ذات صلة

السويداء في قلب التغيير: سلطة مركزية جديدة في دمشق، صمود محلي، وتنافس إقليمي على الطائفة الدرزية

الملخّص التنفيذي
تتناول هذه الورقة البحثية التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية، في سياق انهيار نظام بشار الأسد وظهور سلطة بديلة تقودها هيئة تحرير الشام. وتمثل هذه التحولات لحظة مفصلية في عملية إعادة تشكيل الدولة السورية، ليس فقط على صعيد بنيتها الإدارية والأمنية، بل أيضًا في طبيعة علاقاتها مع المكوّنات المحلية التي طالما كانت مهمّشة في مراكز صنع القرار.

باعتبارها واحدة من المناطق القليلة التي احتفظت بدرجة من الحكم الذاتي خلال سنوات الصراع، تجد السويداء نفسها أمام مشروع سلطوي جديد تتبناه هيئة تحرير الشام، وهي جماعة ذات توجه سلفي متشدد، تسعى إلى فرض نموذج مركزي إقصائي للحكم. وتُحلل الورقة مسارات هذا التوتر المتصاعد، بدءًا من تحفظ المجتمع الدرزي على المشاركة في حكومة تُفرض من أعلى، وصولًا إلى التحولات في موازين القوى بين الفاعلين المحليين داخل المحافظة.

كما تستعرض الورقة تصاعد الصدامات المسلحة بين السويداء والإدارة الانتقالية في دمشق، والتي بلغت ذروتها منذ أواخر نيسان/أبريل 2025، إثر حملة عسكرية ترافقت مع خطاب تحريضي واتهامات بالخيانة وُجهت إلى أبناء الطائفة الدرزية، على خلفية تسجيل صوتي مفبرك نُسب إلى أحد رجال الدين الدروز.

في خضم هذه التحولات، يعود موقع الدروز في المشهدين السوري والإقليمي إلى الواجهة، مطلقًا نقاشات حيوية حول مفاهيم الوطنية والانتماء، وحدود الحماية في ظل بنية سياسية جديدة تتجه نحو مركزية دينية أحادية. وتناقش الورقة كيف أدى التصعيد العسكري إلى تعزيز التماسك الداخلي في السويداء، وتكريس خيار المواجهة كأداة تفاوضية مع دمشق، في ظل اتساع الفجوة بين الطرفين.

وتُختتم الورقة بمجموعة من التوصيات الاستراتيجية لصانعي السياسات، لاسيما الأوروبيين والألمان، بشأن سُبل بناء قنوات تواصل فعالة مع الفاعلين المحليين، وتجاوز الثنائية التقليدية بين الدولة والمجتمع المدني، مع الأخذ بعين الاعتبار الفرص والمخاطر المتداخلة التي تفرضها ديناميكيات جنوب سوريا.

مقدمة
منذ أواخر عام 2024، شهدت البنية السياسية والأمنية في سوريا تحولات جذرية غير مسبوقة، تمثلت في انهيار النظام الذي هيمن على البلاد لعقود، وبروز سلطة جديدة تقودها هيئة تحرير الشام، التي اتخذت من دمشق مقرًا لها في إطار مشروع يهدف إلى إعادة بناء الدولة. غير أن هذا التغيير لم يقتصر على استبدال النخبة الحاكمة، بل شكل عملية إعادة تعريف شاملة للعلاقات بين الدولة والمجتمع، ولطبيعة السلطة وعلاقتها بالمكوّنات المحلية، من خلال نموذج حوكمة يجمع بين القبضة الأمنية والعقيدة الدينية، ويعيد إنتاج مركزية إقصائية تحت راية سلفية جديدة.

في هذا السياق، برزت محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية بوصفها ساحة اختبار حساسة لهذا النموذج السياسي الناشئ. إذ لم تكن السويداء مجرد طرف هامشي في المعادلة، بل تحولت بسرعة إلى بؤرة توتر، نتيجة الصراع بين سعي السلطة الجديدة لدمجها قسرًا في بنيتها المركزية، وحرص المجتمع الدرزي المحلي على الحفاظ على مسافة سياسية تتيح له هامش مناورة يحافظ من خلاله على استقلالية القرار المحلي.

وقد برزت ملامح هذا التوتر منذ اللحظة الأولى، حين قوبلت محاولات السلطة الجديدة بفرض اندماج السويداء برفض واضح من الفاعلين المحليين، الذين اعتبروا أن المشروع السياسي لهذه الدولة الناشئة لا يعترف أصلًا بدورهم كعنصر فاعل وشريك في صياغة مستقبل البلاد، بل يسعى إلى تهميشهم ضمن نموذج إقصائي يتجاهل التنوع السوري.

ترافقت التحولات السياسية في سوريا مع مشهد داخلي شديد التعقيد في محافظة السويداء، حيث شرع المجتمع المحلي بإعادة ترتيب تمثيله السياسي والديني في مواجهة ضغوط متصاعدة من دمشق. وقد أفضى هذا السياق إلى بروز متسارع للدور القيادي الديني، ممثلًا بشيخ العقل حكمت الهجري، بالتوازي مع تنامي التأثير السياسي للجماعات المسلحة المحلية، وتكثف الحركات الاحتجاجية في ساحة الكرامة. هذا التداخل بين الفاعلين الدينيين والمدنيين والمسلحين فرض عملية إعادة هيكلة داخلية للمشهد المحلي، في ظل تصاعد الاستقطاب مع السلطة المركزية الجديدة التي تقودها هيئة تحرير الشام.

لكن هذا التوتر لم يظل حبيس الجغرافيا السورية، بل امتد ليأخذ أبعادًا إقليمية، مع تصاعد اهتمام إسرائيل بإعادة صياغة علاقتها مع الطائفة الدرزية في سوريا، مستثمرة مكاسبها الجيوسياسية في أعقاب أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. ويتجلى هذا التوجه الإسرائيلي في أشكال متعددة، تراوحت بين الدعم الرمزي والتصريحات السياسية المثيرة للجدل، ومحاولات فتح قنوات اتصال مباشرة مع فاعلين دروز محليين، مستغلةً الفراغ الذي خلّفه النهج الإقصائي الذي تتبعه الدولة السورية الناشئة.

في ظل هذا المشهد، تجد الطائفة الدرزية نفسها أمام مفترق طرق معقد: بين تهميش رمزي تمارسه السلطة الجديدة من جهة، ومحاولات إسرائيلية لفرض نوع من الوصاية الخارجية من جهة أخرى. هذا الوضع يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة الراهنة: كيف تسعى هيئة تحرير الشام، في موقعها السلطوي، إلى إعادة هندسة علاقتها مع المكوّن الدرزي؟ وما حدود الدور الإسرائيلي في استثمار هذا التحول؟ وهل تستطيع الجهات الأوروبية، وخاصة ألمانيا، تطوير أدوات تفاعل واقعية وأكثر مرونة مع تعقيدات الجنوب السوري؟

تهدف هذه الورقة إلى الإجابة عن هذه التساؤلات عبر تناول أربعة محاور رئيسية: أولًا، طبيعة السلطة الجديدة وهيمنة هيئة تحرير الشام على مفاصل الدولة السورية؛ ثانيًا، التحولات الداخلية التي شهدتها الطائفة الدرزية ومكانة السويداء ضمن هذا السياق؛ ثالثًا، إعادة تشكيل العلاقة الإقليمية بين إسرائيل والطائفة الدرزية؛ وأخيرًا، تقديم رؤية تحليلية مصحوبة بتوصيات عملية لصنّاع القرار الأوروبيين والألمان لفهم أعمق لديناميكيات الجنوب السوري والتفاعل معها بفعالية.

إعادة هيكلة الحكومة من الأعلى إلى الأسفل – نظرة على الدولة الجديدة من منظور السويداء

مع حلول عام 2024، شرعت هيئة تحرير الشام (HTS) في إرساء هياكل السلطة الجديدة انطلاقًا من العاصمة دمشق، متبعةً نهجًا مركزيًا أحاديًا لا يعكس أي انفتاح على الشراكة مع المكونات المحلية. وبالنسبة للفاعلين المحليين في محافظة السويداء، مثّلت هذه الخطوات استمرارًا للسياسات الإقصائية التي طالما همّشتهم، وإن تغيرت أدوات الخطاب. ولم تُنظر إلى هذه المبادرات كمقدمة لبناء دولة وطنية جامعة، بل كإعادة إنتاج لسلطة مركزية تفرض رؤيتها الأحادية دون تمثيل حقيقي أو اعتراف بالتعددية المجتمعية في سوريا.

