ذات صلة

الناتو بعد لاهاي: تحالفٌ ذو قضيةٍ واحدة، مستدام، وأكثر أوروبيةً

يمكن النظر إلى قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخيرة في لاهاي على أنها إنجاز دبلوماسي وسياسي نسبي، وخصوصاً في ظل عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وما يثيره ذلك من مخاوف أوروبية بشأن التزام الولايات المتحدة تجاه الحلف. ورغم التحديات، تمكّن الحلف من الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي بين أعضائه، من خلال جدول أعمال واقعي ومحدود يركّز على الأولويات الأساسية للحلف: ردع روسيا، وضمان بقاء الولايات المتحدة شريكاً فعّالاً في الدفاع الجماعي، والتعامل مع القيود المالية التي تواجهها العديد من دول الحلف.

ما يميّز هذه القمة بشكل خاص هو الاتفاق على هدف إنفاق دفاعي جديد يتسم بالمرونة، ويُقسم إلى شقين: الأول تقليدي، ويتعلق بزيادة الإنفاق العسكري المباشر إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ويشمل القوات المسلحة الوطنية وتجهيزاتها. أما الشق الثاني، فيمنح الدول الأعضاء هامشاً أوسع عبر إدراج ما نسبته 1.5% إضافية ضمن “سلة موسعة” من الإنفاق المرتبط بالأمن والدفاع، تشمل الاستثمارات في البنى التحتية الحيوية والمرونة المدنية، وهي مجالات كانت معظم الدول الأوروبية تستثمر فيها بالفعل. هذا النهج يوفّر مخرجاً عملياً يسمح بتكييف الالتزامات الدفاعية وفقاً للواقع الاقتصادي والسياسي في كل دولة.

ومن خلال هذا التمييز، تمكّن الحلف من الحفاظ على تماسكه الداخلي، لا سيما في دول مثل إيطاليا التي تواجه صعوبات في تخصيص ميزانيات عسكرية مرتفعة. فبدلاً من أن تضطر إلى رفع إنفاقها الدفاعي المباشر إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، يكفي أن تلتزم بنسبة 3.5% في المجال العسكري المباشر، وتدرج النسبة المتبقية ضمن الإنفاق الأمني الأوسع. هذا يعكس نوعاً من الواقعية السياسية والاقتصادية التي قد تساعد في الحفاظ على الوحدة داخل الحلف في مواجهة التهديدات الخارجية.

وبالنظر إلى البيئة الأمنية الدولية الحالية، التي لا تزال مشحونة بالتوترات الناتجة عن الغزو الروسي لأوكرانيا، يُعدّ هذا الهدف الجديد للإنفاق بمجمله وسيلة لتعزيز القدرة الجماعية للناتو على الردع والاستعداد. كما يساهم في صون الغاية التاريخية التي تأسس من أجلها الحلف، وهي ضمان “السلام في الغرب” والحفاظ على “سلام الغرب”، في إشارة إلى أمن الشعوب الغربية واستقرار النظام الدولي الذي تدعمه القوى الغربية.

إذا كان السلام في الغرب يستحق هجومًا ساخراً على ترامب

من منظور تاريخي، تمثّل “السلام في الغرب” الهدف الجوهري لحلف شمال الأطلسي منذ تأسيسه، وهو هدف تجاوز مجرّد ردع التهديدات الخارجية ليشمل احتواء الانقسامات والصراعات المحتملة داخل القارة الأوروبية نفسها. فالحلف لم يجمع فقط دولاً واجهت بعضها البعض في الحربين العالميتين، بل ضم أيضاً خصوماً إقليميين تقليديين مثل اليونان وتركيا، وحتى دولاً كانت في حالة اقتتال داخلي في تسعينيات القرن الماضي في منطقة البلقان. الحفاظ على هذا الشكل من السلام يعني منع أوروبا من العودة إلى نماذج التنافس السيادي في مجال الأمن والدفاع، والتي لطالما قادت إلى نزاعات كارثية في القرون الماضية.

