراتيجية. غير أن هذا الرهان يستند إلى افتراضات هشة، أهمها أن إيران، بعد الضربة، ستتصرّف وفق منطق الخوف والانصياع، متجاهلة تاريخها الطويل في امتصاص الضربات والتفاعل معها بأسلوب غير خطي.

تكمن مشكلة هذا المنطق في أنه يتجاهل حدود تأثير واشنطن الفعلي على سلوك الطرفين: إسرائيل، التي تصرفت بشكل مستقل رغم الحساسية الجيوسياسية، وإيران، التي رغم جراحها، أثبتت تاريخياً قدرتها على الصمود وردّ الفعل وفق إيقاعها الخاص. لو كان ترامب قد أوقف إسرائيل عن تنفيذ الهجوم، ولو مؤقتاً إلى ما بعد جولة المفاوضات المقررة في مسقط، لكان بإمكانه، على الأقل من الناحية الشكلية، الادّعاء بأنه أعطى المسار الدبلوماسي فرصة حقيقية، قبل أن يلجأ إلى التصعيد.

وفي هذا السيناريو البديل، كان يمكن لترامب أن يحصد عدة مكاسب: تعزيز صورته كصانع سلام بعد عجزه في أوكرانيا، وتقديم نفسه كقائد قوي لا يتردّد في استخدام القوة إذا فشلت الدبلوماسية، وفي الوقت نفسه كزعيم يتحكّم بمجريات الأحداث لا كمن ينجرّ وراءها. لكنه، بتركه لإسرائيل حرية توجيه الضربة قبل فشل المحادثات، أعاد تأكيد الانطباع العالمي بأن واشنطن لا تملك القدرة – أو الرغبة – في كبح جماح حليفتها، مهما كان الثمن.

والأهم من ذلك، أنه بذلك ضيّق بشدّة هامش المناورة المتاح للولايات المتحدة، التي وجدت نفسها فجأة تتفاعل مع تداعيات هجوم غير مخطط له أمريكياً بالكامل، بدل أن تتحكم في مسار الأمور. وبدلاً من نظامٍ إيرانيّ كان يقترب من مفاوضات جديدة – وإن بتشكّك – أصبح ترامب اليوم أمام خصم مجروح، مرتبك، لكن أكثر تصميماً على الثأر، وأقلّ استعداداً لتقديم أي تنازلات.

في المحصلة، ما كان يُفترض أن يكون ورقة ضغط سياسية، تحوّل إلى تصعيد مفتوح، قد لا تملك واشنطن فيه لا زمام المبادرة ولا رفاهية التراجع.

خيارات إيران

حتى لحظة كتابة هذه السطور، بدأت معالم الرد الإيراني على الهجوم الإسرائيلي تتضح، وهو ردّ يُرجّح أن يتخذ ثلاثة أبعاد مترابطة: عسكري، ونووي، وإقليمي.

  1. الرد العسكري المباشر

الرد العسكري الأولي تمثّل في إطلاق وابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف داخل إسرائيل، شملت تل أبيب ومدناً ومواقع عسكرية أخرى. ومع أن الأضرار المباشرة كانت محدودة نسبياً، فإن ذلك لا يُعزى فقط إلى “ضبط النفس” من جانب إيران، بل إلى كفاءة الدفاعات الإسرائيلية المتقدّمة، والمدعومة من قبل منظومات أمريكية، في اعتراض الهجمات. لكن من الواضح أن الهدف الإيراني يتجاوز “إعادة ترميم الردع” الذي سعت إليه في ضربات أبريل/نيسان وأكتوبر/تشرين الأول 2024؛ هذه المرة، تسعى طهران إلى إلحاق ضرر ملموس بإسرائيل، واستنزاف قدراتها تدريجياً.

ومع ذلك، تبرز معضلة إستراتيجية لطهران: كلّما طال أمد المواجهة وتوسّع نطاقها، زادت فرص نتنياهو في تبرير التدخل الأمريكي المباشر، وهو السيناريو الذي لا تزال إيران حذرة جداً منه. حتى الآن، امتنعت طهران عن استهداف القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة رغم تهديداتها، لكنها قد تُغيّر هذا التوجّه إذا تدخلت واشنطن بشكل صريح في الحملة الجوية الجارية.