منذ اللحظات الأولى التي تلت سقوط النظام، تحركت هيئة تحرير الشام بسرعة لفرض سلطتها على الأرض، مستندةً إلى خطاب مؤدلج يهدف إلى إعادة تأسيس الدولة وفق تصوّر سياسي وأمني جديد. غير أن المشروع، في جوهره، اتّسم بطابع فوقي، يُدار من المركز إلى الأطراف، حيث بادرت الهيئة إلى ملء المناصب الشاغرة دون أي إشراك يُذكر للمجتمعات المحلية أو قواها الفاعلة.

وقد ترافقت هذه الهيمنة مع جملة من الإجراءات الرمزية والمؤسساتية، أبرزها الإعلان عن تشكيل “حكومة انتقالية” وتعيين محمد البشير رئيسًا للوزراء في 9 كانون الأول/ديسمبر، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا لكون البشير سبق أن ترأس “حكومة الإنقاذ” التابعة للهيئة في إدلب. ولم يأتِ هذا التعيين نتيجة أي حوار أو تفاهم مع القوى المحلية، لا في السويداء ولا في باقي المناطق السورية، بل كرّس مبدأ “من يحرّر يقرّر” كقاعدة حاكمة في مشروع بناء الدولة.

وهكذا، بدت عملية إعادة هيكلة الدولة الجديدة كمحاولة لفرض نموذج سلطوي انطلاقًا من مركز واحد، يزعم تمثيل الانتصار العسكري كنقطة انطلاق لكيان سياسي جديد، في تجاهل تام للتعقيد الاجتماعي والتعددية الثقافية التي تطبع الواقع السوري. ويعكس اختيار البشير، وسائر التعيينات السيادية التي تلته، رغبة هيئة تحرير الشام في تعميم تجربتها الإدارية في إدلب على كامل الجغرافيا السورية، متجاوزةً خصوصيات المناطق، وتحديات الانتقال، ومتطلبات التوافق الوطني.

في أعقاب التطورات المتسارعة التي أعقبت سقوط النظام، أعلنت السلطة الجديدة تعليق العمل بالدستور السوري السابق، وحلّ مجلس النواب، وتشكيل لجنة لتطوير إعلان دستوري مؤقت. غير أن هذه القرارات الجوهرية اتُّخذت دون أي تنسيق أو مشاورة مع القوى المحلية، الأمر الذي اعتُبر من قِبل مراقبين من السويداء مؤشّرًا مبكرًا على طبيعة النظام الجديد: سلطة مركزية لا تشاركية، تفتقر إلى رؤية وطنية شاملة، وتقصي عمدًا الجهات الفاعلة التي لعبت دورًا في تفكيك النظام السابق أو ساهمت في حماية مناطقها من هيمنته، كما هو الحال في السويداء.

تلا ذلك الإعلان عن إعادة تشكيل الجيش الوطني تحت إشراف وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية، عبر دمج الفصائل المسلحة المختلفة. ففي 29 كانون الأول/ديسمبر 2024، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة القرار رقم 8، الذي نصّ على تعيين عدد من القادة العسكريين الذين شاركوا في عملية “ردع العدوان” في مواقع قيادية ضمن هيكل الجيش الجديد. إلا أن تركيبة هذه القيادات أثارت الكثير من التساؤلات، إذ شملت شخصيات منتمية إلى فصائل سلفية جهادية، وبعضها غير سوري، بينما غابت التمثيلات المنتمية إلى الأقليات السورية. وقد مُنحت هذه الشخصيات رتبًا عسكرية عليا مثل عقيد وعميد، ما فسّره مراقبون كمحاولة لدمج عابر للحدود للقوى الجهادية ضمن المؤسسة العسكرية، في إطار مشروع سياسي يتجاهل التعددية الإثنية والطائفية في البلاد.

هذا التوجه أثار شكوكًا واسعة النطاق حول طبيعة وهوية الجيش الجديد، الذي رُوّج له كجيش وطني، لكنه في الواقع عُدّ انعكاسًا لمشروع سلطوي جديد يخدم مصالح السلطة القائمة دون تمثيل حقيقي للمكونات السورية المختلفة. وقد عمّق هذا الواقع مخاوف الجماعات غير السنّية، التي رأت فيه استمرارًا لسياسات الإقصاء ضمن غلاف جديد.

وفي أواخر كانون الثاني/يناير 2025، بلغت هذه التحولات ذروتها مع تعيين أحمد الشرع رئيسًا للمرحلة الانتقالية، خلال مؤتمر “النصر للثورة السورية” الذي عُقد في دمشق. ورغم أن تعيينه لم يكن مفاجئًا نظرًا لدوره المحوري في تشكيل السلطة الجديدة، إلا أنه فتح نقاشًا واسعًا حول المعاني الرمزية والسياسية لاختيار قائد فصيل عسكري سابق لقيادة دولة يُفترض بها أن تبدأ مرحلة إعادة بناء مؤسساتي.

شارك في هذا المؤتمر ثمانية عشر فصيلًا مسلحًا، جميعها من خلفيات سنّية، من بينها فصائل ذات طابع سلفي جهادي وأخرى تابعة للجيش الوطني المدعوم من تركيا. وقد أُعلن خلال المؤتمر عن حلّ الجيش السوري السابق والأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد، ودمج الفصائل المشاركة في كيان الجيش الجديد. لكن لافتًا كان غياب كامل للفصائل المسلحة والمليشيات ذات الخلفيات العرقية والطائفية المتنوعة، وفي مقدمتها فصائل السويداء، التي قاطعت المؤتمر بسبب غياب الشفافية، وضبابية الرؤية السياسية، وافتقاره إلى مقاربة جامعة تتسع لجميع مكونات المجتمع السوري.

عبّرت مشيخة العقل الدرزية، ممثلة بالشيخ حكمت الهجري، عن قلقها العميق إزاء مشاركة محافظة السويداء في العملية السياسية الجارية، مؤكدة أن أي انخراط قد يُفسر على نحو خاطئ كدعم للسلطة الانتقالية، دون توفر حد أدنى من التوافق الوطني حول قضايا جوهرية، وعلى رأسها شكل الدولة وطبيعة النظام السياسي.

وفي 12 شباط/فبراير 2025، أعلن الرئيس المؤقت أحمد الشرع عن تشكيل لجنة تحضيرية للإعداد لما سُمّي “مؤتمر الحوار الوطني السوري”. تألفت اللجنة من سبعة أعضاء، غلب عليهم الانتماء إلى التيار السلفي، دون أي تمثيل يُذكر لمحافظة السويداء أو لمكوناتها السياسية والاجتماعية. وقد كُلّفت هذه اللجنة بوضع المعايير الأساسية لضمان نجاح المؤتمر، إلا أن آلية اختيار المدعوين بقيت غامضة ولم تُعلن للرأي العام.

سرعان ما أثارت اللجنة جدلًا واسعًا بعد إعلانها أن الجماعات التي لا توافق على تسليم سلاحها والانضمام إلى الجيش الوطني ستكون مستبعدة من الحوار، وهو ما أدى تلقائيًا إلى إقصاء الإدارة الذاتية بقيادة الأكراد. كما ألقى هذا الشرط بظلاله على موقف القوى المحلية في السويداء، التي تشدد على حقها في الاحتفاظ بسلاحها دفاعًا عن نفسها، في ظل غياب اتفاق واضح حول مستقبل الدولة وطبيعة نظامها.

في 25 شباط/فبراير، انعقد المؤتمر في دمشق وسط تحضيرات عاجلة ودعوات وُجهت قبل يومين فقط من موعده، ما أثار انتقادات حول طبيعته المرتجلة. تركّزت النقاشات في المؤتمر على إصدار توصيات غير مُلزمة، أبرزها الدعوة إلى الإسراع في إصدار إعلان دستوري مؤقت، وتشكيل مجلس تشريعي انتقالي، بالإضافة إلى لجنة دستورية لوضع مسودة دستور دائم، إلى جانب تأكيد ضرورة إخضاع جميع الأسلحة لسلطة الدولة المركزية.

