ذات صلة

تأمين مسار أوكرانيا نحو الاتحاد الأوروبي: الوضع والآفاق

في أعقاب الزلزال الجيوسياسي الذي نجم عن الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة استراتيجية بالغة الأهمية تمثّلت في منح أوكرانيا، إلى جانب مولدوفا وربما لاحقًا جورجيا، وضع الدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد. لم يكن هذا القرار مجرد تطوّر دبلوماسي عادي، بل شكّل تحوّلًا نوعيًا في سياسة الاتحاد التوسعية، ودلالة واضحة على إدراك أوروبا المتزايد بأن أمنها واستقرارها لا ينفصلان عن استقرار دول جوارها الشرقي.

لقد جاء فتح أبواب الاتحاد أمام كييف نتيجة مباشرة لعودة مشهد الحرب إلى القارة الأوروبية، وتزايد الإدراك الجماعي بأن موسكو تمثل تهديدًا وجوديًا لمنظومة الأمن الأوروبي. هذا الإدراك دفع بروكسل إلى مراجعة نهجها التقليدي الحذر في التوسّع، لصالح مقاربة أكثر جرأة واستباقية. وفي هذا السياق، عرّف المجلس الأوروبي في استنتاجاته الصادرة في كانون الأول/ديسمبر 2023 التوسّع على أنه “استثمار جيوستراتيجي في السلام والأمن والاستقرار والازدهار”، ما يعكس بوضوح البعد السياسي والأمني لهذا الخيار الاستراتيجي.

مع ذلك، فإن طريق أوكرانيا نحو العضوية في الاتحاد الأوروبي لن يكون سهلاً ولا سريعًا. فهي تتطلب عملية طويلة ومعقدة من المواءمة مع معايير الاتحاد الصارمة، التي تشمل إصلاحات عميقة في المجالات السياسية والاقتصادية والقانونية. تقع على عاتق الحكومة الأوكرانية مسؤولية إثبات قدرتها على تنفيذ هذه الإصلاحات بفعالية، خاصة في ما يتعلّق بترسيخ سيادة القانون، مكافحة الفساد، استقلال القضاء، وبناء مؤسسات ديمقراطية شفافة وخاضعة للمساءلة.

من جهة أخرى، فإن الاتحاد الأوروبي نفسه مطالب باتخاذ خطوات ملموسة لضمان نجاح هذا المسار، سواء على المدى القريب أو البعيد. يجب عليه إعداد استراتيجيات متكاملة، تشمل دعمًا ماليًا وفنيًا لأوكرانيا، وتحديد خارطة طريق واضحة للانضمام، مع توفير الحوافز الكافية في كل مرحلة من مراحل العملية. كما يتوجب على الاتحاد التعامل مع التحديات الداخلية التي قد تفرضها عملية التوسّع، مثل ضرورة إصلاح آليات اتخاذ القرار، وضمان استعداد المؤسسات الأوروبية لاستيعاب أعضاء جدد دون المساس بفاعليتها أو توازنها.

إن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي لن يكون مجرد توسّع جغرافي، بل سيمثل اختبارًا جوهريًا لقدرة الاتحاد على لعب دور فاعل في تشكيل مستقبل القارة الأوروبية، وضمان أمنها ووحدتها في مواجهة التحديات المتزايدة.

وضع عملية الانضمام

بعد حصول أوكرانيا على صفة الدولة المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران 2022، خطت بروكسل خطوة إضافية في ديسمبر/كانون الأول 2023، عندما منح المجلس الأوروبي الضوء الأخضر لبدء مفاوضات الانضمام، والتي انطلقت رسميًا في يونيو/حزيران 2024. ومنذ انطلاقها، تقدّمت المفاوضات بوتيرة منتظمة وسلسة على المستوى الفني، ما عكس استعداداً مؤسسياً واضحاً من الجانب الأوكراني. وقد عبّر المجلس الأوروبي، في اجتماعه بتاريخ 26 يونيو/حزيران 2025، عن تقديره لأوكرانيا، مشيدًا بسرعة تنفيذها للإصلاحات المتعلقة بالانضمام، ولا سيما التقدّم الكبير المُحرز في الجوانب التقنية والمؤسساتية.