ومن غير المستبعد، بل من المرجّح، أن تلجأ إيران إلى حلفائها الإقليميين، وخاصة في العراق واليمن، للقيام بهجمات على أهداف أمريكية، بهدف رفع كلفة دعم واشنطن لإسرائيل، والضغط عليها لكبح نتنياهو. غير أن هذا الخيار محفوف بالمخاطر: ففي حال سقوط قتلى أمريكيين، لن يتمكن الرئيس ترامب، رغم تردده المعلن في خوض حرب جديدة في الشرق الأوسط، من تفادي الرد العسكري. وهو ما يعني أن خروج النزاع عن السيطرة لن يكون قراراً إيرانياً أو أمريكياً بالكامل، بل نتيجة ديناميكية تصعيدية قد يجرّ فيها الطرفان بعضهما البعض نحو المواجهة.

  1. البعد النووي

الجبهة الثانية في الرد الإيراني مرشحة لأن تكون أكثر زلزالية على المدى البعيد. فقد تبدأ طهران بتقليص تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كخطوة أولى، وتصل إلى حد طرد المفتشين الأمميين بالكامل من منشآتها النووية، ما سيعني فعلياً نهاية ما تبقى من الشفافية في برنامجها النووي.

الخطوة الأخطر التي تلوح في الأفق هي أن تعلن إيران انسحابها من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، وهو الاتفاق الدولي الذي أسس منذ عقود لضبط الطموحات النووية عالمياً، والذي التزمت به طهران رغم الخروقات والنزاعات المتكررة. مثل هذا القرار – حتى لو لم تُتبعه إيران مباشرة بالسعي لتخصيب اليورانيوم إلى مستويات عسكرية – سيضع برنامجها في منطقة رمادية، سياسية وتقنية، تمنح القيادة الإيرانية مرونة استراتيجية كبيرة لاتخاذ قرار بتطوير سلاح نووي إذا ما شعرت بأن تهديد وجودها بات وشيكاً.

وفي هذه الحالة، فإن أي تصعيد نووي، حتى ولو لم يُترجم سريعاً على شكل قنبلة، سيقلب الحسابات الإقليمية والدولية رأساً على عقب، ويجعل من وقف الحرب أو العودة إلى طاولة المفاوضات مسألة أكثر تعقيداً.

  1. البعد الإقليمي (محور المقاومة)

الرد الثالث يتجلّى على مستوى الجغرافيا السياسية الإقليمية، حيث يُتوقع أن تبدأ إيران بتفعيل منظومتها الواسعة من الحلفاء والمليشيات المسلحة في أكثر من ساحة: من حزب الله في لبنان، إلى الحوثيين في اليمن، مروراً بجماعات مسلّحة في العراق وسوريا. وهذا التصعيد قد لا يكون متماثلاً في كل الساحات، لكن الرسالة ستكون واضحة: إذا فُتح الباب أمام ضرب إيران، فلن تُترك إسرائيل والمنطقة في أمان.

وفي المجمل، يتجه الرد الإيراني لأن يكون متعدّد الجبهات، تصعيدي في جوهره، لكن محسوب بما يكفي لتفادي مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة ما لم تُجبر طهران على ذلك.

إيران لا ترد فقط على ضربة عسكرية، بل على محاولة لتغيير قواعد اللعبة، وربما على استهدافٍ وجودي لشكل نظامها واستقرارها. ومن هنا، فإن خياراتها لا تقتصر على الدفاع، بل تشمل تحريك أوراق ردع جديدة، بعضها تقليدي، وبعضها الآخر نووي أو سياسي.
ومع تصاعد هذه التفاعلات، يتضح أن التحكم في وتيرة النزاع بات خارج يد أي طرفٍ بمفرده. فكل خطوة تُتخذ الآن — سواء من طهران، أو تل أبيب، أو واشنطن — تدفع بالمنطقة نحو نقطة اللاعودة.

