أدّت الاشتباكات الطائفية التي هزّت جنوب سوريا هذا الأسبوع إلى مقتل المئات، بمن فيهم مدنيون، وتورّطت فيها مجموعة من الأطراف المحلية والدولية. سلط اندلاع العنف الضوء على صعوبة سعي الحكومة السورية الجديدة إلى ترسيخ سيطرتها على البلاد، بعد أشهر من إطاحة المتمرّدين بقيادة الإسلاميين بالديكتاتور بشار الأسد. شنّت إسرائيل، يوم الأربعاء، غارات جوية على العاصمة دمشق، كما استهدفت القوات الحكومية في الجنوب، في عملية تقول إنها تهدف إلى حماية أقلية محاصرة في الاشتباكات، في إشارة إلى الطائفة الدرزية. كما أفادت وسائل إعلام رسمية بأن إسرائيل نفذت المزيد من الضربات قرب محافظة السويداء. جاء ذلك في وقتٍ توسطت فيه الولايات المتحدة وتركيا ودول عربية للتوصل إلى وقف إطلاق نار صمد إلى حد كبير يوم الخميس، رغم تسجيل بعض الخروقات. تُظهر هذه الأحداث تعقيد المشهد السوري بعد سقوط النظام، وتعدد القوى المتداخلة في الصراع، مما يزيد من صعوبة تحقيق الاستقرار في المدى القريب.
كيف بدأ القتال؟
تشهد سوريا حالة انقسام عميق وحادة منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، عقب عقود من الحكم الديكتاتوري وما يقرب من 14 عاماً من الحرب الأهلية التي دمرت نسيج البلاد الاجتماعي والسياسي. هذا الانقسام لا يقتصر على السياسة فقط، بل يمتد إلى المشهد الطائفي والعرقي، حيث تبرز مخاوف كبيرة لدى العديد من الأقليات الدينية والعرقية التي تخشى من هيمنة فصائل إسلامية متشددة على السلطة.
الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، الذي ارتبط اسمه سابقاً بتنظيم القاعدة الإرهابي، يثير قلق هذه الأقليات رغم تعهداته المتكررة بحمايتها وضمان حقوقها. فقد شهدت سوريا، منذ توليه السلطة، موجات متكررة من العنف الطائفي الذي استهدف بشكل خاص الأقليات الدينية، مما زاد من حالة الانقسام والقلق بين أبناء المجتمع السوري. هذه الموجات العنيفة أثرت بشكل سلبي على فرص بناء دولة شاملة قادرة على احتواء الجميع في ظل فترة انتقالية صعبة.
وتجسدت هذه الانقسامات بشكل واضح في التصعيد الأخير الذي اندلع في محافظة السويداء جنوبي سوريا، حيث بدأت المواجهات بعد حادثة عنف محلية بسيطة، عندما هاجمت مجموعة من المسلحين المنتمين لقبيلة بدوية رجلاً درزياً وسرقوه، حسب تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان. سرعان ما تحولت هذه الحادثة إلى اشتباكات مسلحة وأعمال انتقامية بين القبائل البدوية والفصائل الدرزية التي تمارس نفوذاً واسعاً في مناطق عدة من المحافظة.
حاولت قوات الحكومة السورية الجديدة التدخل سريعاً يوم الاثنين للسيطرة على الوضع وإعادة النظام، لكنها فشلت في كسب ثقة الفصائل الدرزية، التي اعتبرت تحركات الحكومة منحازة للبدو. هذا الانحياز المزعوم أدى إلى مزيد من الاشتباكات الدامية بين الفصائل المحلية، وأسفرت عن سقوط مئات القتلى، حيث أشار المرصد السوري إلى مقتل ما لا يقل عن 594 شخصاً في تلك المواجهات، بينهم مدنيون كثيرون.
هذه الأزمة ليست مجرد نزاع محلي عابر، بل تعكس توترات عميقة ومتجذرة في البنية الاجتماعية والطائفية في سوريا، التي تتداخل فيها الأبعاد الدينية والتاريخية والسياسية. ويرجع جزء من هذا الانقسام إلى الخلاف التاريخي بين السنة والشيعة، الذي بدأ منذ وفاة النبي محمد عام 632 ميلادياً وتبلور في انقسام المسلمين إلى معسكرين رئيسيين. هذا الانقسام الديني تأثر على مدى قرون بمسارات سياسية واجتماعية متعددة، ولا يزال يؤثر على العلاقات بين الطوائف في سوريا والمنطقة ككل.
في السياق السوري الحديث، شكل هذا الانقسام بين السنة والشيعة، إلى جانب التوترات العشائرية والطائفية، قاعدة لصراعات داخلية مستمرة، خاصة مع تفكك الدولة المركزية وانهيار مؤسساتها بعد سنوات من الحرب. وإلى جانب ذلك، فإن ظهور جماعات مسلحة متعددة الأطراف، بعضها يحمل أجندات طائفية، قد زاد من تعقيد المشهد وجعل من الصعب تحقيق المصالحة الوطنية.