وفي وقت سابق، وتحديدًا في مايو/أيار، خلص تقييم المفوضية الأوروبية إلى أن الجولة الأولى من المفاوضات المتعلقة بما يُعرف بـ”الأساسيات” وتشمل القيم الأوروبية المشتركة، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وحقوق الإنسان أصبحت جاهزة للفتح. غير أن العملية اصطدمت بعقبة سياسية، تمثّلت في اعتراض المجر على فتح هذا الفصل التفاوضي، متذرعةً بمخاوف تتعلق بما تعتبره تمييزاً ضد الأقلية المجرية في أوكرانيا. كما استخدمت بودابست ذريعة جديدة تمثلت في نتائج استفتاء وطني أجري داخل المجر، أظهر أن 95% من المشاركين (أي ما يعادل نحو 29% من الناخبين المؤهلين) عبّروا عن معارضتهم لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. هذه العراقيل أدت إلى تعليق المسار السياسي للمفاوضات، وتسببت في تجميد الجدول الزمني الطموح الذي كان مقرراً أن يشهد فتح ثلاثة من الفصول التفاوضية الستة، المتعلقة بالأساسيات والسوق الداخلية والعلاقات الخارجية، خلال الفصل الأول من عام 2025، في ظل الرئاسة الدورية البولندية لمجلس الاتحاد الأوروبي.

رغم هذه العقبات، لم تتوقف كييف عن دفع عملية الانضمام قدمًا، عبر تسريع وتيرة الإصلاحات في شتى المجالات، سعيًا لتلبية المعايير الأوروبية. ففي مجال سيادة القانون، تواصل أوكرانيا العمل على تعزيز البُنى القانونية، وتحسين كفاءة واستقلال النظام القضائي، وتوسيع نطاق مكافحة الفساد، وتعزيز حماية حقوق الإنسان، فضلًا عن رفع كفاءة الأجهزة الأمنية وأداء مؤسسات إنفاذ القانون. كما شرعت الحكومة الأوكرانية في تنفيذ إصلاح إداري شامل يهدف إلى تحديث القطاع العام، من خلال توسيع نطاق الرقمنة، وتحسين الوصول إلى الخدمات الحكومية، وضمان مزيد من الشفافية والمساءلة.

وفي ميدان الطاقة، تواصل أوكرانيا مواءمة سياساتها مع معايير الاتحاد الأوروبي من خلال تنفيذ خطتها الوطنية للطاقة والمناخ (NECP)، التي تتضمن هدفًا طموحًا يتمثل في التخلي الكامل عن الفحم كمصدر للطاقة بحلول عام 2035. وتركز الخطة أيضًا على تحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتعزيز أمن الإمدادات من خلال تنويع مصادرها، والابتعاد عن الاعتماد على مزوّد واحد، إلى جانب تشجيع الابتكار في مجالات الشبكات الذكية والتقنيات الخضراء.

كما كثّفت كييف جهودها نحو الانتقال البيئي المستدام في قطاع الزراعة وصناعة الأغذية، عبر إعداد خارطة طريق وخطط عمل لتعزيز التعافي والتحوّل الأخضر. تهدف هذه السياسات إلى بناء قطاع غذائي أكثر مرونة في مواجهة التغيّرات المناخية، وأكثر قدرة على المنافسة، ومواءمةً مع المعايير الأوروبية المتعلقة بالاستدامة وسلامة الغذاء.

ورغم هذه الجهود الجدية والطموحة، تظل عملية الإصلاح محفوفة بتحدّيات عميقة، تتفاقم بفعل استمرار الحرب على الأراضي الأوكرانية، وما تخلّفه من آثار أمنية واقتصادية واجتماعية تعيق تنفيذ الخطط بشكل كامل.

