ذات صلة

الولايات المتحدة تهاجم إيران ثلاثة أسئلة لليوم التالي

الضربة العسكرية التاريخية التي أمر بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد منشآت نووية إيرانية رئيسية يوم السبت تمثل نقطة تحول حاسمة في مسار التصعيد بين واشنطن وطهران، وتضع العالم بأسره في حالة من الترقب والقلق إزاء ما قد يحمله المستقبل. فقد جاءت هذه الضربة بعد أيام فقط من عملية عسكرية إسرائيلية وُصفت بأنها من أنجح العمليات التي نُفذت ضد أهداف إيرانية في السنوات الأخيرة، ما أدى إلى سلسلة من الانتكاسات المدوية لطموحات إيران الإقليمية التي شهدت تراجعاً واضحاً خلال العام الماضي.

هذا التدخل الأميركي الرفيع المستوى لا يقتصر تأثيره على الجانب العسكري فقط، بل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية عميقة، فهو يعيد خلط الأوراق في منطقة تعاني أصلاً من توترات مزمنة، ويبعث برسائل صارمة إلى طهران وحلفائها في المنطقة، وفي الوقت ذاته، يثير تساؤلات متزايدة داخل المجتمع الدولي حول نوايا واشنطن وأهدافها النهائية من هذا التصعيد.

لكن في مقابل هذا الوضوح في التصعيد، تبقى الكثير من عناصر المشهد غير واضحة. فعلى الرغم من مرور يوم واحد فقط على تنفيذ الهجوم، تسود حالة من عدم اليقين العميق بشأن ما قد تتخذه إيران من خطوات لاحقة، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مواجهة مفتوحة أو ما إذا كان لا يزال هناك متسع للدبلوماسية. وبينما تراقب العواصم العالمية تطورات الأوضاع، تبرز ثلاث تساؤلات مركزية لم تُجب عليها بعد، وتظل معلقة في أفق الأزمة.

  1. 1. هل “أنجزت الولايات المتحدة المهمّة”؟

استهدفت الضربة الأمريكية الأخيرة ما وُصف بأنه “قلب” البرنامج النووي الإيراني، في محاولة لتوجيه ضربة قاضية لطموحات طهران النووية من خلال تدمير منشآت لم يكن بمقدور سلاح الجو الإسرائيلي وحده الوصول إليها أو تحييدها بالكامل. من بين الأهداف التي تعرضت للهجوم محطة فوردو لتخصيب اليورانيوم، وهي منشأة شديدة التحصين تقع على سفح جبل قرب مدينة قم، فضلاً عن موقعين آخرين على صلة بالبنية التحتية النووية الإيرانية.

بحسب التقديرات العسكرية، فإن الحملة الإسرائيلية – رغم نجاحها اللافت في استهداف بعض المواقع – لم تكن لتؤدي سوى إلى تأخير محدود في برنامج إيران النووي، لا يتجاوز عاماً أو عامين على الأكثر، ما دفع إدارة ترامب إلى التدخل المباشر “لإتمام المهمة”، كما عبّرت عن ذلك لافتة دعائية إسرائيلية أثارت جدلاً واسعاً.

لكن رغم النبرة الحاسمة التي تبنّتها واشنطن بعد الضربة، لا تزال هناك شكوك كبيرة حول مدى تحقيق الضربة هدفها الاستراتيجي. فقد أعلنت إدارة ترامب أن العملية “قضت تماماً” على قدرات إيران في تخصيب اليورانيوم، واستندت في ذلك إلى صور أقمار صناعية أظهرت وقوع أضرار في المواقع المستهدفة.

إلا أن هذه التصريحات قابلتها تحفّظات من البنتاغون، حيث أقرّ مسؤولون عسكريون بأنهم غير قادرين على تأكيد مدى الدمار الذي لحق بالمنشآت المحصّنة، وخاصة فوردو. وحتى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على لسان مديرها العام رافائيل غروسي، أكدت أنها غير قادرة هي الأخرى على تقييم الأضرار الواقعة تحت الأرض بدقة في هذه المرحلة.

من جهتها، حاولت طهران التقليل من آثار الضربة، حيث أكد مسؤولون إيرانيون أن الأضرار التي لحقت بالمواقع النووية “ليست دائمة”، في إشارة ضمنية إلى قدرة إيران على استئناف الأنشطة النووية في حال اتخاذ القرار السياسي بذلك.

