ذات صلة

رسالة من دمشق هجوم الكنيسة يُظهر هشاشة المرحلة الانتقالية

دمشق في صباح الثاني والعشرين من يونيو/حزيران، وبينما كنتُ في طريقي من دمشق إلى بيروت، بدأ هاتفي يتلقّى رسائل متلاحقة: إشعارات، عناوين إخبارية عاجلة، واتصالات من أصدقاء مضطربين. سرعان ما تبيّن أن قنبلة قد انفجرت داخل كنيسة مار إلياس في قلب العاصمة دمشق، أثناء قدّاس الأحد. الحصيلة كانت صادمة: 25 قتيلاً وعشرات الجرحى، معظمهم من المدنيين.

لكن ما بدا في البداية وكأنه مجرّد هجوم إرهابي جديد ضمن سلسلة طويلة من أعمال العنف في سوريا، سرعان ما تبيّن أنه أكثر من ذلك بكثير. لم يكن استهداف كنيسة خلال قدّاس فعلاً عشوائياً أو اختياراً عابراً، بل رسالة واضحة ومدروسة. كان الهدف رمزياً بامتياز: موقع ديني مسيحي يرتاده أبناء أقلية دينية، في توقيت مقدّس، وفي منطقة تُعدّ من أكثر الأحياء استقراراً نسبيّاً وسط دمشق.

هذا النوع من الاستهداف يشي بنيّة استراتيجية: تأجيج الانقسامات الطائفية، تقويض الشعور بالأمان في ما تبقّى من النسيج السوري المتعدّد، وطرح علامات استفهام حول قدرة الحكومة الانتقالية الجديدة على فرض سيطرتها وضمان الحماية لجميع المواطنين. فالهجوم لا يصيب المسيحيين وحدهم، بل يطال فكرة التعايش التي لطالما ميّزت الحياة في المدن السورية الكبرى.

تأتي هذه الجريمة في سياق سلسلة من الهجمات التي استهدفت خلال الأشهر الماضية تجمعات للعلويين، ثم الدروز، والآن المسيحيين، ما يعكس توجهاً متعمداً لاستهداف مكوّنات محددة في المجتمع السوري. هذا التصعيد الممنهج يُنذر بانفلات أمني، ويثير مخاوف عميقة من انزلاق البلاد نحو مزيد من العنف الطائفي، في وقت تبدو فيه الدولة في أضعف حالاتها منذ اندلاع الثورة قبل أكثر من عقد.

الهجوم يُسلّط الضوء أيضاً على هشاشة المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا بعد رحيل نظام بشار الأسد، خاصة في ظل وجود حكومة انتقالية يرأسها أحمد الشرع، وهو شخصية مثيرة للجدل، نظراً لخلفيته كعضو سابق في جماعة هيئة تحرير الشام، إحدى أبرز الفصائل المعارضة المسلحة. وبينما يَعد الشرع بإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية وشاملة، إلا أن الواقع الأمني يشير إلى فجوات خطيرة في قدرته على السيطرة، وفي مدى قبول حكومته من قبل جميع مكوّنات المجتمع.

بالنسبة للولايات المتحدة والدول الداعمة للعملية السياسية في سوريا، يشكّل هذا الهجوم جرس إنذار. فهو لا يكشف فقط عن مدى تعقيد المشهد السوري بعد الأسد، بل يُبرز التحدي الأساسي: كيف يمكن إرساء الاستقرار في بلد لا تزال فيه النزاعات الأهلية، والثارات القديمة، والتدخلات الإقليمية، تتصارع على الأرض نفسها؟ وهل يمكن فعلاً بناء نظام جديد يضمن الأمن والعدالة لجميع السوريين، أم أن البلاد تتّجه نحو نموذج أكثر هشاشة، تُهيمن فيه الميليشيات، وتضعف فيه مؤسسات الدولة؟

في خضم هذا الواقع الملبّد، تبقى الرسالة الأهم التي يوجّهها هذا التفجير: لا مجتمع بمنأى عن الخطر، ولا عاصمة عصيّة على الفوضى. ووسط غياب الثقة، وانعدام اليقين، تصبح كل طائفة، وكل حيّ، وكل كنيسة، هدفاً محتملاً في صراع لم يُكتب له أن ينتهي بعد.

