ذات صلة

إسرائيل وإيران: وقف إطلاق نار هشّ وشكل القوّة الإقليمية

في أعقاب ما بات يُعرف بـ”حرب الاثني عشر يوماً”، توصّلت كلٌّ من إيران وإسرائيل إلى وقفٍ لإطلاق النار، بوساطة أمريكية-قطرية، أنهى واحدة من أكثر المواجهات المباشرة خطورة بين الطرفين في تاريخ النزاع الإقليمي الحديث. الحرب، رغم قصر مدّتها، شكّلت لحظة فارقة من حيث الرمزية والتوقيت والرهانات الاستراتيجية. كلا الجانبين أعلن “النصر” بصيَغه الخاصة: المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، ظهر بعد غياب ليوظّف إنهاء العمليات العسكرية في إطار خطاب المقاومة، مؤكداً أن إسرائيل ما كانت لتصمد لولا التدخل الأمريكي. في المقابل، رأت تل أبيب أنها أضعفت إيران بشكل نوعي، وخاصةً عبر استهداف بنيتها النووية، رغم أن أهداف الحرب المعلنة—من تدمير شامل للبرنامج النووي إلى تغيير النظام في طهران—لم تتحقق.

الولايات المتحدة، التي دخلت النزاع عبر ضربات مباشرة على منشآت نووية إيرانية، من بينها موقع فوردو، بدت منتشية بانتصار “تقني” محدود، في حين خفّفت تقارير استخباراتية من أثر الضربات، مشيرة إلى أنها لم تؤخّر تطوير إيران للسلاح النووي سوى لأشهر قليلة. وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لإطلاق مسار تفاوضي جديد في عُمان، لا تُظهر طهران أو تل أبيب أي تغيّر فعلي في مواقفهما، بل تتخذ خطوات تصعيدية: فقد أقرّ البرلمان الإيراني تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يعكس توتراً متزايداً في العلاقة مع المجتمع الدولي.

رغم حدّة الضربات، يبدو أن التوازن الجيوسياسي الإقليمي لم يتزحزح جوهرياً، حتى بعد استهداف إيران لمنشآت عسكرية أمريكية في قطر. ولكن الهدوء الظاهري لا يُخفي هشاشة وقف إطلاق النار، الذي قد يكون مجرّد استراحة قبل جولة جديدة من المواجهة، خصوصاً في ظل غموض يلفّ حجم الضرر الحقيقي الذي لحق بالبرنامج النووي الإيراني، وحجم التبعات السياسية الداخلية لكلا الطرفين. الخسائر البشرية، لا سيما في إيران حيث تجاوز عدد القتلى الألف، تجعل هذا الصراع أكثر كلفة إنسانيًا من سابقيه، وتعكس الثمن الباهظ لحروب تتخذ فيها الرمزية السياسية بُعداً يطغى على الواقعية الاستراتيجية.

قد تتّجه إيران شرقاً وتُعيد تقييم تحالفاتها.

من المرجح أن يكون لـ”حرب الاثني عشر يوماً” عواقب عميقة على علاقات إيران مع الجهات الفاعلة الإقليمية وبعض الشركاء الدوليين. على الصعيد الإقليمي، بادرت طهران بحملة دبلوماسية حثيثة لتبرير هجومها على القاعدة الأمريكية في قطر، ساعيةً لتجنب قطع العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي التي تمثّل جبهة متوازنة في صراع القوى الإقليمي. هذا التوجه يعكس رغبة إيران في الحفاظ على توازن دقيق مع جيرانها، خاصة في ظل محاولاتها توسيع نفوذها دون إحداث انقسامات أو أزمات قد تضر بمصالحها الاقتصادية والسياسية.

وعلى نطاق أوسع، كما يشير المحلل حميد رضا عزيزي، فإن الحرب قد تدفع طهران إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدولية، خصوصاً علاقاتها مع شركائها التقليديين مثل روسيا. شكوك إيران المتزايدة تجاه موثوقية أنظمة الدفاع الروسية قد تدفعها للتقارب أكثر مع الصين، التي أظهرت فاعلية متزايدة في دعم حلفائها بأسلحة وأنظمة دفاع حديثة. وتشير التجارب الأخيرة، مثل الدعم الصيني لإسلام آباد في النزاع الهندي الباكستاني الأخير، إلى أن الصين قد تلعب دوراً متنامياً في مجال التعاون الدفاعي مع طهران، ربما عبر إبرام اتفاقيات دفاعية جديدة تعزز قدرات إيران العسكرية وتقوّي تحالفاتها في مواجهة الضغوط الغربية.

