مقدّمة
تُعدّ حرب الاثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران منعطفاً حاسماً يُبشّر ببداية مرحلة جديدة في معادلات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، ما يُجبر دول مجلس التعاون الخليجي على إعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية خلال السنوات المقبلة. فهذه المواجهة، بكل ما تحمله من دلالات، تمثل نقطة تحوّل لم تتضح تبعاتها بالكامل بعد.
لقد عكست الحسابات الإسرائيلية التي دفعتها إلى شنّ هجوم مباشر على الأراضي الإيرانية تغيراً جوهرياً في موازين القوى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أحدثه ذلك من تحولات جذرية في ديناميكيات الأمن الإقليمي. إذ سعت إسرائيل إلى فرض واقع جديد بالقوة، متجاوزة الأعراف القانونية والأخلاقية، وهو ما أسهم في تقويض الأسس التي يقوم عليها النظام الإقليمي القائم على القواعد، مخلّفاً مأساة إنسانية في غزة وأماكن أخرى.
ويبدو أن تراجع قدرات إيران وشبكاتها غير المتكافئة في كل من لبنان وسوريا، إضافة إلى الدعم الأمريكي المباشر والتفوّق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي، قد شجّع تل أبيب على الانخراط في صراع مباشر. غير أن هذه الخطوة المتهورة تسببت في كسر العديد من المحرّمات التي كانت تشكّل دعائم للاستقرار النسبي في المنطقة.
أول هذه التحولات هو سقوط الاعتقاد السائد بأن مهاجمة إيران سيؤدي حتماً إلى تصعيد واسع النطاق ينتهي بحرب شاملة بين دول المنطقة، وهو سيناريو لطالما اعتُبر مهدّداً للاستقرار الإقليمي. كما تهاوى الرأي التقليدي بأن أي عمل عسكري ضد برنامج إيران النووي سيكون له نتائج عكسية، عبر دفع البرنامج إلى مزيد من السرية وربما تسريع خطواته نحو التسليح.
اليوم، وقد تم تجاوز هذه الخطوط الحمراء، تبدو المنطقة أمام مرحلة طويلة من التنافس الأمني المحتدم، في انتظار تشكّل نظام جديد. ورغم صعوبة التنبؤ بمآلات هذا التحوّل أو بطبيعة توازن القوى المقبلة، إلا أن ثمة ملاحظات أولية تشير إلى أن هذه المرحلة ستكون محفوفة بالتحديات وإعادة رسم الخرائط الأمنية والسياسية في المنطقة.
أولاً بدلاً من أن يؤدي الصراع الأخير إلى تهدئة التوتر بين إيران وإسرائيل، من المرجّح أن يُعمّق العداء بين الطرفين. فقد كشف هذا الصراع، إلى جانب مواطن القوة، عن جوانب ضعف وقيود واضحة لدى الجانبين. ومع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لا يبدو أن الأطراف تسعى فعلياً نحو سلام دائم، بل يُحتمل أن نشهد ما يُعرف بـ “صراع متجمّد”، يعكف خلاله الطرفان على إعادة التسلّح استعداداً للمواجهة المقبلة، مستفيدين من الدروس التي أفرزها الصراع.
ورغم أن إسرائيل قد تُعد الطرف المنتصر في هذه الجولة، فإنها لا تزال بعيدة عن تحقيق أي شكل من أشكال النصر الحاسم، ناهيك عن النجاح في “حرب نتنياهو” المستمرة ضد ما يُسمّيه قوى الشر. فلا يوجد حتى الآن تقييم دقيق لتأثير الضربات على البرنامج النووي الإيراني، كما لم يُحرز أي تقدُّم يُذكر في مساعي تغيير النظام في طهران. كما كشفت الضربات الصاروخية الإيرانية عن هشاشة إسرائيل أمام ردّ الفعل المضاد.
ومن المرجّح أن تواصل إسرائيل استثمارها المكثّف في تعزيز تفوقها العسكري النوعي على إيران، مع البحث عن وسائل بديلة لتقويض النظام الإيراني. ومع ذلك، فإن ما بات واضحاً هو أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لا تملك القدرة على فرض نظام إقليمي جديد. فالعرض الاستعراضي للقوة العسكرية، مهما بلغ، سيُقوّض على الأرجح طموحاتها في بناء أطر تكامل إقليمي قائمة على البنية التحتية، والربط الجغرافي، والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي. ورغم استمرار اعتمادها على الدعم الأمريكي والغربي كخط دفاع أخير، فإن إسرائيل ستبقى تُدار بعقلية الحصن وسط إقليمٍ مضطرب.
