ذات صلة

الهوية الكردية: الماضي، الحاضر، المستقبل

ملخّص

يتناول هذا المقال الهوية الكردية عبر الماضي والحاضر واستشراف المستقبل، مع تركيز خاص على أكراد العراق في إطار حكومة إقليم كردستان. فقد بات الإقليم يمتلك معظم مقومات الدولة المستقلة: رئيس ورئيس وزراء، وبرلمان منتخب، إلى جانب علم ونشيد وطنيين. كما أن له جيشًا خاصًا يُمنع بموجبه الجيش العراقي الاتحادي من دخول أراضيه، فضلاً عن وجود مطارات دولية ونظام تعليمي تُعد اللغة الكردية فيه لغة التدريس الرئيسية. وحتى ختم جوازات السفر لزوار الإقليم يحمل طابعًا خاصًا.

يُناقش المقال أيضًا سياسات إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تجاه الأكراد، ويطرح تساؤلًا جوهريًا: لماذا لا تُقام عدة دول كردية؟ إذ أن هناك 22 دولة عربية، و6 دول تركية. وإن كان تحقيق وحدة كردية شاملة يبدو صعبًا، فما المانع من إقامة دولتين كرديتين على الأقل، كحكومة إقليم كردستان في العراق، وروج آفا في سوريا؟

ومع أن الدعم الأمريكي الكامل لا يزال غائبًا، لا ينبغي لهذا أن يُحبط عزيمة أكراد العراق. فحتى في أوروبا، بدت إدارة ترامب مترددة في ضمان استقلال القارة عن نفوذ روسيا بقيادة بوتين. لذلك، فإن الطموح الكردي في الاستقلال يتطلب الصبر والاستمرارية.

أما فيما يخص جهود السلام بين حزب العمال الكردستاني وتركيا، فبالرغم من الآمال الأولية، يبدو من غير المرجّح أن تنجح، إذ يُنظر إليها كتنازل من الحزب أكثر من كونها اتفاقًا يضمن الحقوق الدستورية للأكراد مقابل نزع سلاحهم.

في المحصلة، أحرز الأكراد، خاصة في العراق، تقدماً ملحوظاً على صعيد حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية، وهي حقوق مكفولة في الدستور. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة، إذ إن تحقيق التنسيق والوحدة الكرديين يظلّ أمرًا بالغ الأهمية رغم صعوبته.

يُذكر أن الأكراد، الذين يزيد عددهم عن 30 مليون نسمة، يعيشون في المناطق الجبلية التي تلتقي فيها حدود تركيا وإيران والعراق وسوريا. وهم يُعدّون أكبر مجموعة عرقية في العالم بلا دولة مستقلة. ينتمي معظمهم إلى المذهب السني، مع وجود أقليات شيعية وعلوية ويزيدية وغيرها. ورغم اختلافهم العرقي عن العرب والأتراك، فإنهم يرتبطون بالإيرانيين ثقافيًا، إذ يشاركونهم الاحتفال بعيد النوروز (رأس السنة) في مطلع الربيع. كما يتحدث الأكراد لغتهم الخاصة، الكردية، وهي لغة هندو-أوروبية تضم العديد من اللهجات.

رغم التقديرات المتعددة، لا توجد أرقام دقيقة عن عدد السكان الأكراد. فبعض المجتمعات الكردية تميل إلى تضخيم أعدادها لتأكيد أهميتها، بينما تسعى الدول التي يعيش فيها الأكراد تقليديًا إلى تقليص هذه الأرقام لتقليل شأنهم السياسي والديموغرافي. علاوة على ذلك، اندمج كثير من الأكراد جزئيًا أو كليًا في المجتمعات العربية أو التركية أو الإيرانية الأوسع، مما يصعّب تقدير عددهم بدقة.

وتجدر الإشارة إلى أن منطقة كردستان تحتضن أيضًا عددًا من الأقليات التي، رغم تنوّعها، تعتبر نفسها في كثير من الأحيان جزءًا من النسيج الكردستاني. من بين هذه الجماعات: الآشوريون والأرمن من المسيحيين، إلى جانب التركمان والأتراك والعرب والإيرانيين، وغيرهم.

أما عن أصل الأكراد، فلا يزال موضع جدل بين الباحثين. فبينما يربط بعض العلماء الأكراد بقبائل هندو-أوروبية استقرت في المنطقة منذ عام 2000 قبل الميلاد، يذهب الأكراد أنفسهم إلى أنهم ينحدرون من الميديين الذين أسهموا في إسقاط الإمبراطورية الآشورية عام 612 قبل الميلاد. كما يروون روايات أسطورية عن أصولهم، تربطهم بالملك سليمان والجن والسحرة. وهناك أيضًا من يعتقد أن “الكاردوشوي”، الذين ذكرهم زينوفون في كتابه أناباسيس وواجهوا جيشه في انسحابه من بلاد فارس عام 401 قبل الميلاد، هم أجداد الأكراد المعاصرين.

مع الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، أطلق العرب اسم “الأكراد” على سكان الجبال الذين أسلموا في تلك الفترة. ويُسجل التاريخ أن القائد الشهير صلاح الدين الأيوبي، الذي واجه الصليبيين وريتشارد قلب الأسد ببسالة ونجاح، كان من أصل كردي.