هذه التحولات المحتملة تحمل في طياتها انعكاسات استراتيجية واسعة، إذ قد يعيد الصراع القصير وغير المتوقع رسم خطوط تحالفات إيران في الشرق الأوسط وخارجه، في ظل سعي طهران لتجاوز العقوبات الدولية وتحصين نفسها أمام أي تهديدات مستقبلية على برنامجها النووي ومصالحها الإقليمية.

لويجي تونينيلي، مركز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، معهد الدراسات السياسية الدولية

تزعم إسرائيل انتصارها على إيران، ومرّة ​​أخرى، يبرز نتنياهو كزعيم وطني (على الأقل حتى الانتخابات القادمة).

تجاوزت إنجازات إسرائيل في الحرب ضد إيران توقعات معظم السيناريوهات الإسرائيلية قبل اندلاع الصراع. فقد كانت التقديرات الأولية تشير إلى خسائر بشرية قد تصل إلى 8000 قتيل إسرائيلي، إضافة إلى دمار واسع النطاق في البنية التحتية العسكرية والمدنية، ما كان سيُشكّل كارثة على المستوى الوطني. لكن الواقع جاء مختلفًا إلى حد كبير، إذ قُتل 28 شخصًا فقط وجُرح نحو 1200، في حين كان حجم الدمار أقل بكثير مما كان متوقعًا. هذا الإنجاز العسكري المفاجئ لم يقتصر على تدمير العديد من المواقع النووية الإيرانية كليًا أو جزئيًا، بل شمل أيضًا إسقاط نصف الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق الإيرانية، بالإضافة إلى اغتيال 24 عالماً نوويًا وقادة عسكريين بارزين في أماكن متفرقة مثل منازلهم ومخابئهم، مما أصاب البرنامج النووي الإيراني بضربة موجعة.

على الصعيد السياسي، خرج رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من الحرب وهو يُروّج لنفسه كقائد حازم ومخاطِر، وهو ما عزز مكانته لدى أنصاره، خصوصًا في الأوساط الدينية التي بدأت تعامله كمبعوث من الله، مما يعكس حالة من التعبئة الدينية والسياسية حول قيادته. مع ذلك، يبقى السؤال الأهم هو كيف سينعكس هذا النجاح العسكري على الساحة السياسية الداخلية، لا سيما مع اقتراب الانتخابات المقبلة، حيث يُشير الواقع إلى أن نتنياهو ما زال يواجه انقسامًا واسعًا في الرأي العام، خاصة في الأوساط الليبرالية، التي تمثل نحو نصف الشعب وتُعبر عن كراهية واضحة له. هذا الواقع يعكس تحديًا معقدًا أمام نتنياهو في استثمار هذا الانتصار العسكري لتعزيز شرعيته السياسية في الداخل.

يوسي ميلمان، كاتب وصحفي، هآرتس

 

لا تقتصر تقلبات السياسة الخارجية الإقليمية لترامب على عدم القدرة على التنبّؤ بها. لا توجد خارطة طريق.

تُظهر سياسة إدارة دونالد ترامب في الشرق الأوسط طابعاً تفاعلياً يُعتمد بشكل كبير على الإعلام والردود السريعة، مع غياب واضح لخطط استراتيجية متماسكة. فقد تميّزت فترة إدارة ترامب بتحول سريع من الموافقة على شن ضربات عسكرية كبرى على المواقع النووية الإيرانية إلى إعلان مفاجئ لانتهاء الحرب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يعكس اعتماداً بارزاً على استعراض القوة إعلامياً أكثر منه على دبلوماسية منظّمة ومدروسة. ورغم أن اتصالات ترامب الخلفية، التي تواصل فيها عبر وسطاء خليجيين وبالأخص قطر، أسفرت عن وقف إطلاق نار هشّ، إلا أن هذا الأسلوب كشف عن تناقضات بين الخطاب الحماسي والقرارات السياسية التنفيذية. كما أن غياب خارطة طريق واضحة لما بعد الضربات ترك حلفاء واشنطن في حالة من الحيرة وعدم اليقين، بينما دفعت خصومها إلى مزيد من التحفّظ والريبة.

قد يكون هذا النهج قد ساهم في تخفيف حدة التوترات مؤقتاً، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام المزيد من الاستفزازات في المستقبل، إذ يبعث بإشارة واضحة إلى غياب ردع مستدام ومخطط استراتيجي قادر على التنبؤ بالأحداث والسيطرة عليها. في نهاية المطاف، يبدو أن ترامب يُعطي الأولوية لتحقيق المكاسب السياسية القصيرة الأمد وعقد الصفقات الإعلامية المفاجئة على حساب بناء أُطر استراتيجية طويلة الأمد، تاركاً المنطقة في حالة استعداد مستمرة لمواجهة تقلبات غير متوقعة وصراعات متجددة.