الهجوم وأثره المباشر

يمثّل تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق أول هجوم إرهابي كبير من نوعه يُسفر عن خسائر بشرية فادحة في العاصمة منذ سقوط نظام بشار الأسد، في ما يُعدّ تطورًا نوعيًا مقلقًا في المشهد الأمني السوري. وقد سارعت وزارة الداخلية السورية إلى نسبة الهجوم إلى خلايا نائمة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، مؤكدة أن وحدات الأمن ألقت القبض على مهاجم ثانٍ كان يستعد لاستهداف مزار شيعي في منطقة السيدة زينب، وأحبطت كذلك محاولة ثالثة لضرب منطقة مدنية مزدحمة. وإن صحّت هذه الرواية، فإن هجوم الكنيسة لم يكن حادثًا معزولًا، بل جزءًا من مخطط متسلسل يستهدف الأقليات الدينية والمدنيين بشكل مباشر.

مع ذلك، لم تمر الرواية الرسمية دون تشكيك. فعدد من المراقبين السياسيين والخبراء في الشأن السوري أبدوا تحفظًا على سرعة توجيه الاتهام إلى تنظيم الدولة، مشيرين إلى احتمال وجود تسهيلات داخلية مكّنت العملية، أو إلى أن التسرّع في تحميل المسؤولية قد يُخفي عجزًا أعمق في البنية الأمنية. هذا التسرّب في الخطاب الأمني يكشف عن مشكلة جوهرية: من يتحكم فعليًا بمفاصل الأمن في دمشق؟ وهل الأجهزة الحالية، التي تمّت إعادة هيكلتها على عجل بعد سقوط النظام السابق، قادرة على فرض سيادة الدولة ومنع تكرار مثل هذه الخروقات؟

اللافت في تفجير مار إلياس أنه يتجاوز أنماط الاستهداف التقليدية. فبينما كانت الهجمات السابقة تُغلّف غالبًا باتهامات سياسية أو بذرائع تتعلق بولاءات متنازعة، فإن تفجير الكنيسة لم يُقدَّم له أي مبرّر أو استفزاز مُعلن. وهو ما يجعله هجومًا رمزيًا خالصًا، مصمّمًا لإرسال رسالة أوسع: أن الأقليات الدينية في سوريا، مهما كانت مواقفها السياسية أو صلاتها بالنظام السابق، تبقى هدفًا مشروعًا في نظر من نفّذوا العملية.

تصريحات وزارة الداخلية بأن منفّذ التفجير “غير سوري” أثارت مزيدًا من الغموض، خاصة في ظل غياب أي تفاصيل إضافية حول هويته أو خلفيته أو كيفية دخوله إلى البلاد. ويرى محللون أن هذا الصمت المتعمّد ربما يهدف إلى التغطية على ثغرات داخلية، أو إلى تجنّب فتح ملفات حسّاسة تتعلق بالاختراقات المحتملة ضمن الأجهزة الأمنية المنقسمة الولاءات.

في هذا السياق، تبرز تساؤلات خطيرة حول كيفية تنفيذ هجوم بهذا الحجم داخل منطقة يُفترض أنها تخضع لتدابير أمنية مشددة، لا سيما وأن الكنيسة تقع في حي يخضع لرقابة مستمرة. هل تمكّن المنفّذون من تجاوز نقاط التفتيش عبر دعم داخلي؟ أم أن بعض العناصر الأمنية سُمح لها، عن قصد أو نتيجة فوضى تنظيمية، بتجاهل مؤشرات الخطر؟ هذه السيناريوهات لا تزال غير مؤكدة، لكنها تُعبّر عن قلق متنامٍ داخل الحكومة الانتقالية التي تخوض معركة بقاء مزدوجة: استعادة الأمن، وإثبات الشرعية.

في المجمل، تعكس هذه الحادثة ما يمكن وصفه بانكشاف أمني خطير في مرحلة انتقالية هشّة بطبيعتها. حتى في أفضل الظروف، تُشكّل الهجمات الإرهابية تحدّياً للدول المستقرّة ذات الأجهزة المتطورة، فكيف بدولة لا تزال تتعافى من حرب أهلية، وتكافح لإعادة بناء مؤسساتها وسط انقسام سياسي ومجتمعي عميق؟

الرسالة التي خلّفها تفجير الكنيسة تتجاوز حدود الضحايا والموقع، لتطرح سؤالًا مريرًا: إذا لم تعد العاصمة في مأمن، فأين يمكن للسوريين أن يشعروا بالأمان؟ وما الثمن الذي قد يُدفع مقابل تجاهل هذا الخطر المتصاعد؟

المشاعر العامة ومخاوف الأقليات

في أعقاب تفجير كنيسة مار إلياس مباشرة، عمّت البلاد موجة من الحزن والتضامن، عبّر عنها السوريون من مختلف الانتماءات. مشاهد العزاء، ورسائل المواساة، والصمت الثقيل الذي خيّم على الأحياء القريبة من موقع الهجوم، كلّها عبّرت عن فجيعة جماعية. غير أن هذا التضامن، رغم صدقه، لم يُخفِ شعورًا متزايدًا بالخوف، لا سيما لدى الطوائف الدينية التي بدأت تشعر أنها مستهدفة في صميم وجودها.