الجانب الأخطر من تصاعد الشكوك الدولية بشأن برنامج إيران النووي لا يقتصر على تداعياته التقنية أو السياسية فحسب، بل يكمن فيما قد يُنتجه من ضغوط متزايدة داخل الولايات المتحدة لدفع إدارة ترامب نحو شنّ هجوم مباشر على المنشآت النووية الإيرانية. فامتلاك إيران لقنبلة نووية – أو حتى اقترابها الظاهر من ذلك – لطالما كان “خطًا أحمر” ثابتًا على امتداد ست إدارات أمريكية متتالية، من كلينتون حتى ترامب.

لكن هذا الخط الأحمر لا يعني بالضرورة أن التدخل العسكري هو الحلّ المجدي أو الحاسم. العديد من الخبراء العسكريين الأمريكيين يُشككون في قدرة أي ضربة – حتى من قبل الولايات المتحدة – على تدمير كامل للبرنامج النووي الإيراني. وعلى الرغم من أن الهجمات قد تُلحق ضررًا بالغًا بالبنية التحتية، إلا أنها لن تمحو المعرفة أو القدرات التقنية المتراكمة لدى الإيرانيين، ما يعني أن طهران ستسعى لإعادة بناء البرنامج، ولو تدريجيًا، تحت الأرض، وربما في ظروف أكثر سرّية وعداءً.

وفي مثل هذا السيناريو، ستضطر واشنطن إلى الدخول في دائرة من الضربات المتكررة على مدى سنوات، ما يُورّطها في حرب طويلة الأمد لا تتحكم في توقيتها ولا في وتيرتها، بل تفرضها تحركات وردود أفعال إيران. والنتيجة؟ الولايات المتحدة تُستدرج إلى صراع مفتوح، لا لأنها اختارته، بل لأن سياسات حلفائها واستراتيجيات الردع الجزئي دفعتها نحوه تدريجيًا.

البُعد الإقليمي: الانفراج المهدد مع الخليج

البعد الثالث والأكثر تعقيدًا من ردّ إيران المحتمل يتعلق بالسياق الإقليمي، وبشكل خاص بـ العلاقات التي بدأت تتحسن بين طهران وبعض دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات. فقد أدّت التجارب المؤلمة في السنوات الماضية – من استهداف حركة الملاحة في خليج عُمان إلى الهجوم المدمّر على منشآت “أرامكو” السعودية في 2019 – إلى دفع الرياض وأبوظبي نحو تهدئة حذرة مع إيران، أملاً في تقليل التوترات وبناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقرارًا.

وفي الأيام التي أعقبت الهجوم الإسرائيلي، سارعت كل من السعودية والإمارات إلى إدانة التصعيد بشكل علني، في محاولة للتمايز عن الموقف الأمريكي والإسرائيلي، وتفادي أن تُفهم كجزء من محور الضغط على طهران. ورغم أن العاصمتين الخليجيتين لا تخفيان ارتياحهما الضمني لتراجع النفوذ الإيراني، إلا أن سقوط إيران في الفوضى أو زعزعة استقرارها العنيف لا يخدم مصالحهما. فمثل هذا السيناريو قد يُعيد الخليج إلى واجهة التهديدات الأمنية، ويقوّض بيئة الاستثمار والتجارة التي بُنيت على مدى عقدين.

احتمال التصعيد ضد الخليج

حتى الآن، لا تُظهر طهران نية لتقويض هذه العلاقات الخليجية التي تحسّنت مؤخرًا. لكنها إذا شعرت بأن هذه التهدئة لم تحقّق لها أي حماية حقيقية، أو أن الدول الخليجية وقفت متفرّجة أو حتى داعمة ضمنًا لما حدث، فقد تستنتج أن لا جدوى من مواصلة سياسة “ضبط النفس”، وأن الوقت قد حان لزيادة كلفة الصراع على الجميع، حتى أولئك الذين كانوا خارج خط النار.

في هذا السياق، قد تلجأ إيران إلى تحريك حلفائها في اليمن، وتكثيف الضغط البحري في مضيق هرمز، وتعطيل حركة الشحن والطاقة، وإعادة التهديد لمنشآت النفط السعودية والإماراتية. الهجمات على دبي، التي تُعد أحد أبرز مراكز المال والسياحة في المنطقة، لم تعد سيناريو بعيدًا في حال التصعيد الواسع.

