ذات صلة

الحرب والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران

النقاط الرئيسية

تشير التطورات الأخيرة إلى تحول مهم في مسار الأزمة المتفجرة بين الولايات المتحدة، إسرائيل، وإيران، مع الإعلان المفاجئ عن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليبدأ سريانه مساء 23 يونيو/حزيران. وقد أكد مسؤول إيراني كبير لوكالة رويترز أن وقف إطلاق النار جاء نتيجة وساطة قطرية، ما يعكس الدور المتزايد الذي تلعبه الدوحة كقناة اتصال إقليمية في الأزمات المعقدة.

الهجوم الصاروخي الإيراني على قاعدة العديد الجوية في قطر، الذي أعقب الضربات الأمريكية على منشآت إيران النووية، كان محدوداً ورمزياً إلى حدٍّ كبير، إذ لم يسفر عن أي إصابات أو أضرار تُذكر. هذا الهجوم، من حيث طبيعته المدروسة، يكشف عن رغبة طهران في توجيه رسالة تحدٍ دون تخطي الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى رد أمريكي شامل، ما يُشير إلى أن إيران كانت تتهيأ، فعلياً، لقبول مخرج تفاوضي من الأزمة.

داخل إيران، برزت مؤشرات على وجود انقسامات في أوساط النخبة الحاكمة، بما في ذلك بعض القادة الذين يُعتبرون معتدلين، والذين سعوا، وفق تقارير، إلى الضغط على المرشد الأعلى علي خامنئي لدفعه نحو قبول وقف إطلاق النار أو على الأقل تسهيل مساره. ورغم عدم وضوح الدور الحاسم الذي لعبه هؤلاء في قرار التهدئة، فإن مجرد بروز هذه الأصوات يشير إلى حالة من القلق داخل النظام بشأن كلفة التصعيد المفتوح، ومدى قدرته على تحمّل تبعاته داخليًا وخارجيًا.

في خطوة أخرى لتهدئة التوتر، أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، مجيد تخت روانجي، أن بلاده ستبقى ضمن معاهدة حظر الانتشار النووي، متراجعًا عن تهديدات سابقة بالانسحاب منها رداً على الضربات الأمريكية والإسرائيلية. هذا التصريح يحمل دلالة مهمة، ليس فقط كإشارة للغرب بأن إيران لا تنوي الانسحاب تماماً من النظام الدولي، بل أيضًا كجزء من محاولة طهران الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات الدبلوماسية وفتح المجال أمام تسوية محتملة.

رغم ذلك، تبقى التساؤلات قائمة حول مدى استدامة هذا الهدوء المؤقت. فوقف إطلاق النار لا يعالج الأسباب الجذرية للأزمة، ولا يُنهي صراع الإرادات طويل الأمد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. ومع وجود تباينات واضحة داخل النظام الإيراني، واحتمالات استئناف الأنشطة النووية سراً، من المرجح أن تظل المنطقة في حالة ترقب دائم، بانتظار ما إذا كان هذا الهدوء يمثل بداية انفراج أم مجرّد هدنة مؤقتة في صراع أوسع.

…اعترضت الولايات المتحدة جميع الصواريخ تقريبًا باستخدام منظومات الدفاع الجوي المنتشرة في المنطقة، بما في ذلك نظام “باتريوت”، ولم تُسجّل أي خسائر بشرية أو أضرار كبيرة في القاعدة، بحسب تصريحات مسؤولين أمريكيين. الهجوم، رغم حجمه العددي، اعتُبر إلى حد كبير رمزياً ومصمماً لتحقيق توازن بين الرغبة الإيرانية في الرد وحاجتها إلى تجنب تصعيد قد يُفضي إلى ضربات أمريكية أكثر تدميراً.

تزامن الإعلان عن وقف إطلاق النار مع تقييمات أولية تُشير إلى أن الضربات الأمريكية، وخاصة على منشأة فوردو شديدة التحصين، ربما ألحقت ضرراً بالغاً بالبرنامج النووي الإيراني. فقد صرّح المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن فوردو تعرضت على الأرجح لـ”أضرار جسيمة للغاية”، لكنها لا تزال بحاجة إلى تقييم ميداني دقيق لمقدار الضرر الفعلي.

