ذات صلة

الوضع الأمني والإنساني في سوريا بعد سقوط الأسد (2024-2025)

هذا التقرير لا يُعتبر مسحًا تفصيليًا أو شاملاً لكافة جوانب القضايا التي يتناولها، وينبغي مقارنته مع معلومات أخرى متاحة حول الموضوع وبلدان المنشأ.

لا يحتوي التقرير على أي توصيات سياسية، ولا تعكس المعلومات الواردة فيه بالضرورة رأي دائرة الهجرة الدنماركية.
كما أن التقرير لا يُقدم حكمًا قاطعًا بشأن تحديد أو استحقاق أي طلب لصفة لاجئ أو طلب لجوء، ولا ينبغي اعتبار المصطلحات المستخدمة فيه دلالة على موقف قانوني محدد.

ملخّص تنفيذي

منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، لا يزال الوضع الأمني في سوريا متقلبًا ومجزأً على نطاق واسع في مختلف المناطق. بينما شهدت دمشق وبعض المناطق الحضرية الخاضعة لسيطرة الحكومة استقرارًا نسبيًا، تستمر مختلف أشكال العنف في الانتشار عبر البلاد.

في الأشهر الأولى من عام 2025، شنت قوات الأمن الجديدة عمليات واسعة النطاق ضد فلول النظام السابق. وأسفرت الاشتباكات العنيفة بين قوات الأمن والموالين للأسد في مارس/آذار 2025، لا سيما في محافظتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين، عن خسائر بشرية كبيرة بين الطرفين، بالإضافة إلى وقوع ضحايا من المدنيين، مما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة منهم. وقد مثلت موجة العنف في مارس/آذار أعنف تصعيد منذ سقوط النظام.

كما تعرّضت مجموعات العلويين والشيعة، وبدرجة أقل الدروز، لهجمات مستهدفة، لا سيما خلال تلك الأحداث العنيفة في مارس/آذار 2025. وردت تقارير عن عمليات قتل نفذتها جماعات محلية، وهجمات انتقامية، واشتباكات طائفية في مناطق مثل حمص وحماة واللاذقية وطرطوس وريف دمشق. بالإضافة إلى ذلك، أُبلغ عن هجمات شنّتها جماعات سنية متطرفة ضد العلويين وأقليات أخرى.
يضاف إلى ذلك أن غياب المساءلة بشكل عام ساهم في تفاقم النشاط الإجرامي، بما في ذلك عمليات الاختطاف والقتل خارج نطاق القضاء والسطو المسلح في عدة محافظات. كما ارتكبت جماعات مسلحة، بعضها تابع للسلطات الجديدة، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، منها الاعتقالات التعسفية، والتعذيب، والإعدامات، في ظل إشراف حكومي محدود. منذ سقوط الأسد، صعّدت إسرائيل نشاطها العسكري في سوريا، مستهدفةً البنية التحتية العسكرية وشنذت توغلات عبر الحدود في القنيطرة ودرعا والسويداء. وقد أسفرت العمليات الإسرائيلية عن خسائر بشرية ومادية ونزوح في صفوف المدنيين والعسكريين.

لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يشكل تهديدًا نشطًا ومستمرًا في مناطق عدة من سوريا، لا سيما في محافظة دير الزور. في هذه المنطقة، نفذ التنظيم سلسلة من الهجمات التي استهدفت كل من المدنيين والعسكريين، مما تسبب في زعزعة الاستقرار وزيادة المخاوف الأمنية. ويستغل التنظيم نقاط الضعف الأمنية المحلية، مثل غياب الرقابة الفعالة في بعض المناطق، ليواصل ممارساته في الابتزاز والعنف المسلح، مستهدفًا بذلك تحقيق مكاسب مادية وتعزيز نفوذه. ورغم ذلك، فقد شهد نشاط التنظيم تراجعًا ملحوظًا مقارنة بما كان عليه قبل سقوط النظام السابق، نتيجة التحولات السياسية والأمنية التي أعقبت ذلك.

على صعيد حرية التنقل، شهدت الأوضاع تحسنًا واضحًا بعد سقوط النظام السابق، حيث تم إزالة العديد من نقاط التفتيش التي كانت تعيق حركة المدنيين. كما خُففت إجراءات الرقابة الأمنية، مما أدى إلى انخفاض ملحوظ في حوادث الابتزاز والاعتقالات التعسفية التي كانت سائدة سابقًا. حركة المرور على الطرق الرئيسية أصبحت أكثر انسيابية وأمانًا، ويبدو أن السلطات الجديدة تبذل جهودًا كبيرة لضمان حرية التنقل على هذه الطرق دون عوائق أو مضايقات. إلا أن الوضع لا يزال معقدًا على الطرق الفرعية، حيث تستغل الجماعات المتطرفة هذه الممرات الضعيفة لتنفيذ عمليات تهدد سلامة المدنيين والمسافرين. إضافة إلى ذلك، تستمر نقاط التفتيش المتبقية في إثارة الاستياء والإحباط بين السكان المحليين، خاصة مع قلة خيارات النقل المتاحة وارتفاع تكاليفها، ما يزيد من معاناة المدنيين ويحد من حركتهم.

في شمال شرق سوريا، ساهم تحسن الأوضاع الأمنية بشكل ملحوظ في زيادة حرية التنقل، خاصة بعد انخفاض مستوى القصف التركي الذي كان يمثل تهديدًا مستمرًا للسكان. هذا التحسن الأمني ساعد على فتح الطرق وتسهيل حركة المدنيين، رغم استمرار وجود بعض القيود في مناطق معينة. وبالنسبة لحرية تنقل المرأة، فهي تختلف بشكل كبير حسب المنطقة ونوع نقاط التفتيش الموجودة، حيث يُلاحظ في بعض المناطق تطبيق فصل بين الجنسين في وسائل النقل العامة، مما يعكس التأثيرات الاجتماعية والثقافية المتنوعة في البلاد. بشكل عام، تظل حرية التنقل مرتبطة بتحسن الأوضاع الأمنية والسياسية في كل منطقة، مع وجود تحديات مستمرة تتطلب جهودًا مستمرة لضمان سلامة وكرامة جميع السكان.

مقدمة

يتناول تقرير معلومات بلد المنشأ (COI) الموضوعي الوضع الأمني في سوريا خلال الفترة من 1 يناير/كانون الثاني 2025 وحتى 31 مايو/أيار 2025، بعد سقوط حكومة الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. يقدم التقرير لمحة عامة عن الوضع الأمني العام في البلاد، ويحدد عددًا من الاتجاهات الأمنية المهمة لفهم المشهد الراهن. يلي ذلك عرض شامل للحوادث الأمنية استنادًا إلى البيانات المقدمة من مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح (ACLED). كما يتناول التقرير حرية التنقل في سوريا.

يهدف التقرير إلى توفير معلومات محدثة وموثوقة حول القضايا الأمنية ذات الصلة بمعالجة حالات اللجوء. وهو يعتمد بشكل أساسي على مصادر مكتوبة، مدعومة بمعلومات جُمعت من خلال مقابلات إلكترونية مع مصدرين ذوي معرفة متعمقة بالوضع في سوريا: المرصد السوري لحقوق الإنسان (SOHR) وصحفي سوري.

تم إبلاغ المصادر التي أجريت معها المقابلات بغرض الدراسة وبأن إفاداتها ستُدرج في تقرير عام. وقد أُعدت محاضر لكل مقابلة، وتم إرسالها إلى المصادر للمراجعة والموافقة، مما أتاح لهم فرصة تعديل أو التعليق على بياناتهم. وقد وافق كلا المصدرين على المحتوى المُدرج، ويمكن الاطلاع على هذه البيانات في الملحق 1. تم الإشارة إلى المصادر في التقرير بناءً على طلبهم.

ولضمان الشفافية والدقة، أُعطيت فقرات محاضر المقابلات أرقامًا متسلسلة تُستخدم في التقرير عند الاقتباس من بيانات المصادر في الحواشي. كما ترد الشروط المرجعية (ToR) التي صيغت بالتشاور مع قسم اللجوء في دائرة الهجرة الدنماركية (DIS) ومجلس طعون اللاجئين الدنماركي، في الملحق 2.

يجمع التقرير بين المعلومات المستقاة من المصادر المكتوبة والمقابلات، مع الإشارة إلى أن جميع التفاصيل الدقيقة قد لا تكون مشمولة بالكامل. وقد حرص التقرير على عرض آراء المصادر بأقصى قدر من الدقة والشفافية، مع التنويه إلى أنه لا ينبغي تحميل المصادر الفردية مسؤولية محتوى التقرير.

من المهم ملاحظة أن الوضع الأمني في سوريا متغير، وأن المعلومات الواردة في هذا التقرير قد تصبح قديمة مع مرور الوقت. لذلك، يُنصح بمتابعة القضايا التي يتناولها التقرير بشكل دوري وتحديثها حسب الحاجة.

تم إعداد التقرير وفقًا لمنهجية تقارير لجنة التحقيق الدولية التابعة لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA)، واكتمل البحث والتحرير بتاريخ 19 يونيو/حزيران 2025.

التقرير متاح على الموقع الإلكتروني لدائرة اللجوء الدنماركية (DIS) على العنوان us.dk، وهو متاح لجميع الجهات المعنية بعملية تحديد وضع اللاجئ، وكذلك للجمهور العام.

١. الخلفية

التطوّر السياسي

في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، نجح تحالف من قوى المعارضة، بقيادة جماعة هيئة تحرير الشام الإسلامية المسلحة التي كانت تسيطر سابقًا على أجزاء من محافظتي حلب وإدلب، في الإطاحة بحكومة بشار الأسد بعد هجوم عسكري دام 12 يومًا. وجاء سقوط الحكومة بعد أكثر من 13 عامًا من الحرب الأهلية التي أسفرت عن مقتل أكثر من 500 ألف شخص، وبذلك انتهى حكم حزب البعث الذي استمر لأكثر من خمسة عقود في سوريا.

وفي 12 ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلنت الحكومة السورية الجديدة تعليق العمل بالدستور لفترة انتقالية مدتها ثلاثة أشهر، على أن تقوم لجنة قانونية وحقوقية جديدة بمراجعته وإجراء التعديلات اللازمة خلال هذه الفترة.

في 29 كانون الثاني/يناير 2025، تم تعيين أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام، رئيسًا لسوريا خلال فترة انتقالية، وذلك بقرار من القيادة العامة في البلاد. وفي ذات الوقت، أعلنت إدارة العمليات العسكرية عن مجموعة من القرارات الهامة التي شكلت حجر الأساس للمرحلة الانتقالية، من بينها:

  • تفويض أحمد الشرع بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت لإدارة شؤون البلاد خلال هذه الفترة؛
  • حل مجلس الشعب، البرلمان السوري السابق؛
  • إلغاء دستور عام 2012 وتعليق العمل بقوانين الطوارئ التي كانت معمولًا بها؛
  • حل الجيش وجميع الأجهزة الأمنية والميليشيات التي كانت تابعة لحكومة الأسد؛
  • حل حزب البعث الحاكم وكل الأحزاب والمنظمات التابعة له ومنع إعادة تأسيسها؛
  • حل جميع الهيئات العسكرية والمدنية ودمجها في مؤسسات الدولة.