في ضوء هذه الملابسات، تبقى النتيجة النهائية للهجوم محل جدل، بين من يرى فيه لحظة مفصلية قادرة على كبح البرنامج النووي الإيراني لسنوات، ومن يعتبره مجرد تأخير مؤقت قد يدفع طهران إلى تسريع خطواتها بشكل أكثر عدوانية في المستقبل القريب.

علاوة على التساؤلات الجوهرية بشأن حجم الضرر الذي أحدثته الضربات الأمريكية في المنشآت النووية الإيرانية، تبرز مجموعة من “المجهولات المعروفة” التي تدفع إلى التحذير من أي تسرع في إعلان النصر أو الاعتقاد بأن المهمة قد أُنجزت بالكامل. فهذه المجهولات، رغم أنها معروفة جزئياً للولايات المتحدة وحلفائها، إلا أن طبيعتها الغامضة تعقّد التقييم الواقعي لحالة البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة.

منذ انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015 خلال ولايته الأولى، سلكت إيران مساراً متصاعداً في تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق. لم تكتفِ طهران بتجاوز حدود التخصيب التي نصّ عليها الاتفاق، بل قيّدت بشدة وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما جعل من الصعب تتبع مسار أنشطتها النووية بدقة. نتيجة لذلك، راكمت إيران مخزوناً كبيراً من اليورانيوم المخصّب بدرجات مختلفة، وبعضه قريب من مستوى الاستخدام العسكري. بحسب ما أشار إليه نائب الرئيس جيه دي فانس، لا يزال جزء من هذا المخزون موجوداً بالفعل، مما يعزز الشكوك حول قدرة الضربة العسكرية وحدها على إنهاء البرنامج النووي الإيراني بشكل نهائي.

ومن بين المجهولات التي تثير قلق الخبراء ومسؤولي الاستخبارات:

  • أجهزة الطرد المركزي المتقدمة التي يُعرف أن إيران قامت بتصنيعها، لكنها لم تركّبها بعد، ما يفتح الباب أمام إمكانية استئناف التخصيب بسرعة إذا قررت طهران ذلك.
  • وجود منشأة ثالثة محتملة للتخصيب، كانت إيران قد عاينت موقعها قبل الضربات الإسرائيلية الأخيرة، ما يشير إلى تفكير استباقي من جانبها في توزيع بنيتها النووية تحت الأرض وتفادي الاعتماد على المواقع المستهدفة.

في ظل غياب المفتشين الدوليين عن الأرض، تصبح مهمة تقييم حجم الانتكاسات التي ألحقتها الضربات الأمريكية أصعب بكثير، فضلاً عن صعوبة التأكد من أن هذه الضربات ستمنع إيران من التعافي النووي في المستقبل القريب.

الخلاصة أن الضربة، رغم قوتها الرمزية والتكتيكية، تفتح الباب أمام مزيد من التعقيدات، وتُسلّط الضوء على فجوات استخباراتية وفنية تجعل من المستبعد الحديث عن “نهاية” البرنامج النووي الإيراني، ما لم تُعزز الإجراءات العسكرية بتسوية سياسية واستراتيجية طويلة الأمد.

  1. 2. كيف سترد طهران؟

في أعقاب الضربات الأمريكية الأخيرة، تتجه الأنظار إلى طهران، حيث يترقب العالم الكيفية التي ستختار بها إيران الرد على هذا التصعيد غير المسبوق. فقد وصفت القيادة الإيرانية الهجوم بأنه “جريمة خطيرة”، وتعهدت بـ”الدفاع عن سيادة إيران وشعبها بكل الوسائل اللازمة”، وهو ما يتماشى مع العقيدة السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية، التي لطالما شدّدت على أن الرد على أي عدوان خارجي أمر لا مفر منه.

ومع ذلك، تشير التجربة الإيرانية السابقة—كما كُتب في واشنطن بوست قبل خمس سنوات عقب اغتيال الجنرال قاسم سليماني—إلى أن طهران تميل إلى الرد بحذر وتوقيت محسوب، لتجنّب الانجرار إلى تصعيد غير منضبط قد تكون كلفته باهظة. ويبدو أن هذا النهج لا يزال قائماً، خاصة في ظل هشاشة الموقف الإيراني الحالي أمام ضربات إضافية محتملة من إسرائيل أو الولايات المتحدة.