ومع ذلك، أضاف غروسي أن هناك مخاوف حقيقية من احتمال أن تكون إيران قد نقلت بعض المواد النووية أو معدات الطرد المركزي إلى مواقع غير مُعلنة قبل الضربة، ما يُصعّب من مهمة التحقق ويثير القلق بشأن نية طهران في مواصلة نشاطها النووي عبر طرق سرّية في حال انهيار الاتفاقيات الدولية القائمة.

الاتفاق الذي أُعلن عنه يُقسّم مراحل وقف إطلاق النار بشكل غير تقليدي: إيران تلتزم به اعتبارًا من منتصف ليل 24 حزيران/يونيو (بتوقيت شرق الولايات المتحدة)، بينما تلتزم إسرائيل في الساعة 12 ظهرًا في اليوم نفسه. أما الإعلان عن “النهاية الرسمية للحرب”، فقد حدّده ترامب عند منتصف ليل 25 حزيران/يونيو، في صيغة أقرب إلى إعلان سياسي رمزي يُمهّد لإغلاق هذا الفصل العسكري، دون أن يعالج بالضرورة جذور التوترات.

في خطابه، حرص ترامب على تهنئة الطرفين، قائلاً إنهما أظهرا “الصمود والشجاعة والذكاء” في إنهاء الحرب، ما يعكس رغبته في تأطير الاتفاق بوصفه إنجازاً دبلوماسياً كبيراً لإدارته، خاصة في ظل قلق متزايد داخل الولايات المتحدة من احتمالات التورط في صراع أوسع في الشرق الأوسط.

غير أن السؤال الكبير الذي يظل مفتوحًا هو: ما الذي يعنيه هذا الاتفاق فعلياً على المدى المتوسط؟ هل هو بداية لعملية دبلوماسية أوسع، أم مجرّد هدنة تكتيكية تسبق جولة جديدة من التوتر؟ مع استمرار الغموض بشأن مواقع إيران النووية غير المعلنة، والانقسامات الداخلية في طهران، والانتخابات الأميركية القادمة، لا تزال معظم الاحتمالات مفتوحة.

أطلقت إيران 14 صاروخًا باليستيًا على قاعدة العديد الجوية في قطر، التي تعد أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى إطلاق القوات الشريكة 13 صاروخًا أخرى وصاروخًا واحدًا في مسار يُعتبر “غير مُهدِّد”. وقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن هذا الهجوم لم يسفر عن إصابات أو قتلى من أفراد الخدمة الأمريكية أو القطريين، ولم يُسبب أضرارًا تُذكر في القاعدة.

في المقابل، زعم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي أكبر أحمديان، أن إيران أطلقت صاروخًا واحدًا على قاعدة العديد مقابل كل قنبلة أسقطتها الولايات المتحدة على المنشآت النووية الإيرانية في 21 يونيو/حزيران، في محاولة لتبرير الرد الإيراني والتأكيد على التوازن في الردع. وفي حين تداولت تقارير أولية أن إيران أطلقت صاروخًا باليستيًا قصير المدى استهدف القوات الأمريكية في قاعدة عين الأسد الجوية بالعراق، نفى مسؤول عسكري أمريكي هذه الادعاءات، مؤكدًا عدم وقوع أي هجوم مماثل في العراق.

يبدو أن الهجوم الصاروخي الإيراني كان مخططًا له بعناية، بهدف إعادة إرساء الردع الإيراني تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، مع السعي في الوقت ذاته لتجنب تصعيد أوسع قد يجر المنطقة إلى صراع شامل. وأشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة تلقت تحذيرًا مسبقًا من هذا الهجوم عبر إخطار من إيران موجه إلى قطر، ما سمح للقوات الأمريكية والقوات الشريكة باتخاذ إجراءات دفاعية وتحضير ملاجئ قبل سقوط الصواريخ. كذلك، أغلقت قطر مجالها الجوي كإجراء احترازي، في حين أصدرت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تحذيرات لمواطنيهما الموجودين في قطر للالتزام بالملاجئ.