المجتمعات المسيحية في سوريا، والتي تضاءلت أعدادها بشكل ملحوظ على مدى السنوات الماضية بسبب الحرب، والتهجير، والهجرة الجماعية إلى الخارج، تعيش اليوم حالة قلق متجدّدة بشأن مستقبلها في البلاد. لكن المسيحيين ليسوا وحدهم في هذه المخاوف. فقد أثار الهجوم الأخير في دمشق توتراً عميقاً بين الأقليات الدينية الأخرى التي كانت قد تعرّضت، خلال الشهور الأخيرة، لهجمات عنيفة في مناطق متفرّقة من البلاد.

ففي القرى العلوية الواقعة على طول الساحل السوري، شهدت بعض التجمعات السكانية موجة من الهجمات شنّها مسلحون ومجموعات خارجة عن السيطرة. وجاء هذا العنف، وفق مصادر محلية، كرد فعل انتقامي على عملية عسكرية سابقة نفذتها عناصر من النظام السابق ضد قوات الأمن الجديدة، ما أدى إلى دوّامة من العنف الطائفي وعمليات قتل متبادلة. في الجنوب، داهمت جماعات إسلامية متشددة بلدات درزية، متهمة سكانها بالتجديف وارتكاب “انتهاكات دينية”، وهي تهم لا تنفصل عن خطاب تكفيري طالما مهّد لممارسات عنف ممنهجة.

الآن، بعد استهداف المسيحيين، يبدو أن الخطر لم يعد طائفياً بحتاً، بل تحوّل إلى مشروع متكامل لزعزعة المجتمع السوري المتعدّد، وتهديم ما تبقى من روابطه المشتركة. المؤشّرات المتراكمة تدفع إلى الاعتقاد بأن هذه الاعتداءات لا تحدث بمعزل عن بعضها، بل هي جزء من نمط مدروس يرمي إلى تقويض النسيج الاجتماعي السوري وتمزيق قنوات التعايش التاريخي بين مكوناته.

ولم تعد الهويات الدينية وحدها في مرمى الاستهداف. فالسُنّة في المدن، رغم أنهم يمثلون الأكثرية، بدأوا يشعرون بالخطر نتيجة التهديدات التي تطالهم من أطراف متطرّفة ترى في العلمانية، أو في أي شكل من أشكال الاعتدال، خيانة لعقيدتها. في المراكز الحضرية المختلطة مثل دمشق وحلب، يشعر السوريون العلمانيون والليبراليون بأنهم عُرضة للاستهداف بالقدر نفسه. الجماعات المتطرّفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) لا تميّز بين “كافر”، و”مرتد”، و”منحرف عن الطريق”، فهم جميعًا أهداف في منطق العنف المطلق.

هذا الواقع المتشظي يشي بأن الأزمة الحالية ليست مجرد تهديد للأقليات، بل أزمة تمسّ هوية سوريا ككل. إن التعددية الثقافية والدينية التي كانت، رغم كل التحديات، جزءاً من النسيج الوطني، مهدّدة اليوم أكثر من أي وقت مضى. السوق، الكنيسة، المسجد، المدرسة، وحتى الحي السكني المتعدّد الطوائف، باتت جميعها أهدافًا محتملة. ومع كل هجوم، يتراجع الأمل في إمكانية استعادة مجتمع متماسك قادر على تجاوز الحرب والانقسام.

الهجوم على مار إلياس لم يكن مجرد عمل إرهابي، بل تحذير بالغ القسوة: أن سوريا الجديدة، التي يُفترض أن تكون دولة لكل مواطنيها، تواجه خطر التحول إلى جغرافيا ممزقة تحكمها الولاءات الضيّقة والانقسامات المذهبية. التحدي الأكبر أمام الحكومة الانتقالية – وأمام المجتمع الدولي الداعم لها – لم يعد فقط محاربة الإرهاب، بل حماية ما تبقى من فسيفساء المجتمع السوري قبل أن تنفلت خيوطه تماماً.