لقد شكّلت تطلعات الأكراد نحو تقرير المصير، سواء عبر الاستقلال أو الحكم الذاتي الثقافي، دافعًا لسلسلة شبه متواصلة من الانتفاضات الكردية منذ تشكّل الشرق الأوسط الحديث عقب الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية. بالمقابل، تنظر الدول التي يعيش فيها الأكراد بعين الريبة إلى تلك الطموحات، خشية أن تهدد وحدة أراضيها، وهو ما يشكل جوهر “القضية الكردية” في العصر الحديث.

ورغم وحدة الهدف الكردي المتمثل في تأسيس دولة قومية، فإن الانقسامات العميقة بينهم – جغرافية، سياسية، لغوية، وقبلية – ما تزال واضحة. فطوال قرن من الثورات الكردية، غالبًا ما وقفت مجموعات كردية مع الحكومات الوطنية ضد الأكراد الثائرين، بدافع العداوات القبلية. ففي العراق، كان يُطلق على الأكراد الموالين للحكومة لقب “جوش” (الحمير الصغيرة)، في حين أنشأت تركيا ميليشيات كردية موالية للحكومة، تُعرف باسم “حراس القرى”.

على نحو مشابه للعوامل الأخرى التي أضعفت تطور الهوية الكردية، لعبت اتفاقية سايكس بيكو سيئة السمعة، التي أبرمتها بريطانيا وفرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، دورًا سلبيًا بالغ الأثر. فقد منحت الاتفاقية جزءًا كبيرًا من كردستان للهيمنتين البريطانية والفرنسية، وللدول المصطنعة التي أسّستها أو سعت إلى إنشائها. ومنذ ذلك الحين، أصبحت سايكس بيكو رمزًا للتلاعب الإمبريالي بمصير الأكراد.

كما مثّلت معاهدة سيفر لعام 1920، التي وُلدت ميتة، فرصة ضائعة لتحقيق شكل من أشكال “الحكم الذاتي المحلي” في المناطق ذات الأغلبية الكردية، كما نصّت المادة 62 من المعاهدة. بل إن المادة 64 فتحت المجال – نظريًا – لاحتمال استقلال كردي عن الدولة التركية. لكن هذه الوعود لم تتحقق، إذ جاءت معاهدة لوزان عام 1923 لتُعلن قيام الجمهورية التركية الحديثة، بعد أن فشلت المطالب الكردية في تحقيق أي نتائج ملموسة.

تاريخيًا، ظهرت القومية الكردية متأخرة نسبيًا، وتطورت إلى حد كبير كردّ فعل على صعود القوميات العربية والتركية والإيرانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وفي السياق المعاصر، برز مفهوم “الكردايت” كتعبير ثقافي وسياسي عن وعي الأكراد بهويتهم كشعب. ومع مرور الوقت، تطوّر هذا المفهوم ليصبح إطارًا فكريًا متماسكًا للقومية الكردية الحديثة، خاصةً في ستينيات القرن العشرين، على يد نُخب كردية مثقفة سعت إلى صياغة هوية قومية متجذرة ثقافيًا ومتماسكة سياسيًا.

العراق

عقب انتصارها في الحرب العالمية الأولى، قررت بريطانيا ضم ولاية الموصل – التي كانت تضم غالبية سكانية كردية – إلى انتدابها الجديد على العراق، الممنوح لها من عصبة الأمم. وقد كان الدافع الأساسي وراء هذا القرار هو الثروات النفطية الضخمة في المنطقة، حيث رأى البريطانيون أن ضم الموصل هو السبيل الوحيد لجعل الدولة العراقية الجديدة قابلة للاستمرار اقتصاديًا. إلا أن الأكراد اعتبروا هذا القرار خيانة لطموحاتهم في الاستقلال، ما دفعهم إلى الدخول في حالة تمرّد شبه دائم ضد الحكومات المتعاقبة في العراق.

بعد قمع انتفاضات الشيخ محمود البرزنجي، الذي قاد عدة ثورات ضد الحكم البريطاني وانتهت بهزيمته النهائية عام 1931، برز اسم الملا مصطفى البارزاني كزعيم بارز في الحركة القومية الكردية في العراق. وعلى الرغم من أن سلطة قبيلة البارزاني كانت تستند بالأساس إلى الزعامة الدينية – إذ كان قادتها شيوخًا صوفيين من الطريقة النقشبندية – إلا أنهم اكتسبوا شهرة واسعة بفضل مهاراتهم القتالية.

قاد الملا مصطفى البارزاني صراعًا طويلًا ضد الدولة العراقية، دام أكثر من خمسين عامًا، كان خلالها الزعيم الفعلي للحركة القومية الكردية. وكان هو المؤسس والروح القائدة للحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي تأسس في آب/أغسطس 1946. قضى البارزاني أكثر من عقد في المنفى في الاتحاد السوفييتي (1947–1958)، ثم عاد إلى العراق ليتفاوض مع الحكومة على “بيان آذار” عام 1970، الذي نص نظريًا على منح الحكم الذاتي للأكراد في إطار الدولة العراقية.

