ذات صلة

اختبار التحوّل في سوريا مع عودة الانقسامات الطائفية والتوترات الإقليمية إلى الواجهة

تقدم نشرة “ميد هذا الأسبوع” تحليلاً معمقاً لأبرز التطورات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مستعرضة آراء مميزة واستشرافاً دقيقاً للمستقبل. في هذا العدد، نسلط الضوء على التحديات التي تواجه الوحدة الوطنية في سوريا إثر موجة العنف الطائفي والتصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير.

شهدت سوريا خلال الأيام الماضية تصاعداً في العنف، حيث بدأت الأزمة كصراع داخلي بين البدو السنة والطائفة الدرزية في محافظة السويداء الجنوبية، ما أسفر عن مقتل أكثر من 250 شخصاً خلال أربعة أيام فقط. إلا أن الأمور اتخذت بعداً إقليمياً مع تدخل القوات الإسرائيلية، التي شنت هجمات على مواقع حكومية سورية في السويداء بذريعة حماية الطائفة الدرزية، تبعتها غارات جوية على دمشق استهدفت وزارة الدفاع ومناطق قريبة من القصر الرئاسي، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

هذا التصعيد كشف هشاشة حكومة أحمد الشرع الانتقالية، وضعف قدرتها على إدارة التوترات العرقية والدينية المعقدة داخل سوريا، بالإضافة إلى العلاقات المتوترة مع إسرائيل. بالرغم من جهود الحكومة في بناء الوحدة الوطنية عبر المبادرات الدبلوماسية، وتنشيط الاقتصاد، وجذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أن سوريا ما زالت تغرق في دوامة الانقسامات والصراعات القديمة.

وتواصل التوترات الطائفية تهديد الأمن في البلاد، ففي مارس/آذار قُتل العلويون في عمليات عنف، وفي يونيو/حزيران استهدف هجوم لتنظيم داعش كنيسة مار إلياس، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى من المسيحيين. من جهة أخرى، رغم توسع سيطرة إسرائيل على أجزاء من مرتفعات الجولان المحتلة وتنفيذها لهجمات متفرقة داخل سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد، شهدت الأشهر الأخيرة بوادر تقارب تاريخي بين البلدين بدعم من الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب.

الولايات المتحدة تدفع حالياً نحو السلام، مستثمرة دبلوماسياً في إعادة دمج سوريا ضمن المجتمع الدولي، من خلال تخفيف العقوبات وشطب هيئة تحرير الشام من قائمة التنظيمات الإرهابية. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الشرع أن حماية الطائفة الدرزية أولوية لإدارته، فيما انسحبت القوات السورية من السويداء بعد اتفاق مع ممثلي الدروز، ما أشار إلى تهدئة مؤقتة.

مع ذلك، فإن التدخلات الإسرائيلية الأخيرة تضع العلاقات السورية الإسرائيلية تحت ضغط متجدد، مهددةً التوازن الهش في المنطقة. ويقدم خبراء شبكة ISPI تحليلاتهم حول المخاطر التي تواجه وحدة الحكومة السورية الجديدة في ظل هذه التطورات العنيفة والهجمات الإسرائيلية.

الأزمة السورية تُقوّض خطط واشنطن في البلاد.

شهد التصعيد الأخير بين إسرائيل وسوريا ذروة صراع اندلع في البداية على المستوى المحلي بين البدو السنة والطائفة الدرزية في محافظة السويداء، لكنه سرعان ما تحوّل إلى أزمة ذات أبعاد دولية واسعة. في الأشهر الماضية، بذلت إدارة ترامب جهوداً مكثفة للتوسط في اتفاق تاريخي بين دمشق والقدس، في محاولة لإنهاء النزاع الطويل بين البلدين. وشملت هذه الجهود لقاءً بين ترامب والرئيس السوري الشرع في منطقة الخليج، بالإضافة إلى رفع العقوبات الأمريكية الصارمة عن سوريا، وشطب هيئة تحرير الشام من قائمة التنظيمات الإرهابية.