من اللافت أن عدد الصواريخ التي أطلقتها إيران في هذا الهجوم كان أقل بكثير مقارنةً بعدد الصواريخ التي أطلقتها على إسرائيل في بداية الحرب، وهو مؤشر على تراجع قدراتها الهجومية نتيجة الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة. فقد أدت هذه الغارات إلى تدهور كبير في قدرة إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية، ما أثّر على حجم ووتيرة الهجمات الصاروخية التي تستطيع طهران تنفيذها في كل دفعة.

ومع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات حول مدى تأثير الضربات الإسرائيلية على القدرات الإيرانية المتعلقة بالصواريخ الباليستية قصيرة المدى، ومدى تأثر القدرات الخاصة بالصواريخ متوسطة وطويلة المدى. فبينما يبدو واضحًا أن الضربات أعاقت بشكل كبير عمليات الإطلاق للصواريخ طويلة المدى، فإن مستوى التدهور في القدرات قصيرة المدى لم يتضح بعد بشكل قاطع، مما يعكس استمرار إيران في محاولة الحفاظ على حد أدنى من قدراتها العسكرية رغم الضربات المتلاحقة.

يشبه الهجوم الانتقامي الإيراني الأخير إلى حد بعيد آخر هجوم مباشر نفذته إيران على القوات الأمريكية عام 2020، لكنه يعكس في الوقت نفسه تقديراً إيرانياً محسوباً لمخاطر رد الولايات المتحدة مقارنة بتلك المرحلة. ففي يناير 2020، ردت إيران بإطلاق ما بين 15 و22 صاروخاً باليستياً على قاعدة عين الأسد الجوية وموقع عسكري أمريكي آخر في العراق، وذلك انتقاماً لمقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس السابق في الحرس الثوري الإيراني، في بغداد. وأسفر ذلك الهجوم عن إصابة ما لا يقل عن 64 جندياً أمريكياً، رغم أن الولايات المتحدة كانت قد تلقت تحذيراً مسبقاً سمح للقوات بالدخول إلى المخابئ.

في المقابل، أكدت وزارة الخارجية القطرية في 23 يونيو/حزيران أن قاعدة العديد الجوية قد تم إخلاؤها قبل الهجوم الإيراني الأخير، ما يشير إلى وجود استراتيجيات واضحة لتقليل المخاطر على أفراد القوات الأمريكية خلال هذه المواجهة. وقد كشفت صور الأقمار الصناعية التجارية التي تم التقاطها في 17 يونيو، قبل الهجوم، عن نقل طائرات أمريكية غير محمية من قاعدة العديد إلى موقع مجهول، ما يعزز الفرضية بأن الأمريكيين اتخذوا إجراءات استباقية لتقليل الأضرار المحتملة وحماية الأصول الحيوية.

يرى المحللون أن قرار إيران باستهداف قاعدة أمريكية تم إخلاؤها يعكس محاولة واضحة لمنع التصعيد الشامل مع الولايات المتحدة، إذ يبدو أن طهران سعت إلى توجيه رسالة ردع قوية دون تجاوز خطوط حمراء قد تُثير رداً أمريكياً مكثفاً. إلا أن القادة الإيرانيين يدركون أن أي هجوم على مصالح أمريكية يحمل بطبيعته مستوى معيناً من المخاطرة، لا سيما احتمال إصابة أو مقتل جنود أمريكيين، وهو ما قد يدفع واشنطن للرد بقوة.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد حذر قبل الهجوم الإيراني على قاعدة العديد من أن بلاده سترد بشكل قاسٍ إذا تعرض أفراد الخدمة الأمريكية لأي أذى، وهو تهديد يشكل أحد عوامل ضبط النفس التي ربما ساهمت في تخفيف حدة التصعيد خلال هذه المواجهة الأخيرة.

أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن الولايات المتحدة لن ترد على الضربة الانتقامية التي شنتها إيران في 23 يونيو/حزيران، معتبراً أن “حان وقت السلام”. وأكد العديد من المسؤولين الأمريكيين، الذين فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم، أن ترامب يسعى إلى تخفيف التوتر والسير نحو اتفاق مع طهران، مفضلاً عدم الانجرار إلى تصعيد عسكري جديد. وهذا الموقف يأتي على خلفية قرار ترامب بعدم الرد أيضاً على الهجوم الإيراني الذي استهدف قاعدة عين الأسد الجوية في العراق عام 2020، ما يعكس توجهه الدبلوماسي نحو التهدئة.

على النقيض، أعرب كبار المسؤولين الدفاعيين الإسرائيليين، في تصريحات أدلى بها لمراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي في 23 يونيو/حزيران، عن عزمهم على تصعيد ضرباتهم على إيران في الأيام القادمة لتحقيق أهدافهم الحربية بشكل سريع وحاسم. وقد نُشر هذا التصريح قبل إعلان ترامب عن وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، حيث كان من المقرر أن تبدأ إسرائيل الالتزام بوقف إطلاق النار الساعة 12:00 ظهرًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة في ذات اليوم.

وأكد المسؤولون الإسرائيليون أن حملتهم الجوية، التي انطلقت في 12 يونيو/حزيران، تهدف إلى “إضعاف وتدمير وإزالة خطر” تسليح البرنامج النووي الإيراني، وهي حملة قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في 22 يونيو/حزيران إنها اقتربت من تحقيق أهدافها بالكامل. وأفادت مصادر إسرائيلية وعربية في 23 يونيو/حزيران لصحيفة وول ستريت جورنال بأن إسرائيل تنوي “الوصول” إلى قائمة الأهداف العسكرية الإيرانية في الأيام المقبلة، مع التأكيد على استمرار العمليات إذا ما هاجمت إيران إسرائيل أو حاولت إعادة بناء قدراتها.

وفي هذا الإطار، يبدو أن إسرائيل تفضل مواصلة الضغط العسكري المكثف، حتى في ظل المبادرات الدبلوماسية الأمريكية، معتقدةً أن استكمال الحملة بسرعة وفعالية هو السبيل الوحيد لضمان عدم تمكن إيران من استعادة قوتها النووية والعسكرية.

بقاء النظام الإيراني

تشير التطورات الأخيرة إلى وجود انقسامات داخلية عميقة في النظام الإيراني حول كيفية التعامل مع الأزمة الراهنة والصراع المتصاعد مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد أفادت وسائل إعلام معارضة في 21 يونيو/حزيران بأن الرئيس الإيراني السابق المعتدل، حسن روحاني، قام خلال الأيام الأخيرة بسلسلة لقاءات مع رجال دين بارزين في مدينة قم، أحد المراكز الدينية والسياسية الرئيسية في إيران، محاولاً إقناعهم بممارسة ضغط على المرشد الأعلى علي خامنئي من أجل الاستجابة لمطالب أميركية وإسرائيلية رئيسية، ومن أبرزها تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم. وشملت هذه اللقاءات شخصيات دينية مؤثرة مثل موسى شبيري، حسين وحيد خراساني، وناصر مكارم شيرازي، حيث قدم روحاني هذه المساعي كجهد لإنقاذ الجمهورية الإسلامية من التداعيات الخطيرة للصراع المتصاعد.

في المقابل، نقلت وسائل إعلام تابعة للحرس الثوري الإيراني في 19 يونيو/حزيران اتهامات ضمنية لبعض الشخصيات داخل النظام بأنها “أفراد مشبوهون وذوو سمعة سيئة” يحاولون دفع رجال الدين إلى دعم تسوية مع إسرائيل، وهو ما يعكس توتراً وصراعاً داخل الصفوف الحاكمة بين التيارات المحافظة والمتشددة من جهة، والتيارات المعتدلة التي تسعى إلى تخفيف التوتر من جهة أخرى.