لكن طموحات البارزاني اصطدمت بصراعات داخلية مع قادة أكراد آخرين، مثل إبراهيم أحمد وصهره جلال طالباني، الذي أسس في حزيران/يونيو 1975 “الاتحاد الوطني الكردستاني” (PUK). هذه الانقسامات الداخلية، إضافة إلى استمرار القمع الحكومي، قادت إلى هزيمة البارزاني في عام 1975. وجاءت هذه الهزيمة أيضًا نتيجة تخلّي كل من الولايات المتحدة وإيران عن دعمه، بعد اتفاقهما مع الحكومة العراقية بشأن النزاع الحدودي مع إيران، وهو ما وصفه هنري كيسنجر بسخرية بأنه “عمل سرّي ضروري لا يجب الخلط بينه وبين عمل تبشيري”.

ورغم هذه النكسات، تمكن الأكراد في العراق في نهاية المطاف من إنشاء كيان سياسي فعّال: “حكومة إقليم كردستان”، وهي كيان فيدرالي يتمتع بدرجة عالية من الحكم الذاتي، بدأت فعليًا بممارسة سلطات مستقلة بعد حرب الخليج عام 1991، ومن ثم بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003.

لكن وعلى الرغم من هذا التقدّم، ظلّ المشهد الكردي العراقي منقسمًا. فقد اتسمت العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة طالباني، بالتأرجح بين فترات من التعاون وأخرى من الصراع، نتيجة اختلافات في الرؤية الفلسفية، والجغرافيا، واللهجة، وحتى الطموحات السياسية.

وقد عانى الحزبان والشعب الكردي عمومًا من سياسات القمع والتنكيل، كان أبرزها “حملة الأنفال” التي شنّها نظام صدام حسين بين عامي 1986 و1989، والتي مثّلت جريمة إبادة جماعية شملت تدمير قرى وقتل عشرات الآلاف، بما في ذلك الهجوم الكيميائي المروع على مدينة حلبجة في آذار/مارس 1988.

عقب انتهاء حرب الخليج الأولى (1990–1991) وفشل الانتفاضة الكردية في آذار/مارس 1991، اضطر مئات الآلاف من الأكراد إلى الفرار نحو الجبال هربًا من انتقام قوات صدام حسين. شكّل هذا النزوح الجماعي ضغطًا هائلًا على المجتمع الدولي، مما دفع الولايات المتحدة، على مضض، إلى فرض “منطقة حظر طيران” في شمال العراق، تحوّلت مع الوقت إلى ملاذ آمن، وبدأت فيه ملامح دولة كردية بحكم الأمر الواقع تتشكل.

في نيسان/أبريل من العام ذاته، صدر قرار مجلس الأمن رقم 688، الذي أدان القمع الذي مارسته الحكومة العراقية بحق السكان المدنيين، وطالب بوقف فوري لهذه الانتهاكات، في خطوة غير مسبوقة بالنسبة للقضية الكردية، التي نادرًا ما حظيت باهتمام دولي رسمي بهذا الشكل.

رغم أن حكومة إقليم كردستان بدأت تتشكل فعليًا بعد هذه التطورات، إلا أن الصراع الداخلي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) بزعامة مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) بقيادة جلال طالباني، سرعان ما تحوّل إلى حرب أهلية دامية بين عامي 1994 و1998. وأسفرت الحرب عن انقسام فعلي للإقليم بين إدارتين: إحداهما في أربيل بقيادة الحزب الديمقراطي، والثانية في السليمانية بقيادة الاتحاد الوطني. ولم تُنهِ هذه الانقسامات إلا وساطة أمريكية، culminated في لقاء جمع بين الزعيمين في واشنطن في أيلول/سبتمبر 1998، حيث تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

وفي ظل نظام “النفط مقابل الغذاء” الذي أُقر بعد عام 1995، حصل الأكراد على 13% من عائدات صادرات النفط العراقي، مما أسهم في انتعاش نسبي للاقتصاد في مناطق حكومة إقليم كردستان، التي كانت تعاني تقليديًا من التخلف الاقتصادي.

شهدت فترة أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة تحسنًا ملحوظًا في أوضاع الإقليم الاقتصادية والاجتماعية. وبعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، أصبحت المنطقة مقصدًا للمستثمرين الأجانب، خاصة من تركيا، بفضل الاستقرار الأمني النسبي مقارنة ببقية أنحاء العراق. وانتعشت حركة البناء بشكل ملحوظ، وانتشرت الأسواق والمراكز التجارية والمنازل الحديثة، كما تم إنشاء مطارين دوليين في أربيل والسليمانية، يستقبلان أكثر من 100 رحلة أسبوعيًا، إضافة إلى مطار ثالث في كركوك المتنازع عليها.

شهد قطاع التعليم أيضًا توسعًا كبيرًا، حيث تم تأسيس ما يصل إلى 31 مؤسسة للتعليم العالي، رغم أن بعضها يعاني من تدني الجودة. إلا أن هذه الطفرة الاقتصادية رافقتها تحديات بنيوية، مثل تفاقم الفوارق الطبقية، وازدياد مظاهر الفساد والمحسوبية داخل المؤسسات.

سياسيًا، أقرّ دستور العراق في تشرين الأول/أكتوبر 2005 هيكلًا اتحاديًا منح الأقاليم، خاصة حكومة إقليم كردستان، صلاحيات واسعة. ومنذ ذلك الحين، بات العديد من الأكراد ينظرون إلى أربيل—not بغداد—كمركز للسلطة الشرعية في حياتهم اليومية. ومع ذلك، لا يزال التطبيق الفعلي لهذا النموذج الفيدرالي محل نزاع دائم.