لكن الأزمة الحالية، التي ربما نشأت نتيجة ما وصفه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بـ”سوء فهم”، قد أضعفت بشكل كبير خطة واشنطن لإدماج سوريا ضمن اتفاقيات إبراهيم للسلام. وحتى في حال رغبة الولايات المتحدة في إعادة الأمور إلى مسارها الصحيح، فإن الثقة بين الأطراف، لا سيما ثقة دمشق بإسرائيل، قد تضررت إلى حد يصعب إصلاحه فرانشيسكو بيترونيلا، معهد الدراسات السياسية الدولية (ISPI)

الوحدة الوطنية دون تمييز لا تزال بعيدة المنال

سلام الكواكبي، مدير CAREP باريس، حول العنف وردود النظام في سوريا:

بعد تصاعد العمليات العسكرية ضد الحكومة الحالية في الساحل السوري، الذي يقطنه غالباً العلويون، وتصاعد تهديدات من شيخ درزي بالانفصال في مدينة السويداء، رد النظام السوري بعنف شديد، معتمداً على خطاب يستعرض فيه تفوّق المسلمين السنة وتضحياتهم وكأن الأمر منافسة بين الطوائف. استند النظام في هذا الأسلوب إلى شباب من جيل الحرب، موالين لفصيل معين وليس للوطن بشكل عام. أسفرت المواجهات عن وقوع مجازر وانتهاكات جسيمة. ورغم مسؤولية الطرف المعارض، إلا أن الدولة تتحمل مسؤولية أعلى كونها الجهة التي يجب أن تُنفذ القانون، وليس فقط متابعة أفعال الفصائل المعارضة.

إن بناء الوحدة الوطنية في سوريا عملية معقدة للغاية، لا سيما في ظل محاولات تجاوز عقود من التشرذم الممنهج خلال حكم عائلة الأسد. ويتطلب هذا العمل ترسيخ مبدأ المواطنة والمشاركة السياسية والاندماج في مؤسسات تمثل كل السوريين دون تمييز، وهو ما لا يزال بعيد المنال في الواقع الحالي.

أسعد العشي، منسق مجموعة موارد سوريا، حول الجوانب المقلقة لترشيحات البرلمان المرتقبة:

من المتوقع إعلان الترشيحات البرلمانية في سوريا بنهاية أغسطس/آب 2025، حيث يعين الرئيس ثلث أعضاء البرلمان، فيما يُختار الثلثان عبر لجان انتخابية يتم تشكيلها بمرسوم رئاسي. وبغياب الانتخابات المباشرة، تثير هذه العملية مخاوف كبيرة حول تمثيل مختلف فئات الشعب، وشمولية التمثيل، وشرعية التفويض.

يُضاف إلى ذلك أن توزيع المقاعد البرلمانية قائم على تعداد عام 2010، مما لا يعكس التوزيع السكاني الحالي في سوريا. كما يشكل تحقيق الشمول تحدياً كبيراً، خصوصاً فيما يتعلق بمشاركة المرأة والأقليات. رغم إعلان اللجنة العليا للانتخابات عن تخصيص حد أدنى نسبته 20% للنساء في البرلمان، إلا أن آليات التنفيذ ما تزال غير واضحة.

في محاولة لسد هذه الفجوات، يعين الرئيس ثلث أعضاء البرلمان، لكن التساؤلات لا تزال قائمة حول مدى شفافية وفعالية هذه الآلية في تحقيق تمثيل عادل وشامل.

عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم تعتمد على المصالحة أولاً

تشهد سوريا في الوقت الراهن عودة متزايدة للاجئين والنازحين داخلياً على المستويين القصير والطويل، وهو أمر يبعث على الأمل وفي الوقت ذاته يطرح تحديات كبيرة. فمن جهة، يُوفر لمّ شمل العائلات والعودة إلى الوطن شعوراً بالراحة النفسية والطمأنينة، إلا أن العودة واسعة النطاق ما تزال غير ممكنة في الوقت الراهن.