بعد ذلك، في 25 شباط/فبراير 2025، عُقد مؤتمر حوار وطني في دمشق بهدف دعم تحديد مستقبل سوريا. أسفر هذا المؤتمر عن إعلان دستوري مؤقت وتشكيل مجلس قانوني مؤقت يدير الفترة الانتقالية. ومع ذلك، لم تُدعَ قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، التي تسيطر على مناطق واسعة في شمال شرق سوريا، للمشاركة في هذا المؤتمر، مما أثار جدلاً حول شمولية العملية السياسية.

في 13 آذار/مارس 2025، وقع الرئيس أحمد الشرع دستورًا مؤقتًا يسري لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات. ينص الدستور على إقامة نظام رئاسي يتركز فيه السلطة التنفيذية في يد الرئيس الذي يقوم بتعيين الوزراء. كما يقر الدستور بالشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع، مع تأكيد على حماية حقوق جميع الجماعات العرقية والدينية في سوريا. ويشمل الدستور إنشاء لجنة شعبية تعمل كبرلمان انتقالي، حيث يعين ثلثا أعضائها من قبل لجنة يختارها الرئيس الشرع، بينما يعين الرئيس نفسه الثلث المتبقي.

وفي 29 آذار/مارس 2025، أعلن الشرع تشكيل حكومة انتقالية جديدة تضم 23 وزيرًا من مختلف الخلفيات الدينية والمجتمعية، في خطوة تهدف إلى تحقيق التمثيل الشامل. من بين الوزراء المعينين، عُيّن وزير نقل من الطائفة العلوية، ووزير زراعة من الطائفة الدرزية، ووزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل من المعارضة المسيحية.

الوضع الاجتماعي والاقتصادي

على الصعيد الاقتصادي، خلفت 13 سنة من الصراع المستمر في سوريا دمارًا واسع النطاق للبنية التحتية الوطنية. فقد أصبحت مدن بأكملها غير صالحة للسكن، في حين تعاني المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والكهرباء من أوضاع متدهورة للغاية. وتعمل الخدمات العامة بشكل محدود للغاية، فيما يعاني الاقتصاد من حالة من الانهيار العميق.

مع ذلك، أفادت وكالة الأنباء السورية “عنب بلدي” في 26 مارس/آذار 2025، استنادًا إلى تقرير صادر عن مصرف سوريا المركزي، بأن معدل التضخم السنوي شهد انخفاضًا ملحوظًا خلال الفترة من مارس/آذار 2024 إلى فبراير/شباط 2025. فقد تراجع معدل التضخم الإجمالي إلى 36.8% مقارنة بنسبة 120.6% في نفس الفترة من العام السابق. ويرجع التقرير هذا الانخفاض بشكل رئيسي إلى ارتفاع قيمة الليرة السورية وزيادة توفر السلع في الأسواق، وهو تطور مرتبط بتغيرات الأوضاع السياسية والاقتصادية عقب سقوط حكومة الأسد.

رغم هذا التحسن النسبي في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، لا تزال القدرة الشرائية للسوريين منخفضة بشكل كبير، بسبب تدني الدخل الحقيقي الذي لم يشهد تحسنًا يذكر، مما يجعل التحديات الاقتصادية اليومية لا تزال تمثل عبئًا كبيرًا على الأسر السورية.

فيما يتعلق بالعقوبات الدولية المفروضة على سوريا، شهدت الفترة الأخيرة سلسلة من التعليقات والتخفيفات المتدرجة. ففي 30 ديسمبر/كانون الأول 2024، علقت الولايات المتحدة مجموعة مختارة من العقوبات ضد سوريا لمدة ستة أشهر بهدف تسهيل تدفق المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.

وفي 27 يناير/كانون الثاني 2025، أعلن الاتحاد الأوروبي تبنيه نهجًا تدريجيًا لتعليق العقوبات الواسعة النطاق المفروضة على سوريا، مع اشتراط استيفاء عدة معايير على الأرض، من بينها حماية جميع الأقليات الدينية والعرقية، واحترام حقوق الإنسان وحقوق المرأة.

بعد ذلك، في 24 فبراير/شباط 2025، قام الاتحاد الأوروبي بتعليق فوري لعقوبات محددة، شملت قطاعات النفط والغاز والكهرباء، بالإضافة إلى رفع القيود المفروضة على قطاع النقل، مثل الطيران.

وفي مارس/آذار 2025، أعلنت كندا عن نيتها تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا، تلا ذلك في أبريل/نيسان 2025 قيام المملكة المتحدة برفع عدد من العقوبات المختارة، بما في ذلك تلك المفروضة على وزارة الدفاع السورية.

وأخيرًا، في 28 مايو/أيار 2025، أزال الاتحاد الأوروبي رسميًا جميع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، مع الاحتفاظ بالعقوبات المرتبطة بالمخاوف الأمنية.

في هذا السياق، وعد عدد من المانحين الدوليين، من بينهم الاتحاد الأوروبي وكندا، بتقديم دعم اقتصادي لسوريا لتعزيز جهود إعادة الإعمار والتعافي.

رغم هذه التطورات، تشير تقارير عمليات الحماية المدنية والمساعدات الإنسانية الأوروبية إلى أن الاحتياجات الإنسانية في سوريا لا تزال عند مستويات غير مسبوقة. فحوالي سبعة من كل عشرة سوريين، أي ما يقرب من 16.5 مليون شخص، ما زالوا بحاجة ماسة للمساعدة. كما أن نصف السكان ما يزالون نازحين، سواء داخل البلاد أو خارجها، في حين يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر. ويعاني ما لا يقل عن تسعة ملايين شخص من نقص في الحصول على الغذاء الكافي والمغذي، مما يعكس التحديات الكبيرة التي تواجهها البلاد على صعيد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وفقًا لوزارة الدفاع السورية، وبحلول شباط/فبراير 2025، وافقت ما بين 70 إلى 100 جماعة مسلحة على المشاركة في الإدارة الجديدة والانضمام إلى القوات المسلحة التابعة لوزارة الدفاع السورية. ومن أجل تسهيل هذه العملية المعقدة، تم تشكيل اللجنة العليا لتنظيم بيانات القوات المسلحة، والتي تُعنى بالإشراف على تتبع القدرات العسكرية والأفراد المنضوين تحت لواء المؤسسة الجديدة.

في الوقت نفسه، يعمل فريق من الضباط على تصميم هيكل الجيش السوري الجديد بما يتناسب مع المرحلة الانتقالية ومتطلبات الأمن والاستقرار في البلاد. وأكدت الحكومة الانتقالية على حل جميع الفصائل العسكرية المنفصلة ودمجها ضمن مؤسسات الدولة الرسمية، في إطار جهود توحيد السلاح وضمان سيطرة الدولة على كافة القوات المسلحة.

وفي نيسان/أبريل 2025، أفادت عدة وسائل إعلام محلية أن ممثلين عن وزارة الدفاع السورية بدأوا في عقد اجتماعات مع ضباط انشقوا عن الجيش خلال فترة حكم الرئيس السابق بشار الأسد، وذلك كجزء من مساعي إعادة هيكلة الجيش ودمج هؤلاء الضباط المنشقين ضمن القوات المسلحة الرسمية.

كما أفاد موقع “المدن” الإخباري العربي في 26 آذار/مارس 2025، بأن الحكومة الانتقالية وضعت معايير جديدة للتجنيد الطوعي في المؤسسات الأمنية والعسكرية التابعة لها، بهدف تنظيم وضبط الانضمام إلى القوات بشكل أكثر فعالية.

على الرغم من هذه الخطوات، تواجه الحكومة الانتقالية تحديات كبيرة في إعادة بناء القوات المسلحة السورية. إذ تشكل إعادة بناء الترسانة العسكرية من الأسلحة والمعدات والبنية التحتية العسكرية عقبة كبرى أمام جهود إعادة الهيكلة، نظرًا لما خلفته سنوات الحرب من تدمير وتفكك.

تطوّرات أخرى

حتى 22 مايو/أيار 2025، عاد نحو 507,672 سورياً إلى سوريا عبر دول الجوار منذ سقوط حكومة الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، ما رفع إجمالي عدد العائدين منذ أوائل عام 2024 إلى 868,512 شخصًا، وفقًا لتقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين. إضافة إلى ذلك، عاد 1,200,486 نازحًا داخليًا إلى ديارهم خلال الفترة من أوائل ديسمبر/كانون الأول 2024 وحتى 22 مايو/أيار 2025.

على صعيد النقل الجوي، استأنفت سوريا رحلاتها الجوية الدولية في 7 يناير/كانون الثاني 2025، حيث كانت الخطوط الجوية القطرية أولى شركات الطيران التي استأنفت الرحلات إلى دمشق. تبعتها شركات أخرى مثل الخطوط الجوية التركية، والملكية الأردنية، وشركة الطيران التركية منخفضة التكلفة AJet، التي أطلقت رحلات منتظمة إلى دمشق بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2025.

كما شهد أبريل/نيسان 2025 استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين سوريا والإمارات العربية المتحدة، مما ساهم في تعزيز الروابط الجوية مع دول المنطقة وتسهيل حركة السفر والتنقل.

٢. الوضع الأمني

الوضع الأمني ​​العام

وفقًا للمصادر التي تمّت مقابلتها، من الصعب للغاية التعميم بشأن الوضع الأمني الحالي في سوريا أو تقييم الانتهاكات التي تحدث، نظراً لتفاوت الظروف الأمنية بشكل كبير حتى داخل المدينة أو المنطقة الواحدة. ويتأثر الوضع الأمني بعوامل متعددة تختلف من منطقة لأخرى، منها ما إذا كانت المنطقة معقلًا سابقًا للمعارضة السورية أو تُعتبر داعمة للحكومة السابقة، بالإضافة إلى الانتماءات السياسية والدينية والطائفية للسكان، وكذلك الديناميكيات المحلية الخاصة بكل منطقة.

وأشار المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن الوضع الأمني العام في سوريا يُعد مستقرًا نسبيًا، مع تسجيل انخفاض في عدد الحوادث الأمنية المبلغ عنها خلال شهري أبريل/نيسان ومايو/أيار 2025. ومع ذلك، تستمر بعض الأعمال العدائية في مناطق محددة، مثل العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا، إضافة إلى حوادث أمنية في محافظات اللاذقية وطرطوس، مما يعكس هشاشة الوضع الأمني.

في المناطق خارج العاصمة دمشق، يبقى الوضع متقلبًا نتيجة وجود جماعات إسلامية متطرّفة نشطة، لا سيما في محافظات حماة، حلب، إدلب، حمص، ريف دمشق، ودير الزور. تسهم هذه الجماعات في استمرار انعدام الأمن من خلال تنفيذ عمليات اغتيال، واختطاف، وسرقة، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويهدد الاستقرار المحلي.

