يستمر التصعيد العسكري في جنوب سوريا لليوم السادس على التوالي، وسط اشتباكات عنيفة بين الفصائل الدرزية من جهة، والقوات الموالية للحكومة السورية، بما في ذلك ميليشيات بدوية، من جهة أخرى، تزامناً مع غارات جوية إسرائيلية على المنطقة. وتثير هذه التطورات المتسارعة قلقاً متزايداً بشأن الاستقرار الإقليمي، ما يضع دمشق وقيادات الطائفة الدرزية أمام تحدٍّ كبير لإيجاد حل دائم يضمن الأمن في الجنوب.
بدأت الأزمة الحالية في 11 تموز/يوليو بمحافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، إثر حادثة اعتداء مسلحين بدوٍ على تاجر درزي وسرقته في مدينة السويداء، ما أشعل فتيل التوتر. وردّت الفصائل الدرزية على الحادثة بعمليات خطف، لتتفاقم بعدها المواجهات بين الجانبين.
ورغم أن جذور النزاع محلية، فإن امتداداته تجاوزت ذلك، إذ طلبت بعض المجموعات البدوية الدعم من فصائل مسلّحة متحالفة معها في درعا ووسط سوريا ودير الزور، ما زاد من حدّة المعارك وصعّد الخطاب الطائفي، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت خطابات الكراهية ضد الطائفة الدرزية. وأسفرت المواجهات حتى الآن عن سقوط عشرات القتلى من الطرفين.
في ظل هذا التصعيد، تبدو الحاجة ملحّة إلى تدخل سياسي سريع لاحتواء الأزمة، ومنع انزلاق الجنوب إلى دوامة أوسع من العنف الطائفي والمناطقي.
لم تتدخل الحكومة السورية المؤقتة في الصراع جنوب البلاد إلا في 13 تموز/يوليو، بعد أيام من اندلاع الاشتباكات، مما أثار شكوكاً واسعة حول احتمال دعمها الضمني للتصعيد البدوي ضد الدروز. وقد عزز انتشارها الكثيف—الذي شمل وحدات خاصة ترافقها دبابات—مخاوف السكان المحليين من أن دمشق تحاول فرض سيطرتها بالقوة على منطقة لطالما تمتعت بوضع شبه مستقل منذ أواخر الحرب الأهلية، التي انتهت فعلياً مع سقوط نظام الأسد. كما فُسّر تحرّك القوات الحكومية، خصوصاً سيطرتها على ضواحي مدينة السويداء، على أنه انحياز واضح للمهاجمين البدو، ما عمّق التوتر الطائفي.
ومع دخول القوات الحكومية المدينة ذاتها في 15 تموز/يوليو، عبّر الزعماء الروحيون الدروز عن قلقهم المتزايد إزاء تدهور الوضع الأمني، فأصدروا بياناً يدعم اتفاق تهدئة يقضي بانسحاب المقاتلين الدروز ووقف القتال. لكن هذا الاتفاق لم يصمد طويلاً، إذ عارضته فوراً فصائل درزية بارزة ووصفته بالاستسلام، ودعت إلى مواصلة القتال.
في ذات اليوم، قصفت إسرائيل أرتالاً مدرعة تابعة للحكومة السورية، معلنة أن الهجوم جاء تنفيذاً لتعهداتها السابقة بحماية الدروز—وهي طائفة لها وجود ونفوذ في إسرائيل—من فصائل إسلامية سنيّة تشكل العمود الفقري للحكومة السورية المؤقتة. ووسط هذا التصعيد، بدأت تظهر تقارير مقلقة عن إعدامات ميدانية بحق مدنيين دروز، بينهم نساء، نفذتها القوات الحكومية، ما دفع فصائل درزية مسلحة إلى الانسحاب إلى قلب مدينة السويداء للدفاع عنها، بينما شرعت السلطات في استقدام تعزيزات عسكرية كبيرة من مختلف المناطق.