تواجه هذه العملية صعوبات جمة، حيث أن الخدمات الأساسية تعاني من ضغط كبير، والبنية التحتية مدمرة، والاقتصاد في حالة حرجة، يتفاقم الوضع بسبب بطء رفع العقوبات المفروضة على البلاد. علاوة على ذلك، غالباً ما يحمل اللاجئون معهم تجارب صراعات قاسية، ليعودوا إلى مجتمعات تعاني أصلاً من هشاشة في دينامياتها الاجتماعية.

ومن دون وجود استراتيجية وطنية متفق عليها للمصالحة، أو إطار عمل للعدالة الانتقالية يشمل قضايا السكن والأراضي والممتلكات، فإن جهود إعادة الإدماج قد تؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية بدلاً من تخفيفها. ورغم أن العودة تمثل طموحاً مشتركاً بين كثير من السوريين والسلطات الجديدة، إلا أن استدامتها تعتمد بشكل رئيسي على تعافي البلاد بشكل أوسع.

لذلك، فإن الصبر والتخطيط المدروس ضروريان لضمان أن تكون العودة الواسعة النطاق، متى حدثت، عملية ناجحة ومستدامة تساهم في بناء مستقبل أفضل لسوريا.

إيما بيلز، زميلة مشاركة، معهد الشرق الأوسط

شطب هيئة تحرير الشام من قائمة الإرهاب كتحول رمزي في حقبة ما بعد “الحرب على الإرهاب“.

على الرغم من أن جميع فصائل المعارضة السورية المسلحة السابقة، بما في ذلك هيئة تحرير الشام، قد تم حلّها رسمياً في نهاية يناير/كانون الثاني خلال مؤتمر “النصر السوري”، إلا أن قرار الولايات المتحدة بشطب هيئة تحرير الشام من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية لا يزال يحمل أهمية بالغة على المستويين العملي والرمزي. هذا القرار يمثل نقطة تحول مهمة في المشهد الدولي لما بعد مرحلة “الحرب على الإرهاب”، إذ قد يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على مستقبل العديد من الجماعات المسلحة الأخرى التي ما زالت مدرجة على قوائم الإرهاب، كما أنه يعكس تحولات استراتيجية في تعامل المجتمع الدولي مع النزاع السوري.

من الناحية الدولية، تُمثل خطوة شطب هيئة تحرير الشام عن قائمة الإرهاب بداية لسلسلة محتملة من الخطوات التي قد تشمل رفع العقوبات المفروضة على الهيئة من قبل مجلس الأمن الدولي. وكما أشار المحلل آرون زيلين، فإن شطب الهيئة على مستوى الأمم المتحدة هو الشرط الحاسم الذي سيسمح لوزارة الخزانة الأمريكية بإزالة الهيئة وقادتها السابقين من قائمة الإرهاب العالمي المُصنّفة بشكل خاص. وهذا بدوره يفتح الباب أمام إعادة تأهيل سياسية ودبلوماسية قد تسهم في تغيير ديناميات الصراع السوري، ويفتح المجال أمام إشراك أوسع للهيئة في العملية السياسية المستقبلية.

مع ذلك، فإن هذه الخطوات على المستوى الدولي لا تغني دمشق عن ضرورة التعامل مع الواقع المحلي المعقد والمتشابك. فقد شهدت محافظة السويداء موجة عنف طائفية متجددة أدت إلى زعزعة الاستقرار، وما زالت تداعيات هذه الأحداث تلقي بظلالها على قدرة الحكومة الجديدة على ترسيخ الوحدة الوطنية وإدارة التعددية الاجتماعية. لذلك، فإن السلطات السورية بحاجة إلى توجيه جهودها نحو معالجة أسباب العنف الطائفي والعمل على بناء جسور الثقة مع مختلف المكونات المحلية، خصوصاً بعد الأحداث الدامية التي شهدتها السويداء، والتي تهدد التوازن الاجتماعي والسياسي في البلاد.