دمشق

منذ سقوط الحكومة السابقة، أولت السلطات الجديدة أولوية كبيرة لتأمين المدن الرئيسية مثل دمشق وحلب، مما أدى إلى تحسن ملموس في الوضع الأمني في هذه المناطق مقارنة بأجزاء أخرى من البلاد. في دمشق، التي تظل المنطقة الأكثر استقرارًا في سوريا، يسود الأمن بشكل عام، مع وجود مؤشرات إيجابية على تحسن الأوضاع، وهو ما يتجلى في انخفاض عدد الاعتقالات على نقاط التفتيش وتراجع ملحوظ في الحوادث الأمنية.

مع ذلك، لا تزال هناك بعض الحوادث العنيفة المعزولة التي تُظهر أن التحديات الأمنية لم تُحلّ بالكامل. على سبيل المثال، شهد شهر أيار/مايو 2025 حالات استهداف لبائعي الكحول من قبل جماعات إسلامية يُعتقد أنها مرتبطة بالحكومة الجديدة، إضافة إلى وقوع حادث إطلاق نار في أحد الكازينوهات، مما يعكس أن بعض مظاهر العنف لا تزال قائمة حتى في المناطق الأكثر استقرارًا.

المنطقة الساحلية

في المنطقة الساحلية، شهد السكان المحليون موجة واسعة من الانتهاكات مباشرة بعد سقوط الحكومة السابقة، حيث تركزت هذه الانتهاكات بشكل خاص في المناطق الريفية والقرى الصغيرة التي كانت تابعة بشكل وثيق للنظام السابق. وعلى الرغم من أن المراكز الحضرية الرئيسية في الساحل شهدت تحسنًا نسبيًا مع تراجع حدة الانتهاكات، إلا أن المناطق الريفية لا تزال تعاني من تصاعد التوترات والأعمال العدائية.

في كثير من هذه المناطق، كانت الأجهزة العسكرية والأمنية التابعة للحكومة السابقة تسيطر بشكل محكم، وما يزال إرث تلك السيطرة يؤثر على العلاقات بين السكان المحليين والسلطات الجديدة. أفراد الأجهزة الأمنية الحاليين، والذين يتضمنون عددًا كبيرًا من مقاتلي المعارضة السابقين الذين انضموا إلى المؤسسات الأمنية بعد إعادة الهيكلة، يظهرون مواقف عدائية في بعض الأحيان تجاه السكان المحليين. ويُعزى هذا العداء، كما أشار الصحفي السوري الذي أُجريت معه مقابلة، إلى المظالم التاريخية التي تعرض لها هؤلاء الأفراد خلال حكم النظام السابق، خاصة في المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة، مما أدى إلى استشراء حالة من عدم الثقة والاحتقان بين الطرفين.

تتجلى هذه الانتهاكات في شكل اعتقالات تعسفية، ممارسات ابتزاز، مضايقات متكررة، إضافة إلى عمليات أمنية تهدف إلى فرض السيطرة والسيطرة على السكان المحليين. وتفاقم هذا الوضع من هشاشة الأمن والاستقرار في المناطق الريفية، مما يؤثر سلبًا على حياة المدنيين ويحد من فرص إعادة البناء والتنمية.

محافظة حماة

في محافظة حماة، يختلف الوضع الأمني بشكل واضح بين المناطق الحضرية والريفية، ويعكس ذلك التاريخ السياسي والاجتماعي لكل منطقة. في مدينة حماة نفسها، التي كانت تُعرف بمعارضتها للحكومة السابقة، لا توجد عادة مضايقات عند نقاط التفتيش، ويُعتبر الوضع الأمني مستقراً نسبيًا، مما يعكس تفاهمًا أو قبولًا نسبيًا بين السكان والسلطات الجديدة.

على النقيض من ذلك، تُعاني القرى العلوية في منطقة سهل الغاب بمحافظة حماة من انتهاكات مستمرة وممارسات قمعية. فقد قامت مجموعة عسكرية مؤخرًا بتهجير سكان قرية بأكملها قسرًا، وأتاحت لهم إقامة أقاربهم في تلك المنطقة بعد تدمير منازل السكان الأصليين، مما يعكس استهدافًا واضحًا للسكان المحليين ومحاولات لتغيير التركيبة السكانية في المنطقة.

في مناطق أخرى مثل شرق حماة، تلعب ديناميكيات الأسلحة دورًا محوريًا في تحديد نمط الأمن والاستقرار. ففي هذه المناطق، التي كانت تحت سيطرة المعارضة سابقًا، لم يتم نزع السلاح من الجماعات المحلية، مما يعزز من نفوذها وقدرتها على ممارسة السيطرة. فعلى سبيل المثال، قامت جماعات قبلية مسلحة من منطقة كانت تسيطر عليها المعارضة سابقًا، والذين لا يزالون يحتفظون بأسلحتهم، بشن هجمات وسرقة ماشية من رعاة في قرية كانت موالية للحكومة السابقة، ولم تواجه هذه الجماعات أي تداعيات قانونية أو أمنية.

هذه الفوارق في التسلح تؤثر بشكل كبير على حياة السكان اليومية؛ ففي المناطق المنزوعة السلاح، غالبًا ما يلتزم السكان بالبقاء في منازلهم بعد حلول الساعة الثامنة مساءً، تحسبًا لأي تهديدات محتملة. بينما في المناطق التي تحتفظ فيها الجماعات المسلحة بأسلحتها، تستمر الحياة الاجتماعية والخارجية حتى المساء، ما يعكس حالة من الحذر النسبي أو السيطرة التي تمارسها هذه الجماعات.

محافظة حمص

في محافظة حمص، تُسجل حالات انتهاكات أمنية، إلا أن وتيرتها أقل مقارنة بمناطق ريف حماة الشمالي. أما في المناطق الغربية من حمص، القريبة من الحدود اللبنانية، فإن المدنيين يواجهون تهديدات مختلفة ومتنوعة. فقد كانت هذه المنطقة، التي خضعت سابقاً لسيطرة حزب الله، مركزاً نشطاً لعمليات تهريب الأسلحة والمخدرات، مما خلق بيئة غير مستقرة أمنياً. ومع سقوط الحكومة السابقة، عادت بعض الجماعات المسلحة المعارضة التي كانت تعمل بوحدات عسكرية منظمة إلى الظهور مجدداً، ولكن هذه المرة كعصابات إجرامية تعمل خارج الإطار الرسمي، ما يشكل تحدياً مستمراً للسلطات الجديدة في فرض القانون والنظام.

أما في محافظة حلب، فتتميز الوضعية بتعقيد أكبر نتيجة الانقسامات السياسية والعسكرية المتعددة التي لا تزال تؤثر على أمن واستقرار المنطقة. فرغم أن السلطات الجديدة تسيطر اسمياً على المحافظة، إلا أن الخلافات بين المناطق التي كانت تسيطر عليها سابقاً هيئة تحرير الشام (HTS)، والجيش الوطني السوري (SNA)، وقوات سوريا الديمقراطية (SDF) لا تزال قائمة وتؤثر بشكل مباشر على المدنيين. ففي شرق حلب، التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، شهدت مناطق عدة عمليات اختطاف وسرقات نفذها عناصر من الجيش الوطني السوري خلال الفترة المشمولة بالتقرير، مما أدى إلى انتهاكات جسيمة بحق السكان المدنيين دفعت قوات الأمن إلى التدخل في مدن رئيسية مثل منبج وعفرين وجرابلس للحد من هذه الأعمال.

وفي شمال حلب، لا يزال السكان الأكراد يواجهون مضايقات وانتهاكات منتظمة، وهو وضع مشابه لما يُلاحظ في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية مثل الحسكة والرقة وشرق دير الزور، حيث تُرتكب الانتهاكات بشكل رئيسي ضد السكان العرب. هذه التوترات العرقية والسياسية المستمرة تُلقي بظلالها على الوضع الأمني العام، مما يجعل المنطقة معرضة لمزيد من الاضطرابات وعدم الاستقرار.

المحافظات الجنوبية

في المحافظات الجنوبية، وهي القنيطرة، درعا، والسويداء، يسود الوضع الأمني تقلبات كبيرة وعدم استقرار ملحوظ. وتقتصر سيطرة الحكومة المركزية على هذه المناطق إلى حدّ كبير بسبب التوغلات والهجمات الإسرائيلية المتكررة، التي تؤثر بشكل مباشر على الأمن المدني. وأفاد الصحفي السوري الذي تمت مقابلته بأن هناك انتهاكات جسيمة تشمل اعتقالات وتعاملات عنيفة كالقتل وإطلاق النار استهدفت المدنيين في هذه المحافظات. وذكر بشكل شخصي وقوع حادثتين في القنيطرة وحادثة واحدة في درعا شملت هجمات إسرائيلية استهدفت المدنيين، ما يزيد من هشاشة الوضع الأمني ويعمّق من حالة القلق والخوف بين السكان المحليين.

أما في محافظة السويداء، فتتسم الأوضاع الأمنية بتعقيدات إضافية نتيجة وجود فصائل مسلحة محلية تعمل بشكل مستقل خارج نطاق سلطة الحكومة المركزية. المشهد الاجتماعي في السويداء يتألف من أغلبية درزية تعيش إلى جانب أقلية بدوية سنية، حيث يُتهم البدو في كثير من الأحيان بدعم الحكومة الجديدة، في حين يُعتقد أن الدروز متحالفون مع إسرائيل. هذه الاتهامات المتبادلة أدت إلى اندلاع اشتباكات متكررة بين المجموعتين، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويضع السكان المدنيين في موقف هش بين النزاعات المحلية. إضافة إلى ذلك، يشهد شرق السويداء هجمات متكررة بقذائف الهاون، ولم تتبنَّ أي جهة مسؤولية هذه الهجمات حتى الآن، مما يعكس توترات طائفية أوسع نطاقاً داخل المحافظة، ويُظهر حجم الانقسام والاضطراب الذي يسيطر على المنطقة.

محافظة دير الزور

في محافظة دير الزور، شهدت الأوضاع الأمنية تحسناً ملحوظاً فيما يتعلق بتراجع خطر الميليشيات الموالية لإيران التي كانت نشطة خلال فترة حكم الحكومة السابقة، لكن التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لا يزال قائماً بل ويتزايد في بعض المناطق. وتُتهم أحياناً بعض فئات من سكان مدينة دير الزور بالانتماء إلى الميليشيات الموالية لإيران في عهد النظام السابق، مما يعكس تعقيدات العلاقات المحلية والتاريخية التي تؤثر على الأمن في المحافظة.
وتُعد دير الزور المحافظة الوحيدة التي يتشابه فيها الوضع الأمني في المدينة إلى حد كبير مع الوضع في الريف، إذ لا تنفصل الديناميكيات الأمنية بين المناطق الحضرية والريفية كما هو الحال في محافظات أخرى. وتبقى منطقة البوكمال الحدودية، القريبة من الحدود العراقية، من أكثر المناطق غير استقراراً، حيث كانت في السابق محوراً رئيسياً لممرات تهريب الأسلحة بين العراق ولبنان. وقد نفذت السلطات عمليات تفتيش واسعة في قرى هذه المنطقة قبل أيام قليلة من مقابلة المرصد السوري مع الصحفي السوري في مايو/أيار 2025، في محاولة للحد من النشاطات غير المشروعة. إلا أن التأثيرات طويلة الأمد لهذه العمليات على حياة المدنيين في تلك القرى لا تزال غير واضحة، ما يضيف بعداً من الغموض والتوتر للأوضاع المحلية.