وفي 16 تموز/يوليو، نفذت الطائرات الإسرائيلية غارات غير مسبوقة على مقر للجيش السوري وقرب القصر الرئاسي في دمشق، في تصعيد نوعي ردع القيادة السورية عن شنّ هجوم واسع على السويداء. لكن في اليوم ذاته، استؤنفت الاشتباكات داخل المدينة، وسط وقوع عدد متزايد من المدنيين في مرمى النيران.
وفي صباح 17 تموز/يوليو، خرج الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع باتهام مباشر لإسرائيل بمحاولة زعزعة استقرار البلاد، لكنه، في خطوة لاحتواء الأزمة، وجّه الشكر للوسطاء العرب، والأتراك، والأمريكيين، معلناً أن دمشق ستعيد تسليم ملف الأمن المحلي إلى القوات الدرزية، في حين بدأت القوات الحكومية فعلياً بالانسحاب من المدينة.
لكن سرعان ما انهار الهدوء النسبي الذي أعقب إعلان الانسحاب. ففي وقت لاحق من يوم 17 تموز/يوليو، تجدد القتال بعنف، إذ شنت الفصائل الدرزية هجمات مضادة على تجمعات البدو في ريف السويداء، ارتكبت خلالها انتهاكات جسيمة شملت القتل الجماعي، والنهب، والتهجير القسري للسكان، ما فاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.
وجاء الرد سريعاً من زعماء القبائل البدوية، الذين استدعوا تعزيزات من محافظة درعا، ما أدى إلى موجة تعبئة واسعة شملت مقاتلين من مناطق متعددة في البلاد، منها حلب، حماة، حمص، دير الزور، وإدلب. وبات الصراع يتخذ طابعاً أوسع، يتجاوز النزاع المحلي بين فصيلين، وينذر بتحوّله إلى مواجهة طائفية مفتوحة.
وحتى الآن، تشير التقارير إلى أن عدد القتلى قد تجاوز 600 شخص، معظمهم في البداية من المقاتلين. غير أن المؤشرات الحالية تؤكد تصاعد أعداد الضحايا المدنيين، خاصة مع تفاقم الفوضى وانعدام التنسيق، ما يجعل الحصول على حصيلة دقيقة للضحايا أمراً بالغ الصعوبة.
وفي الوقت الراهن، تفيد المعلومات بأن قوات البدو والفصائل الدرزية تتواجه في محيط مركز مدينة السويداء، في معارك شوارع باتت تقترب من المناطق السكنية. ووسط هذا التصعيد، تستعد الحكومة السورية لإرسال قوات من جهاز الأمن العام دون مشاركة التشكيلات العسكرية النظامية في محاولة لضبط الأوضاع، بشرط أن يتوصّل الطرفان إلى اتفاق مبدئي على التهدئة.
السويداء: شبه استقلالية هشّة
حتى وقت قريب، كانت محافظة السويداء تُعرف بأنها واحدة من أكثر المناطق استقراراً في سوريا، إذ نجَت إلى حد كبير من الفظائع التي دمّرت أجزاءً واسعة من البلاد خلال سنوات الحرب الأهلية. حافظ النظام السابق على سياسة عدم التدخل القمعي في السويداء، مما مكّنها من الحفاظ على درجة من الهدوء النسبي طوال سنوات الصراع. وفي عام 2023، انتقلت السيطرة الفعلية على المحافظة إلى جماعات مسلّحة درزية محلية، أبرزها رجال الكرامة ولواء الجبل، اللتان فرضتا سلطة الأمر الواقع في غياب الدولة، ووفّرتا قدراً هشّاً من الحكم الذاتي.
ومع سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، احتفظت هذه الجماعات بمواقعها ونفوذها، ما عزز شعور الدروز بالاستقلال، ولكنه في الوقت ذاته أثار مخاوف عميقة، خصوصاً مع صعود حكومة مؤقتة يغلب عليها الطابع الإسلامي السُّني. عبّر عدد من الزعماء الروحيين الدروز، وفي مقدمتهم الشيخ حكمت الهجري، عن قلقهم من ماضي بعض رموز هذه الحكومة الجهادي، محذرين من أن النظام الجديد قد لا يكون متسامحاً مع الأقليات الدينية.