دعم مسار انضمام أوكرانيا من خلال الاقتصاد والأمن

تأمين مسار أوكرانيا نحو عضوية الاتحاد الأوروبي يتطلب أكثر من مجرد الالتزام بالإصلاحات الداخلية والتقارب مع المعايير الأوروبية؛ فالمسألة باتت في جوهرها مرتبطة بتلبية الاحتياجات الأمنية العاجلة التي فرضها الغزو الروسي المستمر. وقد أصبحت هذه المتطلبات أكثر إلحاحاً بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ أدى نهجه نحو فك الارتباط الأميركي، خاصة في ما يتعلق بدعم أوكرانيا، إلى تحويل عبء المواجهة إلى الكتلة الأوروبية، التي باتت مطالبة بلعب دور أمني رئيسي يفوق ما كانت عليه من قبل.

في هذا السياق، أصبح من الضروري أن يحافظ الاتحاد الأوروبي على وحدة موقفه في مواجهة روسيا، وأن يتبنّى سياسة دعم مستدامة لكييف، لا تقتصر على البيانات السياسية أو الالتزامات الرمزية. المطلوب الآن هو موقف أوروبي موحد يضع ضغطًا مباشرًا على موسكو، ويدفعها إلى القبول بوقف إطلاق نار غير مشروط والانخراط في مفاوضات جادة. حتى الآن، تمكن الاتحاد من الحفاظ على حدّ أدنى من التماسك السياسي، رغم محاولات التعطيل المتكررة، وخصوصاً من جانب الحكومة المجرية. في الاجتماعات الأخيرة للمجلس الأوروبي، اضطرّ القادة إلى تجاوز الاعتراضات المجرية عبر عقد 26 جلسة لاعتماد الاستنتاجات المتعلقة بأوكرانيا، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم التحدي داخل المنظومة الأوروبية نفسها.

ورغم تمديد العقوبات القطاعية على روسيا لفترة جديدة، برزت عراقيل أخرى من داخل الاتحاد، حيث عرقلت كل من المجر وسلوفاكيا تمرير الحزمة الثامنة عشرة من التدابير التقييدية، مبررتين موقفهما بمخاوف تتعلق بأمن الطاقة. هذا التعطيل ألقى بظلاله على قدرة الاتحاد الأوروبي في التصعيد الاقتصادي ضد روسيا، خاصة أن الحزمة الجديدة كانت تتضمن خطوات تصعيدية لافتة تهدف إلى تضييق الخناق على البنية التحتية للطاقة الروسية، ومنع التحايل عبر أطراف ثالثة، وتعزيز فعالية العقوبات على القطاع المالي والطاقة.

في موازاة ذلك، تبرز الحاجة الأوروبية لتوفير دعم عسكري فعّال لكييف. ومع تراجع دور واشنطن، أصبحت المساهمة الأوروبية، بقيادة دول الشمال والمملكة المتحدة، هي الركيزة الأساسية في هذا المجال. ومع أن هذه المساهمات تمكنت من سد بعض الفجوات منذ مارس/آذار، إلا أن الشكوك لا تزال قائمة حول استمراريتها وقدرتها على تغطية كافة احتياجات أوكرانيا، خصوصاً مع ارتفاع تكلفة الحرب وضغوط الرأي العام في بعض الدول الأعضاء.

وتبقى الأولوية الملحة هي تزويد كييف بأنظمة دفاع جوي فعّالة، ومعدات مضادة للطائرات بدون طيار، بالإضافة إلى الذخائر الثقيلة، وهي عناصر حيوية لمواجهة التصعيد الروسي المتواصل. وإذا أراد الاتحاد الأوروبي الحفاظ على صورته كشريك استراتيجي موثوق، فعليه أن يثبت أن التزامه تجاه أوكرانيا لا يقتصر على البعد السياسي أو الرمزي، بل يمتد إلى تحمل مسؤوليات الأمن والدفاع في وجه التهديدات التي تتجاوز حدود أوكرانيا وتمسّ جوهر الأمن الأوروبي الجماعي.