أما في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فيسود استقرار أمني نسبي كبير مقارنة ببقية أنحاء المحافظة. ويعتبر التهديد الأمني الملحوظ الوحيد في هذه المناطق مرتبطاً بخلايا داعش النائمة التي تحاول القيام بعمليات تخريبية بين الفينة والأخرى، لكنها لا تملك القدرة على فرض سيطرة أو تهديد واسع النطاق في الوقت الحالي.

ريف دمشق

في ريف دمشق، وبشكل خاص في بلدة التل، لا تزال أعمال الانتقام مستمرة ضد أفراد يُشتبه في تعاونهم أو ارتباطهم بالحكومة السابقة. وتُفيد تقارير بأن هذه الأفعال تُنفّذ في الغالب من قِبل مقاتلين سابقين في المعارضة المسلحة، كان قد تم ترحيلهم إلى شمال سوريا بموجب اتفاقات التسوية خلال حكم بشار الأسد، إلا أنهم عادوا لاحقاً إلى المنطقة بعد تغيّر المعادلات السياسية. ويُعتقد أن هؤلاء العائدين، بدافع من مشاعر الثأر، يستهدفون أفراداً محليين من خلال المضايقات والتهديدات أو حتى الاعتداءات.

وفي مناطق أخرى من ريف دمشق مثل جرمانا وصحنايا، لا تزال التوترات المجتمعية قائمة، مدفوعة بخلافات سياسية وطائفية متجذّرة تعود إلى زمن النزاع المسلح. ويواجه بعض السكان اتهامات بدعم إسرائيل، وهي تهمة تحمل دلالات خطيرة في السياق المحلي، وقد تؤثر بشكل مباشر على حياة الأفراد اليومية، بما في ذلك حريتهم في التنقل. فعلى سبيل المثال، أفادت تقارير بأن بعض الأشخاص يواجهون صعوبات أمنية أو مضايقات عند محاولتهم الدخول إلى مناطق معينة من دمشق مثل باب توما، نتيجة هذه الاتهامات.

تُسهم هذه الديناميكيات في تعزيز مناخ من عدم الثقة والانقسام الاجتماعي، مما يعيق جهود المصالحة وإعادة بناء النسيج المجتمعي، ويزيد من هشاشة الوضع الأمني في الضواحي المحيطة بالعاصمة.

الاتجاهات الأمنية الحديثة

بالإضافة إلى المعلومات العامة حول الوضع الأمني في سوريا، يمكن تحديد عدد من الاتجاهات الأمنية البارزة التي تُعد أساسية لفهم المشهد الأمني الراهن وتداعياته المباشرة وغير المباشرة على المدنيين. أولاً، لا يزال الوضع الأمني في سوريا متقلباً إلى حدّ كبير، ويتفاوت من منطقة إلى أخرى بحسب التاريخ السياسي والاجتماعي لكل منطقة، والانتماءات الطائفية والسياسية للسكان، إضافةً إلى طبيعة الجهات المسيطرة على الأرض. ثانياً، يُلاحظ تصاعد دور الجماعات المسلحة المحلية، سواء المنضوية تحت مؤسسات الدولة أو الخارجة عنها، في فرض أنماط من السيطرة والنفوذ، أحياناً على حساب سلطة الحكومة المركزية.

ثالثاً، رغم تراجع القتال الواسع النطاق، إلا أن أعمال العنف الموجّه، كالاغتيالات والاختطاف والتفجيرات، لا تزال تحدث بشكل متكرر، وخصوصاً في المناطق المتنازع عليها أو تلك التي شهدت تغيّرات في السيطرة. رابعاً، تستمر الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في استغلال الفراغات الأمنية، خاصة في المناطق الحدودية أو ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة.

خامساً، تؤثر الانقسامات الاجتماعية والطائفية بشكل مباشر على مستوى الأمن المحلي، حيث تسود أجواء من الشك والعداء المتبادل بين مكوّنات المجتمع في بعض المناطق، ما ينعكس سلباً على حرية التنقل، والوصول إلى الخدمات، وأحياناً حتى على الحق في البقاء داخل منطقة معينة.

تُظهر هذه الاتجاهات أن الاستقرار لا يزال هشًّا، وأن خطر الانزلاق إلى موجات جديدة من العنف أو عدم الاستقرار قائم ما لم تُتّخذ خطوات جادة لمعالجة جذور النزاع، وتعزيز سيادة القانون، وبناء مؤسسات أمنية محايدة وشاملة.

اشتباكات بين قوات الأمن الجديدة والموالين للأسد

خلال الفترة الممتدة من 1 يناير/كانون الثاني إلى 31 مايو/أيار 2025، سُجّلت تقارير متعددة تفيد بوقوع اشتباكات محلية عنيفة في عدد من المحافظات السورية بين قوات الأمن الجديدة التابعة للحكومة الانتقالية وبقايا عناصر تابعة لحكومة الأسد السابقة. واندلعت هذه المواجهات غالباً في سياق عمليات أمنية نفذتها السلطات الجديدة بهدف ملاحقة أفراد يُشتبه في انتمائهم إلى النظام السابق، سواء كانوا من الشخصيات القيادية أو من العناصر ذات الرتب المتدنية.

وقد نفذت قوات الأمن الجديدة مداهمات وعمليات تفتيش واسعة في معظم أنحاء البلاد، شملت محافظات طرطوس، اللاذقية، حمص، حماة، دير الزور، ريف دمشق، دمشق، درعا، إدلب، وحلب. وأسفرت هذه الحملات عن اعتقال العشرات، بمن فيهم أفراد من الأجهزة الأمنية السابقة، وأعضاء سابقون في “الشبيحة” – وهي جماعات شبه عسكرية كانت قد شُكّلت في بداية الانتفاضة الشعبية خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لقمع المعارضة باستخدام العنف المفرط. كما تم ضبط كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر خلال هذه العمليات، ما يشير إلى احتمال استعداد بعض هذه المجموعات للرد المسلح أو استئناف العمل العسكري.

وفي المقابل، استُهدفت قوات الأمن الجديدة بعدد من الهجمات المسلحة في مختلف أنحاء البلاد. وقعت بعض هذه الهجمات كرد فعل مباشر على حملات الاعتقال، بينما نُفذ بعضها الآخر دون استفزاز واضح، في نمط يوحي باستمرار المقاومة المسلحة أو السعي لإعادة ترتيب الصفوف من قبل عناصر النظام السابق. ووفقاً لمنظمة “إيتانا” السورية غير الحكومية، هناك مؤشرات متزايدة على أن بعض الجماعات المسلحة ذات الأغلبية العلوية قد شرعت في إعادة التسلّح، مدفوعة بشعور بالتهديد جرّاء سياسات الاستئصال التي تتبناها الحكومة الجديدة ضد رموز النظام السابق.

وفي شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2025، وثّقت تقارير تنفيذ موالين للنظام السابق – بما في ذلك عناصر يُعتقد أنهم من الشبيحة – ما لا يقل عن 32 هجوماً على قوات الأمن الجديدة في محافظات اللاذقية، طرطوس، حمص، حماة، وريف دمشق. وتُعد هذه الهجمات مؤشراً على استمرار التحدي الذي تمثله بقايا النظام السابق، وعلى هشاشة الوضع الأمني رغم ما يبدو من تحسن نسبي في بعض المناطق.

في أوائل شهر مارس/آذار 2025، شهدت مناطق غرب سوريا تصعيداً خطيراً في وتيرة العنف، تمثل في اندلاع اشتباكات عنيفة أعقبت كميناً منسقاً نفذه مقاتلون موالون للنظام السابق ضد قوات الأمن التابعة للحكومة السورية المؤقتة. ففي 6 مارس/آذار، شنت مجموعات يُعتقد أنها تضم عناصر أمنية سابقة ومقاتلين مرتبطين بالشبيحة هجمات متزامنة على مواقع عسكرية وأمنية مرتبطة بوزارتي الدفاع والداخلية، وتركزت الهجمات بشكل خاص في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، التي كانت تُعد سابقاً من أبرز معاقل الدعم لحكومة بشار الأسد.

وردّت قوات الأمن الجديدة بسرعة عبر إطلاق عمليات أمنية واسعة النطاق، بمساندة من فصائل محلية وجماعات إسلامية أجنبية موالية اسمياً لوزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية. وشملت هذه العمليات حملات تمشيط ومداهمات واشتباكات مباشرة في المناطق الريفية والحضرية في المنطقة الساحلية.

ووفقاً لتقديرات أولية، بلغ عدد الضحايا خلال هذه المواجهات، التي استمرت حتى 10 مارس/آذار، ما لا يقل عن 231 من عناصر قوات الأمن، و250 من المقاتلين الموالين للأسد. أما الخسائر بين المدنيين فكانت مروعة؛ إذ قُدر عدد الضحايا المدنيين بنحو 830 وفقاً لبعض المصادر، في حين أشارت تقارير أخرى إلى أن عدد القتلى المدنيين قد وصل إلى نحو 1,700، في ظل صعوبة التحقق من الأعداد الدقيقة بسبب شدة القتال وتعطل الوصول الإنساني.

وتُعد هذه الأحداث الأكثر دموية منذ سقوط حكومة الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني في المناطق التي لطالما كانت مرتبطة عضوياً بالنظام السابق، ويكشف في الوقت نفسه عن قدرة بقايا هذا النظام على حشد القوة والمبادرة العسكرية. كما تبرز هذه الاشتباكات التحديات الكبيرة التي تواجهها الحكومة المؤقتة في فرض سيطرتها على البلاد، وإعادة بناء مؤسسات أمنية فعالة وشاملة في بيئة لا تزال منقسمة على أسس سياسية وطائفية حادة.

العنف الطائفي والانتقامي

منذ انهيار حكومة الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، ظهرت أنماط جديدة من الاستهداف العنيف على أساس طائفي وعرقي في مختلف أنحاء سوريا. ووفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن غالبية السكان المدنيين العاديين يواجهون خطراً عاماً محدوداً من العنف المنظّم أو الممنهج. ومع ذلك، تبرز بعض الجماعات – مثل العلويين والشيعة، وأحياناً الدروز – كمجموعات معرضة لخطر متزايد من الاستهداف، بدرجات متفاوتة حسب المنطقة.