هذا النجاح لم يكن ممكناً من دون عنصر أميركي فاعل – وإن كان محدوداً – من حيث الوجود العسكري والردع النووي. فحضور الولايات المتحدة في أوروبا لا يعمل فقط كدرع خارجي، بل كضمان داخلي أيضاً، يمنع الدول الأوروبية من السعي لتطوير سياسات دفاع مستقلة أو تحالفات موازية من شأنها تفكيك وحدة الحلف، ويدعم استمرار الثقة بين أعضاء الناتو. إذ إن غياب هذا الوجود، أو حتى تراجعه بشكل حاد، من شأنه أن يفتح الباب أمام سباقات تسلّح جديدة، وربما حتى نقاشات غير مألوفة عن ضرورة امتلاك بعض الدول الأوروبية لأسلحة نووية وطنية – وهي سيناريوهات تحمل بذور الانقسام والاضطراب داخل المنظومة الغربية نفسها.

في هذا السياق، فإن ما بدا للبعض أنه “مُجاملة مفرطة” من الأمين العام للناتو، مارك روته، تجاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يمكن فصله عن الضرورات الاستراتيجية لهذا الظرف. فالحفاظ على استمرارية الدعم الأميركي – في ظل مزاج سياسي أميركي متقلّب ومعارضة متزايدة للتورط في الشؤون الأوروبية – يتطلب في بعض الأحيان تقديم تنازلات رمزية ودبلوماسية لا تُرضي الجميع، لكنها تُجنب الحلف كلفة استراتيجية باهظة. لذلك، قد يُنظر إلى لهجة روته، التي انتقدها مراقبون كنوع من الإذعان، على أنها خطوة محسوبة في لعبة أكبر هدفها النهائي الحفاظ على تماسك الحلف، وضمان ألا يعود التاريخ الأوروبي إلى ما قبل 1945.

ردع أي هجوم روسي على الجناح الشرقي لحلف الناتو يُعادل 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

الهدف الثاني الشامل لحلف شمال الأطلسي، والمتمثل في “سلام الغرب”، يركز على الردع والدفاع الجماعي ضد التهديد الروسي، وكان هذا الهدف هو المحرك الرئيسي للموقف العسكري للحلف خلال فترة الحرب الباردة. في تلك الحقبة، شكّل وجود الناتو كتحالف عسكري قوي ضمانة رئيسية للحفاظ على الاستقرار في أوروبا الغربية، وردع أي عدوان محتمل من جانب الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو.

مع سقوط الاتحاد السوفيتي في 1991، وتراجع التوترات مع روسيا لفترة، تحول تركيز الناتو تدريجياً نحو مهام جديدة تشمل إدارة الأزمات وبناء الشراكات في مناطق مثل غرب البلقان وشمال إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى. خلال هذه المرحلة، كان الحلف يعمل بوصفه نوعاً من “بوليصة التأمين” التي تحمي أوروبا من عودة أي عدوان روسي محتمل، ولكن دون أن يكون الردع العسكري هو الأولوية القصوى.

غير أن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2014، وتصعيد العدوان بشكل واسع منذ عام 2022، أعادا الأمور إلى نقطة البداية، حيث عاد الناتو ليضع الردع والدفاع الجماعي في صدارة أولوياته. في ظل استمرار الحرب، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها النظام الروسي، يستمر الكرملين في تخصيص موارد ضخمة للدفاع، حيث يُتوقع أن تصل نفقات الدفاع إلى حوالي 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، مع خطط لزيادة عدد الجنود إلى 1.5 مليون في الخدمة. هذا الإنفاق العسكري والتصعيد المستمر يشكلان تهديداً دائماً ومباشراً لأمن أوروبا.