هذه المخاوف ازدادت حدةً في مارس/آذار 2025، عندما اندلعت مواجهات دموية بين القوات الموالية للحكومة الجديدة ومدنيين مسلّحين، رداً على هجمات شنها فلول موالون للنظام المخلوع، أسفرت عن مقتل نحو 1500 مدني علوي في وسط سوريا وساحلها. وفي تطور لاحق، شهدت ضواحي دمشق ذات الأغلبية الدرزية اشتباكات عنيفة بين فصائل درزية ومسلحين سنّة في أواخر أبريل وأوائل مايو، على خلفية تسريب تسجيل صوتي منسوب لقيادي درزي يُشتم فيه النبي محمد، ما أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص. ودخلت القوات الحكومية هذه المناطق على إثر تلك الأحداث.
سلّطت هذه الوقائع الضوء على خلل واضح في النهج الأمني الذي تتبعه الحكومة المؤقتة، والتي وُجّهت إلى بعض وحداتها اتهامات موثوقة بارتكاب انتهاكات جماعية، فيما اتّسمت وحدات أخرى بالازدراء والاستعلاء تجاه المجتمعات المحلية، ما زاد من التوترات الطائفية بدلاً من احتوائها. ولدى الأقليات، خاصةً الدروز والعلويين، تكرّس شعور بالاغتراب والقلق الوجودي، نتيجة عدم وضوح مستقبلهم في سوريا ما بعد الأسد.
وقبيل اندلاع المواجهة الحالية، كان هناك ترتيب قائم بموجبه تتولى الحكومة المؤقتة إدارة المناطق الدرزية رسمياً من خلال جهاز الأمن العام. غير أن هذا الترتيب كان أقرب إلى إطار رمزي منه إلى سيطرة فعلية، حيث إن عناصر الأمن العام في السويداء كانوا بمعظمهم دروزاً مجنّدين من أبناء المنطقة، بينما بقيت الفصائل الدرزية المستقلة هي القوة الفعلية المسيطرة على الأرض، ما حافظ على استقلالية ميدانية غير معلنة.
العامل الإسرائيلي
دخلت إسرائيل على خط الأزمة السورية بشكل أكثر وضوحاً منذ نيسان/أبريل 2025، حين شنت غارات جوية استهدفت القوات الحكومية وضربت قنابل قرب القصر الرئاسي في دمشق، بحجة “حماية الدروز” في سوريا. ومع تجدّد القتال في السويداء، صعّدت إسرائيل من عملياتها العسكرية بشكل غير مسبوق، مدمّرة جزءاً من مقرّ الجيش السوري، ومجدداً مستهدفة محيط القصر الرئاسي، فيما اعتبره مراقبون تصعيداً مباشراً ضد القيادة السورية.
رغم أن المزاعم الإسرائيلية بأنها تتدخل لحماية أبناء الطائفة الدرزية في سوريا تتماشى إلى حد ما مع واقعها الداخلي حيث يشغل بعض الدروز الإسرائيليين مناصب بارزة في الجيش وأجهزة الأمن إلا أن هذا التدخل أثار تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وأبعاده الإقليمية.
منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، حافظ قادة الدروز الإسرائيليين على قنوات تواصل مستمرة مع نظرائهم في جنوب سوريا. ومع تصاعد الاضطرابات في السويداء، تحوّلت هذه العلاقات إلى حراك ميداني، حيث نظّم دروز من داخل إسرائيل احتجاجات على الحدود مع سوريا، تطالب الحكومة الإسرائيلية بالتدخل العاجل لحماية إخوانهم في الطرف الآخر. وبحسب تقارير محلية ودولية، فإن بعض هؤلاء المحتجّين عبروا الحدود بالفعل في خطوات نادرة، عكست عمق التوتر والارتباط الطائفي العابر للحدود.
هذا التداخل بين العامل الداخلي الإسرائيلي والطائفة الدرزية السورية أضفى بُعداً إقليمياً شديد التعقيد على الصراع، وفتح الباب أمام تصعيد أوسع، يضع سوريا أمام تحديات أمنية وسياسية لا تقتصر على الداخل، بل تمتد إلى حسابات إقليمية حساسة ترتبط بعلاقة تل أبيب بالمشهد السوري الجديد ما بعد الأسد.