وبحسب تقارير، فقد حاول حسن روحاني ومستشار المرشد الأعلى علي لاريجاني، بالإضافة إلى رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام صادق آملي لاريجاني، التواصل مع خامنئي في الأيام الأخيرة لدفعه نحو استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، لكن محاولاتهم قوبلت برفض أو تجاهل. الجدير بالذكر أن دعم علي لاريجاني المعلن للمفاوضات جاء في ظل تصريحاته المتناقضة، فقد هدد القوات الأمريكية في المنطقة في منشور له على منصة X بتاريخ 23 يونيو/حزيران، مما يبرز تعقيد المواقف داخل النظام.

على مستوى أعمق، أفادت تقارير عن وجود خطة طوارئ يجري وضعها داخل أروقة النظام للتهيؤ لحكم إيران في حال وفاة خامنئي أو تهميشه بشكل غير رسمي. تتضمن هذه الخطة تشكيل لجنة قيادية تتولى مسؤوليات المرشد الأعلى بشكل مؤقت، وتتفاوض مع الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن وقف إطلاق النار، مع إسناد دور رئيسي لروحاني في هذه اللجنة. وتشير المعلومات إلى أن بعض المسؤولين العسكريين المشاركين في هذه الخطة يقومون باتصالات مع دول الخليج سعياً لكسب دعم دولي محتمل لهذا التغيير السياسي، وهو مؤشر على جدية المخاوف داخل النظام من عدم الاستقرار.

كما أفادت وكالة رويترز في 23 يونيو/حزيران بأن هناك جهوداً متصاعدة لتحديد خليفة لخامنئي، استناداً إلى خمسة مصادر مطلعة على المناقشات الجارية، ما يعكس مخاوف عميقة بين كبار القادة الإيرانيين بشأن استقرار النظام في ظل الأزمة الراهنة. إذ يسعى هؤلاء المسؤولون إلى وضع آلية لضمان استمرار النظام دون انقطاع في حال تعرض خامنئي لأي ظرف طارئ.

كل هذه المؤشرات تعكس هشاشة النظام الإيراني الحالي، والتوترات الداخلية التي قد تلعب دوراً حاسماً في شكل ردود إيران المستقبلية، سواء على صعيد السياسة الداخلية أو على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية.

الضربات الإسرائيلية على إيران

واصل جيش الدفاع الإسرائيلي تنفيذ سلسلة غارات جوية مركزة على أهداف تابعة للحرس الثوري الإسلامي ومؤسسات الأمن الداخلي في طهران ومحيطها، وذلك منذ آخر تحديث من مركز رصد الحرب في العالم (CTPISW) الساعة 5:00 صباحاً بالتوقيت الشرقي في 23 يونيو/حزيران.

في يوم 23 يونيو/حزيران، استهدف جيش الدفاع الإسرائيلي وحدة الإمام حسن المجتبى التابعة للقوات البرية للحرس الثوري الإيراني في مدينة كرج بمحافظة البرز. بالإضافة إلى ذلك، شنت القوات الإسرائيلية ضربات جوية على وحدتي سيد الشهداء ومحمد رسول الله في محافظة طهران. وتُعتبر وحدة سيد الشهداء مسؤولة عن حماية الأراضي الإيرانية وقمع الاضطرابات الداخلية، وقد لعبت القوات البرية للحرس الثوري دوراً تاريخياً بارزاً في قمع المعارضة داخل البلاد. أما وحدة محمد رسول الله، فهي المكلفة بالإشراف على الأمن في محافظة طهران، في حين تُشرف وحدة سيد الشهداء على الأمن في العاصمة طهران بشكل خاص.

كما استهدفت الغارات “قيادة أمن المعلومات” التابعة لقيادة إنفاذ القانون في شمال طهران، والتي يُعتقد أنها تشير إلى منظمة حماية المعلومات التابعة لقيادة إنفاذ القانون، وهي الجهاز الأمني الداخلي الرئيسي في إيران المكلف بالشرطة والمهام الأمنية التي تضمن استقرار النظام.