في هذا السياق، جاءت قمة الناتو الأخيرة لتؤكد على “التهديد طويل الأمد” الذي تمثله روسيا على الأمن الأوروبي الأطلسي، حيث وقّع الرئيس ترامب بياناً يكرّس هذا الموقف، ويؤكد التزام الحلف بالردع والدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة واشنطن، دون أي مواربة أو لبس. ويعتبر هذا الالتزام حجر الزاوية في التحالف، ويمثّل تعهداً جماعياً بالدفاع المشترك عن أراضي وحلفاء الناتو.

لكن هذا الالتزام يتطلب من جميع الدول الأعضاء مستوى معقولاً من الإنفاق العسكري، وهو أمر أصبح أولوية قصوى في إدارة ترامب. في حقبة الحرب الباردة، كانت الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف تنفق حوالي 3% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، إلا أن هذا المعدل تراجع إلى النصف في المتوسط خلال التسعينيات وبداية الألفية، مع تراجع التهديد المباشر من حلف وارسو، ما أضعف القدرات الدفاعية الأوروبية بشكل كبير. اليوم، يعيد الناتو بناء هذه القدرات ويحث الأعضاء على استعادة مستويات الإنفاق المناسبة لضمان فاعلية الردع والدفاع الجماعي في مواجهة التحديات الأمنية الجديدة.

لقد نجحت الدول الأوروبية حتى الآن في تحقيق هدف إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، وهو الحد الأدنى الذي تم تحديده عام 2014 بعد الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم. ومع ذلك، فإن الهدف الجديد الذي اتفق عليه الحلفاء الأوروبيون والمتمثل في رفع الإنفاق إلى 3.5% بحلول عام 2035 يعكس طموحات أوسع وأعمق، حيث يدمج بين تحقيق هدف “سلام الغرب” القائم على ردع أي هجوم روسي وصدّه في حال حدوثه، وبين الحفاظ على “السلام في الغرب” الذي يعتمد على استمرار الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.

هذا المستوى من الإنفاق، بالرغم من ارتفاعه مقارنة بالماضي، يظل أقل بكثير مما قد تتكبده أوروبا في حال نشوب حرب واسعة النطاق مثل تلك الدائرة في أوكرانيا اليوم. ويُعدّ هذا السيناريو احتمالًا لا يمكن تجاهله إذا فشل الردع الحالي في منع التصعيد. كما أن الإنفاق المقترح أقل بكثير من التكاليف التي ستواجهها أوروبا إذا اضطرت للدفاع عن نفسها بشكل مستقل، في حال قررت الولايات المتحدة الانسحاب الكامل من الحلف. فمن المؤكد أنه يمكن استبدال جزء من القوات الأمريكية المنتشرة حالياً في أوروبا، والتي يبلغ عددها نحو 100 ألف جندي، بالإضافة إلى الأصول العسكرية الاستراتيجية، بقدرات أوروبية متنامية بفضل زيادة الميزانيات الدفاعية. إلا أن الاستبدال الكامل لتلك القوات والأصول سيكون مهمة صعبة ومعقدة ومكلفة للغاية، لا سيما إذا أُضيف إليها تحدّي بناء قوة نووية ردعية لمواجهة التهديد النووي المستمر من موسكو.

في الوقت نفسه، تبقى أوكرانيا خارج حلف الناتو، رغم الدعم الكبير الذي تقدمه لها دول الحلف في مواجهة العدوان الروسي. وعبر قمة لاهاي، تم التأكيد بوضوح على حدود مسؤوليات الدفاع المشترك للحلف، مستبعدة بشكل صريح انضمام أوكرانيا إلى الحلف في الوقت الراهن. وقد تم التخلي عمليًا عن احتمال انضمام كييف بعد الغزو الروسي في 2022، حين رفضت إدارة بايدن تحديد جدول زمني للتوسع خلال قمة فيلنيوس عام 2023، مما أرجأ هذه المسألة إلى أجل غير مسمى. مع ذلك، تحافظ الإدارة الأمريكية الحالية وحلف الناتو بشكل عام على سردية مستقبلية تفاؤلية حول عضوية أوكرانيا، تصفها قمة واشنطن في 2024 بأنها “مسار لا رجعة فيه”، رغم تعارض هذه الرواية مع الواقع العملي الراهن، وهو ما يعكس تعقيدات السياسة الأمنية الأوروبية والولايات المتحدة في هذه المرحلة الحساسة.