على المدى المتوسط، وبعد أن تتمكّن أوكرانيا من الدفاع عن نفسها بنجاح وبدء مسار تسوية تفاوضية مع روسيا انطلاقًا من موقع قوة، سيكون التحدي الأكبر أمام أوروبا هو المساهمة في إعادة إعمار هذا البلد الذي أنهكته الحرب. وتشير التقديرات إلى أن كلفة تعافي أوكرانيا خلال العقد المقبل قد تصل إلى نحو 524 مليار دولار، وهو مبلغ هائل يُتوقع أن يتحمّل الاتحاد الأوروبي الجزء الأكبر منه، بوصفه الشريك السياسي والاقتصادي الأساسي لكييف.

يُعدّ الاتحاد الأوروبي بالفعل أكبر مانح دولي لأوكرانيا، ويواصل تقديم دعم مالي متكرر ومنهجي لتعزيز استقرارها الاقتصادي وبنيتها التحتية. ففي عام 2025 وحده، التزم الاتحاد الأوروبي بتقديم 30.6 مليار يورو لأوكرانيا، منها 3.5 مليار تم صرفها ضمن “مرفق أوكرانيا”، وهو الإطار التمويلي الأوروبي الرئيسي المخصّص لدعم البلاد. إلى جانب ذلك، تم تخصيص 7 مليارات يورو إضافية في إطار مبادرة قروض “تسريع الإيرادات الاستثنائية” (ERA)، التي أطلقتها مجموعة السبع، وتُموَّل من الأرباح المفاجئة المتأتية من الأصول الروسية المجمدة. وتهدف هذه الجهود مجتمعة إلى جمع ما يقرب من 45 مليار يورو لتأمين الاستقرار المالي والاقتصادي لأوكرانيا.

غير أن الالتزام بهذا الحجم من التمويل يتجاوز بكثير القدرات التقليدية لحكومات الاتحاد الأوروبي، مما يفرض الحاجة إلى تعبئة موارد واسعة النطاق وتبنّي آليات تمويل مبتكرة. أحد أبرز هذه الآليات يتمثل في إشراك طيف واسع من الفاعلين الدوليين، بما في ذلك المؤسسات المالية الدولية، ومنظمات الأعمال، والمجتمع المدني، وشركاء القطاع الخاص. ويعكس هذا التوجه مؤتمر “إنعاش أوكرانيا” المزمع عقده في العاصمة الإيطالية روما يومي 10 و11 يوليو/تموز 2025، والذي يهدف إلى صياغة رؤية جماعية لإعادة الإعمار، تقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتشجع على استثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية والتنمية المستدامة.

لكن إلى جانب البُعد الاقتصادي، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى بلورة استراتيجية شاملة وطويلة الأمد تتجاوز الإعمار، وتضمن الاستقرار الدائم لأوكرانيا. فعملية انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد ستكون بطبيعتها طويلة ومعقدة، ما يستدعي توفير ضمانات أمنية مؤقتة تتيح لها الصمود حتى تحقق العضوية الكاملة. في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تفعيل البند 42(7) من معاهدة الاتحاد الأوروبي، الذي ينص على الدفاع المشترك، وهو ما يتطلب توفير آليات دعم أمنية انتقالية تملأ هذا الفراغ حتى تصبح أوكرانيا عضوًا كامل العضوية.

يمكن تلبية هذه الحاجة من خلال تعزيز “مرفق السلام الأوروبي”، الذي يموّل قدرات كييف الدفاعية، ويمكّنها من حماية أراضيها بشكل مستقل. إلى جانب ذلك، يجب أن تشمل الاستراتيجية الأوروبية إرسال بعثات مدنية وعسكرية ذات طابع استشاري وتدريبي، تعمل على تطوير أداء القوات المسلحة الأوكرانية، ومؤسسات الأمن والدفاع، بما في ذلك تقديم الدعم اللوجستي والتقني وبناء القدرات المؤسسية.