ورغم ما بدا من رغبة في فتح مسار سياسي، تعرّض المؤتمر لانتقادات حادة، سواء بسبب ضعف التمثيل الحقيقي لعدد من المكونات الأساسية في البلاد، وعلى رأسها السويداء، أو بسبب السرعة التي جرى فيها تنظيمه، والنهج الانتقائي في توجيه الدعوات. وقد رأى كثير من المراقبين أن المؤتمر لم يكن منصة تأسيسية شاملة، بل مجرد محاولة متسرعة لإضفاء طابع شرعي على مشروع سياسي قائم مسبقًا.

لقد كُلفت فرق عمل داخل المؤتمر بمناقشة قضايا بالغة الحساسية، مثل شكل الدولة ومستقبل الحكم، خلال ساعات معدودة، دون منح وقت كافٍ للتداول أو بناء التوافق. وكانت النتيجة إصدار بيان ختامي أشبه بإعلان نوايا، يفتقر إلى أي آليات تنفيذية واضحة، ما جعله يُقرأ على نطاق واسع باعتباره وثيقة إعلامية أكثر منه إنجازًا سياسيًا ذا أثر فعلي.

وفي استمرارٍ للنهج الاستبدادي الذي طبع المرحلة الانتقالية، أعلن الرئيس المؤقت أحمد الشرع، خلال مؤتمر “النصر للثورة السورية”، عن نيته تشكيل لجنة لصياغة إعلان دستوري مؤقت يُفترض أن يحكم المرحلة المقبلة. وفي 2 آذار/مارس 2025، تم الإعلان رسميًا عن تشكيل هذه اللجنة، التي ضمّت شخصيات قانونية تقليدية، معظمها من خلفيات سُنّية محافظة، مع غياب لافت لأي تمثيل للأقليات أو للقوى السياسية غير الإسلامية.

دون تقديم أي توضيح للرأي العام حول منهجية عملها أو الآليات المتبعة في صياغة النص، أنجزت اللجنة مشروع الإعلان الدستوري، الذي وقّعه الرئيس الشرع لاحقًا في 13 آذار/مارس 2025. وقد منح الإعلان المؤقت الرئيس صلاحيات تنفيذية وتشريعية وقضائية واسعة، فاقت حتى تلك التي كان يتمتع بها الرئيس السابق بشار الأسد، مما أثار موجة انتقادات حادة، خاصة في محافظة السويداء. إذ أُعتبر الإعلان تكريسًا لنموذج سلطوي جديد تحت غطاء مؤسساتي، يعيد إنتاج الدولة المركزية من دون أي التزام بمبادئ التعددية أو المشاركة السياسية الفعلية.

تضمنت الصلاحيات الرئاسية المعتمدة تعيين رئيس الجمهورية لمجلس القضاء الأعلى، وتسمية ثلث أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي (مجلس الشعب)، فيما تُمنح لجنة يعيّنها الرئيس نفسه صلاحية اختيار الثلثين المتبقيين، ما ألغى عمليًا أي مبدأ للتمثيل الشعبي أو التداول السياسي.

كما غابت عن الإعلان أي إشارات إلى خيارات الحوكمة اللامركزية أو الفيدرالية، ما عُدّ تجاهلًا متعمدًا للمطالب المتكررة من قِبل مكونات محلية، كالسويداء، بإيجاد إطار سياسي يضمن قدرًا من الحكم الذاتي ضمن الدولة السورية. وقد رفضت الجهات الفاعلة في السويداء بشكل قاطع البنود التي تقيّد ديانة الرئيس بالإسلام، وتقرّ بالفقه الإسلامي كمصدر أساسي للتشريع، واعتبرتها ممارسات تمييزية تُرسّخ الانقسام الديني وتكرّس هرمية المواطنة على أساس ديني، بدلًا من ترسيخ مبادئ المواطنة المتساوية.

شهدت العلاقة بين محافظة السويداء ودمشق تصعيدًا إضافيًا في التوتر السياسي مع إعلان الرئيس المؤقت أحمد الشرع عن تشكيل “الحكومة الانتقالية السورية” في 29 آذار/مارس 2025، خلال مؤتمر صحفي عقد في العاصمة. وقد جاءت هذه الحكومة لتكون الجهة التنفيذية المسؤولة عن إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية، إلى حين إجراء انتخابات عامة مقررة في غضون خمس سنوات.

وشملت التشكيلة الحكومية تعيين أمجد بدر، المنحدر من السويداء، وزيرًا للزراعة، في خطوة روجت لها السلطة الانتقالية باعتبارها مؤشرًا على انفتاحها على مختلف المكونات السورية. غير أن هذا التعيين قوبل بانتقادات حادة داخل السويداء، حيث رأى فيه كثيرون محاولةً رمزية لإظهار التنوع، أكثر منه إجراءً حقيقيًا نحو تقاسم السلطة أو إشراك فعلي للمجتمعات المهمشة في الحكم.

لم يأتِ اختيار بدر نتيجة مشاورات مع وجهاء الطائفة أو القوى المحلية الفاعلة، كما أنه لا يُمثل أي جهة سياسية تمتلك شرعية على الأرض في السويداء. وبهذا المعنى، بدا التعيين امتدادًا لنهج التعيينات الفوقية، حيث تُفرض شخصيات من المركز لتؤدي دورًا وظيفيًا بواجهة تمثيلية، دون أن يكون لها تأثير فعلي أو قاعدة دعم شعبي.

وقد أعاد هذا النموذج إلى الأذهان سياسات النظام السابق، الذي لطالما استخدم رموزًا محلية لتجميل صورة السلطة المركزية دون منحهم سلطات حقيقية، في إطار استراتيجية إدماج شكلي تهدف إلى إنتاج وسطاء محليين تابعين للمركز. وزاد من هذا الانطباع أن معظم الوزارات السيادية في الحكومة الانتقالية أُسندت إلى شخصيات ذات خلفيات سلفية مرتبطة بهيئة تحرير الشام (HTS)، ما عمّق المخاوف لدى الدروز وسائر المكونات الدينية والعرقية من تغوّل التيار السلفي على مؤسسات الدولة، وتحول الهيئة إلى مرجعية سياسية وأمنية حاكمة.

هذا التوزيع غير المتوازن للسلطة، إلى جانب الطابع الرمزي لتعيين ممثل عن السويداء، عزّز القناعة لدى كثيرين بأن مشروع الدولة الانتقالية لا يختلف جوهريًا عن سابقه، من حيث استمرار المركزية المفرطة، وتهميش الأطراف، وتوظيف “التعددية الشكلية” كأداة لإضفاء شرعية على نموذج سياسي إقصائي.

على الرغم من أن تعيين شخصية درزية في الحكومة الانتقالية الجديدة صُوِّر كخطوة نحو إشراك مكونات المجتمع السوري المختلفة، إلا أن هذا التعيين لم يُفلح في تغيير التصور السائد في السويداء بأن الحكومة تُعيد إنتاج نفس المنطق الإقصائي الذي حكم البلاد لعقود. فرؤية دمشق لحل “المشكلة الطائفية” ما زالت تقوم على التمثيل الرمزي لا المشاركة الفعلية، وعلى استيعاب شكلي للمكونات بدلاً من بناء شراكات متكافئة. هذا المنطق الذي يتجاهل الحاجة إلى مشاركة سياسية حقيقية وتمثيل عادل، أدى إلى اتساع الهوة بين السويداء والعاصمة، وفاقم من شعور المجتمع المحلي بالتهميش.

وفي هذا السياق، لم تكتفِ الحكومة الانتقالية بإقصاء النخب السياسية والاجتماعية الفاعلة في المحافظة، بل شرعت في إعادة تشكيل المشهد الأمني والعسكري بطريقة تتجاوز التوازنات المحلية التقليدية. تمثلت أبرز هذه السياسات في محاولات دمشق تعزيز نفوذ عدد من الفصائل الدرزية الصغيرة والهامشية، في مسعى واضح لموازنة، بل إضعاف، دور السلطات الدينية والزعامات التقليدية الراسخة في السويداء.