ومع أن إسرائيل تقدّم تدخلها العسكري في سوريا على أنه خطوة لحماية الدروز، إلا أن هذا التدخل ينسجم أيضاً مع استراتيجيتها الأوسع تجاه سوريا في مرحلة ما بعد الأسد. فجزء من القيادة الإسرائيلية يرى في النظام السوري الجديد ذي الطابع الإسلامي السُّني تهديداً محتملاً لأمن إسرائيل، خصوصاً على جبهتها الشمالية الشرقية. ومنذ انهيار نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، كثّفت إسرائيل غاراتها الجوية داخل الأراضي السورية، مُدمّرة ما تبقى من البنية التحتية العسكرية السورية، في محاولة واضحة لتقويض قدرة الجيش السوري على إعادة تنظيم نفسه أو فرض سيطرة مركزية على البلاد.
ضمن هذا السياق، سيطرت القوات الإسرائيلية على المنطقة منزوعة السلاح في مرتفعات الجولان وهي منطقة أنشئت بموجب اتفاق فض الاشتباك السوري-الإسرائيلي عام 1974 وتقع خلف الجولان السوري الذي احتلّته إسرائيل عام 1967 وادعت ضمّه في 1981. كما استولت إسرائيل على مناطق إضافية في محيط الجولان، مدّعية أنها تهدف إلى إبعاد القوات السورية ومنعها من التمركز قرب الحدود.
من خلال تقديم نفسها كـ “حامية للدروز” في الجنوب، عززت إسرائيل ذريعةً جديدة لتثبيت وجود عسكري دائم في تلك المناطق، ومنع دمشق من إعادة نشر قواتها أو تأسيس حاميات عسكرية قرب الحدود، وهو أمر يتماشى مع أهداف إسرائيل الاستراتيجية طويلة الأمد: إضعاف الدولة السورية ومنع إعادة تشكّلها كقوة موحّدة.
كذلك، يبدو أن السياسة الإسرائيلية تهدف إلى إبقاء سوريا مجزّأة ومشتّتة سياسياً، من خلال دعم مكونات محلية، وتأجيج التوترات الطائفية، وتشجيع النزعات الاستقلالية في المناطق الخارجة عن السيطرة المركزية. وقد سرت شائعات طوال الأشهر الماضية حول اتصالات سرية بين مسؤولين إسرائيليين وزعماء محليين في السويداء، شملت عروض دعم مالي ولوجستي لبعض الفصائل، بهدف التأثير في توازن القوى على الأرض.
هذا التدخل الإسرائيلي فاقم الانقسامات داخل الطائفة الدرزية نفسها، حيث انقسم القادة البارزون في السويداء بشأن كيفية التعامل مع دمشق: هل يجب السعي إلى تسوية تحفظ قدراً من الحكم الذاتي، أم الانفتاح على إسرائيل كقوة ضامنة؟ هذه الانقسامات باتت أكثر وضوحاً مع تصاعد الحديث عن دور إسرائيل في إعادة تشكيل الخارطة السياسية في الجنوب.
ويأتي ذلك بالتوازي مع مواقف مشابهة من تل أبيب تجاه الأكراد في شمال شرق سوريا، حيث عبّرت إسرائيل في أكثر من مناسبة عن دعمها للأقلية الكردية، في إطار استراتيجية أوسع لتشجيع الكيانات غير المركزية، وكبح نفوذ الحكومة السورية الجديدة، ومنع أي قوة موحّدة من إعادة فرض السيطرة على البلاد.
من التسوية إلى الأمن المستدام
أوضح إعلان الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في 17 تموز/يوليو، الذي جاء عقب وساطة أميركية وعربية وتركية، استعداد دمشق لإعادة السويداء إلى وضعها شبه المستقل، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لكبح دوامة العنف المتصاعد. وعلى الرغم من الإشارات الإيجابية، لم يتغير الواقع على الأرض، إذ استمرت الاشتباكات واتسعت رقعتها، ما يدل على أن الإعلان، في غياب خطوات تنفيذية ملموسة، لم يُحدث الأثر المطلوب.