ثغرات القطاع الأمني ​​ورد فعل الحكومة

يُعيد تفجير كنيسة مار إلياس في قلب العاصمة تسليط الضوء على الفوضى المستمرة التي تضرب البنية الأمنية السورية، بعد سنوات من التفكك والانهيار. صحيح أن جهاز الأسد الأمني قد سقط، وهو الجهاز الذي عُرف لعقود بارتكاب انتهاكات ممنهجة من تعذيب وقمع وترويع، غير أن سقوطه لم يُقابل بولادة بديل فعّال أو موحّد. ما نشأ بدلاً من ذلك كان مشهداً أمنياً مجزّأً، تتنازع فيه السلطة كيانات غير منسّقة: ميليشيات محلية، وأجهزة أمنية مرتجلة، ووحدات شرطة ناشئة تفتقر إلى التدريب والموارد.

في دمشق، عادت شرطة المرور لتُظهر حضوراً رمزياً، لكن العديد من مراكز الشرطة، بحسب روايات السكان، يديرها أفراد يفتقرون إلى الخبرة الأمنية، بعضهم جاء من خلفيات دينية أو خدم في جماعة هيئة تحرير الشام سابقاً. وفي أحاديث مع سكان العاصمة، وصف كثيرون هؤلاء المسؤولين الجدد بأنهم “حسنيو النية”، لكنهم غير مؤهلين أو غير قادرين على الاستجابة بفعالية للتهديدات المتصاعدة.

حكومة أحمد الشرع المؤقتة، التي تواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية جمة، لم تنجح حتى الآن في طمأنة الشارع بأنها قادرة على ضمان الاستقرار. البيان الأولي الصادر عن الرئيس الشرع عقب التفجير، رغم تقديمه التعازي، جاء مبهمًا ولا يتضمن إشارات مباشرة إلى طبيعة الجريمة أو الجهة المستهدفة. فقد تحدث الشرع عن “الهجوم الإجرامي الذي أثر على الشعب السوري بأكمله”، داعيًا إلى الوحدة الوطنية ومتعهدًا بمحاسبة الفاعلين، لكنه تجنّب الإشارة إلى الطائفة المسيحية أو إلى كنيسة مار إلياس بالاسم، ما فُسّر لدى البعض على أنه تجاهل متعمّد أو افتقار لحساسية الأزمة.

تثير هذه اللغة الملتبسة تساؤلات عن قدرة القيادة الانتقالية على بناء علاقة ثقة مع جميع مكوّنات المجتمع السوري. فبينما ظهرت في دمشق دوريات أمنية أكثر كثافة في الأيام التي تلت التفجير، تبقى مناطق واسعة من البلاد، بما في ذلك ضواحي العاصمة، عرضة للانفلات. الهجوم يأتي بعد أشهر فقط من فشل حماية المجتمعات الدرزية في جرمانا، في إشارة إلى أن حزام دمشق، الذي كان يُفترض أن يمثل نقطة الارتكاز لأي استقرار مستقبلي، لم يعد آمناً كما كان يُعتقد.

كما وسّع الهجوم نطاق الشكوك المتنامية داخل مجتمعات أخرى، لا سيما الكردية منها، بشأن قدرة الحكومة في دمشق على ضمان الحماية. يشعر كثيرون في مناطق شمال شرق سوريا أن الاعتماد على المركز بات رهاناً خاسراً، وأن خيارات الحماية الذاتية – سواء عبر المجالس المحلية أو وحدات الدفاع الذاتي – قد تصبح أكثر إلحاحاً. وهذا الاتجاه، إذا ما تعمّق، يُنذر بمزيد من التجزئة في المشهد الوطني، ويقوّض إمكانيات إعادة بناء عقد اجتماعي موحّد لسوريا ما بعد الحرب.