لقد تم استقبال قادة هذه الفصائل في دمشق بشكل متكرر، وتقديمهم في وسائل الإعلام الرسمية باعتبارهم “وجهاء دروز”، في محاولة لمنحهم شرعية رمزية مصطنعة. كما كُلّف بعضهم بلعب أدوار وسيطة خلال أزمات التوتر بين الدروز ودمشق، سواء في السويداء أو ريف دمشق. غير أن هذا المسعى سرعان ما قوبل برفض واسع من القوى المحلية الأكثر تأثيرًا، ومن المرجعيات الدينية والاجتماعية التقليدية، التي رأت في هذه الخطوة تكرارًا لنهج “تفكيك المجتمع من الداخل” عبر صناعة وكلاء محليين غير شرعيين.

وزادت حدة التوتر مع تزايد الاعتماد الأمني على هذه الفصائل الصغيرة، والتي اتُّهم العديد منها سابقًا بالتورط في أنشطة غير قانونية، شملت الخطف مقابل الفدية، التهريب، والارتباط بشبكات تمويل مشبوهة خلال سنوات الحرب. رغم ذلك، استمرت وزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية، عبر مديرية الأمن العام، في دعم هذه الجماعات، حيث أنشأت مكاتب أمنية محلية بإشرافها، وبدأت تجنيد عناصر جدد ضمن صفوفها، مع وعدٍ بتأمين رواتب وتمويل منتظم لها.

لقد عُمِد إلى هذه الخطوة بشكل أحادي، ودون أي تنسيق مع القوى العسكرية الأخرى ذات النفوذ في السويداء، ما أثار مخاوف من اندلاع صراع درزي داخلي محتمل بين الفصائل الجديدة المدعومة من دمشق، وبين الفصائل التقليدية الأكثر رسوخًا وتنظيمًا. وبدلاً من تعزيز الاستقرار أو بناء شراكة أمنية عادلة، اختارت الدولة الانتقالية فرض هندسة أمنية جديدة، تقوم على توظيف جماعات محددة كأذرع محلية تُديرها من المركز.

إن هذه السياسة لم تُسهم في إنتاج حالة من التوافق المحلي، بل ساهمت في تعميق الانقسامات داخل الطائفة، وأطلقت تحذيرات واسعة من خطر تقويض وحدة السويداء الداخلية. ومما زاد الأمر سوءًا، إصرار الحكومة على تجاهل الجهات السياسية والدينية والاجتماعية ذات الشرعية والتمثيل الحقيقي، ما اعتُبر استبعادًا مقصودًا لأصحاب الصوت السياسي المستقل والمعارض لهيمنة هيئة تحرير الشام.

تُظهر هذه التطورات أن الدولة السورية الجديدة، التي نشأت بعد انهيار النظام السابق، تتبلور ضمن نموذج استبدادي ديني-مركزي لا يختلف من حيث الجوهر عن النظام الذي سبقها، بل يتجاوزه في بعض أدواته وأيديولوجيته. تقوم هذه الدولة على سيطرة تيار ديني سلفي، يحتكر المرجعية السياسية والدستورية، ويسعى إلى إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع ليس عبر آليات ديمقراطية، بل من خلال فرض هيمنة أمنية ودينية تعيد إنتاج المركزية الإقصائية.

وبالنسبة إلى السويداء، فإن هذه المرحلة الانتقالية، التي كان يُفترض بها أن تفتح أفقًا لبناء نظام وطني جامع، باتت تُجسِّد خطرًا جديدًا يتمثل في إنتاج شكل جديد من الاستبداد، تحت غطاء الثورة والتغيير. لم يُنظر إلى الأحداث السياسية في دمشق على أنها لحظة تأسيسية لسوريا جديدة، بل كحلقة إضافية في سلسلة طويلة من التمييز والتهميش، تعيد ترسيخ مركزية سلطوية دينية تقصي الأقليات وتُقصي التعددية.

وباختصار، فإن ما يجري لا يمثل إعادة تأسيس للدولة السورية على قاعدة المواطنة والشراكة، بل محاولة لإعادة صياغتها انطلاقًا من منطق ديني-سياسي ضيّق، يُقصي الأقليات، ويقوّض التنوع، ويُهمّش الأطراف. ومن منظور السويداء، فإن هذا المشروع لا يُهدد فقط استقلالية القرار المحلي، بل يهدد النسيج السوري بأكمله عبر إرساء دولة لا تعترف إلا بمنطق السيطرة لا التعدد.

السويداء في ظل الدولة الجديدة – علاقة متوترة مع دمشق وظهور سلطات محلية متنافسة

مع سقوط دمشق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، كانت السويداء قد سبقتها بخطوة، بعدما تمكنت فصائلها المحلية من إسقاط آخر معاقل النظام الأمني والعسكري في المدينة وطرده بالكامل.
تحركت السويداء بهذا الإنجاز بشكل مستقل تمامًا، دون دعم مباشر من هيئة تحرير الشام، ما عزز من شعورها بأنها ليست جزءًا من المشروع السياسي والديني الجديد الذي كانت الهيئة تبنيه في دمشق. سرعان ما تبلور هذا الشعور إلى قناعة عامة لدى السكان بأن المسار الذي تخطوه السويداء يبتعد جذريًا عن ذلك الذي ترسمه سلطات الأمر الواقع في العاصمة.

ولم يكن هذا الاختلاف مجرّد انعكاس للبعد الجغرافي أو للتمايز الطائفي بين المحافظتين، بل نتج عن تراكم تجربة سياسية واجتماعية فريدة في السويداء. إذ ساهمت جماعات محلية من أبناء المحافظة، بالتنسيق مع فصائل من درعا، في التسلل إلى دمشق ضمن غرفة عمليات الجنوب، قبل دخول هيئة تحرير الشام من شمال البلاد. وغدت هذه المشاركة الفاعلة عاملًا مفصليًا يُغذي الإحساس المحلي بالاستقلالية والندية، بل وامتلاك حق أصيل في تقرير المصير ضمن سوريا ما بعد الأسد.

منذ عام 2014، اتبعت السويداء خطًا شبه مستقل، حيث اختار شبابها موقفًا رافضًا للخدمة الإلزامية والاحتياطية، ما شكّل أول تحدٍ جماعي لنظام الأسد من داخل الطائفة الدرزية. ردًا على ذلك، انسحب النظام تدريجيًا من المحافظة، تاركًا إياها لمصيرها، وأحالها إلى ما يشبه السجن المفتوح للمطلوبين للخدمة العسكرية، الذين بقوا داخلها محميين من قبل الفصائل المحلية.

ومع تراجع قدرة الدولة المركزية على توفير الخدمات، وانهيار البنى التحتية، لجأ النظام إلى إدارة السويداء عبر مزيج من العنف والتساهل، من خلال شبكة عصابات أمنية مرتبطة بأجهزة المخابرات، لعبت دورًا مزدوجًا في السيطرة على السكان وتصفية الخصوم.

غير أن هذه المعادلة بدأت بالاهتزاز الجدي في أغسطس/آب 2023، مع انطلاق حركة احتجاجية سلمية واسعة النطاق ضد النظام، سيطرت تدريجيًا على مركز المدينة، وظلت صامدة لأكثر من عام رغم محاولات الاحتواء والإفشال.
وقد اكتسبت هذه الانتفاضة زخمًا استثنائيًا بفضل الدعم العلني والرمزي من شيخ العقل حكمت الهجري، الذي وقف بصلابة إلى جانب المتظاهرين، ورفض أي مساس بهم، ودعا إلى إسقاط النظام وإطلاق مسار سياسي بديل.

إن سقوط النظام في السويداء، والذي سبق انهياره في دمشق بأيام قليلة، لم يكن وليد لحظة مفاجئة أو فوضى انتقالية، بل تتويجًا لمسار طويل من الانفصال الفعلي عن الدولة المركزية، وتبلور مشروع محلي للكرامة والتمثيل. وقد أدركت الفصائل والمجتمع المدني في السويداء أن سقوط الأسد ليس نهاية بحد ذاته، بل بداية لمرحلة تتطلب وضوحًا في الموقف من النظام القادم.

في هذا السياق، حاولت الحكومة الانتقالية في دمشق احتواء الموقف من خلال إرسال وفود سياسية وأمنية متنوعة إلى السويداء. شملت هذه الوفود ممثلين عن الحكومة المؤقتة، وشخصيات دينية مقرّبة من هيئة تحرير الشام، إضافة إلى مبعوثين من مكتب الرئيس أحمد الشرع، في محاولة لإعادة بناء علاقة مركزية تحت شعار “استعادة وحدة الدولة”.