في الأسبوع الأول من هذه الحرب المتصاعدة، أبدت إيران قدراً ملحوظاً من ضبط النفس. هذا التروي لا يعكس فقط التأثير الكبير الذي أحدثته الضربات الإسرائيلية في بنية إيران العسكرية والنووية، بل يعكس أيضاً فهماً واضحاً من القيادة الإيرانية بأن أي تحرك سريع كان من شأنه أن يسرّع من دخول واشنطن مباشرة في المواجهة، وهو ما كانت طهران تسعى لتجنّبه. إلا أن هذا الاعتبار لم يعد قائماً، بعد التدخل الأميركي المباشر.

رغم ذلك، فإن خيارات إيران للرد تبدو محدودة وضعيفة التأثير مقارنة بالماضي. فقد نجحت إسرائيل، وفقاً لتقارير عديدة، في إضعاف قدرات إيران الصاروخية بشكل كبير، كما تم تحييد أسراب الطائرات المسيّرة التابعة لها بسهولة. أما شبكة الوكلاء الإقليميين التي كانت تمثل رافعة استراتيجية لإيران، فقد تعرضت لضربات قاسية، خصوصاً في غزة ولبنان، ما أدى إلى تآكل فعاليتها ومرونتها.

في ظل هذه الظروف، قد تلجأ إيران إلى خيارات انتقامية أقل تكلفة ومحدودة الأثر، مثل تنفيذ هجمات إرهابية مدروسة ضد أهداف رمزية، أو شن هجمات إلكترونية على البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة أو إسرائيل. لكن حتى هذه الإجراءات تنطوي على مخاطرة كبيرة، إذ يمكن أن تُقابل بردود قوية قد تُضعف أكثر فأكثر موقف النظام داخلياً، في وقت يشهد فيه سخطاً شعبياً وتراجعاً اقتصادياً.

وفي محاولة لاستعراض موقف سياسي داخلي موحَّد، سارع البرلمان الإيراني إلى التصويت بشكل رمزي على إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لتجارة النفط العالمية. غير أن مثل هذه الخطوة، إذا ما نُفذت فعلياً، قد تُلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً، كما قد تطيح بالمحاولات الحذرة لإعادة التقارب مع السعودية ودول الخليج، وهي خطوات كانت طهران تأمل أن تسهم في تخفيف عزلتها الإقليمية.

في المحصلة، تبدو إيران اليوم محاصَرة بكمٍّ من القيود، وعاجزة عن تقديم ردٍّ قوي يُعزز من صورتها الإقليمية دون أن يفتح الباب على مزيد من الخسائر. وهو ما يجعل الساعات والأيام القادمة حبلى بالمخاطر، ليس فقط لإيران، بل للمنطقة بأسرها.

من المؤكد أن قادة إيران سيُفكّرون جدياً في تصعيد أنشطتهم النووية كردٍّ على الضربات الأمريكية، وربما في التخلّي الكامل عن أي مظاهر للتعاون مع المجتمع الدولي. بالفعل، أشار البرلمان الإيراني إلى هذا الاتجاه، من خلال دعوات متزايدة لاتخاذ خطوات حاسمة، قد تشمل الخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT). ومع أن هذا الخيار يبدو مغريًا من الناحية السياسية كردٍّ رمزي وحاد على الهجوم، إلا أنه يحمل في طياته مخاطرة استراتيجية كبيرة.

الانسحاب من المعاهدة سيُشكّل صدمة على الصعيد الدولي، وقد يُفسَّر كإعلان نوايا واضح نحو السعي لامتلاك سلاح نووي. لكنه، في المقابل، سيمنح واشنطن وتل أبيب مبررًا أقوى لتوسيع نطاق ضرباتهما العسكرية، لتشمل أهدافاً إضافية، قد لا تقتصر على المنشآت النووية بل تمتد إلى البنية التحتية العسكرية والاقتصادية الحيوية، مما يُهدّد بتقويض استقرار النظام داخليًا.

نتيجة لهذه الحسابات الدقيقة، من المرجّح أن يُفضّل النظام الإيراني استراتيجية أكثر تحفظًا لكنها لا تقل خطورة: مضاعفة الجهود السرّية لإعادة بناء البرنامج النووي في أماكن جديدة، وربما أكثر تحصينًا، بعيدًا عن أعين المجتمع الدولي. هذه المقاربة تتماشى مع السلوك الإيراني المعتاد في مواجهة الضغوط القصوى—التحرّك في الظل، بدلاً من المواجهة المفتوحة، مع الحفاظ على ورقة التخصيب كورقة ضغط دائمة على الغرب.