أندرياس كريج، مُحاضر أول، كلية الدراسات الأمنية، كلية كينغز كوليدج لندن؛ زميل، معهد دراسات الشرق الأوسط

التقارب بين دول الخليج وإيران يتذبذب لكنه يصمد.

تسعى دول الخليج إلى انتهاج سياسة خارجية رشيقة ومرنة تتكيف مع الديناميكيات الإقليمية المتسارعة، مع الحرص على تعزيز أمنها الوطني وحماية مصالحها الحيوية. في هذا الإطار، وضعت هذه الدول خطط تحوّل طموحة تسعى من خلالها إلى بناء منطقة مستقرة ومزدهرة تُتيح فرص التنمية لجميع شعوبها. وهذا النهج pragmatism يعكس إدراكاً متزايداً بأن الخلافات الإقليمية، بما فيها تلك القائمة مع إيران، تحتاج إلى إدارة هادئة وصبر من خلال قنوات الحوار المفتوحة. وعلى الرغم من أن العلاقات بين إيران ودول الخليج شهدت تقلبات وتوترات في الماضي، إلا أن ملامح التقارب pragmatique بدأت تبرز مؤخراً كجزء من استراتيجية إقليمية تهدف إلى تهدئة الأجواء وتفادي الصراعات المفتوحة.

في هذا السياق، يُشكّل الهجوم الإيراني على القاعدة العسكرية الأمريكية في قطر خطوة مقلقة تُضعف هذا التقارب لكنها لا تُنهِيه، إذ كان رد فعل مباشر على الضربات الإسرائيلية والأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، وهو ما يؤكد تعقيد المشهد وتداخل مصالح القوى الكبرى. رغم هذا التصعيد، تدرك دول الخليج أن الهجوم الإيراني على قطر هو حادث فردي يُحتمل أن يكون استثناءً، وليست مؤشراً على تحول جوهري في توجهاتها. ولهذا السبب، فإن هذه الدول أمام تحدٍ مزدوج: من جهة مضاعفة جهودها للحفاظ على استقرار المنطقة وتفادي انزلاق الصراعات، ومن جهة أخرى الحفاظ على قنوات الحوار الدبلوماسي مع إيران، لتبقى الأجواء الإقليمية ضمن مسار إدارة التوترات وليس تفجيرها.

بدر السيف، أستاذ مساعد في التاريخ، جامعة الكويت

إن فشل أوروبا في اتخاذ إجراءات حاسمة بشأن قضايا الشرق الأوسط يُضعف مصداقيتها العالمية.

لقد هُمّشت أوروبا بشكلٍ واضح في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث لم تتمكّن الدول الأوروبية الرئيسية، رغم جهودها، من لعب دور محوري يوازن النفوذ الأمريكي في المنطقة. مع ذلك، تبذل كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، إلى جانب مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، جهوداً دبلوماسية مضنية لتجنب تصعيد الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة. غير أن الاتحاد الأوروبي يواجه انقسامات عميقة حول موقفه من سلوك إسرائيل، خاصة في ظل استمرار الكارثة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، التي تتجاهلها إلى حد كبير المواقف الأوروبية الرسمية. في الوقت ذاته، تزداد موجة التضامن العالمي مع الفلسطينيين، ما يزيد الضغوط على القادة الأوروبيين للحفاظ على قيمهم الإنسانية والديمقراطية.

رغم محاولات الأوروبيين فتح قنوات اتصال مع إيران، فإن تصريحاتهم المتكررة التي تفتقر إلى مضمون عملي حيال المعاناة الفلسطينية، تعكس فشلاً واضحاً في تحويل المبادئ إلى أفعال حقيقية، مما يضر بمصداقية أوروبا الدولية وسمعتها كشريك موثوق في دعم السلام والعدل. في هذا السياق، تشير ميشيل بيس، أستاذة الدراسات العالمية في جامعة روسكيلد، إلى أن القادة الأوروبيين يواجهون لحظة حقيقة حاسمة، إذ أن استمرار معاناة غزة بلا حلول يُهدّد بشكل جدي مصداقية أوروبا ويضع مستقبل دورها في المنطقة على المحك.

٢٦ حزيران/يونيو ٢٠٢٥

مركز أسبار

رابط البحث

https://www.ispionline.it/en/publication/israel-iran-a-fragile-ceasefire-and-the-shape-of-regional-power-212331