أوضحت إدارة ترامب بشكل قاطع في فبراير 2025 أن أوكرانيا لن تنضم إلى حلف الناتو في الوقت القريب، وهو موقف انعكس بوضوح في بيان قمة لاهاي الذي لم يتضمّن أي إشارة إلى إمكانية انضمام أوكرانيا للحلف. وكان من اللافت أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حضر العشاء الرسمي كضيف يمثل دولة شريكة، لكنه لم يُدعى للمشاركة في جلسة العمل الخاصة برؤساء دول وحكومات الحلفاء، مما يعكس بُعد الحلف الفعلي عن توسيع العضوية في المرحلة الراهنة.

مع ذلك، جاء في بيان عام 2025 بند مهم ينص على احتساب تكلفة المساعدات العسكرية المقدمة لأوكرانيا من قبل دول الناتو ضمن هدف الإنفاق الدفاعي البالغ 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ويُعد هذا بمثابة حافز واضح للحلفاء لمواصلة تقديم دعم ملموس وفعّال لكييف، من دون الحاجة إلى عضويتها المباشرة في الحلف.

هذا التوجه يعكس خياراً عملياً يستند إلى فرضية أن دعوة أوكرانيا للانضمام إلى الناتو ليست خطوة قابلة للتنفيذ في الوقت الراهن، ولذا فإنه من الأفضل دعمها عبر آليات بديلة تمكّنها من الدفاع عن نفسها في مواجهة العدوان الروسي. فبدلاً من التركيز على العضوية الرسمية، يُولي الحلف وأعضاؤه أهمية كبرى لتعزيز القدرات العسكرية الأوكرانية، مع ضمان استمرارية الدعم السياسي والعسكري ضمن إطار الشراكة الواسعة، ما يسهم في تحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة دون إثارة صراعات داخلية في الحلف نفسه.

حلف شمال الأطلسي (الناتو) الإقليمي ذو القضية الواحدة، المستدام والأوروبي (أكثر)

يتميز حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تشكّل في قمة لاهاي، والذي من المرجح أن يحافظ على نفس الاتجاه على الأقل في ظل إدارة ترامب، بأربع سمات رئيسية تشكل هويته ومسار عمله في المرحلة القادمة: إقليمي، ذو قضية واحدة، مستدام، وأوروبي بشكل أكبر.

أولاً، من الناحية الإقليمية، يركّز الناتو بشكل واضح على حماية أراضي الدول الأعضاء، مع اهتمام خاص بجناحه الشرقي الممتد من الدول الإسكندنافية مرورًا بأوروبا الوسطى والشرقية وحتى البحر الأسود. بالمقابل، يغيب الحديث في بيان قمة 2025 عن الجناح الجنوبي للحلف، ولا يذكر أي إشارة ملموسة إلى شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط، أو حتى مناطق المحيطين الهندي والهادئ. ورغم حضور وزير الدفاع الأسترالي في لاهاي، فإن دول ما تُسمى بـ”البحر الأبيض المتوسط الموسّع” التي تقع خارج نطاق عضوية الحلف، تبقى خارج نطاق أجندة الناتو الرسمية المتفق عليها في القمة، ما يعكس تضييقًا جغرافيًا لاهتمامات الحلف.