عند إعلانه عن الضربات، أرسل الرئيس ترامب رسالة مباشرة إلى طهران، دعاهم فيها إلى “التوصل إلى السلام الآن”، محذرًا من أن “الهجمات المقبلة ستكون أشد وأسهل بكثير”. ورغم أن مثل هذا الخطاب قد قُوبل في الماضي بشيء من التجاهل أو التقليل من الجدية في طهران، فإن السياق اليوم مختلف تماماً. فالقادة الإيرانيون يرون أمامهم خسائر ملموسة واستنزافاً حقيقياً لقدراتهم، ما يدفعهم إلى أخذ هذه التهديدات بجدية أكبر، ولو أنهم لن يعترفوا بذلك علناً.

لكن في نهاية المطاف، من الصعب تصور أن إيران ستتخلى طواعية عن برنامجها النووي، الذي استثمرت فيه على مدار عقود طويلة، وسدّدت في سبيله ثمناً باهظاً من العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية. فالبرنامج النووي ليس فقط مشروعاً تقنياً أو عسكرياً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الهوية الاستراتيجية للنظام، وأداة للموازنة أمام خصومه الإقليميين والدوليين.

لذا، ورغم الضربات والخسائر، من غير المرجّح أن تستسلم طهران. بل يُحتمل أن تلجأ إلى تعديل استراتيجيتها دون التخلي عن أهدافها الجوهرية، ما يعني أن الصراع النووي مع إيران دخل الآن مرحلة جديدة – أكثر خفاءً، ولكن ربما أيضاً أكثر خطورة.

  1. 3. ما هي فرص تغيير النظام في إيران؟

يرتبط مستقبل النظام الإيراني ارتباطًا وثيقًا بكيفية تعامله مع هذه اللحظة الحرجة. فالنظام، الذي يتكوّن من مزيج فريد من المؤسسات الدينية والتمثيلية نشأ بعد ثورة 1979، يواجه اليوم اختبارًا صعبًا يتعلق ليس فقط بردّه على الضربات الأميركية، بل بقدرته على الاستمرار في ظل تصاعد الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية المتزايدة.

رغم أن المسؤولين الأميركيين أكدوا أن ضربة يوم السبت لم تكن تهدف إلى إسقاط النظام، بل اقتصرت أهدافها على المنشآت النووية والعسكرية، فمن غير المرجح أن يتعامل القادة الإيرانيون مع هذه الرسائل بحسن نية. فعداؤهم العميق والمترسخ تجاه الولايات المتحدة يجعلهم ينظرون إلى كل تحرّك أميركي من منظور تهديد وجودي. لذلك، فإن أي قرار يتخذونه خلال هذه الأزمة سيكون مدفوعًا أولاً وأخيرًا بهاجس حماية النظام ومنع انهياره، لا بالسعي لتجنّب التصعيد فحسب.

من شبه المؤكد أن النظام، رغم ما يواجهه، سيتمكّن من الصمود على المدى القريب. فهو يتمتع بقبضة أمنية محكمة، ويسيطر التيار المتشدد على مؤسسات الدولة الأكثر تأثيرًا—لا سيما القضاء، والحرس الثوري، والأجهزة الاستخباراتية—ما يُبقي أي قوى إصلاحية أو معتدلة في حالة من العجز والتهميش. لقد وصف العديد من المحللين هذه الحالة بأنها “نقلة بطيئة” يعيشها النظام منذ أكثر من عقد، حيث يتآكل المشروع الثوري تدريجيًا، لكن دون أن تظهر بدائل قوية وقادرة على التغيير.

الأمر الأكثر إشكالية هو غياب أفق سياسي حقيقي داخل البلاد يسمح بانتقال سلس أو سلمي للسلطة. حتى الحركات التي تدعو إلى إصلاح تدريجي أصبحت محاصرة، بعد أن تم إقصاؤها من المجال السياسي بشكل منهجي. وبهذا، يظل النظام، رغم ضعفه البنيوي وتراجع شرعيته الشعبية، هو الخيار الوحيد القائم، لا لقوته الذاتية فقط، بل بسبب غياب البدائل العملية داخل المشهد السياسي الإيراني.

أما في الخارج، فالوضع لا يبدو أكثر تفاؤلاً. صحيح أن الجاليات الإيرانية في المهجر—لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا—تضم طبقة واسعة من النخب المتعلمة والمهنية، لكن المعارضة الخارجية ظلت على مدى العقود الماضية تعاني من انقسامات عميقة واستقطاب سياسي حاد. فالجماعات مثل مجاهدي خلق، رغم امتلاكها قاعدة دعم قوية ومؤثرة في بعض العواصم الغربية، تظل موضع رفض شعبي واسع داخل إيران، نظرًا لتحالفاتها السابقة المثيرة للجدل، خاصة خلال الحرب مع العراق.