إن التركيز على المشهد المحلي يجب أن يترافق مع دعم جهود المصالحة الوطنية، وتطوير مؤسسات الدولة لضمان مشاركة شاملة تمثل كافة أطياف المجتمع السوري، وتحقيق العدالة الانتقالية في القضايا المتعلقة بالحقوق المدنية والاجتماعية. فقط من خلال هذا التوازن بين البعدين الدولي والمحلي، يمكن للحكومة السورية الجديدة أن تعزز من شرعيتها وتضع أسساً لاستقرار دائم.

سيلفيا كارينزي، دكتوراه، المدرسة العليا العليا ومدرسة سانت آنا للدراسات العليا

يُهدّد حكم الشرع المتشدّد بتهميش الأقليات وإفشال مستقبل سوريا.

يواجه أحمد الشرع، رئيس الحكومة السورية الجديدة، تحديًا كبيرًا يتمثل في تحقيق المصالحة مع الأقليات الرئيسية في سوريا، وخاصة الأقليات الثلاث المتجاورة والمهمة: الدروز والعلويون والأكراد. هذه الجماعات تمثل مكونات أساسية من النسيج الاجتماعي السوري، ولها مطالب تاريخية مشروعة بالحكم الذاتي أو بنظام حكم فيدرالي يضمن حقوقها ويكفل تمثيلها السياسي والاجتماعي.

ومع ذلك، يبدو أن الشرع يعتمد على أسلوب القوة في التعامل مع هذه المطالب، حيث يسعى إلى إجهاض أي مطالب بالحكم الذاتي أو الفيدرالية، من خلال إصدار دستور مؤقت لمدة خمس سنوات يركز السلطات بشكل كبير في يد الرئيس، مع حرمان الأقليات من تمثيل فعلي داخل مؤسسات الدولة. هذا التوجه يُثير مخاوف هذه الأقليات، التي تشعر بأنها تُهمش أو تُقلص حقوقها، خاصة في ظل تعامل الحكومة مع مناطق الساحل التي يقطنها العلويون، حيث شهدت هذه المناطق مؤخرًا مظاهر من سوء المعاملة والتهميش، إضافة إلى الاعتداءات الأخيرة على الدروز في الجنوب السوري.

من الناحية الدولية، أبدت إدارة ترامب دعمها لأحمد الشرع ورفضها لفكرة الفيدرالية، معتبرةً إياها مهددة لوحدة سوريا. هذا الموقف يتناقض مع آمال الأقليات في الحصول على حكم ذاتي أو ضمانات دستورية تحمي مصالحهم. وفي الوقت ذاته، تصنف إسرائيل أحمد الشرع كإرهابي، وأظهرت استعدادها للتحدي المباشر للولايات المتحدة عبر دعمها للأقلية الدرزية في سوريا، والتي تشكل أحد الأعمدة الأساسية في التوازن السياسي والاجتماعي في البلاد.

إذا استمر الشرع في السماح لقواته الأمنية بالتصرف بعنف أو تجاوزات ضد هذه الأقليات، فمن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تزايد الخوف والقلق بين السكان المحليين، مما سيُضعف من الثقة في الحكومة الجديدة. وهذا بدوره ينعكس سلبًا على الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويُشكّل عاملًا رادعًا أمام المستثمرين الدوليين والمحليين على حد سواء، الذين قد يترددون في المراهنة على مستقبل سوريا وعملية إعادة الإعمار في ظل أجواء من عدم الاستقرار وعدم ضمانة الحقوق.

إن معالجة هذه القضايا تتطلب من أحمد الشرع أن يغير نهجه، ويتجه نحو الحوار والاحتواء، مع تبني سياسة شاملة تحترم التنوع السوري وتعزز المشاركة العادلة لكل مكون من مكونات المجتمع، مما قد يفتح آفاقًا جديدة للسلام والاستقرار في سوريا.

جوشوا لانديس، رئيس ساندرا ماكي وأستاذ دراسات الشرق الأوسط، جامعة أوكلاهوما

17 تموز/يوليو 2025

ترجمة يوسف سامي مصري

رابط البحث

https://www.ispionline.it/en/publication/testing-syrias-transition-as-sectarian-divides-and-regional-tensions-resurface-214414