إن التحدي الذي يواجه أوروبا في هذه المرحلة لا يقتصر على استجابة إنسانية أو التزام سياسي مؤقت، بل يتمثل في إعادة تشكيل واقع استراتيجي جديد في شرق القارة، يرتكز على بناء دولة قادرة وموثوقة، تكون جزءًا من الفضاء الأوروبي من حيث القيم والأمن والمصالح المشتركة.

إعداد الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا

في الوقت الذي يتطلع فيه الاتحاد الأوروبي إلى تحويل انضمام أوكرانيا إلى قصة نجاح جديدة في تاريخه التوسعي، فإن عليه في المقابل أن يستخلص العِبر من تجارب الماضي، وأن يشرع في إجراء إصلاحات عميقة تشمل سياسة التوسّع وآليات العمل الداخلي. فنجاح هذا المسار لن يعتمد فقط على مدى استعداد أوكرانيا لتلبية الشروط والمعايير الأوروبية، بل أيضاً على مدى قدرة الاتحاد نفسه على التكيّف مع التحولات الكبرى التي تفرضها هذه الخطوة الاستراتيجية.

في ما يخص سياسة التوسع، فإن إدماج أوكرانيا، وربما لاحقاً دول غرب البلقان أو بعض دول الجوار الشرقي، يتطلب مقاربة أكثر مرونة من تلك المعتمدة حالياً. ومن بين الإجراءات الممكنة التي يمكن أن تُمهّد الطريق لهذا التوسّع، السماح لأوكرانيا بالوصول التدريجي إلى السوق الأوروبية الموحدة، باعتباره خطوة انتقالية نحو العضوية الكاملة. كما يمكن التفكير في إدماجها الجزئي في آليات التمويل الأوروبية من خلال منحها تدريجياً إمكانية الوصول إلى الصناديق الهيكلية خلال مرحلة ما قبل الانضمام، وهو ما من شأنه أن يسرّع عملية التكيّف المؤسسي والاقتصادي. كذلك، يمكن تعزيز مستوى مشاركة أوكرانيا في المؤسسات الأوروبية، من خلال منح ممثليها دورًا تدريجيًا في بعض الهيئات واللجان، بما يرسّخ شعورها بالانتماء إلى الفضاء الأوروبي حتى قبل الاكتمال الرسمي لعضويتها.

على المستوى الداخلي للاتحاد، لا يقل حجم التحديات عن مثيله في المسار التوسّعي. فإضافة إلى الإصلاحات المؤسسية التي ستكون ضرورية لضمان فاعلية صنع القرار في منظومة أوروبية أكثر اتساعًا، فإن إدماج أوكرانيا سيفرض إعادة النظر في توزيع ميزانية الاتحاد الأوروبي، وخاصة في ما يتعلّق بسياسات التماسك والسياسة الزراعية المشتركة. فمن المتوقع أن يؤدي انضمام أوكرانيا، وهي دولة ذات دخل منخفض نسبيًا مقارنة بمتوسط الاتحاد، إلى خفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد، ما سيؤثر بدوره على أولويات توزيع الموارد. وستتطلب هذه التحوّلات إعادة هيكلة للصناديق المالية الأوروبية، لا سيما صناديق التماسك التي تستهدف تعزيز التنمية الإقليمية، والتي قد تتأثر بإعادة توجيهها نحو أوكرانيا ومناطقها المتضررة.

من بين أبرز التحديات المثارة أيضًا، ما يتعلق بالسياسة الزراعية المشتركة. نظرًا لأن هذه السياسة تعتمد في جزء كبير منها على المساحات الزراعية للدول الأعضاء، فإن أوكرانيا، التي تمتلك واحدة من أكبر الرقع الزراعية في أوروبا، ستتحول إلى مستفيد رئيسي منها. وتشير تقديرات مركز “بروغل” إلى أن كييف قد تتلقى ما يصل إلى 85 مليار يورو، بناءً على آليات التوزيع الحالية، ما يستدعي ضرورة إعادة النظر في هذه اللوائح لضمان العدالة والاستدامة المالية لبقية الدول الأعضاء.