لمعالجة هذا الوضع، لا بد لدمشق من الارتقاء بموقفها السياسي والأمني بشكل عاجل. يتمثل الإجراء الأول والأكثر إلحاحاً في منع قوافل المسلحين من عبور الأراضي التي تسيطر عليها باتجاه السويداء، ودعوة من سبق لهم دخول المحافظة إلى الانسحاب الفوري. من شأن هذه الخطوة أن تُسهم في تهدئة التصعيد، وتُظهر نية الحكومة في لعب دور الضامن الجاد لاستقرار البلاد، لا سيما في عيون الأقليات التي باتت تشكك في حيادها وقدرتها على الحماية.
أما الخطوة الثانية، فتتمثل في إطلاق حوار مباشر بين دمشق والفصائل الدرزية، بهدف إحياء الاتفاق الأمني المبرم في أيار/مايو، والذي وُضع حينها لضبط الأمن في المحافظة عبر ترتيبات محلية، دون إقصاء للفصائل أو انتهاك للخصوصية المجتمعية للسويداء. يبقى هذا الاتفاق، رغم هشاشته، الأمل الأكثر واقعية لاستعادة الاستقرار في المدى القريب.
ومع مرور الوقت، يجب أن يتطوّر هذا التفاهم إلى ترتيب أكثر ديمومة، يُنقل فيه الملف الأمني بالكامل إلى جهاز الأمن العام، بشرط تجنيد عناصر من أبناء السويداء أنفسهم، بما يضمن مقبولية محلية، ويحد من التدخلات الخارجية والاختراقات الطائفية.
لقد أثبتت جولة العنف الحالية، خصوصاً ما جرى عقب انسحاب القوات الحكومية في 17 تموز/يوليو، أن الإبقاء على الميليشيات المحلية المسلحة خارج إطار الدولة ليس ضمانة للأمن، بل وصفة لفوضى متكررة وسفك دماء مستمر. ولذلك، لا بد من نزع السلاح التدريجي، مقابل ضمانات بالحماية والتمثيل، من خلال ترتيبات مدنية وأمنية توافقية، تعيد للسويداء استقرارها وتُرسي نموذجاً لسوريا ما بعد الصراع.
وحين يبدأ الوضع في الاستقرار، سيكون لزاماً على دمشق أن تُجري تقييماً عميقاً للأحداث الأخيرة، وأن تستخلص دروساً جوهرية من هذه الأزمة التي كادت أن تُشعل صراعاً طائفياً واسعاً. على الحكومة أن تتعلم كيف تسير على خيطٍ رفيع: بذل الجهد الكافي لمنع التصعيد دون الانزلاق نحو استخدام مفرط للقوة، الذي لا يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمات الأمنية المحلية وتحويلها إلى كوارث وطنية.
لقد فشلت دمشق في هذا التوازن، أولاً على الساحل السوري في آذار/مارس، حين سُمح بانفلات أمني دموي راح ضحيته المئات، والآن تكرر الفشل ذاته في السويداء. التجاهل الواضح لمؤشرات الانفجار القادم—سواء في نيسان/أبريل أو في الأيام الأولى من الأزمة الحالية—قد عمّق شعوراً متنامياً لدى الكثير من السوريين، خصوصاً من الأقليات، بأن الدولة غير قادرة أو غير راغبة في حمايتهم. هذا الشعور يدفع المزيد من الجماعات المحلية إلى التمسك بالسلاح أو السعي لامتلاكه دفاعاً عن النفس، مما يعمّق الانقسام المجتمعي ويُهدد بإفشال مسار الانتقال السياسي بعد الأسد.
في المرحلة القادمة، ينبغي على دمشق أن تُغيّر نهجها في التعامل مع الأزمات المحلية، بالتركيز على خفض التصعيد وحماية المدنيين، لا على فرض السيطرة بالقوة فقط. لا بد من تطوير أدوات غير عسكرية، تعتمد على الحوار المحلي المبكر، والوساطة المجتمعية، وتقديم الضمانات الأمنية، لتجنّب تحوّل التوترات إلى مواجهات مسلحة.