لكن هذه المحاولات، ورغم دعمها من بعض الفصائل المسلحة المحلية والمشاركين في احتجاجات ساحة الكرامة، قوبلت بتحفظات جدّية. فقد دعا الشيخ حكمت الهجري جميع القوى المحلية إلى التريث وعدم الانخراط في أي تحالف أو مسار سياسي مع النظام الجديد، حتى تتضح معالمه وموقفه من قضايا أساسية مثل التعددية، والمواطنة، وضمان حقوق الأقليات.

في المقابل، شهدت المرحلة الأولى من سقوط النظام حراكًا موازياً تمثّل في زيارة شخصيات اجتماعية ورسمية بارزة، إلى جانب قادة فصائل مسلحة محلية، ورجال أعمال وناشطين من ساحة الكرامة، إلى دمشق. عقد هؤلاء سلسلة من الاجتماعات مع أعضاء الإدارة الانتقالية المؤقتة، ومن بينهم الرئيس أحمد الشرع، في محاولة لفتح قنوات تواصل وطمأنة متبادلة. ومع ذلك، بقيت هذه اللقاءات في إطار الشكلية ولم تؤدّ إلى أي توافق جوهري أو تقدم ملموس، لا سيما في ظل غياب أي مبادرة رسمية تضمن مشاركة فعلية وواسعة لكافة الأطراف السورية في صياغة معالم المرحلة الانتقالية.

في هذا السياق، أثارت زيارة السياسي اللبناني والزعيم الدرزي وليد جنبلاط إلى دمشق ردود فعل متباينة وحادة داخل السويداء. فقد اعتُبرت على نطاق واسع محاولةً لفرض وصاية أجنبية على المحافظة، وإعادة إحياء نموذج القيادة الدرزية العابرة للحدود التي تحكمها علاقات رعاية سياسية وتداخلات خارجية. ورفضت غالبية القوى المحلية هذه الخطوة، معتبرةً إياها تدخلًا غير مرحب به، يقوض الجهود المحلية الرامية إلى إعادة تعريف مكانة السويداء وفق إرادة أهلها ومستقلتها.

في ظل هذه الأجواء المشحونة، قام شيخ العقل حكمت الهجري برفع ترشيح السيدة محسنة المحيثاوي لمنصب محافظ السويداء، كإشارة رمزية ورغبة صريحة من الداخل المحلي لاستعادة استقلالية القرار الإداري، وتعزيز خصوصية المحافظة في ظل التحولات الجارية. ومع ذلك، لم تلق هذه المبادرة تأييدًا من هيئة تحرير الشام، التي ماطلت في تنفيذ هذا الاقتراح، ثم عمدت لاحقًا إلى تعيين مصطفى البكور كمبعوث للإدارة المؤقتة وقائم بأعمال المحافظ، في خطوة اعتُبرت محاولةً للتهرب من ضرورة تمثيل حقيقي للمكونات المحلية، وأدت إلى تعميق الانقسامات وتعزيز حالة انعدام الثقة بين السويداء ودمشق.

على الصعيد الأمني، سعَت هيئة تحرير الشام إلى بناء تحالفات مع عدد من الفصائل المسلحة الصغيرة في السويداء، عبر تقديم الدعم اللوجستي وتسهيل تحركاتها الميدانية، في محاولة واضحة لكسب ولائها ودمجها ضمن مشروع السلطة الجديدة. لكن على الأرض، قابلت هذه الخطوات بحذر وشك من قبل قطاعات واسعة من المجتمع المحلي التي ما زالت متمسكة بموقف استقلالي ورفض للتدخلات الخارجية.

تجسدت هذه التوترات في ذروتها ليلة رأس السنة الميلادية 2024-2025، عندما حاولت قوات وزارة الدفاع الجديدة التقدم نحو المحافظة بذريعة التعاون الأمني وإنشاء نقاط مراقبة مشتركة. تصدى لها الفاعلون المحليون بمن فيهم الفصائل المسلحة، ورفضوا دخول القافلة العسكرية إلى المدينة، مشكّلين لحظة نادرة من الوحدة الميدانية داخل المحافظة. وقد فسّر هذا الموقف على أنه رفض قاطع لأي تدخل عسكري مباشر من قبل الحكومة المركزية، ما لم يتم الاتفاق مع الجهات المحلية الفاعلة، ومشاركتها الحقيقية في القرار الأمني والسياسي.

واصل مصطفى البكور، مبعوث الإدارة الانتقالية الفعلي والمحافظ بالوكالة في السويداء، نشاطاته داخل المحافظة، متجولًا بين مواقع رمزية في محاولة لكسب شرعية محلية، من بينها زيارته لدار عيرا حيث التقى بالأمير لؤي الأطرش. إلا أن هذه الزيارة شكلت نقطة تحول حاسمة في علاقة البكور مع المجتمع المحلي، إذ تعرّض لهجوم إعلامي واسع، لا سيما وأن الأمير لؤي يعتبر من أبرز المتعاونين مع النظام السابق. في ضوء ذلك، توقف البكور سريعًا عن أي تعاون مع الأطرش، فيما أعلن الأخير تنازله عن منصبه لصالح الأمير حسن، في محاولة لامتصاص غضب الشارع والاحتواء المحلي.

وفي ذات الوقت، بدأت العلاقة بين شيخ العقل حكمت الهجري والإدارة المؤقتة بالتدهور التدريجي، واشتدت لهجته السياسية، إذ تصاعدت تصريحاته المطالبة بدولة مدنية حقيقية ورفضه لما وصفه بـ”النظام الأحادي اللون”، مؤكدًا على حق المجتمعات المحلية في اختيار ممثليها بحرية. هذا التحول الخطابي شكّل نقطة فارقة بظهور الهجري كممثل سياسي فعلي غير معلَن للطائفة الدرزية، الأمر الذي أثار استياءً بالغًا لدى دوائر صنع القرار في دمشق.

رغم وجود تنسيق جزئي مع الهجري في توزيع الأدوار الإدارية داخل المحافظة، إلا أن هذا التوافق سرعان ما واجه رفضًا من بعض القوى في ساحة الكرامة، التي بدأت تشكك في جدوى وكفاءة المرجعيات الدينية في إدارة الشؤون العامة. وطرح بعض الناشطين أفكارًا لإعادة هيكلة المشهد الأمني والعسكري من خلال نزع سلاح الفصائل المحلية ودمجها في الجيش الوطني الجديد، وكذلك دعوا إلى تفعيل مؤسسات الدولة وقوانينها كوسائل لمواجهة ما اعتبروه احتكارًا للقرار المحلي من قبل الهجري.

تكمن إشكالية هذا التوجه في اعتباره أن المنافسة السياسية بين هذه المجموعات وهجري تفوق أهميتها على مواجهة مشروع الدولة الإقصائي الجديد، الذي يتمركز في دمشق بقيادة ذات الخلفية السلفية الجهادية. وبالفعل، أفضى هذا الخلط بين مفهوم الدولة الشرعية وواقع الهيمنة الفعلية في العاصمة إلى تراجع الدعم الشعبي لهذه الفصائل في ساحة الكرامة.

على صعيد آخر، استمرت دمشق، عبر ممثليها ومبعوثيها في السويداء، بممارسة وصايتها المركزية على المحافظة ومؤسساتها، وكأن سقوط نظام الأسد لم يحدث. فقد ظل تعيين مدراء المؤسسات الحكومية خاضعًا بشكل كامل لإرادة دمشق، بما في ذلك التحكم في إصدار أذونات الصرف المالي، التي كانت تصدر من مسؤولين لا يحملون أي منصب إداري رسمي سوى كونهم تابعين لهيئة تحرير الشام.

وازداد الوضع تأزمًا مع عمليات التسريح الموسعة في مؤسسات الدولة بحجة محاربة “البطالة المقنعة” في القطاع العام، حيث فُصل مئات الموظفين في السويداء، دون توفير أي دعم اجتماعي أو بدائل وظيفية في محافظة تعاني من غياب فرص العمل في القطاع الخاص أو الاستثمار. تحولت هذه السياسة، التي طُبقت على نطاق واسع في سوريا، إلى أداة انتقامية تُمارس بحق سكان السويداء، خاصة مؤيدي النظام السابق، وأصبحت سببًا إضافيًا لصراعات اجتماعية متصاعدة مع دمشق.

