يُسلط جيروم دريفون، الخبير في مجموعة الأزمات الدولية، الضوء على خلفيات وأبعاد الهجوم الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار الياس للروم الأرثوذكس في دمشق، وما يحمله هذا الحدث من تداعيات أمنية وسياسية عميقة على سوريا في ظل النظام الجديد الذي نشأ بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد في ديسمبر 2024.
في الأحد الماضي، شهدت العاصمة السورية حادثاً دمويًا استهدف مصلين داخل الكنيسة، وأسفر عن مقتل 25 شخصاً وإصابة 63 آخرين، وهو هجوم وصفته وزارة الداخلية السورية بأنه من تنفيذ تنظيم داعش، إلا أن مفاجأة جاءت في اليوم التالي عندما أعلنت جماعة غامضة تُعرف باسم “سرايا أنصار السنة” (SAS) مسؤوليتها عن التفجير. هذه الجماعة لم تكن معروفة سابقاً على نطاق واسع، لكنها بدأت تبرز منذ فبراير/شباط 2025 عبر سلسلة هجمات متكررة تستهدف الأقليات الدينية، خاصة في مناطق متفرقة من سوريا.
تُشير الأبحاث، لا سيما من قبل الباحث السوري أيمن التميمي، إلى أن جماعة سرايا أنصار السنة هي في الأصل نتاج انشقاق داخل “هيئة تحرير الشام” (HTS)، التي كانت الفاعل الأساسي في الإطاحة بنظام الأسد، والتي تمثل حالياً النواة الأساسية للحكومة الانتقالية السورية الجديدة. ويعود سبب الانشقاق إلى خلافات أيديولوجية عميقة، حيث انتقدت سرايا أنصار السنة قيادة هيئة تحرير الشام على تهاونها مع القوى الغربية، وفشلها في تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل صارم، مما دفع هذه الجماعة لتجنيد مقاتلين من بين العناصر الأكثر تشدداً وإيماناً بالجهاد داخل الهيئة وخارجها.
رغم التقارب الفكري بين سرايا أنصار السنة وتنظيم داعش، فإن الجماعة تؤكد استقلالها التنظيمي، رغم أن هناك تكهنات بأن هذه المجموعة قد تكون واجهة أو غطاء لتواجد خلايا داعش داخل سوريا. هذا التداخل بين الجماعات المتطرفة يعقد المشهد الأمني بشكل كبير، خاصة مع إعلان السلطات السورية عن اعتقال خلية يقودها أحد قادة داعش المرتبطين بهجوم كنيسة مار الياس.
تبرير سرايا أنصار السنة للهجوم يعود إلى قرار الحكومة الانتقالية في مارس/آذار 2025 بحظر التبشير المسيحي، وهو القرار الذي أُعتبر ضربة مباشرة للمسيحيين في المنطقة التي وقع فيها التفجير. كما ينتقدون ما يعتبرونه تقصيراً حكومياً في فرض الشريعة الإسلامية وتطبيق نظام إسلامي صارم، مما يعكس عمق الصراعات الأيديولوجية التي تشق النظام الجديد.
تجد الحكومة نفسها في موقف شديد التعقيد، حيث إن اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجماعات المتطرفة قد يثير تعاطف بعض الفئات الشعبية معها ويزيد من قوّتها، بينما عدم اتخاذ موقف واضح قد يفسح المجال لتوسع نشاطها، ما يجعلها تهديداً حقيقياً للأمن والاستقرار في سوريا. كما أن هذه الجماعات المتطرفة تُشوه الصورة التي تحاول دمشق تقديمها كدولة معتدلة تسعى لاستعادة شرعيتها على الساحة الدولية.
ويُشير النقاد إلى أن “هيئة تحرير الشام” كانت السبب في خلق هذه الأزمة، بعد أن سمحت للمتطرفين بالاندماج في جهاز الأمن الجديد، ما أدى إلى تغول الخطاب الطائفي والعنف ضد الأقليات، وهو ما تجلى في مجازر العلويين في مارس/آذار 2025 والاشتباكات في المناطق الدرزية في دمشق وريفها في أبريل/نيسان. ويتخوف هؤلاء من أن عدم المحاسبة واستمرار الإفلات من العقاب قد يُعطي المتطرفين فرصة لترسيخ وجودهم، وربما منافسة هيئة تحرير الشام نفسها على الزعامة الأيديولوجية والسيطرة على المشهد السوري.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن النظام السوري الجديد أمام تحديات معقدة على صعيد مكافحة الإرهاب والتطرف، مع الحاجة الماسة لوضع استراتيجية أمنية متماسكة تتعامل مع جذور التطرف ولا تكتفي فقط بالتصدي للآثار الأمنية للعنف، فضلاً عن ضرورة العمل على إعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السوري لضمان استقرار طويل الأمد.
جيروم دريفون
محلل أول، الجهاد والصراع المعاصر
مركز أسبار
رابط البحث