أما التيار الملكي، المتمثل بعائلة بهلوي، فيستند إلى إرث طويل، لكن قاعدته الشعبية محدودة، ويرى فيه كثير من الإيرانيين مشروعاً غير واقعي أو حتى رجعياً. وهكذا، تظل المعارضة الخارجية، رغم قوتها الإعلامية والدبلوماسية أحيانًا، غير قادرة على تشكيل بديل فعّال أو مقبول على نطاق واسع.

في نهاية المطاف، يبدو أن النظام الإيراني، رغم الضربات التي تلقاها والخسائر التي تكبّدها، لا يزال صامدًا، لا لقوة شرعيته أو رضا شعبه، بل نتيجة افتقار الداخل والخارج لبديل منظم، موثوق، ومقبول. وما لم يظهر خيار ثالث واقعي—لا هو ثيوقراطي مغلق، ولا منفصل عن الواقع الإيراني كما حال بعض المعارضات في الخارج—فمن المرجح أن تبقى الجمهورية الإسلامية قائمة، وإن كانت في حالة ترنّح دائم.

يسعى القادة الإيرانيون، في مواجهة التصعيد الأمريكي الأخير، إلى تكرار تكتيك مألوف يتمثل في إثارة “الالتفاف حول العلم” – استنهاض المشاعر القومية لمواجهة التهديد الخارجي، على أمل أن يؤدي ذلك إلى توحيد الصفوف الداخلية وتعزيز شرعية النظام. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية فاعليتها في الماضي، كما حدث خلال الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، حين تمكنت الجمهورية الإسلامية من استثمار الغزو الذي شنّه صدام حسين كفرصة لترسيخ مؤسساتها الثورية وترميم شرعيتها بعد أعوام قليلة من تأسيسها.

لكن السياق اليوم مختلف جذريًا. الشعب الإيراني، المُثقل بأربعة عقود من الأزمات، يشعر بخيبة أمل عميقة من مشروع الدولة الثورية. الغضب الشعبي لم يعد مقتصرًا على الطبقات المتوسطة أو النخب المتعلمة في المدن الكبرى، بل امتد إلى فئات واسعة من المجتمع الإيراني تعاني من الفقر، الفساد، والتهميش. وبدلاً من أن يُنتج التهديد الخارجي حالة تعبئة وطنية كما في الماضي، يُقابل اليوم بالكثير من الريبة والخوف—ليس من العدو الخارجي فحسب، بل من قرارات القيادة نفسها التي جلبت هذه المواجهة إلى أبواب منازلهم.

مع فشل هذه النزعة القومية في استعادة ثقة الشعب، يبدو أن النظام اختار مسارًا أكثر قسوة: استخدام الأزمة كذريعة لتكثيف القمع الداخلي. بدأت بالفعل حملات إعلامية وسياسية لتشويه المعارضين ووصفهم بـ”الخونة” و”غير الوطنيين”، وهي محاولة لتجريد أي انتقاد داخلي من شرعيته. وقد ترافق هذا مع موجة جديدة من الاعتقالات والاستدعاءات والترهيب، تستهدف ليس فقط النشطاء السياسيين، بل حتى الأصوات الإصلاحية المعتدلة.

بالنسبة لكثير من الإيرانيين، لا تُعد هذه الحرب حدثًا منفصلًا أو غير مسبوق، بل حلقة أخرى – ربما أكثر قسوة – في سلسلة طويلة من المعاناة التي بدأت منذ عام 1979. إنها ليست فقط حربًا ضد برنامج نووي أو نزاعًا إقليميًا، بل تمثل استمرارًا لمسار سياسي أغلق أبواب الأمل، وأعاق الإصلاح، وعمّق الهوة بين الدولة ومواطنيها.

وسط هذا الظلام، يندر أن يُرى بصيص أمل في الأفق. فلا الداخل يقدّم بديلاً قابلاً للحياة، ولا الخارج يبدو قادرًا أو راغبًا في دعم تحول حقيقي. وهكذا، يبدو أن الشعب الإيراني عالق في دورة من الأزمات، يدفع ثمنها مرة بعد أخرى، فيما يتمسك النظام بالسلطة بكل الوسائل، مهما كانت التكلفة.

سوزان مالوني

مركز أسبار

رابط البحث

https://www.brookings.edu/articles/the-us-attacks-iran-three-questions-for-the-day-after/