في جوهر المسألة، يبرز سؤال محوري: من يُوفّر الأمن في سوريا اليوم؟ وهل تملك الحكومة الجديدة شرعية وفعالية كافيتين لتكون الضامن الحقيقي لحياة السوريين، بغضّ النظر عن طوائفهم أو مواقعهم؟ الإجابات على هذه الأسئلة لا تزال غامضة، لكنها باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

دور المقاتلين الأجانب والجماعات المسلحة المتشرذمة

يشكّل دمج المقاتلين الأجانب ضمن الوحدات الأمنية والوطنية الجديدة في سوريا إحدى أكثر القضايا حساسية في المرحلة الانتقالية الراهنة. فعلى مدى سنوات الحرب، دخل البلاد مقاتلون من خلفيات متعدّدة — من الأويغور والداغستانيين إلى عناصر من شبكات عابرة للحدود. واليوم، وبعد أن تبدّلت التحالفات وتغيّرت الخريطة السياسية، وجد بعض هؤلاء المقاتلين أنفسهم جزءاً من النظام الموالي للحكومة الانتقالية، أو مدموجين داخل التشكيلات الأمنية الجديدة.

غير أن هذا الإدماج ليس بلا ثمن. فغياب الروابط الثقافية والاجتماعية بين هؤلاء المقاتلين والمجتمعات المحلية، إضافة إلى حاجز اللغة، وتاريخهم القتالي الحافل بالجدل، جعل منهم عناصر مثيرة للريبة ومصدر توتر دائم. في بلد يحاول بصعوبة استعادة نسيجه الاجتماعي، يُشكّل وجود غرباء مسلحين، دون رقابة مؤسسية كافية أو مسارات مساءلة واضحة، تهديدًا جديًا للاستقرار الوليد.

صحيح أنه لا توجد أدلّة مؤكدة حتى الآن على ضلوع هؤلاء المقاتلين في تفجير كنيسة مار إلياس، إلا أن الحادثة أثارت موجة من النقاشات في الأوساط العامة السورية حول طبيعة دورهم، وحدود مشاركتهم في مؤسسات الدولة. تساءل كثيرون عن مشروعية تسليح وتجنيد أفرادٍ لا يمتلكون أي انتماء محلي، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى تعزيز الثقة مع المواطنين، لا ترسيخ الشعور بالاغتراب.

تكشف المعطيات الرسمية أن قائد الخلية التي تم اعتقالها على خلفية التفجير، محمد عبد الإله الجميلي، كانت له صلات بمخيّم الهول في شمال شرق سوريا — أحد أكثر الأماكن حساسية أمنية في البلاد، حيث يُعتقد أن جماعات متطرفة تواصل نشاطها وتجنيدها فيه. هذا التفصيل يبرز هشاشة الحدود بين المعسكرات المسلحة السابقة، وواقع ما بعد الصراع، الذي تغيب فيه معايير الانتقاء والمحاسبة.

ما يجري اليوم في سوريا يُعدّ حالة نموذجية تُجسّد معضلة بناء أجهزة أمنية شرعية وفعّالة في مرحلة ما بعد النزاع. فعلى صانعي القرار، سواء داخل البلاد أو في العواصم الغربية الداعمة، أن يُدركوا أن دمج العناصر المسلحة السابقة — لا سيما الأجنبية منها — دون شروط واضحة، يُهدّد ليس فقط الأمن، بل أيضًا شرعية الدولة الجديدة في أعين شعبها.

لكن المسألة الأمنية لا تقف عند حدود حمل السلاح أو تنظيم الميليشيات. تفجير الكنيسة، بما يحمله من دلالات رمزية وطائفية، سلّط الضوء أيضاً على خلل أعمق: غياب دور فاعل للمؤسّسات الدينية الرسمية، وفي مقدّمتها وزارة الأوقاف. خلال زيارتي الأخيرة لدمشق وحمص، لاحظت لوحات دعائية للوزارة تُروّج للحج والدروس الدينية التقليدية، لكن ما غاب تماماً كان الخطاب الذي يعالج الواقع الحالي: الحاجة إلى المصالحة، إدانة العنف، وتعزيز العيش المشترك.

في لحظة مفصلية كهذه، لا يمكن ترك الخطاب الديني بلا توجيه. فمن دون إصلاح مؤسسات مثل وزارة الأوقاف، وإعادة توجيهها نحو خطاب تسامحي يعزز التعددية، تُترك الساحة مفتوحة للتيارات المتطرفة لملء هذا الفراغ. إن بناء دولة سورية تعددية وآمنة لا يتطلب فقط إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بل يستوجب أيضاً إصلاحاً فكرياً ومؤسسياً يشمل المنابر الدينية والتعليمية، ويجعلها حليفة في مشروع الاستقرار، لا مجرد كيانات صامتة أو محافظة على صيغ ما قبل الحرب.

لهذا، ينبغي أن يكون إصلاح المؤسسة الدينية جزءاً لا يتجزأ من أي خطة دولية أو محلية لإعادة بناء الدولة. ففي نهاية المطاف، الأمن لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بالثقة، والمصالحة، والخطاب الذي يجمع لا يُفرّق.