في الوقت ذاته، تحول طريق دمشق-السويداء السريع إلى أداة ضغط سياسية ملموسة، حيث بات يُقطع بشكل متكرر في سياق التوترات المتصاعدة بين الدروز وبعض العشائر المحيطة بالمحافظة. صاحبت هذه الإغلاقات عمليات تدقيق صارمة في الهويات، وأحداث إطلاق نار من قناصة أودت بحياة عدد من المدنيين، فضلاً عن خطاب طائفي تصاعد على طول الطريق، كل ذلك يعكس عمق الأزمة والتوتر بين دمشق والسلطات المحلية في السويداء، ويكشف عن غياب شبه كامل لقنوات اتصال رسمية وفعالة تتيح إدارة الخلافات بشكل حضاري.

تزامن هذا الوضع مع تصاعد خطاب اتهامي رسمي في دمشق تجاه أهالي السويداء، حيث وُجهت إليهم تهم بالانفصالية والتآمر، في نبرة اتسمت بالتحريض، ظهرت بوضوح في وسائل الإعلام التابعة للسلطة الجديدة وانتشرت على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما عمّق الشعور بالاغتراب والحصار لدى أبناء المحافظة.

في مارس/آذار 2025، شهد الساحل السوري، المعروف بأغلبيته العلوية وكونه معقلًا اجتماعيًا ونظاميًا لنظام الأسد، تصاعدًا خطيرًا في أعمال العنف، إثر اشتباكات دامية بين فصائل مسلحة موالية للنظام وقوات وزارة الدفاع والأمن العام. وسط هذا التصعيد، شنت القوات الحكومية حملة عسكرية ضد المجتمعات المحلية، مدعومة بميليشيات مسلحة استجابت لدعوات طائفية تصدرت مشهدها خطب شيوخ سلفيين في مساجد عدة، مما أدى إلى وقوع مجازر أسفرت عن مقتل آلاف المدنيين العلويين، وأثارت موجة من الخوف والقلق على مستقبل الوحدة الوطنية.

شكلت هذه المجازر صدمة قوية في السويداء، حيث انعكس تأثيرها على مواقف قيادات الطائفة الدرزية، وفي مقدمتها شيخ العقل حكمت الهجري، الذي شدد موقفه الرافض لأي دعوات نزع السلاح محليًا، مؤكدًا على أن الهيئة الحاكمة الجديدة تفتقر إلى الشرعية الوطنية الحقيقية. ساهم هذا الموقف في زيادة الضغوط على الفصائل المحلية المتحالفة مع هيئة تحرير الشام، وساهم في محاولات محاصرتها وتقويض نفوذها داخل المحافظة، فيما بدأت أحزاب وشخصيات من ساحة الكرامة تتبنى قراءات أكثر عقلانية وتحليلية للأحداث المتسارعة في دمشق.

في 10 مارس/آذار 2025، وفي ظل تصاعد العنف وإثر المجازر التي شهدها الساحل، وقع الرئيس المؤقت أحمد الشرع اتفاقية مع قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، تقضي بدمج المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة لقسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تأكيدهما على وحدة الأراضي الوطنية ورفض أي محاولة لتقسيم سوريا. مثل هذا الاتفاق مؤشرًا على محاولة رسم ملامح مرحلة انتقالية جديدة، رغم التحديات الأمنية والسياسية العميقة التي تواجهها البلاد.

جاءت الاتفاقية التي أُبرمت بين الإدارة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية بعد أيام قليلة من مجازر الساحل، مما أثار شكوكًا واسعة حول توقيتها وأهدافها الحقيقية. ورغم أن الإعلان عنها صُوّر إعلاميًا على أنها لحظة تاريخية تهدف إلى توحيد الدولة السورية وضمان حقوق مكوناتها، فقد اعتبرها كثيرون محاولة دعائية للالتفاف على فظائع الساحل وتخفيف الضغوط الدولية المتزايدة. لم تقدم الاتفاقية إجابات واضحة حول مستقبل القضية الكردية، ولا تضمنت أي ضمانات ملموسة للعدالة الانتقالية التي ينتظرها العديد من السوريين.

وسط هذا الالتباس السياسي، وضمن محاولات الإدارة الجديدة لطمأنة الأقليات وإظهار عدم استهدافها لهم، تداولت وسائل إعلام محلية ما وصف باتفاق مشابه مع السويداء، رغم أنه كان بعيدًا عن الاتفاقيات السياسية الحقيقية. هذه الوثيقة، المكتوبة بخط اليد، تضمنت مطالب خدمية سطحية، مثل تسهيل تشغيل بعض المرافق، وإزالة أكشاك الباعة المتجولين، وتحويل مبنى حزب البعث إلى جامعة. على سبيل المثال، يمثل مطلب إزالة الباعة المتجولين قضية تجارية محلية بحتة، حيث يعاني أصحاب المحلات في مدينة السويداء من المنافسة غير المتكافئة، كون هؤلاء الباعة يبيعون بأسعار منخفضة ولا يدفعون الضرائب البلدية، ما يعكس تواضع المطالب الحقيقية التي تم التركيز عليها في الوثيقة.

تُظهر هذه المطالب أن الوثيقة لا تتناول أي من القضايا الجوهرية مثل السيادة، أو التمثيل السياسي، أو طبيعة العلاقة مع السلطة الحاكمة الجديدة. وضع مسودة الوثيقة هذه بعض أحزاب المعارضة المحلية ومحافظ السويداء بالوكالة، ونُقلت إلى دار ضيافة شيخ العقل حكمت الهجري، لكنها لم تكن اتفاقية رسمية ولا حظيت بموافقته. فقد تبرأ الهجري من محتوى الوثيقة، مؤكدًا أنه لم يكن طرفًا في أي تفاهم سياسي من هذا النوع.

كما برز التوتر بشكل أكثر وضوحًا مع صدور الإعلان الدستوري المؤقت، حيث اتخذ الشيخ حكمت الهجري موقفًا رافضًا وصريحًا، واصفًا الإعلان بأنه تمييزي ضد السوريين، ومؤكدًا رفضه لأي اتفاق مع السلطات في دمشق على هذا الأساس.

في هذا السياق المشحون، تصاعدت أصوات في دمشق تُتهم دروز السويداء بالتعاون مع إسرائيل، مستندة في ذلك إلى رفضهم الاعتراف بنتائج مؤتمر الحوار الوطني، والإعلان الدستوري، والحكومة المؤقتة، بالإضافة إلى تمسكهم بحمل السلاح كوسيلة للحماية. وتكثفت هذه الاتهامات مع بعض الحوادث، أبرزها زيارة رجال دين دروز من بلدة حضر في ريف القنيطرة لمناطق درزية في الأراضي المحتلة بتاريخ 10 فبراير/شباط 2025. وعلى الرغم من نفي المنظمين لأي بعد سياسي رسمي لهذه الزيارة واعتبارها ذات طابع ديني، وعدم تنسيقها مع أي سلطة في السويداء، إلا أن توقيتها ومضمونها حمل دلالات سياسية كبيرة، وأثارت مزيدًا من الشكوك.

في الوقت ذاته، أبدت إسرائيل اهتمامًا متزايدًا بالشأن الدرزي في سوريا، ليس فقط عبر حدود الجولان المحتل، وإنما أيضًا من خلال تصريحات علنية، ودعم غير مباشر عبر قنوات اتصال غير رسمية تربط دروز سوريا بدروز الجولان والدروز الفلسطينيين. وكان من اللافت في هذا السياق استقبال إسرائيل، بتاريخ 14 مارس/آذار 2025، لوفد من رجال الدين الدروز من القنيطرة وريف دمشق والسويداء لزيارة مقام النبي شعيب (يثرون)، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ خمسة عقود، وما حملته من أبعاد رمزية وسياسية مهمة.

أثارت زيارة وفد رجال الدين الدروز من القنيطرة وريف دمشق والسويداء إلى مقام النبي شعيب في الأراضي المحتلة، موجة حادة من الاتهامات الموجهة إلى دروز السويداء، وُصفت خلالها هذه الفئة بـ”العمالة لإسرائيل”، على الرغم من غياب أي تمثيل رسمي لمشيخة العقل الدرزية ضمن الوفد. هذا الاتهام السريع لم يستند إلى وقائع واضحة، وإنما جاء في إطار خطاب سياسي وأمني يسعى إلى وصم الطائفة الدرزية بالانتماء المزدوج والتآمر.