تتواجه سوريا اليوم مع تحديات جسيمة في بناء نظام سياسي جديد قادر على احتواء التنوع الديني والطائفي والعرقي، وتحقيق الأمن والاستقرار لجميع مكوناتها. تتطلب هذه المهمة جهوداً كبيرة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة، وضمان مشاركة عادلة في الحكم، وتوفير حماية فعالة للأقليات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة بطريقة شاملة وشفافة. في ظل استمرار مثل هذه الأزمات الطائفية والاقتتال الداخلي، تبقى آفاق السلام والاستقرار في سوريا معقدة ومرتبطة بشكل وثيق بمدى قدرة القيادة الجديدة على إدارة التنوع وتجنب الانزلاق نحو المزيد من العنف.
إذن، لماذا تضرب إسرائيل سوريا؟
تزعم إسرائيل أن هجماتها الجوية تستهدف حماية دروز سوريا، الذين وصفهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ”الإخوة”، نظراً للعلاقات التاريخية والاجتماعية الوثيقة بين الدروز في سوريا وإسرائيل. وتمتلك الطائفة الدرزية في إسرائيل حضوراً كبيراً ويُنظر إليها كأقلية موالية، حيث يخدم العديد من أبنائها في الجيش الإسرائيلي، مما يعزز روابط خاصة بين الطرفين. وأوضح نتنياهو أن الغارات التي شنتها إسرائيل على مواقع في محافظة السويداء جاءت استباقاً لمنع الحكومة السورية من استخدام هذه القوات والأسلحة ضد الطائفة الدرزية، كما شملت الضربات مقر وزارة الدفاع السورية في قلب دمشق، في تصعيد غير مسبوق.
من جانبها، ترى الصحفية المستقلة المقيمة في دمشق، هايدي بريت، أن كل من الحكومتين الإسرائيلية والسورية استغلتا التوترات الطائفية لخدمة مصالحهما الخاصة. فبالنسبة للنظام السوري، شكّلت الأزمة فرصةً لبسط سيطرته على مناطق إضافية من البلاد بعد سنوات من الانفلات الأمني، في حين أن إسرائيل استفادت من الاضطرابات لزيادة إضعاف الحكومة السورية وزعزعة استقرارها. ورغم أن دمشق أبدت بعض الانفتاح على تطبيع العلاقات مع تل أبيب، إلا أن إسرائيل تبدو حريصة على تقويض أي مساعٍ لبناء جسور التعاون في الوقت الراهن.
يرى جوشوا لانديس، المدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، أن إسرائيل لا تثق بالرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، وتفضل إبقاء سوريا ضعيفة ومنقسمة لتفادي نشوء تحالفات معادية على حدودها. ويضيف لانديس أن إسرائيل تتمتع بسيطرة جوية كاملة على أجواء سوريا ولبنان والعراق، وتوسعت هذه السيطرة لتشمل الآن إيران، الأمر الذي يمنحها ميزة استراتيجية كبيرة. ويرى أن إسرائيل لا ترغب في ظهور سوريا قوية، خاصة إذا ما تحالفت مع تركيا أو أصبحت خصماً محتملاً على حدودها الشمالية الشرقية، لذلك تستمر في تبني سياسة الإضعاف والضغط لضمان أمنها القومي.
هل يريد الدروز تدخل إسرائيل؟
قال جوشوا لانديس، الخبير البارز في الشأن السوري، إن “الدروز يشعرون بالامتنان للدعم الإسرائيلي، لكنهم يدركون أن إسرائيل لن تخاطر بإرسال قواتها لحمايتهم فعلياً”. وأشار إلى أن شعور انعدام الثقة تجاه الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع لا يزال عميقاً داخل صفوف الأقلية الدرزية، وهو ما يعكس تراكمات من ممارسات سابقة وتاريخ من التهميش وسوء المعاملة.
وقد أججت موجة العنف الأخيرة، التي تُعد من بين الأسوأ منذ سنوات، المخاوف من أن الحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق غير مستعدة أو غير راغبة في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. ويُظهر ذلك من خلال شهادات مباشرة من ميداني السويداء، حيث يستلقي قاسم، أحد المصابين، على نقالة وقد غُطّي نصفه الأسفل بالكامل، فيما وجهه مغطى بقطعة قماش أرجوانية. يقول بصوت خافت: “الدروز خائفون للغاية، لأن الشرع أساء معاملتهم في السابق، ولا أحد يصدق وعوده الحالية”.