تشمل القضايا الخلافية بين أربيل وبغداد عدة ملفات حساسة: توزيع عائدات النفط، السيطرة على الحقول النفطية، حدود الإقليم، دور قوات البيشمركة، وأبرزها مصير محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها. وغالبًا ما تدخل الحكومتان في جولات من التفاوض غير الحاسم، ما يُبقي العلاقة بين الطرفين عالقة في حالة من التوتر وعدم الاستقرار السياسي.

في حزيران/يونيو 2014، بدا أن العراق يقترب من التفكك، عندما اجتاح تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن البلاد، في هجوم صادم كشف هشاشة الدولة العراقية. ورغم أن التنظيم كان قد سيطر بالفعل على أجزاء من غرب العراق وشرق سوريا، فإن سقوط الموصل مثل نقطة تحول كبرى. هذا التنظيم السني المتطرف، الذي تجاوزت ممارساته الوحشية حدود ما تقبله حتى القاعدة، استغل التوترات الطائفية المتفاقمة، ووجد دعمًا نسبيًا بين بعض المكونات السنية الساخطة على سياسات بغداد الموالية للشيعة.

مع انسحاب الجيش العراقي – الذي كان معظمه من الجنود الشيعة – من الشمال، سارعت قوات حكومة إقليم كردستان إلى ملء الفراغ الأمني، وسيطرت على كركوك وعدد من المناطق المتنازع عليها. وبذلك، اقترب الإقليم خطوة جديدة نحو تحقيق حلم الاستقلال.

لكن في 3 آب/أغسطس 2014، شنّ داعش هجومًا مباغتًا على المناطق الخاضعة لحكومة إقليم كردستان، وتمكن من السيطرة بسرعة على مدينة سنجار (شنكال بالكردية)، ذات الأغلبية الإيزيدية. انسحبت قوات البيشمركة من المدينة، مما أدى إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق، وصدم ثقة المجتمع الإيزيدي بالإقليم. بلغ التهديد ذروته عندما اقترب مسلحو داعش إلى مسافة 20 ميلاً فقط من مدينة أربيل، عاصمة الإقليم، ما دفع الولايات المتحدة إلى التدخل عبر غارات جوية عاجلة، إلى جانب دعم عسكري محدود.

في موقف نادر، تعاونت قوات حكومة إقليم كردستان مع خصومها التقليديين: حزب العمال الكردستاني (PKK) من تركيا، وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) من سوريا. وبمشاركة قوات من الجيش العراقي ودعم جوي أمريكي لبغداد وأربيل، ودعم بري إيراني للحكومة العراقية، تم صد داعش تدريجيًا، إلى أن انهزم بحلول منتصف عام 2015.

لكن مع تراجع التهديد الأمني، بدأت حكومة إقليم كردستان تواجه سلسلة من الأزمات الحادة. باعتبارها اقتصادًا ريعيًا يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط، تسبّب الانهيار العالمي في أسعار النفط عام 2015 في تقليص كبير لإيرادات الإقليم. زادت الأزمة سوءًا مع توقف بغداد عن تحويل حصة الإقليم الدستورية (17% من الموازنة العامة)، مما أدى إلى تفاقم الأعباء المالية على حكومة تعاني من تضخم هائل في القطاع العام. حتى قوات البيشمركة، التي كانت تخوض معارك مصيرية ضد داعش، لم تعد تتلقى رواتبها بانتظام.

اجتماعيًا، تسبب تدفق أكثر من مليوني نازح داخلي ولاجئ – فرّوا من الحروب والإرهاب – في ضغط هائل على الخدمات والبنية التحتية في الإقليم. كما بدأ عدد من المغتربين الذين كانوا قد عادوا إلى كردستان، يغادرون مجددًا في ظل غياب الأفق السياسي والاقتصادي.

ومع اقتراب هزيمة داعش وتحسن المؤشرات الاقتصادية بشكل طفيف، أعلن رئيس حكومة إقليم كردستان، مسعود بارزاني، في 7 حزيران/يونيو 2017، عن تنظيم استفتاء حول استقلال الإقليم في 25 أيلول/سبتمبر من العام نفسه. ورغم أنه كان استفتاءً غير ملزم، إلا أنه عُدّ خطوة رمزية ذات طابع استراتيجي، تهدف إلى قياس الرأي العام وتعزيز موقف الإقليم في مفاوضاته المستقبلية مع الحكومة المركزية في بغداد، وليس استفتاءً حاسمًا كالذي نظمته بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي.

رغم أن نتائج استفتاء الاستقلال في أيلول/سبتمبر 2017 جاءت مؤيدة بقوة للانفصال، فإن تداعياته كانت عكسية تمامًا على طموحات حكومة إقليم كردستان. فقد واجه الإقليم رفضًا قاطعًا من جميع جيرانه تقريبًا – العراق وتركيا وإيران – إضافة إلى معارضة أمريكية واضحة. وسرعان ما انعكست هذه الضغوط في سلسلة من الإجراءات العقابية: استعادت الحكومة العراقية السيطرة على كركوك الغنية بالنفط، وأغلقت مطاري أربيل والسليمانية الدوليين، وفرضت قيودًا اقتصادية وسياسية صارمة على الإقليم.