أما إيران، فرغم تراجع مكانتها وتضررها، فإن سيناريو تغيير النظام يبدو بعيد المنال في الأمد القريب. صحيح أن بقاء النظام لا يعني استمرار الأوضاع على ما كانت عليه، إذ يُتوقع أن تشهد أجهزة الحكم والأمن الإيرانية إصلاحات هيكلية بعد تقييم ما جرى من إخفاقات. ورغم تركيزها داخلياً على إعادة ترتيب البيت الداخلي والدفاع عن الوطن، فإن إيران لن تتخلّى على الأرجح عن استراتيجيتها الإقليمية الداعمة للوكلاء، بل ستعيد صياغتها وفق أولويات جديدة.
وتُدرك إيران، في هذا السياق، أن المعركة المقبلة تتطلب اعتماداً أكبر على الذات، بعد أن عانت من محدودية الدعم الروسي والصيني، وتراجع مسار التقارب مع دول مجلس التعاون الخليجي، الذي كان من الممكن أن يشكل نواة لنظام أمني إقليمي تعاوني.
ثانياً، لا يزال مستقبل البرنامج النووي الإيراني غامضًا ومعلّقًا. إذ يصعب في الوقت الراهن تقييم حجم الضرر الفعلي الذي لحق بقدرات التخصيب الإيرانية، في ظل غياب تحقق دولي مستقل. ومع ذلك، فإن أحد أبرز الدروس المستخلصة من الجولة الأخيرة من التصعيد الإسرائيلي وتآكل النظام القانوني الدولي، سواء لإيران أو لغيرها من الدول، هو أن “امتلاك الأسلحة النووية بات ضرورة في بيئة يسودها منطق الاعتماد على الذات”. ومن هذا المنطلق، يُعد احتمال الانتشار النووي في المنطقة آخذًا في التزايد، ولا تقتصر هذه المخاوف على إيران فحسب، بل تشمل أيضًا قوى إقليمية أخرى مثل المملكة العربية السعودية وتركيا، اللتين تتابعان تطورات البيئة الاستراتيجية ذاتها وتستخلصان استنتاجات مماثلة.
قد تكون إيران مستعدة، من حيث المبدأ، لإبقاء برنامجها النووي تحت المراقبة الدولية، ولكن ذلك سيكون مشروطًا باتفاق شامل يتضمّن تخفيفًا ملموسًا للعقوبات المفروضة عليها. ومع ذلك، فإن التجارب السابقة لمفاوضات غير حاسمة، إلى جانب التدهور الحاد في الثقة المتبادلة بعد الصراع الأخير، تجعل من التوصل إلى مثل هذا الاتفاق أمرًا غير مرجح في المستقبل القريب. ونتيجة لذلك، يُحتمل أن تسعى إيران إلى إعادة بناء قدراتها ضمن حملة عسكرية موسعة استعدادًا للجولات المقبلة من المواجهة، مع التركيز على تطوير إمكاناتها بعيدًا عن أعين الرقابة الدولية.
من جهة أخرى، أكد الصراع مجددًا على المحورية المستمرة للدور الأمريكي، سواء من خلال الفعل أو التقاعس، في صياغة ديناميكيات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. فمنذ البداية، وتحت إداراتي بايدن وترامب، كانت الولايات المتحدة شريكًا – وإنْ غير مباشر – في جهود نتنياهو لتوسيع رقعة النزاع وتحويله إلى أزمة إقليمية شاملة. وعلى الرغم من أن تدخل واشنطن في اللحظات الأخيرة للموافقة على وقف إطلاق النار ساهم في تهدئة الموقف، فإن قرارات إدارة ترامب السابقة، خاصة في ما يتعلق بتوجيه ضربات لإيران، فتحت المجال لمرحلة جديدة من انعدام الاستقرار في المنطقة.
وبينما لا تزال واشنطن بعيدة عن لعب دور “الضامن المهدئ” في المنطقة، فإن فكرة إنشاء هيكل أمني إقليمي متماسك بقيادة أمريكية تظل غير واقعية في الوقت الراهن. فمع تزاحم الأزمات العالمية، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في مضيق تايوان، يصعب تخيل انخراط أمريكي فعّال ومتجدد في الشرق الأوسط يمكن أن يخفف من حدة التصعيد المستمر. باستثناء الالتزام المستمر بأمن إسرائيل وضمان بقائها، تظل الضمانات الأمنية التي تستطيع واشنطن تقديمها لحلفائها وشركائها في المنطقة محفوفة بالشكوك وغير قابلة للاعتماد الكامل.
أخيراً وليس آخراً، بعد أن شهدت القوى الإقليمية الأخرى التصعيد السريع نحو حرب مباشرة بين دولتين، والطريقة التي جرى بها احتواء الصراع، ستجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية. ففي أعقاب هذا التحوّل، يتعيّن على دول الخليج التعامل مع واقع جديد يتّسم بتصاعد التنافس الأمني، وعودة صريحة إلى منطق القوة الصارمة والاعتماد على الذات كأدوات مهيمنة في إدارة الشؤون الإقليمية.