في أعقاب الاشتباكات العنيفة التي اندلعت بين 6 و10 مارس/آذار 2025، برزت تقارير موثقة تفيد بوقوع مجازر وعمليات قتل خارج نطاق القضاء، استهدفت بشكل خاص المدنيين العلويين في محافظتي اللاذقية وطرطوس. ويُعتقد أن هذه الأعمال ارتُكبت في سياق انتقامي، باعتبار أن العلويين كانوا يُنظر إليهم على نطاق واسع كقاعدة دعم اجتماعية لحكومة الأسد السابقة. كما أفادت تقارير أخرى بأن مدنيين سُنة تعرضوا أيضاً لهجمات، وإن على نطاق أضيق. وأدى هذا التصعيد الطائفي إلى موجات نزوح داخلي، حيث فرّ مئات المدنيين من المناطق الساحلية إلى وجهات مختلفة، بما في ذلك القرى الجبلية النائية، وقاعدة حميميم الجوية الخاضعة للإشراف الروسي، وحتى عبر الحدود باتجاه الأراضي اللبنانية. ووفقاً للبيانات المتاحة حتى 23 مايو/أيار 2025، لم يتمكن عدد كبير من هؤلاء النازحين من العودة إلى ديارهم بسبب استمرار التوترات وانعدام الثقة بين المكونات المحلية.

ورغم تراجع وتيرة الانتهاكات في المناطق الحضرية منذ نهاية مارس/آذار، إلا أن العنف لا يزال مستمراً في الريف، لا سيما في المناطق التي كانت تمثل سابقاً قواعد عسكرية وأمنية للنظام القديم، بما في ذلك مناطق ريف حماة، وريف حمص، والمناطق الريفية في الساحل السوري.

كما أن التوترات الطائفية امتدت إلى خارج المنطقة الساحلية. ففي 28 أبريل/نيسان 2025، اندلعت اشتباكات طائفية في ضاحية جرمانا ذات التركيبة السكانية المختلطة (دروز وسُنة)، على خلفية تداول تسجيل صوتي يُزعم أنه يُظهر رجل دين درزياً يسيء إلى النبي محمد. وأدت الحادثة إلى تصاعد حاد في العنف امتد إلى بلدة أشرفية صحنايا المجاورة جنوب دمشق، والتي تضم أيضاً غالبية درزية. وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار في 30 أبريل/نيسان، اندلعت مواجهات جديدة في اليوم التالي بعد دخول وحدات أمنية إلى السويداء، وأسفرت تلك الحوادث عن مقتل رئيس بلدية أشرفية صحنايا وابنه. وبحلول 1 مايو/أيار، تأكد مقتل 102 شخص، بينهم عناصر أمن ومدنيون من الطائفة الدرزية، في سلسلة من الاشتباكات الدامية التي تُظهر هشاشة العلاقات المجتمعية في الجنوب السوري.

وعلى صعيد الجماعات المسلحة، ظهرت جماعة سنية متطرفة تُدعى “سرايا أنصار السنة” في يناير/كانون الثاني 2025، وتبنّت عمليات قتل استهدفت بشكل خاص أفراداً من الطائفة العلوية، إلى جانب من وُصفوا بأنهم من فلول النظام السابق. وشملت أنشطة الجماعة محافظات حمص، واللاذقية، وطرطوس، وحلب، حيث نفذت عمليات اغتيال وتفجيرات محدودة. كما حرّضت الجماعة علناً على العنف ضد الشيعة والدروز، إضافة إلى من يتعاون معهم أو لا يُدينهم عقائدياً. وقد دعت الجماعة بشكل صريح إلى “تغيير ديموغرافي” في المناطق التي تقطنها الأقليات الدينية، لا سيما في حمص، حماة، والساحل، مما يشير إلى أجندة أوسع تتجاوز الانتقام السياسي لتشمل تصفية طائفية محتملة.

تُبرز هذه الأحداث، مجتمعةً، خطورة تصاعد العنف الطائفي في مرحلة ما بعد الأسد، وتكشف عن التحديات العميقة التي تواجهها السلطات الانتقالية في ضمان الحماية المتساوية لجميع المواطنين، بغضّ النظر عن انتمائهم الطائفي أو السياسي. كما تُظهر الحاجة الملحّة لإجراءات فعّالة في مجال المصالحة الوطنية، والعدالة الانتقالية، وتفكيك الجماعات المسلحة ذات الأجندات المتطرفة.

حتى تاريخ 19 أيار/مايو 2025، وثّق “المرصد السوري لحقوق الإنسان” مقتل ما لا يقل عن 663 شخصاً، من بينهم 20 امرأة و9 أطفال، في سياق ما يُعرف بـ “جرائم القتل والتصفيات في إطار الإجراءات الانتقامية” التي سُجّلت في مختلف أنحاء سوريا منذ بداية العام. وقد شملت هذه الحوادث عمليات قتل ذات طابع انتقامي، بعضها اتّسم بصبغة طائفية، فيما ارتُكب البعض الآخر على خلفية الاشتباه بالانتماء إلى الحكومة السابقة أو التعاون معها.

توزّعت هذه الوفيات على عدد من المحافظات، وجاءت محافظة حمص في المرتبة الأولى من حيث عدد الضحايا، حيث سُجّلت فيها 241 حالة وفاة، من بينها 102 حالة ذات طابع طائفي. تلتها حماة بـ 127 حالة وفاة، منها 48 حالة طائفية، ثم طرطوس واللاذقية، حيث تم توثيق 59 حالة وفاة في كل منهما، أكثر من نصفها كانت ذات خلفية طائفية (37 و32 حالة على التوالي).

أما في ريف دمشق، فقد بلغ عدد القتلى 62 شخصاً، بينهم 8 ضحايا قتلوا بدوافع طائفية، وفي دمشق نفسها تم تسجيل 22 حالة وفاة، من بينها 6 حالات طائفية. كما سُجّلت وفيات أخرى في حلب (44 حالة)، إدلب (15 حالة)، درعا (26 حالة)، ودير الزور (5 حالات)، بينما بلغ عدد القتلى في السويداء 3 حالات، من بينها حالتان تم تصنيفهما كجرائم قتل طائفية.

بالتوازي مع هذا التصعيد في العنف الطائفي، يواجه الأفراد الذين يُشتبه في انتمائهم أو تعاونهم مع النظام السابق، خطراً كبيراً في جميع أنحاء البلاد، يتجلّى في عمليات اغتيال واعتداءات متكررة. فقد أفادت منظمة “إيتانا” السورية غير الحكومية، في كانون الثاني/يناير 2025، بوجود “موجة متصاعدة من هجمات الجماعات الأهلية” استهدفت أشخاصاً لهم صلة مفترضة بالحكومة السابقة، سواء عبر انتماءات رسمية، أو مجرد الاشتباه أو الانتماء الطائفي.

وشملت هذه الهجمات مسؤولين سابقين تورّطوا في انتهاكات موثّقة منذ عام 2011، إضافة إلى مجنّدين من ذوي الرتب المنخفضة، وأفراداً من الطائفة العلوية لم يُسجَّل لهم أي نشاط سياسي أو عسكري واضح، ما يعكس الطبيعة العشوائية في بعض هذه الأعمال الانتقامية.

هذا النمط من العنف، الذي يختلط فيه الدافع الطائفي بالحسابات السياسية، يُنذر بتعميق الانقسامات المجتمعية، ويطرح تحديات كبيرة أمام السلطات الانتقالية، خاصة في ظل غياب إطار قانوني واضح للعدالة والمحاسبة، وافتقار البلاد إلى مؤسسات قضائية مستقلة قادرة على معالجة الموروث الثقيل من الانتهاكات.

رغم أن أحداث آذار/مارس 2025 كانت تمثّل ذروة موجة العنف التي شهدتها البلاد منذ سقوط الحكومة السابقة، فإن الهجمات الانتقامية ضد أفراد مرتبطين بالنظام السابق لم تتوقّف، بل تواصلت بوتيرة متفاوتة في مختلف أنحاء سوريا، خصوصاً في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص وريف دمشق. وتنوّعت هذه الاعتداءات بين الاغتيالات الفردية، وعمليات الخطف، والعنف الجماعي، في ظل مناخ عام من غياب المحاسبة وتفكك الهياكل الأمنية والقضائية.

ويُشار إلى أن الانتماء الطائفي لم يكن دائماً عاملاً واقياً من الاستهداف؛ إذ أفادت تقارير موثوقة أن حتى المسلمين السُنة تعرّضوا للاعتداءات في بعض المناطق، إذا ما اشتُبه بعلاقتهم بالحكومة السابقة أو تورّطهم بأي شكل من الأشكال في دعمها. وقد شمل ذلك، على سبيل المثال، أفراداً كانوا يعملون كمخاتير محلّيين، أو ممن ارتبطوا بجماعات الشبيحة المعروفة بولائها لنظام الأسد.

في مدينة حلب، سُجّلت حالات استهداف لمدنيين من الطائفة السُنية بتهمة التعاون مع النظام السابق، أو بمجرد الاشتباه بانتمائهم السياسي أو الأمني إليه. ويعكس هذا المشهد مدى تشابك العوامل الطائفية والسياسية والمحلية في تشكيل دوافع العنف، فضلاً عن الطبيعة الفوضوية وغير المنظّمة للعدالة الانتقالية في البلاد، حيث تتداخل الاعتبارات الثأرية مع محاولات تصفية حسابات محلية، أحياناً بعيدة كل البعد عن الأدلة أو التحقيقات الرسمية.

الجريمة وانعدام القانون وغياب المساءلة

في عدد من المناطق السورية، يظل الوضع الأمني هشاً ومتقلباً نتيجة تصاعد الجريمة المنظمة، واستمرار الاغتيالات، وغياب سلطة القانون. فقد فشلت السلطات الجديدة حتى منتصف عام 2025 في فرض سيطرة فعالة تمنع عمليات القتل خارج نطاق القانون أو تعالج الانفلات الأمني.

مع بداية عام 2025، شهدت مناطق واسعة في شمال البلاد، تمتد من حمص إلى اللاذقية وحلب، تصاعداً في أعمال العنف، حيث وردت تقارير متكرّرة عن حوادث قتل ونشاط مسلح شبه يومي. وفي شهري شباط/فبراير وآذار/مارس، سُجّلت موجة من عمليات القتل والاختطاف بدوافع مختلفة، أبرزها طلب الفدية أو الانتقام. وتحوّلت محافظة حمص، وتحديداً مدينة حمص متعددة الطوائف، إلى بؤرة لهذه الظاهرة، حيث تم توثيق اختطافات طالت نساءً وأطفالاً وكبار سن، وكان عدد كبير من الضحايا من الطائفة العلوية، ووجد كثير منهم لاحقاً مقتولين.