والنتيجة الحتمية لمثل هذا التطور ستكون توسيع نطاق التدخل العسكري الأمريكي، لا بدافع حماية إسرائيل فقط، بل لحماية التدفق الحر للطاقة والأسواق العالمية، وتطمين الحلفاء الخليجيين. في هذه الحالة، لن تكون واشنطن في موقع القيادة، بل ستكون في موقع الاستجابة لأزمة متعددة الأطراف تُهدد مصالحها من جميع الاتجاهات.

تصعيد الشكوك حول البرنامج النووي الإيراني لا يقرّبنا من حل، بل يُسرّع السباق نحو صراع إقليمي شامل.
إيران، إذا وجدت نفسها محاصرة دبلوماسيًا ومضروبة عسكريًا، ستلجأ إلى تحويل كلفة الحرب إلى الإقليم كله، لا لتحقق النصر، بل كي تمنع خصومها من تحقيقه. وفي كل هذه السيناريوهات، تبقى الولايات المتحدة أمام مفارقة خطيرة: كلما ارتفعت الضغوط لاحتواء إيران، تراجعت قدرة واشنطن على ضبط الإيقاع، وازدادت احتمالات أن تجد نفسها في حرب لم تخطط لها، في توقيت اختاره الآخرون.

هل يكون فوز نتنياهو هزيمةً لترامب؟

عباس عراقجي، أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الإيرانية، والذي خبر عن قرب دهاليز المفاوضات النووية وتعطيل إسرائيل المتكرر لها، منح الرئيس ترامب فرصة نادرة لاستعادة زمام المبادرة. فحتى في ظل التصعيد، لم تُغلق نافذة الحوار بالكامل. ولترامب أن يستغل هذه اللحظة، إذا أراد، عبر فرض سقف زمني واضح للدعم الأمريكي للضربات الإسرائيلية، يتيح له وقتًا ومساحة لمحاولة إعادة الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات، ولو من موقع ضعيف.

لكن لنجاح هذا المسار، لا يكفي مجرد الإشارة إلى الرغبة بالتفاوض. يجب على ترامب توجيه رسالة واضحة إلى طهران مفادها أن واشنطن لا تسعى إلى إذلال إيران أو فرض استسلام كامل، بل إلى ما سمّاه سابقًا بـ “اتفاق سلام نووي قابل للتحقّق”. هذه ليست مجرد نقطة بلاغية، بل خطوة ضرورية لتمييز الموقف الأمريكي عن الموقف الإسرائيلي، الذي يبدو حاليًا منصبًا بالكامل على تدمير الخصم وإسقاط النظام.

ترامب والعجز السياسي

رغم ذلك، تبدو احتمالات نجاح ترامب في إعادة توجيه المسار ضئيلة.
فرغم ادعائه المتكرر خلال ولايته الأولى – ثم الثانية – بأنه يريد التوصل إلى صفقة مع إيران، لم يُقدم عمليًا إلا على تصعيد العقوبات والخروج من الاتفاق النووي، دون أن يعرض بديلاً حقيقياً. بل وسمح، في لحظة توافر شروط تفاوض واقعية، لإسرائيل بأن تُفجّر المسار الدبلوماسي.

الواقع المؤلم هو أن نتنياهو لم يهزم إيران فقط على المسرح العسكري، بل أحرج ترامب سياسياً ووضعه في مأزق استراتيجي.
فهو يراهن على أن رئيسًا محاصرًا داخليًا، يتعطش لإظهار القوة والحسم، سينجرّ إلى المعركة المفتوحة – ليس فقط للرد على إيران، بل لإسقاط النظام وزعزعة استقرارها نهائيًا.

لكن هذا التصعيد، إذا حدث، لن يكون مجانياً بالنسبة لواشنطن. بل يعني انخراط الولايات المتحدة في حرب إقليمية كبيرة، طويلة الأمد، ومكلفة في منطقة لم تعد تمثّل أولوية استراتيجية للولايات المتحدة مقارنةً بأوروبا الشرقية أو المحيط الهادئ.