من خلال هذه الضربات، يسعى جيش الدفاع الإسرائيلي إلى استهداف شبكات الحرس الثوري والقوات الأمنية التي تلعب دوراً حيوياً في الحفاظ على سلطة النظام الإيراني داخلياً، بالإضافة إلى إضعاف قدرته العسكرية والأمنية.

أوامر إخلاء وضربات جوية مكثفة في إيران

في 23 يونيو/حزيران، أصدر جيش الدفاع الإسرائيلي أوامر إخلاء لسكان المنطقة السابعة في طهران، مطالباً إياهم بمغادرة المنطقة وعدم العودة إليها لعدة ساعات، تمهيداً لسلسلة من الضربات الجوية على أهداف عسكرية إيرانية. تأتي هذه الخطوة استكمالاً لأوامر إخلاء سابقة في طهران قبل قصف البنية التحتية العسكرية الإيرانية.

في 22 يونيو/حزيران، نفّذ الجيش الإسرائيلي ضربات جوية مركزة في غرب إيران استهدفت منشآت عسكرية تحت الأرض، ومرافق تخزين للصواريخ الباليستية، ومنشأة لتخزين الطائرات بدون طيار. شاركت في هذه الضربات 15 طائرة مقاتلة إسرائيلية.

كما أعلن سلاح الجو الإسرائيلي عن قصف منصة إطلاق صواريخ باليستية كانت موجهة لاستهداف الأراضي الإسرائيلية، بحسب مراسل عسكري إسرائيلي.

وفي 23 يونيو/حزيران، نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي خمس موجات من الضربات باستخدام ما يقرب من 200 صاروخ، مستهدفاً مواقع حساسة داخل إيران، في إطار حملته لتقويض القدرات العسكرية الإيرانية.

عمليات استخباراتية إسرائيلية

تأثير على معنويات القادة: التهديد المباشر للقادة وعائلاتهم قد يؤدي إلى زيادة التوتر والضغط النفسي عليهم، مما يعيق قدرتهم على اتخاذ قرارات حاسمة أو تنسيق العمليات بشكل فعّال.

زيادة حالة عدم الثقة داخل النظام: هذه الاتصالات المهددة قد تزرع الشكوك والريبة بين القيادات، خاصة إذا ظهرت مخاوف من وجود تسريبات داخل النظام، وهذا قد يؤدي إلى تصاعد الصراعات الداخلية أو تشديد الإجراءات الأمنية.

رد فعل إيران المحتمل: قد ترد طهران بتشديد قبضتها الأمنية وقمع المعارضين بشكل أكثر حدة، أو قد تلجأ إلى عمليات انتقامية سرية أو هجمات إلكترونية ضد أهداف إسرائيلية أو حلفاءها.

مخاطر تصعيد النزاع: مثل هذه العمليات تزيد من احتمالية التصعيد غير المتوقع، حيث يمكن لأي حادث أو رد فعل خاطئ أن يفتح باب مواجهة أوسع.

رسالة تحذير موجهة للعالم: العملية تعكس قدرة إسرائيل على الوصول إلى قادة الخصوم حتى في العمق الإيراني، مما يبعث برسالة تحذيرية لأي جهة تدعم النظام أو تشارك في أعمال عدائية.

البرنامج النووي الإيراني

صرّح نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، مجيد تخت روانجي، في 23 يونيو/حزيران أن إيران ستظل ملتزمة بعضويتها في معاهدة حظر الانتشار النووي، رغم التوترات المتزايدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب الضربات التي استهدفت منشآتها النووية. تجدر الإشارة إلى أن إيران وقّعت على المعاهدة عام 1970، والتي تهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية وتعزيز الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وعلى مدى السنوات الماضية، استخدمت إيران تهديدها المتكرر بالانسحاب من المعاهدة كوسيلة للضغط على القوى الغربية، خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية والضغوط الدولية على برنامجها النووي.