وفي أيار/مايو 2025، حذر المرصد السوري لحقوق الإنسان من تصاعد عمليات الاختطاف والهجمات المسلحة دون استجابة أمنية فعالة من قبل الحكومة الجديدة. ومن آذار/مارس إلى أيار/مايو 2025، وردت تقارير عن مقتل مدنيين على يد مجهولين في عدة محافظات، منها طرطوس، وحماة، وحمص، ودمشق، ودير الزور، والرقة.

وفي تقرير صدر في 17 أيار/مايو 2025، سجّل المرصد زيادة ملحوظة في وتيرة الاغتيالات. وبحسب إحصاءاته حتى 18 أيار/مايو 2025، قُتل 167 مدنياً في 150 جريمة قتل وقعت في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الجديدة منذ بداية العام، معظمها ارتُكب من قبل جهات مجهولة.

وقد توزعت هذه الجرائم والوفيات على النحو التالي:

  • دمشق: 13 جريمة قتل – 14 قتيلاً
  • ريف دمشق: 9 جرائم – 10 قتلى
  • حلب: 14 جريمة – 15 قتيلاً
  • حمص: 6 جرائم – 6 قتلى
  • حماة: 17 جريمة – 20 قتيلاً
  • اللاذقية: 12 جريمة – 13 قتيلاً
  • دير الزور: 18 جريمة – 17 قتيلاً
  • إدلب: 18 جريمة – 20 قتيلاً
  • درعا: 25 جريمة – 28 قتيلاً
  • طرطوس: 3 جرائم – 6 قتلى
  • السويداء: 13 جريمة – 15 قتيلاً
  • القنيطرة: جريمة واحدة – قتيل واحد
  • الرقة: جريمتان – قتيلان

تُظهر هذه الأرقام مدى عمق الانفلات الأمني، وتُشير إلى عجز الأجهزة الأمنية في ظل المرحلة الانتقالية عن بسط الأمن في جميع أنحاء البلاد، مما يُفاقم معاناة المدنيين ويُغذي حالة عدم الاستقرار.

في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، لا سيّما في الرقة ودير الزور والحسكة وأجزاء من حلب، وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان وقوع 55 جريمة قتل في الفترة الممتدة من 1 كانون الثاني/يناير حتى 19 أيار/مايو 2025.

وقد وصف المرصد مراراً الوضع في عموم البلاد بأنه “فراغ أمني” أو “فوضى أمنية”، في ظل انتشار واسع للسلاح، وغياب التشريعات التي تنظم حيازته من قبل المدنيين، إلى جانب ضعف أو انهيار دور الأجهزة الأمنية، خاصة في مناطق مثل حمص، وتصاعد الفوضى في محافظات حماة والسويداء.

وبالإضافة إلى القتل الانتقامي المنظم، سجّل المرصد سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، نتيجة إطلاق نار عشوائي أو إصابات عرضية ناجمة عن الاستخدام غير المنضبط للأسلحة، بما فيها القنابل اليدوية المنتشرة بين الأهالي.

وفي حين تُرتكب بعض جرائم القتل على يد جهات مجهولة الهوية، تُشير تقارير أخرى إلى تورّط جماعات مرتبطة بأجهزة الدولة، خصوصاً في عمليات قتل ذات دوافع طائفية أو سياسية. وفي بعض الحالات، امتنعت السلطات عن التدخل، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الأفعال بتوجيه من مستويات عليا أم نتيجة تصرّف عناصر منفلتة خارج السيطرة المؤسسية.

كما وثّقت التقارير تورّط قوات أمنية، خصوصاً تلك التي تقودها هيئة تحرير الشام (HTS)، في انتهاكات أخرى ضد المدنيين. وشملت هذه الانتهاكات مداهمات واعتقالات وترهيباً منهجياً، نُفّذت من قبل جماعات محسوبة على وزارتي الدفاع والداخلية، دون وجود رقابة فعالة أو مساءلة من جانب السلطات المركزية في دمشق.

تشير هذه المؤشرات إلى أن الأزمة الأمنية في سوريا لم تنتهِ بسقوط الحكومة السابقة، بل تحوّلت إلى حالة مركّبة من الانفلات، وتعدد مصادر التهديد، وتآكل سلطة الدولة في العديد من المناطق.

أفادت مصادر متعددة عن وقوع حالات تعرّض فيها أشخاص اعتقلتهم قوات الأمن الجديدة أو القوات التابعة لها، للتعذيب وسوء المعاملة، بالإضافة إلى حالات قتل خارج نطاق القانون. وقد توفي بعض المعتقلين أثناء احتجازهم لدى هذه الجهات. في المقابل، أُفرج مؤخراً عن عدد من المحتجزين، أغلبهم من أفراد الجيش السابق، بعد أن أظهرت التحقيقات عدم وجود أدلة تثبت تورطهم في انتهاكات سابقة.

كما وردت تقارير تفيد بأن بعض مرتكبي أعمال العنف كانوا يرتدون زيّاً عسكرياً، مما أوحى للمدنيين بأنهم من قوات الأمن الرسمية، وفقاً لمنظمة إيتانا السورية غير الحكومية. ونظراً لذلك، واجه المدنيون صعوبة في التمييز بين أفراد الأمن الشرعيين ومنتحلي الصفة، وهو ما دفع الأمن العام إلى تحذير المدنيين من هؤلاء المنتحلين الذين يقومون باعتقالات غير قانونية وغير مصرح بها.

بعد سقوط حكومة الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأت إسرائيل في شنّ غارات جوية مكثفة داخل سوريا، واستولت على قواعد عسكرية سورية سابقة تقع خارج المنطقة منزوعة السلاح بين البلدين. ومنذ الإطاحة ببشار الأسد، نفذت إسرائيل مئات الغارات الجوية عبر مختلف أنحاء سوريا لتدمير الأصول العسكرية، إلى جانب عمليات توغل متكررة عبر الحدود في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، بهدف إنشاء منطقة أمنية مؤقتة.

وعلاوة على ذلك، طالبت إسرائيل بنزع السلاح بشكل كامل من محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، معارضة وجود القوات السورية في تلك المناطق.

احتلت إسرائيل المنطقة العازلة منزوعة السلاح، التي أُنشئت بعد حرب أكتوبر عام 1973 بين الدول العربية وإسرائيل، وذلك في إطار اتفاقيات فك الاشتباك التي هدفت إلى تقليل التوترات بين الجانبين. وبحلول أوائل نيسان/أبريل 2025، تمكنت إسرائيل من إقامة تسع قواعد عسكرية موزعة عبر هذه المنطقة، منها سبع قواعد تقع فعليًا داخل المنطقة العازلة. هذه القواعد تُمثّل وجودًا عسكريًا إسرائيليًا قويًا في المنطقة، وتُستخدم كمراكز عمليات للمراقبة وتنفيذ الضربات ضد الأهداف السورية.

خلال الفترة التي يغطيها التقرير، استمرت القوات الإسرائيلية في شن ضربات متنوعة بأسلحة متقدمة، تشمل غارات الطائرات بدون طيار، والضربات الجوية المباشرة، والقصف المدفعي، وإطلاق النار من مواقع قريبة. استهدفت هذه العمليات العسكرية عددًا من الأهداف الاستراتيجية داخل الأراضي السورية، منها القواعد العسكرية، وأنظمة الدفاع الجوي، والطائرات النفاثة، والدبابات، بالإضافة إلى صواريخ أرض-جو، ومراكز الأبحاث العلمية المرتبطة بالصناعات العسكرية، ومصانع تصنيع الأسلحة، ومستودعات تخزين الذخيرة، فضلاً عن استهداف قوات الأمن السورية نفسها.

من الأمثلة البارزة على هذه العمليات، كانت غارات إسرائيلية بطائرات بدون طيار في 30 أبريل/نيسان 2025، استهدفت خلالها قوات الأمن الجديدة في منطقة صحنايا بريف دمشق. هذه الغارات جاءت في سياق حماية الطائفة الدرزية بعد اندلاع العنف الطائفي في المنطقة، وأسفرت عن مقتل مقاتل واحد من وزارة الدفاع السورية، وإصابة اثنين على الأقل من المدنيين من الطائفة الدرزية، مما زاد من التوترات المحلية وأثر على الاستقرار الأمني في المنطقة.

وفي 2 مايو/أيار 2025، شنت إسرائيل سلسلة من الغارات الجوية بالقرب من القصر الرئاسي في دمشق، ما مثل تصعيدًا كبيرًا في العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل العاصمة السورية. وشددت إسرائيل في تصريحاتها الرسمية على أنها لن تتسامح مع أي تهديد للأقلية الدرزية، ولا مع وجود أو انتشار القوات السورية في المناطق الجنوبية لدمشق، مؤكدةً على استمرار سياستها في منع أي تحركات قد تشكل تهديدًا لأمنها القومي في هذه المناطق الحدودية.

بالإضافة إلى الغارات الجوية، واصلت القوات الإسرائيلية تنفيذ عمليات توغّل برية داخل المحافظات الجنوبية الغربية من سوريا، وهي مناطق تقع خارج نطاق خط نزع السلاح الذي تم تحديده في اتفاقية عام 1974. وبحسب تقارير بي بي سي نيوز في 4 أبريل/نيسان 2025، نفذت إسرائيل أكثر من 70 عملية توغّل برّي منذ فبراير/شباط 2025 وحتى ذلك التاريخ، تستهدف بشكل رئيسي مواقع تابعة لقوات الأمن السورية أو ميليشيات موالية للحكومة السابقة، وذلك بهدف تثبيت مناطق نفوذها وفرض سيطرتها الأمنية في هذه المناطق الحدودية الحساسة.

تُبرز هذه العمليات العسكرية الإسرائيلية استمرار التوترات الأمنية في الجنوب السوري، وتعكس واقعًا معقدًا ومتصاعدًا من عدم الاستقرار، حيث تلعب إسرائيل دورًا فاعلًا في المشهد الأمني السوري، من خلال توجيه ضربات تهدف إلى منع ترسيخ أي قوة سورية قد تهدد مصالحها، وخصوصًا في المناطق التي تعتبرها حدودًا أمنية استراتيجية هامة. كما أن هذا الوجود العسكري المكثف يضيف بعدًا جديدًا للصراع السوري المستمر، مع تأثيرات مباشرة على المدنيين وأوضاعهم الأمنية والمعيشية في المناطق الجنوبية.

خلال عمليات التوغّل البرية التي نفذتها القوات الإسرائيلية في جنوب غرب سوريا، داهمت هذه القوات عدداً من القواعد العسكرية السابقة، بالإضافة إلى اقتحام قرى ومنازل في المناطق الحدودية بهدف الاستيلاء على مخازن للأسلحة والذخائر. وفي بعض الحالات، وردت تقارير عن اعتقالات طالت أفراداً من السكان المحليين، مما زاد من حالة التوتر والقلق بين السكان المدنيين.