المخاطر الإقليمية والدولية

جاء رد الفعل الدولي على تفجير كنيسة مار إلياس سريعاً، حيث أصدرت العديد من العواصم — من دول الخليج والاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة وتركيا — بيانات إدانة قوية للهجوم. ومع ذلك، فإن الإدانة، رغم ضرورتها الرمزية، لم تعد كافية في سياق يتطلب تحرّكًا فعليًا. فالهجوم يثير أسئلة استراتيجية أعمق حول كيفية مساهمة الجهات الفاعلة الخارجية في استقرار سوريا دون الوقوع في فخ إعادة إنتاج الهياكل القمعية أو الفوضوية التي قادت البلاد إلى هذا الوضع أصلاً.

تواجه الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، معضلة مزدوجة: كيف يمكن تقديم الدعم الفني والمالي والسياسي لإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، مع تجنّب تقوية شبكات غير خاضعة للمساءلة أو ميليشيات محلية تعمل خارج القانون؟ وهل يمكن توجيه المساعدات الخارجية نحو الحوكمة الشاملة، وتطوير الشرطة المجتمعية، وجهود الوقاية من التطرّف، من دون التورّط في صراعات سياسية محلية أو تكريس انقسامات قائمة؟

بالنسبة لواشنطن، يذكّر هذا الهجوم بما لم يُنجز بعد في سوريا. فخلال العقد الماضي، انحصرت أولويات السياسة الأميركية إلى حد بعيد في مكافحة تنظيم داعش وتوفير المساعدات الإنسانية. لكن المرحلة الحالية تستوجب تحولًا في المقاربة: من التركيز على مكافحة الإرهاب إلى دعم بناء الدولة. وهذا يعني الانخراط في ملفات أكثر تعقيدًا مثل إصلاح قطاع الأمن، تعزيز سيادة القانون، تمكين المؤسسات المدنية، والتمهيد لانتقال سياسي حقيقي وشامل.

يأتي هذا التحوّل المحتمل في توقيت حساس، في ظل إعادة تقييم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لسياسة بلاده تجاه سوريا، بما في ذلك توجيهات جديدة للتواصل مع سلطات المرحلة الانتقالية، والتنسيق في المسائل الأمنية. وقد أقرّ مسؤولون أميركيون — بصورة ضمنية — بوجود تعاون ميداني مع الجهات الأمنية السورية الناشئة، خاصة فيما يتعلّق بتتبّع شبكات المتطرّفين ومراقبة اندماج المقاتلين الأجانب في التشكيلات الوطنية الجديدة. إلا أن هذا التنسيق، مهما كان محدودًا أو مؤقتًا، يجب أن يكون مشروطًا ومدروسًا، حتى لا يتحوّل إلى دعم أعمى لهياكل غير ديمقراطية أو عديمة الشرعية.

إن تفجير كنيسة مار إلياس لا يمكن اعتباره مجرّد مأساة عرضية، بل هو علامة على أن المرحلة الانتقالية السورية لا تزال هشة وعُرضة للتخريب المتعمّد. دون قوات أمن موثوقة ومحترفة، ودون إصلاح ديني جذري يُعزز خطاب التعددية، ودون إشراك الأقليات والمجتمعات الحضرية في العملية السياسية، فإن البلاد تخاطر بالانزلاق مجددًا إلى دوامة العنف والتفكك.

ما على صانعي السياسات في واشنطن والعواصم الغربية الأخرى أن يدركوه بوضوح هو أن دعم سوريا آمنة ومتعددة ومستقرة لا يمكن أن يتم عبر مسارات تقليدية. المطلوب هو جهد استثنائي لإعادة بناء المؤسسات — تلك التي دمّرها نظام الأسد عمداً — ولكن على أسس جديدة، تُجنّب البلاد تكرار مآسي الماضي. هذا ليس فقط التزامًا أخلاقيًا، بل ضرورة استراتيجية تخدم مصالح المنطقة والعالم على المدى الطويل.

إبراهيم الأصيل زميل أول مقيم في مشروع سوريا ضمن برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي.
محاضر في قسم العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، حيث يُدرّس السياسة المقارنة ومنافسة القوى العظمى.

ترجمة يوسف سامي مصري
رابط البحث

https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/dispatch-from-damascus-church-attack-shows-transitions-fragility/