على الرغم من ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك نوعًا من التقارب والتنسيق المتزايد بين دروز السويداء ونظرائهم في إسرائيل، خاصة في ظل تصاعد التهديدات التي تواجه الطائفة الدرزية في الداخل السوري. هذا التقارب لم يكن نتيجة استراتيجية درزية متعمدة أو مبادرة سياسية واضحة، بل هو في جوهره رد فعل على سياسات الإقصاء التي تتبعها الإدارة الانتقالية في دمشق، والتي تجاوزت مرحلة التهميش السياسي لتصل إلى حد التهديدات العسكرية والأمنية المباشرة.

في هذا السياق، بدأت العلاقة بين دروز السويداء وإسرائيل تأخذ شكل “نبوءة تتحقق ذاتيًا”: فكلما صعد الخطاب الرسمي والإعلامي في دمشق باتهام الدروز بالخيانة والتعاون مع إسرائيل، تعزز هذا التقارب وأصبح أكثر طبيعية وقبولًا داخل أوساط المجتمع الدرزي، ليس من باب القناعة وإنما من منطلق الضرورة الأمنية والسياسية.

وبغياب الحماية السياسية والأمنية، وبخاصة مع تصاعد أعمال العنف والتحريض ضد الدروز، بدأ قطاع من سكان السويداء ينظرون إلى هذا التقارب مع إسرائيل كخيار واقعي ومشروع للدفاع عن النفس ولحماية مجتمعهم من مخاطر متزايدة. وهكذا، لم يعد التعاون مع إسرائيل خيارًا استراتيجياً حرًا بقدر ما أصبح استجابة قسرية للضغوط المستمرة، علاقة شكلتها الظروف والتهديدات أكثر مما شكلتها القناعات السياسية أو الأيديولوجية.

السويداء ودمشق على شفا مواجهة مسلحة

منذ أواخر أبريل/نيسان 2025، شهدت سوريا تصاعدًا حادًا في التوترات الطائفية الموجهة ضد الطائفة الدرزية، بعد تداول تسجيل صوتي مُفبرك يُنسب إلى رجل دين درزي، يُزعم أنه تضمن إساءات للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. ورغم أن الرجل نفى صحة التسجيل وأدانت السلطات الدينية الدرزية المحتوى، إلا أن هذا الحدث استُغل ذريعةً لحملة تحريض واسعة النطاق ضد الدروز، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تصاعد خطاب التكفير والكراهية تجاههم بشكل ملحوظ.

في جامعة حمص، اندلعت مظاهرات غاضبة دعت إلى “القصاص من المرتدين”، واستخدمت شعارات عنصرية مثل “الخنازير الدروز”، فيما شهدت مدن أخرى مثل حمص وحماة مظاهرات مماثلة رُفعت فيها أعلام هيئة تحرير الشام وهتافات تدعو إلى إبادة الدروز. تطورت هذه التظاهرات بسرعة إلى مواجهات مسلحة في عدة مناطق ذات كثافة درزية، وعلى رأسها جرمانا وصحنايا في ريف دمشق.

شنت مجموعات مسلحة من وزارتي الدفاع والداخلية، بالتعاون مع فصائل سلفية جهادية، هجمات مباشرة على هذه المناطق، إلا أنها واجهت مقاومة شرسة من الفصائل الدرزية المحلية وقوات الأمن العام التي تضم أبناء البلدتين، مما أسفر عن اشتباكات عنيفة شهدت سقوط عشرات القتلى من كلا الطرفين.

ردًا على هذه الأحداث، توجه وفد من السويداء ضم زعماء دينيين دروزًا، من بينهم حمود الحناوي ويوسف جربوع، بالإضافة إلى وجهاء محليين، إلى صحنايا في محاولة للتفاوض ووقف العنف. وعلى الرغم من وصولهم مصحوبين بمركبات مدرعة تابعة للأمم المتحدة، لم يتمكنوا من دخول المنطقة بحرية. وبعد مفاوضات، توصل الوفد إلى اتفاق مع ممثلي الإدارة الانتقالية، بمن فيهم محافظا السويداء وريف دمشق وكبار المسؤولين الأمنيين، نصّ على وقف الهجمات وفتح تحقيقات ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات. ومع ذلك، لم يتم تنفيذ أي من بنود هذا الاتفاق، مما عمّق من شعور الإحباط والخذلان لدى الطائفة الدرزية.

في الجانب الميداني، سيطرت القوات الحكومية والفصائل المتحالفة معها عمليًا على جرمانا وصحنايا. وأُفيد عن وقوع إعدامات ميدانية واعتقالات تعسفية في صحنايا، بالإضافة إلى مصادرة كميات من الأسلحة متوسطة الحجم في جرمانا ونزع السلاح بالكامل في صحنايا. وظهرت في مقاطع الفيديو التي نشرها مقاتلون تابعون لوزارتي الدفاع والداخلية، ولاحقًا فصائل هيئة تحرير الشام والفصائل السلفية الجهادية المتحالفة، أعلام ورايات ذات طابع تكفيري، إلى جانب شعارات مستفزة ضد الدروز، مما عكس بوضوح الطابع الطائفي والعنيف للحملة العسكرية.

حاولت الإدارة الانتقالية تبرير الهجوم والاعتداءات على الدروز عبر تحميل المسؤولية لفصائل “غير منضبطة” في إشارة مبطنة إلى الفصائل الدرزية المحلية، داعية إلى نزع سلاحها. هذا التفسير جاء متناقضًا، إذ شاركت بالفعل بعض وحدات من وزارتي الدفاع والداخلية إلى جانب الفصائل السلفية الجهادية، التي جاءت من مناطق مختلفة استجابة لدعوات الجهاد ضد الدروز، دون أن يُبذل أي جهد لوقفها.

في تطور لاحق، وفي 2 مايو/أيار، حاولت وحدة من الفصائل المسلحة المحلية في السويداء التقدم نحو صحنايا، لكنها سقطت في كمين محكم نصبته قوات وزارتي الدفاع والداخلية والميليشيات الجهادية في بلدة البراق شمال السويداء، ما أسفر عن مقتل عشرات المقاتلين الدرزية. تلت ذلك اشتباكات عنيفة على جبهات متعددة امتدت على طول الحدود الإدارية بين السويداء ومحافظتي ريف دمشق ودرعا، مما أدى إلى تصعيد جديد في دائرة العنف الطائفي والمواجهات المسلحة.

في غضون ساعات قليلة، سقطت قرية السورة الكبرى الواقعة شمال السويداء بيد القوات المهاجمة، في مشهد دموي توّج بإعدام شخص على الفور. ولم تقتصر الاعتداءات على القتل، بل شملت نهب منازل الأهالي وإحراقها بشكل ممنهج، مع استهداف واضح للمواقع الدينية، حيث تم حرق مزار درزي محلي يحمل رمزية كبيرة للسكان. تصاعدت وتيرة العنف مع إرسال الوزارات والميليشيات المتحالفة معها تعزيزات عسكرية إلى أطراف السويداء، مصحوبة بقصف مدفعي مكثف بقذائف الهاون على الأحياء السكنية، واندلعت اشتباكات مسلحة بالأسلحة الثقيلة التي استخدمت في خروقات متعددة على عدة جبهات. على الرغم من هذه الهجمات الشرسة، التي امتدت على مسافة نحو 50 كيلومترًا من حدود السويداء، تمكنت الفصائل المحلية بدرجة كبيرة من صد الهجمات وصدور المقاومة الشعبية والدفاع عن المحافظة.

وسط هذه الأزمة، وفي 2 مايو/أيار، أطلق وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحذيرًا صارمًا، معلنًا أن إسرائيل سترد بقوة كبيرة إذا استؤنفت الهجمات على الطائفة الدرزية وفشل النظام السوري في وقفها. وبعد ساعات من هذا التحذير، شن الجيش الإسرائيلي غارة جوية على منطقة قريبة من القصر الرئاسي في دمشق. وصفت الإدارة الانتقالية هذه الضربة بأنها “تصعيد خطير ضد مؤسسات الدولة وسيادتها”، في وقت كانت تشهد فيه سوريا موجة متجددة من التحريض والخطاب التكفيري الذي استهدف الدروز بشكل خاص.