إحدى الخطوات الأساسية لتحقيق هذا الهدف تتمثل في تدريب وتفعيل قوات شرطة متخصصة، تمتلك الكفاءة والتأهيل للعمل في بيئات مشحونة، وقادرة على التعامل مع النزاعات الطائفية والعشائرية بحساسية ومسؤولية. فالاعتماد المفرط على القوة العسكرية لا يضع حداً للعنف، بل يُعزّز من قوة الفاعلين المحليين الأكثر تطرفاً، ويُقوّض أي جهد لبناء سلام حقيقي.
بالتوازي، يجب على دمشق أن تحكم سيطرتها بشكل كامل على التشكيلات المسلحة التابعة لها، وتمنعها من التصرف باستقلال أو ارتكاب تجاوزات تُقوّض شرعية الدولة. كما ينبغي إبرام اتفاقيات سياسية جديدة تُكرّس الأمن العام بوصفه القوة الأمنية الوحيدة المخوّلة بالعمل داخل المناطق السكنية، مع تحسين سلوك عناصره، وتفعيل آليات محاسبة شفافة وصارمة عن أي انتهاكات، بما يحقق ما وعد به الرئيس الشرع مراراً، ويمنح السوريين من كافة الأطياف سبباً جديداً للثقة بالمستقبل.
ينبغي على الجهات الخارجية التي تعلن دعمها لنجاح القيادة السورية الجديدة—والتي قدّمت بالفعل مساعدات كبيرة، سواء مالية أو دبلوماسية أو أمنية—مثل المملكة العربية السعودية وتركيا والولايات المتحدة، أن تتحمّل مسؤولية حقيقية في الضغط على دمشق لاتخاذ خطوات جادة نحو إصلاح النهج الأمني والسياسي. يجب أن يُدرج هذا المسار الإصلاحي ضمن شروط الدعم الخارجي، لا باعتباره عبئاً، بل كشرط ضروري لبناء دولة سورية مستقرة وشاملة قادرة على تجنّب الانزلاق إلى العنف المتجدد.
فمن دون تدخل خارجي متّزن وفعّال يحث دمشق على تعزيز الشفافية، وتحسين سلوك قواتها، وضمان المساءلة، وتنفيذ إصلاحات هيكلية—خاصة في التعامل مع الأقليات والمناطق الطرفية—فإن المخاطر لن تزول، بل ستتفاقم مع الوقت، وتُهدّد كامل المشروع السياسي لسوريا ما بعد الأسد.
حتى بالنسبة لإسرائيل، التي كثّفت تدخلها في الجنوب تحت شعار حماية الدروز، فإن الوصول إلى ترتيبات إقليمية أكثر استدامة مع دمشق، مدعومة بضمانات أمنية واضحة، يُعد خياراً أكثر عقلانية على المدى الطويل من مواصلة الاستراتيجية التصعيدية الحالية. فدمشق، التي نفت مراراً عداءها تجاه إسرائيل في هذه المرحلة الجديدة، يُمكن أن تُشكّل شريكاً ضمن تسوية غير رسمية لضبط الحدود، إذا جرى ذلك وفق ترتيبات واقعية ومضمونة دولياً.
وبقدر ما قد يكون حرص إسرائيل المعلن على دروز سوريا نابعاً من اعتبارات حقيقية—اجتماعية أو سياسية—إلا أن السماح لهؤلاء الدروز بإعادة بناء علاقتهم مع الدولة السورية الجديدة، بدلاً من عزلهم أو الدفع نحو مواجهات داخلية، يبقى الخيار الأكثر عقلانية واستقراراً. فهذا التوجّه لا يُسهم فقط في حماية الدروز، بل يُعزز فرص إعادة دمجهم في نسيج الدولة السورية، ويُجنّب الجميع دوامة الاحتراب الأهلي والانقسام الذي لا يخدم أي طرف، لا محلياً ولا إقليمياً.
مجموعة الأزمات الدولية
ترجمة يوسف سامي مصري
رابط البحث