في الوقت نفسه، أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن الضربات الأمريكية التي استهدفت منشأة فوردو لتخصيب الوقود في محافظة قم، تسببت بأضرار جسيمة للغاية، خاصة بالنظر إلى حساسية أجهزة الطرد المركزي المستخدمة هناك. وأوضح غروسي أن المباني الخاصة بتحويل اليورانيوم ومخازن الأنفاق التي تحتوي على المواد المخصبة في موقع أصفهان تعرضت أيضًا لأضرار بالغة. ويشير هذا إلى أن الضربات لم تكن مجرد عمليات استهداف سطحية، بل طالت البنية التحتية الحيوية للبرنامج النووي الإيراني.

كما أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية أن المواقع النووية في فوردو، نطنز، وأصفهان تعرضت لدمار كبير. وبيّن معهد العلوم والأمن الدولي من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية أن إيران قد حاولت تأمين وحماية هذه المنشآت عن طريق سد مداخل الأنفاق تحت الأرض قبيل الضربات، مما يدل على استشعارها للخطر واستعدادها له مسبقًا. بالإضافة إلى ذلك، كانت الغارات الجوية الإسرائيلية قد ألحقت أضرارًا مماثلة في محطة تخصيب الوقود التجريبية في نطنز، حيث دمرت آلاف أجهزة الطرد المركزي.

هذه التطورات تؤكد أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية استهدفت بدقة مواقع استراتيجية ضمن البرنامج النووي الإيراني، ما يخلق حالة من الضغط الشديد على النظام الإيراني ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني في المنطقة.

يُعتقد أن إيران قامت بنقل بعض المواد والمعدات النووية الحساسة من منشآتها الأساسية إلى مواقع سرية أخرى قبل الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل. ففي 13 يونيو/حزيران، أرسل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسالة إلى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، أكد فيها أن إيران ستتخذ “تدابير خاصة” لحماية معداتها وموادها النووية، في محاولة واضحة للاستعداد لأي هجوم محتمل على منشآتها.

وفي 22 يونيو/حزيران، أبلغ مسؤولون إسرائيليون صحيفة نيويورك تايمز بأن إيران ربما نقلت بالفعل مواد ومعدات من منشأة فوردو النووية إلى مواقع أخرى، كإجراء احترازي لتقليل الأضرار المحتملة من الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية.

وعلى وقع هذه التطورات، أفاد مركز أبحاث الحرب والسلام في تحديثه الصباحي الصادر في 23 يونيو/حزيران أن القوات الإسرائيلية شنت غارات جوية استهدفت الطرق الرئيسية التي تؤدي إلى منشأة فوردو، بهدف تعطيل حركة الوصول إلى الموقع. تهدف هذه العملية إلى منع إيران من تقييم حجم الأضرار التي لحقت بالموقع أو محاولة نقل المواد النووية من فوردو إلى مواقع أخرى آمنة. ويُظهر هذا التصعيد من جانب إسرائيل حرصها على قطع أي مسارات لتمكين إيران من إعادة بناء منشآتها النووية بسرعة أو إخفاء المواد الحساسة بعيدًا عن عمليات الاستهداف.

تلك الخطوات تشير إلى تداخل معقد بين الاستراتيجيات الدفاعية والهجومية في الصراع، حيث تحاول إيران حماية قدراتها النووية عبر التنقل والإخفاء، بينما تسعى إسرائيل والولايات المتحدة إلى فرض قيود شديدة على هذا البرنامج النووي عبر ضرب البنية التحتية الحيوية ومنع تحركات إيران.