وعلى الرغم من استمرار الاهتمام بخطط التعاون الإقليمي ومشاريع الترابط والبنية التحتية، فإن لحظة الانفراج السياسي التي أتاحها مسار خفض التصعيد والتطبيع خلال عامي 2021 و2022 قد أُغلقت. وفي ظل هذه البيئة المستجدة، سيكون على دول الخليج إعادة ترتيب أولوياتها، مقدّمةً القضايا الأمنية والدفاعية على أجندات التحوّل الاقتصادي والإصلاح الداخلي، وإعادة النظر في شراكاتها الإقليمية والدولية بما يتناسب مع موازين القوى المتغيرة.
وتكتسب هذه اللحظة أهمية خاصة بالنسبة لموقع الخليج ضمن منظومة الأمن في الشرق الأوسط. فبدلاً من أن تساهم دول الخليج في الحؤول دون الانزلاق نحو مواجهة شاملة، اضطرت إلى تقبّل الطريقة الرمزية التي تم بها التوصل إلى وقف إطلاق النار، والتي بدورها تُنذر بتداعيات بعيدة المدى على استقلالها الاستراتيجي. فالقبول – بصمت أو بتنسيق – بشنّ إيران هجومًا انتقاميًا على قاعدة العديد، حتى وإن تم الرد عليه بنجاح، مثّل اختراقًا لسيادة قطر، إحدى الدول المحورية في مجلس التعاون الخليجي، وكشف عن مدى هشاشة السيادة الخليجية في مواجهة الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى.
هذا الحادث لم يسلط الضوء فقط على ضعف القدرات الذاتية، بل أيضاً على الاعتماد الأمني العميق على أطراف خارجية لا تتردد في تصفية حساباتها فوق الأراضي الخليجية، ودون مراعاة لمصالح شركائها الإقليميين. ومن المؤكد أن هذا الواقع لن يمر دون مراجعة، إذ تتداول دول الخليج اليوم كيفية إعادة صياغة علاقتها مع إيران، في ظل مشهد إقليمي يتسم بالتقلب والتوتر المتصاعد.
ورغم ما تتمتع به من ثروات طائلة ونفوذ مفترض على الولايات المتحدة – كما أظهرته زيارة ترامب في مايو – بالإضافة إلى المسارات المتوازية في التطبيع مع كل من إسرائيل وإيران، فإن دول الخليج باتت تدرك أنها لا تزال بعيدة عن لعب دور “مراكز قوة عالمية” حقيقية. لقد جاء هذا الصراع كتذكير صارخ بأن النفوذ الاقتصادي لا يُترجم تلقائيًا إلى مكانة أمنية، وأنه في أوقات الأزمات، تُفرض الأولويات من واشنطن، لا من العواصم الخليجية.
ومع غياب أي مزوّدي أمن بديلين – لا من موسكو ولا من بكين – اتّضح مجددًا البُعد الصلب للجغرافيا السياسية الإقليمية: ستظل دول الخليج مضطرة إلى قبول مساومات صعبة مع الولايات المتحدة، حتى مع تصاعد حدة المنافسة الأمنية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
في ظل بيئة إقليمية تتّسم بالانكفاء على الذات، وتصاعد منسوب عدم اليقين الاستراتيجي، يتمثل الدرس الأهم والأكثر إلحاحاً أمام دول الخليج في ضرورة إعادة تقييم مفهوم الوحدة داخل مجلس التعاون الخليجي، مع التركيز على تعزيز مسارات التعاون الأمني بشكل جاد وفعّال. فالدول الخليجية، التي تواجه التهديدات النظامية نفسها، باتت مطالبة بأن تُدرك أن أمنها واستقرارها لم يعدا شأناً داخلياً فردياً، بل مسألة مترابطة ومشتركة تتطلب تنسيقاً وتكاملاً عميقاً.
لقد آن الأوان للاعتراف بأن المقاربة الأحادية في التعاطي مع التحديات الإقليمية والدولية لم تعد مجدية، وأن أفضل وسيلة لتحويل الثروات الاقتصادية إلى قوة استراتيجية مستدامة تكمن في بناء منصة جماعية فاعلة، قائمة على التضامن السياسي والتكامل الأمني. هذا التحول في التفكير ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية في مواجهة حقبة تتسم بانفلات التوازنات التقليدية وتراجع الضمانات الخارجية.
سابان كرداس أستاذ باحث في دراسات الخليج في مركز دراسات الخليج بجامعة قطر، ومنسِّق برنامج دراسات الخليج.
مركز أسبار
رابط البحث
https://www.qu.edu.qa/en-us/research/gulfstudies-center/documents/gulf%20insight%2097-%20sk.pdf