ثانيًا، تحت إدارة ترامب، يبدو أن الناتو يتحول إلى حلف “ذو قضية واحدة”، حيث يركز بشكل صارم على هدف الردع والدفاع الجماعي، متخلّياً إلى حد كبير عن العديد من الملفات التي كانت حاضرة في سياسات الناتو خلال السنوات الأخيرة. فبيان القمة، الذي اقتصر على صفحة واحدة فقط مع خمس نقاط رئيسية، محا العديد من الكلمات المفتاحية التي ميزت الحلف في السابق، مثل الشراكة، والتعاون مع الاتحاد الأوروبي، وتغير المناخ، والتهديدات الهجينة، والجريمة المنظمة، والاتجار غير المشروع، وحتى التحدي الصيني. هذا التراجع يشير إلى أن الناتو لم يعد يتعامل بجدية مع هذه القضايا، مفضلاً تركيز جهوده على أمنه الداخلي وأولوياته المباشرة.

ثالثًا، في حين يبقى الأمن التعاوني ومنع الأزمات وإدارتها جزءًا من المفهوم الاستراتيجي للناتو، إلا أنها تُعتبر ثانوية مقارنة بالتركيز الأساسي على الردع والدفاع الجماعي، وسيظل هذا التوازن قائمًا في المستقبل القريب. ويواصل الحلف تنفيذ عمليات مهمة للحفاظ على الأمن الأوروبي، مثل عملية كوسوفو التي تهدف إلى حفظ السلام بين المجموعتين العرقيتين الصربية والألبانية، ودوريات “سي جارديان” في البحر الأبيض المتوسط، ومهمة تدريب قوات الأمن في العراق.

رابعًا، يبقى التعاون مع الاتحاد الأوروبي والشراكات مع الدول غير الأعضاء في الناتو قائمًا، لكنه يتسم بتفاوت في الأولويات والمستوى. فالشراكة مع أوكرانيا تحتل أولوية قصوى لدى أوروبا، بينما تلعب العلاقات مع غرب البلقان دورًا مهمًا في استقرار المنطقة. ومع ذلك، من غير المرجح أن يحظى التعاون مع الاتحاد الأوروبي بنفس القدر من الاهتمام في ظل إدارة ترامب، ما يعكس تحوّلًا في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الحلف والشراكات الإقليمية.

بالتالي، يعكس مسار الناتو الحالي خلال قمة لاهاي تحولًا نحو تكثيف التركيز على الدفاع الإقليمي والردع العسكري، مع تراجع واضح في الدور متعدد القضايا والشراكات الموسعة، ما يضع الحلف في إطار أكثر ضيقًا وأقل تنوعًا من ذي قبل، في سياق تحديات جيوسياسية متزايدة.

تعكس المرحلة الحالية من تطور حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما تجلّت في قمة لاهاي، تحوّلاً واضحاً نحو مفهوم أكثر إقليمية وأحادية في التركيز، ما يعني حلفاً أقل انخراطاً في القضايا المتعددة الأطراف وأوسع نطاقاً، وأكثر اهتماماً بتعزيز قوته الجماعية في مواجهة التهديد الروسي. ففي الوقت الذي تزداد فيه أهمية شركاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ – مثل أستراليا وكوريا الجنوبية واليابان – بوصفهم محاورين سياسيين وعسكريين واقتصاديين، تتجه الشراكات مع دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط نحو التراجع والجمود، كما كان الحال منذ عام 2022، دون أي مؤشرات جدّية على تجديد هذه العلاقات أو إعطائها زخماً جديداً.

هذا الخيار الاستراتيجي ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس لنهج متعمَّد يهدف إلى تقليص المساحات الخلافية داخل الحلف، والتركيز على القضايا التي يمكن الاتفاق عليها، وهي بدرجة كبيرة تتعلق بالدفاع عن أراضي الحلفاء ضد الخطر الروسي. في هذا السياق، لا يبدو أن الحديث عن استراتيجية موحّدة تجاه الشرق الأوسط مجدٍ، في ظل التباين الحاد بين مواقف الدول الأعضاء، بدءًا من تقلب سياسات واشنطن، مروراً باعتبارات أنقرة الأمنية، وصولاً إلى الخلافات الأوروبية حول العلاقة مع إسرائيل.