إسرائيل: المستفيد العسكري والخاسر السياسي

بالنسبة لإسرائيل، المنخرطة أصلًا في مواجهات في غزة، ولبنان، وسوريا، واليمن، فإن تحوّل الحرب إلى جهد أمريكي أكبر سيكون مكسبًا استراتيجيًا. فالدعم العسكري والسياسي والاقتصادي الأمريكي طويل الأمد سيكون ضرورياً لاستمرار العمليات، وتحقيق “الضربة القاضية” ضد إيران، من دون تحمّل العبء الكامل.

لكن ما تسعى إليه إسرائيل من خلال هذا التصعيد يتجاوز مسألة الردع أو منع التهديد النووي، إلى ترسيخ نظام إقليمي قائم على تفوقها العسكري المطلق، المدعوم أمريكياً، هذا هو جوهر “الرهان الكبير”: شرق أوسط يُعاد تشكيله بالقوة، وبحيث تظل إسرائيل “الأسد الصاعد” بلا منازع، وفقاً لاسم الحملة العسكرية.

غير أن هذا الطموح محفوف بالمخاطر.

فرغم كل عمليات القصف والتفوق التقني، لم تسفر هذه المعادلة الإسرائيلية حتى الآن عن أي حل سياسي طويل الأمد، لا مع الفلسطينيين ولا مع دول الجوار، بل زرعت عدم استقرار دائم، ودورات عنف لا تنتهي، وشكوكًا عميقة في إمكانية أي تسوية سلمية.

وفوق ذلك، فإن الهجوم على إيران – دولة لم تُبادر بهجوم، ولا شكّل برنامجها النووي تهديداً وشيكاً، ويُعد خرقاً واضحاً للقانون الدولي، ويهدد بتقويض ما تبقى من نظام منع الانتشار النووي.
فإذا تمكنت إيران في نهاية المطاف من إعادة بناء برنامجها، أو قررت المضي قدماً نحو إنتاج القنبلة كردٍّ على العدوان، فإن الضربة الإسرائيلية قد تُسجَّل في التاريخ باعتبارها اللحظة التي انهار فيها آخر حاجز نفسي وسياسي أمام السباق النووي في الشرق الأوسط.

وحتى لو لم تفعل إيران ذلك، فإن السابقة التي تُكرّسها إسرائيل – وهي أن الهجوم الاستباقي على أي برنامج نووي لا يخضع لشروطها السياسية ممكن وناجح – ستفتح الباب أمام دول أخرى، لاستخدام المنطق ذاته لتبرير امتلاكها السلاح النووي، أو توجيه ضربات مشابهة.

الأسد الصاعد”… في غابةٍ تحترق

اسم العملية الإسرائيلية، “الأسد الصاعد”، يحمل دلالة رمزية واضحة: تصورٌ ذاتي للقوة والهيمنة، ولسيطرة مفترضة على “غابة” الشرق الأوسط.

لكن كما يوحي الواقع، فهذه الغابة ليست مسرحًا خاليًا للقوة، بل ساحة اشتعالٍ تتسع نيرانه.
وقد يكون “الأسد”، في سعيه لتأكيد ملكيته، قد أشعل نيراناً لا يمكنه السيطرة عليها، ولا حتى إنقاذ حليفه الأمريكي من تبعاتها.

خلاصة المشهد:

  • ترامب أمام فرصة ضئيلة لاستعادة المبادرة، لكنها تتطلب موقفًا مستقلًا من إسرائيل، وهو ما لا يبدو قادراً عليه.
  • نتنياهو يتقدّم ميدانيًا، لكنه يدفع النظام الإقليمي إلى الهاوية، ويُعرّض الولايات المتحدة لمأزق استراتيجي طويل الأمد.
  • ما يُبنى على التفوق العسكري وحده، دون أفق سياسي، يُهدد بانهيار النظام الدولي نفسه، من القانون إلى منع الانتشار النووي.

والنتيجة؟ ربما يرى نتنياهو في المشهد الحالي انتصاراً. لكن الرماد الذي يتصاعد من “غابة” الشرق الأوسط قد يُخفي تحتَه انهيارًا للنظام الذي كانت إسرائيل تأمل أن تحكمه لا أن تحترق فيه.

ريكاردو ألكارو

مركز أسبار

رابط البحث

https://www.iai.it/en/pubblicazioni/c05/lying-lion-and-hapless-president-has-netanyahu-put-trump-bind