في المجمل، لا شك أن تأمين انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي يمثّل تحديًا متعدّد الأبعاد لكلا الطرفين. فمن جهة، يتطلب الأمر من كييف التقدّم المتواصل في عملية الإصلاح الداخلي، ومواءمة قوانينها ومؤسساتها مع المعايير الأوروبية، مع الحفاظ على جهوزيتها العسكرية في ظل استمرار الصراع وضبابية المشهد الأمني. ومن جهة أخرى، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى وضع خطة طويلة المدى للإعمار، وتوفير الضمانات الأمنية، وفي الوقت ذاته مواجهة استحقاقات داخلية كبرى تفرضها عملية التوسّع، سواء من حيث تعديل نظام اتخاذ القرار، أو تحديث السياسات القطاعية لتكون قادرة على استيعاب شريك جديد بهذا الحجم والتأثير.

بالتالي، فإن نجاح هذا المشروع لا يكمن فقط في إعلان عضوية أوكرانيا، بل في بناء نموذج متكامل يعكس وحدة القارة وقدرتها على تجاوز الأزمات، وإعادة تعريف مفهوم التوسّع الأوروبي ليصبح أكثر واقعية، وأكثر تماشيًا مع التحديات الجيوسياسية الراهنة.

يُشكّل مستقبل أوكرانيا حجر الأساس في منظومة الأمن الأوروبي، ليس فقط باعتبارها ساحة للصراع الجيوسياسي مع روسيا، بل أيضًا بوصفها دولة محورية في استقرار الجوار الشرقي للاتحاد الأوروبي. فالاندماج الكامل لأوكرانيا في المنظومة الأوروبية يُعد الخيار الأنجع والأكثر أمانًا لتجنّب استمرار التوتر والمنافسة مع روسيا الانتقامية، التي تسعى للحفاظ على نفوذها في الفضاء السوفييتي السابق. كما يُقلّل هذا الاندماج من خطر انهيار الدولة الأوكرانية وتحولها إلى نقطة توتر مزمنة في خاصرة أوروبا الشرقية، بكل ما يحمله ذلك من تبعات أمنية وإنسانية.

في الوقت ذاته، لا تقتصر مبرّرات دمج أوكرانيا على البعد الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل منطقًا اقتصاديًا واستثماريًا قويًا. فجهود إعادة الإعمار بعد الحرب تمثّل فرصة استراتيجية لتوسيع آفاق الاقتصاد الأوروبي وتحديثه، من خلال ضخ استثمارات جديدة في قطاعات حيوية مثل الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والزراعة. وبما أن أوكرانيا تمتلك موارد طبيعية هائلة، وأراضي زراعية واسعة، وقاعدة بشرية متعلمة، فإن إعادة بنائها ضمن إطار أوروبي سيخلق فرصًا غير مسبوقة للنمو والتكامل الاقتصادي على مستوى القارة.

لكن تحويل هذا الطموح إلى واقع يتطلب أكثر من مجرد نوايا سياسية. فدمج أوكرانيا بشكل ناجح ومستدام في الاتحاد الأوروبي يستوجب التزامًا طويل الأمد من جانب الدول الأعضاء، يترافق مع توفير موارد مالية ضخمة، ودعم فني ومؤسساتي، ورؤية استراتيجية تستشرف التحديات وتعالجها بواقعية. إنه مشروع جيلٍ كامل، وليس مجرد استجابة ظرفية لأزمة آنية، ويتطلب توافقًا سياسيًا حقيقيًا داخل الاتحاد، إلى جانب شراكة مسؤولة ونشطة من الجانب الأوكراني.

في نهاية المطاف، فإن دمج أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي ليس فقط خيارًا جيوسياسيًا عقلانيًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان أوروبا أكثر استقرارًا وازدهارًا وقدرة على الصمود في وجه التحديات العالمية المقبلة.

نيكوليتا بيروزي

4 يوليو/تموز 2025
مركز أسبار
رابط البحث

https://www.iai.it/en/pubblicazioni/c05/securing-ukraines-path-towards-eu-status-and-perspectives