في خضم هذه الأزمة، اضطر مسعود بارزاني إلى الاستقالة من رئاسة الإقليم، بعد أن تحمّل المسؤولية السياسية عن تداعيات الاستفتاء. تولى ابن أخيه، نيجيرفان بارزاني، منصب رئيس الإقليم، في حين أصبح نجل مسعود، مسرور بارزاني، رئيسًا للوزراء – وهو توزيع للسلطة عزز أكثر هيمنة العائلة البارزانية على مفاصل القرار السياسي في كردستان. وظل الاثنان في منصبيهما حتى عام 2025.

أما على صعيد الحياة السياسية، فقد أُجريت آخر انتخابات برلمانية في إقليم كردستان في تشرين الأول/أكتوبر 2024، وأسفرت عن فوز الحزب الديمقراطي الكردستاني بـ39 مقعدًا، يليه الاتحاد الوطني الكردستاني بـ23 مقعدًا، ثم حركة الجيل الجديد بـ15 مقعدًا، والاتحاد الإسلامي الكردستاني بـ7 مقاعد. وقد اختفى حزب غوران الإصلاحي تقريبًا من المشهد السياسي بعد وفاة مؤسسه وقائده نوشيروان مصطفى عام 2017، ما أدى إلى انحلال الحزب تدريجيًا.

ومن الشخصيات البارزة التي غابت عن الساحة السياسية كذلك، برهم صالح، الرئيس السابق لجمهورية العراق (2018–2022) والعضو البارز في الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي همّشته التيارات التقليدية داخل الحزب بسبب مواقفه الإصلاحية، وافتقاره إلى شبكة عائلية نافذة تمكّنه من الاستمرار في المنافسة السياسية ضمن المعادلة الكردية المعقدة.

تتمتع حكومة إقليم كردستان اليوم بالعديد من مقومات الدولة المستقلة، إذ لديها رئيس ورئيس وزراء وبرلمان خاص بها، إلى جانب علم ونشيد وطنيين يميزانها. كما يمتلك جيشها – قوات البيشمركة – الحق في منع الجيش العراقي الاتحادي من دخول أراضي الإقليم. وبالإضافة إلى ذلك، تدير الإقليم مطارات دولية، ويعتمد نظامها التعليمي اللغة الكردية كلغة رئيسية للتدريس، بل حتى تحمل جوازات السفر التي يستقبلها زوار الإقليم ختمًا خاصًا بها.

ورغم التساؤلات التي أثارها انسحاب القوات الأمريكية المتبقية من العراق، تمكن الأكراد من الصمود والازدهار إلى حد ما دون وجود تلك القوات. إلا أن هذا الإنجاز لا يعني انتهاء التحديات، إذ لا تزال الانقسامات الكردية تُشكل عقبة رئيسية في طريق تحقيق حلم الاستقلال.

وتتجاوز هذه الانقسامات الحدود الوطنية لتشمل الأكراد المقيمين في الدول الأربع ذات الكثافة الكردية: تركيا والعراق وإيران وسوريا، بل وتشمل أيضاً الخلافات داخل كل دولة من هذه الدول. ومن المعروف جيدًا أن التوترات المستمرة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني تعرقل تطور حكومة إقليم كردستان بشكل ملحوظ.

في الواقع، يؤكد العديد من المسؤولين الحكوميين والباحثين المتابعين للشأن الكردي على ضرورة توحيد الصف الكردي في شمال العراق، وتجاوز الانقسامات المتجذرة، كخطوة أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية، وضمان السلام، وحتى بلوغ هدف الاستقلال في نهاية المطاف. فحينها فقط، ستكون الولايات المتحدة والحلفاء المحتملون قادرين على دعم الأكراد بشكل فعال، بدلاً من الاستمرار في استغلال الخلافات عبر أساليب “فرق تسد”.

نهج إدارة ترامب الجديدة تجاه القضية الكردية والشرق الأوسط

رغم التغيرات والتقلبات في سياسات الإدارة الأمريكية، يمكننا استخلاص كثير من الدروس حول نهج إدارة دونالد ترامب الجديدة تجاه القضية الكردية عبر مراقبة سياساته في ولايته الأولى. أبرز ما يلاحظ هو أن ترامب، على الرغم من تهديداته المتكررة، كان يعارض الانخراط العسكري المكثف، محافظًا على حالة من السلام داخل الولايات المتحدة، مما يجعل من غير المحتمل أن تستخدم إدارته الثانية القوة العسكرية بشكل مباشر لدعم الأكراد في العراق (باشور) أو سوريا (روج آفا). إذ يعتمد الأكراد بشكل رئيسي على جهودهم الذاتية في الدفاع عن مناطقهم.

مع ذلك، ليس الأمر قاصرًا على ذلك فقط. فقد استغل ترامب القوة الاقتصادية والتهديد الضمني بالقوة العسكرية كأدوات رئيسية في سياسته. ووُصفت سياساته بأنها معاملاتية، أي ترتكز على صفقات مؤقتة دون أيديولوجية أو تحالفات ثابتة، لكن وصفها الأكثر دقة قد يكون “ابتزازيًا”، إذ تعتمد على التهديد والضغط المستمر.

كمثال بارز، في تشرين الأول/أكتوبر 2019، عندما قامت تركيا وحلفاؤها السوريون من فصائل إسلامية بدعم تركي بطرد الأكراد السوريين من مناطق حدودية مشتركة، بدا أن ترامب منح موافقته على ذلك. لكن مستشاريه سرعان ما نجحوا في إقناعه بإبقاء عدد كافٍ من القوات الأمريكية في شمال شرق سوريا، لمنع تركيا من القضاء الكامل على الأكراد هناك.