وبدل الانخراط في ملفات خلافية، يعيد الناتو تشكيل نفسه كتحالف مستدام، قابل للاستمرار حتى في حال انسحاب تدريجي للولايات المتحدة من التزاماتها العسكرية التقليدية تجاه أوروبا. وهو ما يتجسّد في دفع الدول الأوروبية نحو زيادة إنفاقها الدفاعي إلى 3.5٪ من ناتجها المحلي، واستبدال بعض القوات الأميركية تدريجياً في القارة، دون الاستغناء عنها بالكامل. هذا النمط الجديد من الحلف – حلف “أوروبي أكثر” – يقوم على تحمّل الأوروبيين لمسؤوليات أمنهم بشكل أكبر، ويمنحهم زمام المبادرة في مجالات حيوية، من الاستثمار في القدرات، إلى القيادة داخل بنية الحلف، وصولاً إلى اتخاذ القرار الاستراتيجي.

وفي الواقع، أصبح هذا التوجّه أكثر وضوحاً بعد عام 2022، حين تقلّص الوجود الأميركي المباشر في الجناح الشرقي للحلف إلى كتيبة واحدة من أصل ثماني كتائب متعددة الجنسيات، مقابل تعهّد الحلفاء بنشر نحو 200 ألف جندي في غضون ثلاثين يوماً في حال وقوع تصعيد من روسيا. هذا الالتزام يعكس تحولًا فعليًا نحو تحمّل الأوروبيين العبء الأكبر من الردع والدفاع الجماعي، ويعبّر عن مفهوم “الركيزة الأوروبية” للناتو، التي لطالما دافعت عنها دول مثل إيطاليا، وتبنّتها حكومات من توجهات سياسية مختلفة، مثل حكومة جورجيا ميلوني.

هذا التحول يفرض على الأوروبيين مسؤوليات جديدة، تبدأ بإدراج عدد أكبر من الكوادر الأوروبية في مواقع القيادة ضمن الحلف، وامتلاك الحد الأدنى من القدرات الاستراتيجية الضرورية لضمان الردع، بالإضافة إلى بناء تنسيق عسكري وسياسي أكثر تماسُكًا داخل هياكل الناتو. بعبارة أخرى، لم تعد أوروبا قادرة على التعويل على القيادة الأميركية بالشكل ذاته الذي ساد طوال تاريخ الحلف، بل عليها أن تثبت أنها قادرة على تفعيل الحلف وصيانته حتى في ظل وجود أميركي أقل وضوحاً أو أقل التزاماً.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن اعتبار قمة لاهاي نجاحًا نسبياً، ليس لأن الحلف حلّ كل مشكلاته أو واجه تحدياته الكبرى، بل لأنه حدّد أولوياته بوضوح، واتفق على قواعد جديدة للعبة داخل حلف يُعاد تشكيله في زمن يتّسم بعودة القوى الكبرى، وتراجع الهيمنة الأميركية التقليدية، واشتداد الأزمات الجيوسياسية. وبينما يمرّ “السلام الأميركي” بأزمة عميقة، هناك فرصة حقيقية لأن يتبلور “سلام أوروبي أطلسي” جديد، أكثر واقعية وتكيّفًا مع الحقائق المتغيّرة. صحيح أن مسار كهذا سيكون شاقاً في ظل شخصية يصعب التنبؤ بتوجهاتها كدونالد ترامب، لكنه – من وجهة نظر عملية – يبقى خياراً أفضل من التردد والانقسام، وخطوة نحو بناء حلف ناتو أكثر توازناً، وأكثر استقلالية، وأكثر استعداداً لمواجهة المستقبل.

أليساندرو ماروني
4 تموز/يوليو 2025

مركز أسبار
رابط البحث

https://www.iai.it/en/pubblicazioni/c05/nato-after-hague-single-issue-sustainable-and-more-european-alliance