إلى جانب ذلك، وقعت اشتباكات مسلحة بين القوات الإسرائيلية وبعض المجموعات المحلية التي رفضت تقدم القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وواجهت محاولات الاحتلال بمقاومة مسلحة. أسفرت هذه المواجهات في أواخر آذار/مارس 2025 عن نزوح ما لا يقل عن 3000 مدني من المنطقة، خوفاً من التصعيد العسكري وتأثيراته المباشرة على حياتهم وأمنهم. ورغم هذا النزوح الطارئ، عاد معظم السكان إلى منازلهم في اليوم التالي، في محاولة لاستعادة استقرار حياتهم في ظل الظروف الصعبة.

بالإضافة إلى ذلك، أظهرت التقارير أن هذه التوغلات العسكرية الإسرائيلية تسببت في أضرار بيئية ملحوظة، حيث تم تجريف عشرات الدونمات من الأراضي الحراجية، ما أسفر عن تدهور في البيئة الطبيعية للمنطقة وفقدان مساحات مهمة من الغطاء النباتي.

كما خلفت الضربات الجوية والعمليات البرية التي نفذتها إسرائيل في محافظتي القنيطرة ودرعا خسائر بشرية بين السكان، شملت قتلى وجرحى من المدنيين وأفراد القوات المحلية، ما زاد من معاناة السكان المدنيين وأثار موجة من الاستنكار والقلق على مستوى المجتمع الدولي.

هذه التطورات تؤكد استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا، وتزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة، خاصةً في ظل هشاشة الوضع السياسي وانعدام الاستقرار الأمني العام في البلاد.

الاشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش الوطني السوري/تركيا

اندلعت الاشتباكات المسلحة بين قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، التي تقودها قوات كردية، والجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، قبل سقوط نظام الأسد، وسط تصاعد التوترات في شمال وشرق سوريا. في كانون الأول/ديسمبر 2024، أطلق الجيش الوطني السوري عملية عسكرية تحت اسم “فجر الحرية”، تمكن خلالها من السيطرة على مدينة تل رفعت والقرى المجاورة التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

بعد ذلك، شنت قوات الجيش الوطني السوري هجوماً واسع النطاق على منبج، وهي بلدة استراتيجية تقع غرب نهر الفرات ويقدر عدد سكانها بحوالي 300,000 نسمة. عقب مفاوضات معقدة بين الولايات المتحدة وتركيا — الداعمتين لقوات سوريا الديمقراطية والجيش الوطني السوري على التوالي — تم التوصل إلى اتفاق سمح بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من منبج، ما فتح المجال أمام تقدم الجيش الوطني السوري واستيلائه على ضريح سليمان شاه، وهو موقع ذو رمزية كبيرة أثار مخاوف متجددة من تصاعد الصراع في المناطق المحيطة بكوباني.

استمرت المواجهات العنيفة خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث حاولت قوات سوريا الديمقراطية استعادة المناطق التي فقدتها، بما في ذلك الاشتباكات العنيفة التي دارت قرب سد تشرين الاستراتيجي، أحد الموارد المائية الحيوية في المنطقة. في الوقت نفسه، شهدت مناطق أخرى من البلاد تحولات أمنية، حيث تمكنت الحكومة السورية الجديدة وهيئة تحرير الشام من السيطرة على مدينة دير الزور، التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

مع بداية عام 2025، انطلقت محادثات تفاوضية بين الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية والجيش الوطني السوري، سعياً لتحقيق استقرار نسبي في المنطقة. ومع ذلك، استمر الجيش الوطني السوري في شن هجمات عسكرية، شملت ضربات مكثفة على مدينة كوباني، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الأمنية بشكل كبير. كما أدى انهيار وقف إطلاق النار في محيط منبج إلى تجدد الاشتباكات المسلحة بين قوات الجيش الوطني السوري وقوات سوريا الديمقراطية، حيث استخدمت قوات الجيش الوطني أسلحة ثقيلة وتحظى بدعم جوي من تركيا، ما تسبب في مقتل المئات من المقاتلين والمدنيين على حد سواء، وذلك بحسب ما وثقه المرصد السوري لحقوق الإنسان بحلول منتصف كانون الثاني/يناير 2025.

علاوة على ذلك، استهدفت العمليات العسكرية التركية مواقع وبنية تحتية هامة تابعة لقوات سوريا الديمقراطية في محافظات الحسكة والرقة، ما ساهم في تأجيج الصراع وتفاقم الأوضاع الإنسانية في المنطقة، ولا تزال تلك الاشتباكات تؤثر بشكل مباشر على المدنيين الذين يعيشون في مناطق الصراع.

استمر القتال بين قوات سوريا الديمقراطية (SDF) والجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا حتى شباط/فبراير 2025، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية بشكل حاد، مع نزوح أكثر من 100,000 مدني نحو المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية طلباً للأمان. وبحلول منتصف شباط، وردت تقارير تفيد بمقتل أكثر من 600 شخص نتيجة الاشتباكات المستمرة بين الطرفين منذ كانون الأول/ديسمبر 2024.

في 27 شباط/فبراير 2025، أصدر عبد الله أوجلان، مؤسس وزعيم حزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي تنتمي إليه قوات سوريا الديمقراطية تاريخياً، بياناً من سجنه دعا فيه حزب العمال الكردستاني إلى حل نفسه وإلقاء سلاحه في مواجهته مع الدولة التركية. ورداً على ذلك، صرح مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، بأن دعوة أوجلان لا تشمل القوات التي يقودها، مما يعكس الانقسام الحاصل في المواقف بين الأكراد داخل وخارج سوريا.

ينصّ الاتفاق الذي أبرم بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية على دمج الهياكل العسكرية والمدنية لقوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة. ومع ذلك، لا تزال تفاصيل تطبيق هذا الاتفاق على الأرض غير واضحة، خاصة فيما يتعلق بالكيفية التي ستتولى بها الدولة السيطرة على مؤسسات شمال شرق سوريا، بما في ذلك الحدود والمطارات وحقول النفط. كما يُقال أن الدولة ستسيطر على المعسكرات والسجون التي تحتجز مقاتلي تنظيم داعش وأتباعهم، رغم أن هذه النقطة لا تزال غير مؤكدة.

في آذار/مارس 2025، شهدت مناطق شمال شرق سوريا تصاعداً في الاشتباكات العنيفة، تزامناً مع تزايد الغارات الجوية التركية التي استهدفت مواقع قوات سوريا الديمقراطية في مناطق شرق حلب والرقة. أدت هذه الهجمات إلى خسائر بشرية كبيرة، لكنها لم تُحدث تغييرات كبيرة في خطوط المواجهة، لا سيما حول سد تشرين وجسر قره قزق، اللذين حافظا على وضعهما الاستراتيجي.

في نيسان/أبريل 2025، دخلت قوات الأمن السورية منطقة سد تشرين بموجب اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، في محاولة لتحقيق استقرار المنطقة بعد الاشتباكات المتكررة بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش الوطني السوري، والتي تم التوصل إليها عبر اتفاق تركي أمريكي. في أوائل أيار/مايو 2025، أعلنت الإدارة الذاتية التي يهيمن عليها الأكراد في شمال وشرق سوريا عن انتهاء عملية تأمين السد، رغم أن الموقع العسكري للجيش السوري القريب من السد تعرّض في 19 مايو لهجوم، اتُهمت قوات سوريا الديمقراطية بالوقوف وراءه، لكن لم يُعلن رسمياً عن مسؤوليتها.

في مؤتمر نصر الثورة السورية، الذي عُقد في 29 كانون الثاني/يناير 2025، أعلنت غالبية فصائل المعارضة المسلحة، بما في ذلك الجيش الوطني السوري، حلّها واندماجها رسمياً في وزارة الدفاع السورية المنشأة حديثاً. رغم الموافقة الرسمية لقيادات الجيش الوطني السوري على الاندماج في الجيش السوري الجديد، فإن العديد من قادة الفصائل الأصغر عارضوا فكرة نزع السلاح، مفضلين الحفاظ على استقلالية تشكيلاتهم.

وفي مايو/أيار 2025، اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش فصائل الجيش الوطني السوري بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، رغم سقوط حكومة الأسد. وتستمر العديد من هذه الفصائل في الحفاظ على علاقات وثيقة مع تركيا، التي تدعمها بشكل مباشر أو غير مباشر.

دخلت قوات الأمن السورية منطقة سد تشرين بموجب اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، بهدف تحقيق الاستقرار في المنطقة عقب اشتباكات سابقة بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش الوطني السوري، وذلك في إطار اتفاق تركي-أمريكي تم التوصل إليه. في أوائل أيار/مايو 2025، أعلنت الإدارة الذاتية التي يهيمن عليها الأكراد…

اشتباكات بين القوات الحكومية وقوات الدرز في الجنوب

بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، شهدت محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية انقسامات سياسية حادة، مع تصاعد تعبئة المجتمع الدرزي لتأكيد استقلاليته وحماية مصالحه. هذا التصعيد أدّى إلى مواجهات عنيفة بين الميليشيات الدرزية وقوات الأمن السورية.

في فبراير/شباط 2025، تأسس المجلس العسكري للسويداء، وهو تحالف فصائلي درزي يهدف إلى حماية المنطقة من التهديدات الخارجية وضمان الأمن الداخلي، كرد فعل على الفراغ الأمني والسياسي الناتج عن انسحاب الجيش العربي السوري وعجز الحكومة المؤقتة عن فرض سيطرتها. وأكد المجلس على مبادئ العلمانية والديمقراطية واللامركزية، مع السعي إلى الاندماج في جيش سوري موحد مع الحفاظ على درجة من الاستقلالية.

تفاقمت التوترات في أبريل/نيسان 2025 بعد اشتباكات بين القوات الحكومية والمقاتلين الدروز في جرمانا والمناطق المجاورة، أسفرت عن مقتل نحو 100 شخص. وردّت إسرائيل على ذلك بشن غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية سورية ووحدات مضادة للطائرات، معلنةً أن هدفها حماية المجتمعات الدرزية ومنع دخول القوات المعادية إلى القرى الدرزية.

في مايو/أيار 2025، توصّل ممثلو الدروز في منطقة جرمانا بضواحي دمشق إلى اتفاق مع المسؤولين الحكوميين السوريين يقضي بتسليم الأسلحة الثقيلة التي بحوزة الدروز إلى الحكومة، ودعم وجود قوات الأمن السورية في المنطقة. كما أعلن محافظ السويداء عن اتفاقٍ منفصل يسمح بدخول قوات الأمن السورية الرسمية إلى المحافظة، وهو الوجود الأول لقوات الحكومة السورية في السويداء منذ سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع إلى السلطة.

ورغم توقيع هذه الاتفاقيات، اندلعت اشتباكات بين القوات المحلية الموالية للحكومة المركزية وجماعة مسلحة أخرى في السويداء. وفي ذات الشهر، أُعلن عن بدء عمل قوة شرطة محلية تتألف من سكان السويداء لتعزيز الأمن. ومع ذلك، استمرت التوترات في المنطقة، حيث تعرض المحافظ مصطفى البكور في مايو لهجوم مسلح تحت تهديد السلاح، طالَب فيه المعتدون بالإفراج عن سجين مُدان، وتم إطلاق سراحه لاحقاً. وبعد أيام قليلة من الحادث، قدم المحافظ استقالته.