وعلى غرار ذلك، رغم تصريحات ترامب حول الانسحاب الكامل من سوريا، أشارت تقارير إلى نشر ما يصل إلى 2000 جندي أمريكي بالقرب من كوباني، بهدف ردع هجوم شامل محتمل من ميليشيات الجيش الوطني السوري المدعومة من تركيا. يفسر ذلك برغبة ترامب في حماية المصالح الجيوسياسية الأمريكية، وخصوصًا منع إيران من الهيمنة على المنطقة، وهو هدف يتقاطع مع مصالح تركيا والعراق وسوريا، بالإضافة إلى حماية حقول النفط في شمال شرق سوريا.

لكن مع تصاعد الأحداث في ديسمبر/كانون الأول 2024، عقب سقوط نظام الأسد المفاجئ، تمكن الجيش الوطني السوري من السيطرة على تل رفعت ومنبج من الأكراد، مهددًا بالتقدم واحتلال المزيد من الأراضي في شمال شرق سوريا.

الأمر الثاني الذي يجب أن نضعه في الاعتبار هو أن إدارة ترامب، رغم انتقاداتها المتكررة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظامه الاستبدادي، تقدّر تركيا كحليف مهم للولايات المتحدة في حلف الناتو، وترى في أردوغان شخصية شعبوية متعصبة لكنها مؤثرة. هذا يشير إلى أن ترامب على الأرجح سيمنح أردوغان مساحة واسعة للتحرك في ملف الأكراد السوريين، كما فعل في أكتوبر 2019 عندما سمح له بالتحرك ضد مناطق روج آفا.

ويعكس هذا نهج ترامب المعروف بـ “لا أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، فقط مصالح دائمة”، وهو ما أكد عليه وزير خارجيته ماركو روبيو، الذي يركز على تعزيز المصالح الوطنية الأمريكية وفق رؤى ترامب في جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى. وبالفعل، فإن مستشاري ترامب في الأمن القومي والدفاع، مثل مايك والتز وبيت هيغسيث، يشاركونه هذا التوجه. ومن يدعو إلى معارضة هذا النهج سرعان ما يجد نفسه خارج الإدارة، كما حدث مع عدد من الوزراء وكبار المسؤولين في الولاية الأولى.

مع ذلك، يبقى واقع الحال محدودًا، إذ سيظل الأكراد السوريون مضطرين للتعامل مع النفوذ التركي، ولكن ليس إلى حد التخلي عن الحكم شبه الذاتي الذي حققوه منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011. وعلى المدى الطويل، من المتوقع أن تسعى حكومة هيئة تحرير الشام الجديدة بقيادة أحمد الشرع إلى الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ومن ثم ستقف ضد أي محاولات تركية لتوسيع نفوذها في شمال سوريا.

ورغم أن ذلك قد يحد من آمال الأكراد السوريين في حكم شبه ذاتي دائم، إلا أنه يوفر لهم حماية مؤقتة، ويجعل من الضروري التفاوض مع السلطات الجديدة في دمشق، وهو موضوع سنناقشه لاحقًا.

كما ينبغي عدم تجاهل الأدوار المتبقية، وإن كانت متناقصة، لروسيا وإيران في المشهد السوري والكردي. فروسيا، رغم انشغالها في حرب أوكرانيا، لا تزال تحرص على الحفاظ على قواعدها البحرية والجوية في سوريا، بينما إيران، التي تعرضت لضربات إسرائيلية قاسية مؤخراً، ما زالت لاعبًا إقليميًا مؤثرًا وتسعى لمواجهة إدارة ترامب الجديدة.

من المرجح أن تتبع حكومة هيئة تحرير الشام الجديدة مصالح روسيا وإيران، حتى لو حاولت موازنة الضغوط التركية والأمريكية والإسرائيلية. إن هذه السياسة تمثل لعبة معقدة، وستظل كذلك في المستقبل المنظور.

من الواضح أن حكومة هيئة تحرير الشام الجديدة في دمشق ستشكل المحور الأساسي في سياسة إدارة ترامب الجديدة تجاه سوريا. هذا اللاعب الجديد بدأ بالفعل يسعى لإعادة إدماج الأكراد السوريين في الساحة السورية الكبرى، حيث تهدف إلى دمج ميليشيا قوات سوريا الديمقراطية (SDF) ووحدات حماية الشعب الكردية ضمن الجيش والحكومة السورية الوطنية الأكبر.

لكن هذا الهدف يتعارض تمامًا مع تصميم الأكراد السوريين على الحفاظ على حكمهم شبه الذاتي واحتفاظهم بميليشياتهم المستقلة. ومن الصعب تصور إمكانية التوصل إلى حل وسط في هذه القضية، ما يجعل الصراع بين الطرفين محتملاً ومتصاعداً. بالتالي، ستظل هذه القضية من أكبر التحديات التي تواجه إدارة ترامب الجديدة.

مع ذلك، من المرجح أن تتبنى الإدارة موقفاً غير تدخلي، إذ إن ترامب نفسه يبدي ازدراءً كبيرًا للحرب بوجه عام، ووصف سوريا بأنها “مجرد موت ورمل”. كما أن رفض ترامب دعم الأكراد السوريين يعود جزئيًا إلى فهمه التاريخي الخاطئ، إذ اعتبر أنهم لم يدعموا الولايات المتحدة في يوم النصر خلال غزو أوروبا النازية في 6 يونيو 1944.