وتعود بعض جذور هذا الخوف إلى مجازر سابقة، أبرزها ما حدث في مارس/آذار في المنطقة الساحلية، حيث قُتل مئات من الأقلية العلوية، التي يُنظر إليها على أنها مرتبطة بالنظام السابق، على يد قوات متحالفة مع الشرع. يقول لانديس في هذا السياق: “الدروز طردوا قوات الأسد من مناطقهم، وحكموا أنفسهم بشكل فعلي لأكثر من عام، ولا يثقون بالقوات الحكومية التي ارتكبت في السابق مجازر ضد طوائف أخرى، كالعلويين في مارس/آذار”.
ورغم تصاعد القلق الشعبي، لم تصدر وزارتي الداخلية والدفاع في دمشق أي تعليقات رسمية بشأن الاتهامات الموجهة للقوات الحكومية في أحداث السويداء الأخيرة، والتي أسفرت عن مئات القتلى.
من جانبهم، عبّر نشطاء دروز في الجولان المحتل عن شكوكهم في دوافع التدخل الإسرائيلي. وفي تصريحات لشبكة ABC الأميركية، قال بعضهم إنهم يرون في الخطوات الإسرائيلية “محاولة للهيمنة على المنطقة أكثر منها حرصاً حقيقياً على حماية الطائفة الدرزية”.
أما الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، فقد اتهم إسرائيل بـ”استغلال الانقسام الطائفي لتفكيك وحدة الشعب السوري”، مضيفاً أن “إسرائيل استهدفت استقرارنا باستمرار، وسعت لزرع الفتنة بين مكوناتنا منذ سقوط النظام السابق”، في إشارة إلى مرحلة ما بعد إسقاط بشار الأسد في نهاية عام 2024.
كيف يتفاعل العالم مع الضربات الإسرائيلية؟
أدانت الولايات المتحدة الأمريكية بشدّة تصاعد العنف في سوريا، مؤكدة التزامها بالعمل مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية لاحتواء الأزمة ومنع مزيد من التصعيد. وقالت تامي بروس، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، إن واشنطن “لم تدعم الضربات الإسرائيلية الأخيرة”، مشيرة إلى أن الإدارة الأميركية “تتحرك بسرعة على الصعيد الدبلوماسي” لاحتواء التوتر. وأضافت: “لقد كنا واضحين تماماً بشأن استيائنا، وبالتأكيد الرئيس كان واضحاً، وقد عملنا بسرعة كبيرة لوقفه”، في إشارة إلى التحرك الأميركي بعد الغارات الإسرائيلية على دمشق والسويداء.
وفيما تعزز الولايات المتحدة قنوات التواصل مع الجانبين السوري والإسرائيلي، انضمت تركيا إلى جهود التهدئة، مستفيدة من علاقاتها المعقدة مع الطرفين. وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وجود محاولات “لتخريب وقف إطلاق النار الذي تم التوصّل إليه يوم الخميس بمساهمة بلدنا”. وهاجم إسرائيل قائلاً إنها “تذرّعت بالدفاع عن الدروز لتوسيع عملياتها العدوانية داخل الأراضي السورية”، مضيفاً أن “إسرائيل أثبتت مجدداً أنها لا تريد السلام أو الاستقرار في المنطقة”.
وقد حظيت المبادرة التركية بدعم واسع في المنطقة؛ إذ انضمت عشر دول عربية إلى موقف أنقرة، معربة عن دعمها الكامل لوحدة سوريا وسيادتها، ورافضة جميع أشكال التدخل الأجنبي. وهذه الدول هي: المملكة العربية السعودية، الأردن، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، العراق، سلطنة عمان، قطر، الكويت، لبنان، ومصر. وجاء في بيان مشترك لهذه الدول أن “استقرار سوريا يتطلب احترام سيادتها الوطنية، ووقف جميع العمليات العسكرية غير المصرح بها على أراضيها”.
في موازاة ذلك، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة يوم الخميس لمناقشة تداعيات الضربات الإسرائيلية الأخيرة. وقال السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إن بلاده ترفض “محاولات أطراف خارجية أو داخلية استغلال الوضع الهش في سوريا لإثارة التوتر العرقي والديني”. وأضاف أن على المجتمع الدولي أن يمنع “تحوّل الأزمة السورية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية”.
من جانبه، دافع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجدداً عن قرار بلاده شنّ الغارات، قائلاً إن “الجيش السوري أرسل قواته جنوب دمشق إلى منطقة منزوعة السلاح وبدأ في قتل الدروز”. وأضاف: “هذا أمر لا نقبله بأي حال من الأحوال”، مشيراً إلى أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه جاء “بفضل القوة وليس التفاهم”.
وهكذا، تسلّط هذه التطورات الضوء على هشاشة الوضع السوري في مرحلة ما بعد الأسد، وارتباط مصير الأقليات وتوازن القوى في البلاد بتعقيدات إقليمية ودولية لا تزال بعيدة عن أي حل نهائي.
أودري كورتي
مركز أسبار
١٨ تموز/يوليو ٢٠٢٥
رابط البحث