الهجمات الإيرانية على إسرائيل

منذ آخر انقطاع للبيانات الذي سجله مركز أبحاث الحرب الإلكترونية (CTP-ISW) في الساعة 5:00 صباحًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم 23 يونيو/حزيران، لم تُطلق إيران أي طائرات مُسيّرة أو صواريخ باليستية باتجاه الأراضي الإسرائيلية. ويأتي هذا التوقف في إطلاق الصواريخ بعد موجات متتالية من الهجمات التي شنّتها إيران على إسرائيل خلال يومي 22 و23 يونيو، حيث أطلقت بين ستة إلى سبعة صواريخ عبر أربع موجات مختلفة من الهجمات.

وقد تسبّب أحد هذه الصواريخ بسقوطه بالقرب من محطة كهرباء في مدينة أشدود جنوب إسرائيل، ما أثار قلقاً بالغاً بسبب تأثيره المحتمل على البنية التحتية الحيوية للبلاد. كما سقط صاروخ آخر أو شظية متفرقة منه بالقرب من مدينة صفد شمال إسرائيل، ما يعكس نطاق العمليات الإيرانية التي امتدت عبر مناطق متفرقة في البلاد.

هذا التوقف المؤقت في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة يعكس على الأرجح تغيراً في استراتيجية إيران، قد يكون مرتبطاً بضغوط دولية أو تحركات سياسية وعسكرية متوازنة تسعى من خلالها طهران إلى تقليل التصعيد المباشر مع إسرائيل، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة داخل الأراضي الإيرانية.

روسيا وإيران

في 23 يونيو/حزيران، التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، حيث طلب العراقجي، وفقًا لتقارير متعددة، مزيدًا من الدعم والمساعدة من روسيا في مواجهة الضغوط المتزايدة من الولايات المتحدة وإسرائيل. وحضر الوفد الإيراني، إلى جانب عراقجي، اجتماعًا ضمّ وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، ومساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، ورئيس المديرية العامة لهيئة الأركان العامة إيغور كوستيكوف، بالإضافة إلى السفير الإيراني لدى روسيا كاظم جلالي ونائب وزير الخارجية للشؤون الدولية والقانونية كاظم غريب آبادي.

وأفاد مصدر رفيع المستوى لوكالة رويترز بأن العراقجي كان يحمل رسالة من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إلى بوتين، يطلب فيها “مزيدًا من المساعدة” لتعزيز موقف إيران في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية الراهنة. إلا أن مصادر إيرانية أخرى أشارت إلى عدم رضا إيران الكامل عن مستوى الدعم الروسي الحالي، خصوصًا في ظل محدودية قدرة موسكو على تقديم الدعم العسكري المباشر نتيجة انشغالها بالحرب في أوكرانيا.

من جانبه، أكد بوتين خلال اللقاء أن روسيا “تبذل جهودًا” لمساعدة إيران، وندد بالهجمات التي تعرضت لها إيران واصفًا إياها بأنها “غير مبررة”. وتعكس تصريحات بوتين هذه رغبة موسكو في الحفاظ على موقف داعم لطهران على المستوى الدبلوماسي، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى القيود العملية التي تواجهها روسيا في تقديم دعم عسكري أو أمني مباشر بسبب تركيزها على الصراع في أوكرانيا.

وتبرز هذه التطورات التحديات التي تواجه الشراكة الاستراتيجية بين إيران وروسيا، حيث يفتقر الاتفاق الشامل الأخير بين البلدين إلى بند واضح للدفاع المشترك، مما يحد من قدرة موسكو على التزام دعم عسكري فعلي لطهران. ويُظهر هذا الواقع أن روسيا تميل إلى تقديم دعم دبلوماسي وإعلانات تأييد في المقام الأول، مما يضع حدودًا واضحة أمام ما يمكن أن تقدمه إيران من فوائد استراتيجية في ظل تركيز موسكو على أولوية حربها في أوكرانيا.

أندي باري، ريا ريدي، بن شميدا، نضال موريسون، كيلي كامبا، وأنيكا غانزيفيلد

23 يونيو/حزيران 2025

معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة 2025 التابع لمعهد المشاريع الأمريكية

مركز أسبار

رابط البحث

https://www.understandingwar.org/backgrounder/iran-update-special-report-june-23-2025-evening-edition