في تطور مهم، وقّعت حكومة هيئة تحرير الشام برئاسة أحمد الشرع ومظلوم عبدي، الزعيم الكردي الفعلي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES)، في 10 مارس 2025 اتفاقية دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش والحكومة السورية الوطنية. وبالرغم من أن تنفيذ هذه الاتفاقية يبقى غير مؤكد، فإنها تُضعف الطموحات التركية في القضاء على الحكم الذاتي الكردي السوري المعترف به قانونياً، والمحمي من قبل دمشق على الحدود التركية الجنوبية.

ومع ذلك، يبقى العداء التاريخي للنظام السوري تجاه حقوق الأكراد عاملاً معقدًا، إذ أعلن مظلوم عبدي، الذي تعتبره تركيا ذراعاً لحزب العمال الكردستاني، أن اتفاقية السلام الأخيرة بين حزب العمال الكردستاني وتركيا لا تشمل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

وفي مارس 2025، أثار القتال العنيف المفاجئ قرب الساحل السوري واللاذقية بين قوات الأسد وحكومة هيئة تحرير الشام الجديدة تساؤلات حول استقرار هذه الحكومة الجديدة ومستقبلها، مما يقلل من أهمية ما يسمى بعملية السلام مع حزب العمال الكردستاني في تركيا.

أما بالنسبة لأكراد العراق وحكومة إقليم كردستان، فآفاقهم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمصير وحدة العراق المعقدة وبالتحولات الجيوسياسية الأوسع في الشرق الأوسط، خاصة بعد الحروب الإسرائيلية الأخيرة الناجحة ضد حماس وحزب الله وإضعاف الدفاعات الإيرانية.

وفي هذا السياق، تبدو عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني في تركيا ثانوية إلى حد كبير، مقارنةً بالتحديات الأكبر.

وأخيرًا، تظل إسرائيل لاعبًا رئيسيًا في حسابات إدارة ترامب الجديدة، إذ استغلت ضعف سوريا وانقساماتها لتدمير أجزاء كبيرة من جيشها والتوغل في الأراضي الجنوبية المجاورة لها. وبخلاف سوريا والأكراد، تظل إسرائيل ذات أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لترامب، ما يعني أن الإدارة ستكون منخرطة بقوة في الشؤون المتعلقة بإسرائيل.

وقد يدفع هذا الوضع ترامب إلى توسيع مبادرته السابقة بشأن اتفاقيات إبراهيم، التي تهدف إلى التوسط بين حليفه التركي المفترض وحليفه الإسرائيلي الوجودي، لمعالجة خلافاتهما المحتملة في سوريا، بما يشمل الملف الكردي والمناطق الأخرى.

لا شك أن قرار إدارة ترامب الثانية بتقليص برنامج المساعدات الإنمائية والإنسانية الدولي التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) بشكل كبير، إلى جانب الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وفتح الباب أمام حرب تجارية عالمية عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة على الصين وحتى حلفاء الولايات المتحدة مثل كندا والمكسيك، إلى جانب تهديد دول أخرى من حلفاء أمريكا مثل بنما والدنمارك وكندا بالمصادرة أو ضغوط مماثلة، سيترتب عليه تداعيات خطيرة ليس فقط على الشرق الأوسط بأكمله، بل أيضاً على روج آفا والقضية الكردية بشكل خاص. من المرجح أن تتسبب هذه السياسات في خلق تحديات كبيرة للهوية الكردية ومستقبلها السياسي والاجتماعي في المنطقة.

المستقبل

يدرك الجميع أن الأكراد في أعماقهم يطمحون إلى الاستقلال، لكن ماذا يعني ذلك بالضبط؟ هل يشمل إقامة دولة كردية واحدة موحدة؟ هذا أمر غير مؤكد، خاصة أن حكومة إقليم كردستان في العراق تتمتع بحكم ذاتي إلى حد كبير، بينما في تركيا وإيران وسوريا لا يحصل الأكراد إلا على حقوق محدودة أو مضمونة دستورياً فقط.

من ناحية أخرى، لماذا لا تُمنح عدة كيانات كردية حكمًا ذاتيًا أو دولًا منفصلة، مثل حكومة إقليم كردستان في العراق، والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (روج آفا)؟ ففي نهاية المطاف، هناك دول عربية متعددة وأخرى تركية، فلماذا لا يكون هناك على الأقل دولتان كرديتان مختلفتان؟

لقد دعم الأكراد العراقيون الولايات المتحدة في حربيها ضد نظام صدام حسين، ما ساعد في تأسيس حكومة إقليم كردستان شبه المستقلة داخل العراق. مع ذلك، عارضت الولايات المتحدة بقوة استفتاء استقلال الإقليم الذي جرى في 25 سبتمبر 2017. بل عارضت معظم دول العالم حتى مجرد التفكير في الاستقلال، باستثناء إسرائيل وأيسلندا. في هذا الاستفتاء، شارك 72% من الناخبين المؤهلين، وصوت 93% منهم لصالح الاستقلال في الإقليم ككل، لكن في السليمانية، معقل الاتحاد الوطني الكردستاني، كانت نسبة المشاركة أقل من 50%، وصوت 80% فقط لصالح الاستقلال. وهذا يعني أن أقل من نصف الناخبين المؤهلين في السليمانية أيدوا الاستقلال، معتبرين الاستفتاء خطوة أحادية الجانب من الحزب الديمقراطي الكردستاني.