اشتباكات بين قوات الأمن والميليشيات اللبنانية في المناطق الحدودية

في فبراير/شباط 2025، اندلعت اشتباكات عنيفة بين القوات المسلحة التابعة للحكومة السورية المؤقتة والميليشيات اللبنانية على الحدود المشتركة بين سوريا ولبنان، تركزت بشكل خاص في منطقة قريبة من مدينة القصير، على بُعد نحو 30 كيلومتراً جنوب غرب حمص.

وفي مارس/آذار من نفس العام، اتهمت الحكومة السورية المؤقتة ميليشيا حزب الله اللبنانية بدخول الأراضي السورية، وتنفيذ كمين أدى إلى اختطاف ثلاثة جنود سوريين ونقلهم إلى لبنان حيث أُعدموا. ورغم نفي حزب الله لهذه الاتهامات، ردت القوات السورية بقصف مواقع داخل الأراضي اللبنانية، مما تسبب بسقوط عشرات القتلى والجرحى. وبعد يومين من الاشتباكات، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية وزيري الدفاع في البلدين.

في أبريل/نيسان 2025، تجددت الاشتباكات على طول الحدود بين سوريا ولبنان، مع وقوع مناوشات بين مقاتلين مجهولين من الطرفين. ووجهت السلطات السورية أصابع الاتهام لحزب الله باعتباره المسؤول الرئيسي عن إشعال فتيل الصراع المتجدد.

مع نهاية مايو/أيار، شهدت العلاقات بين البلدين تحركات دبلوماسية مكثفة، حيث عقدت اجتماعات رفيعة المستوى بهدف تعزيز التعاون بين سوريا ولبنان، خصوصاً لتنسيق الجهود في مواجهة عمليات التهريب على طول الحدود المشتركة، سعياً لتحقيق استقرار أمني أكبر في المنطقة.

هجمات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)

تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لا يزال يشكل تهديدًا أمنيًا مستمرًا في سوريا، رغم التغيرات السياسية والعسكرية الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال عام 2024 وبداية 2025. في عام 2024، عاد التنظيم بقوة، حيث كان ينفذ بمعدل 59 هجومًا شهريًا على مختلف المناطق السورية، مبرزًا نشاطه من خلال عمليات هجومية واسعة ومتكررة.

لكن بعد سقوط حكومة بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، شهد عدد الهجمات التي يشنها التنظيم انخفاضًا ملحوظًا، حيث انخفض المعدل الشهري للهجمات إلى حوالي 12 هجومًا فقط، في مؤشر على تراجع قدرته النارية واللوجستية إلى حد ما، رغم استمرار وجوده في عدة مناطق.

في يناير/كانون الثاني 2025، كشفت السلطات السورية عن إحباط محاولة نفذها مقاتلو داعش لتفجير مقام شيعي مقدس في إحدى ضواحي دمشق، مما أبرز استمرار التنظيم في محاولات تنفيذ هجمات رمزية واستهداف مواقع حساسة.

وفي أبريل/نيسان 2025، نفذ داعش هجومًا عنيفًا في دير الزور، شرق سوريا، قتل خلاله خمسة مقاتلين أكراد من قوات سوريا الديمقراطية، وهو من أشد الهجمات الأخيرة التي زادت المخاوف بشأن عودة التنظيم، حيث أكد فرهاد شامي، المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية، وقوع القتلى وأهمية التصدي لهذا التهديد.

أما في مايو/أيار 2025، فقد نفذ داعش أول هجوم مباشر ضد قوات الحكومة السورية الجديدة، مستهدفًا قوات الأمن بعبوات ناسفة بدائية الصنع في السويداء، يومي 22 و28 من الشهر، ما يدل على قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات هجومية جديدة رغم الضغوط المتزايدة عليه.

بحسب الصحفي السوري الذي تمّت مقابلته لتقرير الوضع الأمني، لا تزال محافظة دير الزور تمثل بؤرة نشاط لتنظيم داعش، حيث شنّ التنظيم 11 هجومًا في الفترة بين 1 و21 مايو/أيار 2025، استهدفت أهدافًا عسكرية ومدنية. بالمقابل، لوحظ انخفاض نشاط التنظيم في صحراء البادية الممتدة من دير الزور إلى السويداء، ويُعتقد أن ذلك يعود إلى وجود قاعدة التنف التابعة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، والتي تدعم القوات المحلية في تلك المنطقة.

إضافة إلى العمليات العسكرية، يمارس التنظيم أساليب ابتزاز على المدنيين، خاصة من خلال طلب “الصدقات”، مستغلاً ضعف الأمن وانعدام الحماية في المناطق المتأثرة.

وعلى الرغم من استمرار الهجمات، شهد عدد القتلى نتيجة هجمات داعش انخفاضًا كبيرًا بعد سقوط حكومة الأسد.

تُقدّر حاليًا أعداد مقاتلي داعش في شمال شرق سوريا، الذي يسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية، بين 9,000 و10,000 مقاتل، مع وجود حوالي 40,000 من أفراد عائلاتهم محتجزين في مراكز الاعتقال المختلفة، مما يشير إلى استمرار التحديات الأمنية والإنسانية في هذه المناطق.

مخاطر المتفجّرات

بعد أكثر من 14 عاماً من الصراع المستمر، تواجه سوريا أزمة بيئية وإنسانية حادة ناجمة عن التلوث الشديد بالذخائر المتفجرة من ألغام وقذائف وقنابل غير منفجرة ومخلفات حرب أخرى. يُقدَّر أن أكثر من مليون ذخيرة متفجرة تم استخدامها في البلاد منذ اندلاع النزاع في 2011، ويرى خبراء مكافحة الألغام أن نسبة تتراوح بين 10% إلى 30% من هذه الذخائر لا تنفجر عند استخدامها، ما يجعلها تهديدًا دائمًا وخطيرًا للأرواح.

تلوث الأرض بهذه المخلفات يجعل من المناطق المستهدفة، خصوصًا المناطق التي تعود إليها النازحون والمهجرون، مناطق مميتة تهدد حياة المدنيين بشكل يومي. تظل الذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة والألغام الأرضية عوامل رئيسية لحوادث القتل والإصابة، وغالبًا ما تكون الأهداف من المدنيين العاديين الذين لا يملكون المعرفة أو الوسائل الكافية لتفادي هذه المخاطر. وتشير التقارير إلى أن الأطفال السوريين يشكلون حوالي ثلث ضحايا هذه الحوادث، وهو أمر يفاقم المأساة الإنسانية في البلاد.

مع عودة أعداد متزايدة من النازحين إلى قراهم ومدنهم، بعضها مهجور منذ سنوات بسبب الحرب، تتصاعد نسبة الإصابات الناجمة عن الذخائر المتفجرة. فمنذ ديسمبر/كانون الأول 2024 وحده، تم تسجيل أكثر من 600 حالة قتل أو إصابة بسبب هذه المخلفات الخطيرة في جميع أنحاء سوريا.

تتواجد الذخائر غير المنفجرة في مختلف الأماكن الحيوية، بما في ذلك الأراضي الزراعية التي يعتمد عليها السكان المحليون في معيشتهم، والطرق وشبكات الري، وكذلك البنية التحتية الحيوية للمياه والكهرباء، بالإضافة إلى المستشفيات والمدارس ومجاري الأنهار والجسور، فضلاً عن العقارات التجارية والمناطق السكنية. وتُظهر الحوادث الأخيرة أن معظمها وقع في المناطق الزراعية، حيث كان الناس يعملون في زراعة أراضيهم، مما يسلط الضوء على هشاشة الأمن والسلامة في تلك المناطق وضرورة تكثيف جهود إزالة الألغام والتوعية المجتمعية.

هذا الوضع يفرض تحديات جسيمة على جهود إعادة الإعمار والتنمية في سوريا، ويستلزم دعمًا دوليًا أكبر لعمليات إزالة الألغام، والتدريب على السلامة، ومساندة المجتمعات المحلية للحد من الخسائر البشرية وتأمين عودة آمنة للنازحين إلى مناطقهم.

تشكل مخلفات الحرب المتفجرة تهديدًا خاصًا وحساسًا في العديد من المناطق السورية التي شهدت مواجهات عنيفة، وخاصة تلك التي ظل وصول خبراء إزالة الألغام إليها محدودًا أو شبه معدوم. من بين هذه المناطق: منبج، تل أبيض، رأس العين، كوباني، دير الزور، ريف دمشق، السويداء، درعا، حماة، ريف حلب، وريف إدلب. يعاني العائدون إلى هذه المناطق، التي كانت مسرحًا للصراعات المسلحة السابقة، من مستويات مرتفعة وخطيرة من التلوث بالذخائر المتفجرة، مما يعرّض حياتهم اليومية للخطر ويحد من إمكانية استقرارهم وعودتهم الآمنة.

ولا يقتصر التلوث على الأراضي الزراعية والمناطق السكنية فحسب، بل تشمل مخلفات الحرب أيضًا القواعد العسكرية المهجورة والمناطق التي كانت تستخدمها القوات المسلحة سابقًا. فقد أبلغت منظمة هيومن رايتس ووتش عن حالات مأساوية لأطفال تعرضوا لإصابات جراء مخلفات غير منفجرة في قواعد عسكرية مهجورة في محافظة درعا. وأكدت التقارير أن العديد من هذه القواعد غير مغلقة بشكل آمن، ما يتيح للأطفال وأفراد المجتمع المحلي الدخول إلى هذه المواقع للعب أو التنقل، معرضين أنفسهم لمخاطر جسيمة من انفجار ذخائر غير منفجرة.

بالإضافة إلى الخطر المباشر على الأرواح، تؤدي الذخائر غير المنفجرة إلى تعطيل سبل العيش المحلية بشكل كبير. حيث أفاد المزارعون بأن التلوث بالذخائر المتفجرة يجعل من الصعب أو حتى المستحيل عليهم زراعة أراضيهم أو رعي حيواناتهم في المناطق الملوثة. هذا الأمر يُفاقم من الأزمة الإنسانية، إذ يؤثر على الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي للمجتمعات المحلية التي تعتمد على الزراعة والرعي كمصدر رئيسي للرزق.

وبالتالي، فإن مشكلة المخلفات الحربية المتفجرة ليست مجرد خطر أمني وصحي، بل هي عائق جوهري أمام إعادة الإعمار والتنمية المستدامة في سوريا. تتطلب معالجة هذه الأزمة جهودًا مكثفة من إزالة الألغام، وتأمين المناطق الملوثة، بالإضافة إلى دعم المجتمعات المحلية من خلال برامج توعية، وتعويضات، ودعم للزراعة وسبل العيش البديلة.

مركز أسبار

رابط البحث

https://us.dk/media/uhxnvfwp/syria-security-situation-final-20062025.pdf