رغم هذه الانقسامات، لا ينبغي أن يثني نقص الدعم الأمريكي عزيمة أكراد العراق. فلو نظرنا إلى أوروبا، نجد أن إدارة ترامب ترددت حتى في دعم استقلالها عن روسيا، رغم كونها حليفًا قويًا للولايات المتحدة. لذا، إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لأوروبا، فإن حكومة إقليم كردستان يمكن أن تُعتبر محظوظة بالحصول على أي دعم أمريكي على الإطلاق في عهد ترامب.

بالتالي، إذا ظلت حكومة إقليم كردستان تسعى للاستقلال، فعليها التحلي بالصبر والانتظار. وفي الوقت الراهن، كونها جزءًا فيدراليًا من العراق يرضي جيرانها الإقليميين: تركيا وإيران وبغداد، وكذلك الولايات المتحدة. كما يوفر هذا الوضع حماية أوسع للإقليم، تفوق ما قد تحظى به دولة مستقلة حديثة في ظل بيئة إقليمية مضطربة.

باختصار، لا يتحقق الاستقلال إلا مع تفكك العراق، وهو احتمال قائم بسبب ضعف وانقسام الدولة العراقية. ولكن طالما بقي العراق متماسكًا، فإن الاستمرار كإقليم فيدرالي يمنح الأكراد وضعًا أفضل من الاستقلال المبكر والخطر.

يظل مصير حكومة إقليم كردستان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمستقبل العراق وبإعادة الهيكلة الجيوسياسية الأوسع للشرق الأوسط، بالإضافة إلى قدرة الأكراد على تحقيق وحدتهم. رغم صعوبة هذه المتطلبات، فإن تحقيق استقلال حكومة إقليم كردستان ليس مستحيلاً مع مرور الوقت.

كما أشير سابقًا، لا تزال المعارك العنيفة في سوريا مستمرة، حيث لم تنتهِ الحرب الأهلية بين حكومة أحمد الشرع الجديدة لهيئة تحرير الشام في دمشق وبقايا نظام الأسد حول معقل العلويين في اللاذقية. علاوة على ذلك، يظل السؤال قائمًا حول مصير الأكراد السوريين الذين حصلوا على درجة كبيرة من الحكم الذاتي نتيجة تفكك سوريا خلال الحرب الأهلية، وكيف ستتعامل معهم الحكومة السورية الجديدة. إلى جانب ذلك، تواصل تركيا ووكلاؤها من الجيش الوطني السوري مهاجمة الأكراد السوريين المنظمين في قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهو ما يعكس طموحات تركيا العثمانية القديمة نحو ضم أجزاء من شمال سوريا التي تضم الأكراد.

في حال انهيار العراق، فمن المؤكد أن تركيا ستسعى للسيطرة على أجزاء من ولاية الموصل العثمانية السابقة، التي تُشكل اليوم جزءًا من حكومة إقليم كردستان.

على صعيد آخر، تبدو مبادرة السلام الحالية بين حزب العمال الكردستاني وتركيا أقل احتمالية للنجاح، إذ تبدو أقرب إلى استسلام الحزب مقابل نزع سلاحه وحله، بدلاً من ضمان الحقوق الدستورية للأكراد. لا يزال الجانبان في عالمين متباعدين: الحكومة التركية تعتبر القضية مسألة مكافحة إرهاب فقط، بينما يراها حزب العمال الكردستاني قضية أوسع تتعلق بحقوق الأكراد الدستورية داخل تركيا. ومن دون تنازلات حقيقية، تبدو عملية السلام صفقة مهددة بالفشل.

بعد أكثر من 40 عامًا من النضال، لن يختفي حزب العمال الكردستاني بسهولة. أما فيما يتعلق بالزعيم عبد الله أوجلان، فقد يكون، بعد سنوات السجن الطويلة وعزلته، قد فقد بعضًا من صلته بالواقع أو وقع تحت تأثير متلازمة ستوكهولم والعبادة الشخصية المفرطة من أتباعه، مما قد يجعله يعتقد أنه لا يخطئ.

على الرغم من أن أوجلان لا يزال الزعيم الاسمي للحزب، من غير المرجح أن تقبل القيادة الجماعية الحالية، التي تدير الحزب منذ أكثر من ربع قرن، عودته للقيادة الفعلية في حال أفرجت عنه الحكومة التركية كما يأمل بعض الأكراد ضمن إطار عملية السلام الجديدة. قد يكون الهدف الحقيقي للحكومة التركية من إطلاق سراح أوجلان هو خلق شرخ داخل الحزب بين أوجلان المحرر والقيادة الجماعية التي تتولى الشؤون اليومية منذ أسره، وبالتالي إضعاف الحزب.

في الختام، حقق الأكراد، خصوصاً في العراق، تقدماً كبيراً في السنوات الأخيرة نحو تأمين حقوقهم الدستورية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب، إذ يبقى التنسيق والوحدة الكرديان، رغم صعوبتهما، من أهم الأولويات لضمان استمرار هذا التقدم.

مايكل م. غونتر
سيفان سييد
ترجمة يوسف سامي مصري
رابط البحث

https://www.researchgate.net/publication/393452607_Kurdish_Identity_Then_Now_Future