في اليوم التالي، 3 مايو/أيار، وبعد تصاعد الضغوط، توصلت السلطات الدينية الدرزية في السويداء والإدارة الانتقالية، ممثلة بمحافظ السويداء، إلى اتفاق هدنة مهم. نصّ الاتفاق على عدة بنود حاسمة، منها: ضمان أن يكون أفراد قوات الأمن الداخلي وموظفو إنفاذ القانون من سكان المحافظة فقط، لزيادة ثقة السكان المحليين؛ رفع الحصار عن مناطق السويداء وجرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا، واستعادة الحياة الطبيعية في هذه المناطق فورًا؛ تأمين طريق دمشق – السويداء وضمان سلامته تحت إشراف الدولة؛ وتطبيق وقف إطلاق نار شامل في جميع المناطق المتضررة.

رغم هذا الاتفاق الجزئي، وُجدت صعوبات كبيرة في تطبيقه على الأرض، حيث واصلت الجماعات الجهادية، التي ينتمي معظمها إلى العشائر البدوية المنتشرة في السويداء ودرعا، استهداف المناطق المأهولة بقذائف الهاون، إلى جانب شن هجمات مفاجئة وقطع متكرر للطرق الحيوية، بما فيها طريقي دمشق – السويداء ودرعا – السويداء.

أدت هذه الاضطرابات الأمنية إلى أزمة إنسانية خانقة داخل المحافظة، حيث أدى نقص إمدادات الوقود والغذاء إلى تفاقم معاناة السكان. لم تقتصر الأضرار على الجوانب المعيشية، إذ تعمدت هذه الجماعات تخريب أبراج الكهرباء الواقعة بين درعا والسويداء، ما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي عن كامل المحافظة، بما فيها المستشفيات ومحطات ضخ المياه، ما زاد من سوء الأوضاع الإنسانية، وأدى إلى تفاقم الأزمة الصحية والبيئية في مناطق عدة.

  1. آفاق التدخل الدولي والتوصيات – من التحليلات إلى سياسات المشاركة الواقعية

لا يمكن اختزال الوضع في السويداء إلى مجرد قضية محلية ضمن إطار الدولة السورية، بل هو انعكاس مباشر لتحولات هيكلية عميقة تشهدها سوريا اليوم. تُخلق في هذه التحولات فراغات سياسية وأمنية على مستوى الدولة المركزية، ما يدفع المجتمعات المحلية إلى إعادة تشكيل علاقاتها مع المركز، ويجعلها ساحة لتداخل مصالح إقليمية متعددة تسعى لإعادة رسم حدود نفوذها. في هذا السياق، تُصبح السويداء نقطة محورية لفهم ما تبقى من الدولة السورية ولتحديد السياسات والأدوات التي قد تُرسخ الاستقرار، أو على العكس، تُسرع من تفكك البلاد وزيادة العنف.

مع نهاية عام 2024، لم تعد السويداء جزءًا من الدولة المركزية القائمة، ولم تُدمج في المشروع الاستبدادي الجديد الذي ترسمه هيئة تحرير الشام في دمشق. أصبحت المحافظة منعزلة في واقعها الإداري والسياسي، تسعى لتطوير أشكال محلية للحكم والتنظيم الذاتي، دون أن تمتلك آليات الدولة الكاملة، ودون أن تتخلى عن انتمائها الوطني لسوريا. هذا الوضع المتناقض يعرض السويداء لأربعة تهديدات رئيسية: الاستقطاب الداخلي في المجتمع الدرزي نفسه، تصاعد التوتر مع السلطة المركزية في دمشق، استغلال القوى الإقليمية للورقة الدرزية في صراعات النفوذ، والتصعيد العسكري ضد السكان الدرزيين الذي أجج الفجوة وزاد من حالة عدم الثقة.

على الصعيد الدولي، وبالأخص لصانعي القرار الأوروبيين والألمان، لا يكمن الخطر فقط في صعود هيئة تحرير الشام كسلطة في دمشق، بل في الخطاب الإقصائي الذي تتبناه تجاه المكونات غير السنية، وعلى رأسها الطائفة الدرزية. هذا الإقصاء السياسي يكرّس الطائفة كهدف رمزي وفعلي، ويُغذي سرديات النفي والخيانة التي تقوّض أي محاولة لإدماجها ضمن مشروع وطني شامل.

إذا بقيت السويداء خارج المعادلة السياسية، دون وجود نهج واقعي وجاد لحماية موقعها ودورها، فإن السيناريوهات المحتملة ليست بعيدة عن المخاطر: من الفوضى والتوتر الأمني إلى القمع أو الانجرار نحو تحالفات إقليمية ظرفية، لا سيما التقارب المتزايد مع إسرائيل كوسيلة للدفاع عن النفس.

في ظل هذا الواقع، لا يمكن للنهج الأوروبي أن يقتصر على المراقبة أو الإدانات العامة فقط، بل يجب تبني سياسة متعددة المستويات، تراعي خصوصية السويداء وحساسيتها. فالسويداء ليست حالة انفصالية كما يصورها البعض، بل هي موقف رفض للسلطة المركزية الإقصائية الناشئة في دمشق. لذلك، أي محاولات لربط الطائفة الدرزية بخطاب انفصالي أو طائفي ما هي سوى أدوات تُوظف لخدمة النظام السوري الحالي، ولا تصب في مصلحة بناء دولة سورية ديمقراطية وشاملة.

يتطلب الأمر بالضرورة الاعتراف بحق المجتمع المحلي في السويداء بالتمثيل والمشاركة الفعالة في تشكيل مستقبل سوريا، وبناء آليات حكم محلية تحترم تنوع الهوية السورية، وتضمن توزيعًا عادلاً للسلطة، بعيدًا عن التهميش والتهم الانفصالية التي تزيد من الاستقطاب وتعمّق الأزمات.

توصيات سياسية لدعم السويداء وتعزيز الاستقرار في سوريا

تُعد السويداء نقطة حاسمة لفهم مستقبل سوريا، وكيانًا يتطلب دعمًا سياسيًا واستراتيجيًا خاصًا يراعي خصوصيتها وتحدياتها المتشابكة. وفي ضوء التصعيد الأخير ضد الدروز وتزايد الضغوط العسكرية والسياسية، تقدم الجهات الفاعلة الأوروبية والأممية مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تُسهم في حماية المجتمع الدرزي، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتجنب تعميق الانقسامات الطائفية:

  1. دعم مبادرات الحكم المحلي
    يحتاج سكان السويداء إلى تطوير هياكل مؤسسية محلية مستقلة وفعالة، قادرة على توفير الخدمات الأساسية وضمان الأمن الاجتماعي. يمكن للجهات الأوروبية أن تلعب دورًا مهمًا من خلال دعم هذه المبادرات عبر قنوات غير حكومية، والعمل على إنشاء آليات مراقبة محلية تنسق بين المجالس المحلية، والمنظمات المدنية، وبعض المؤسسات الحكومية القائمة، لتعزيز قدرة الحكم الذاتي في المحافظة.
  2. حماية الجهات الفاعلة المدنية والدينية
    تواجه الشخصيات الدينية المؤثرة، والجهات المحلية، ضغوطًا وتهديدات متعددة. من الضروري تصنيف هذه الجهات كشركاء استراتيجيين في الحفاظ على الاستقرار، ودعم جهودها الرامية إلى حماية المجتمع من التطرف والعنف، والعمل على تفكيك الخطاب الطائفي الذي يهدد النسيج الاجتماعي.
  3. تشجيع الحوار المجتمعي المحلي
    تشهد السويداء استقطابًا متزايدًا بين سلطاتها ومكونات مجتمعها المختلفة. يمكن للجهات الدولية، عبر المنظمات المحلية والمبادرات المدنية، تسهيل فتح مسارات حوارية داخلية تبني قاعدة توافقية حول أولويات السكان، وتحل النزاعات عبر سبل سلمية، وتؤسس لمبادئ التمثيل الديمقراطي الحقيقي.
  4. منع عسكرة العلاقة مع السلطة المركزية
    أي تدخل عسكري مباشر أو غير مباشر من دمشق في السويداء يهدد بانفجار واسع النطاق للصراع. لذلك، يجب على القوى الأوروبية ممارسة ضغوط سياسية حازمة عبر أدواتها في الملف السوري لمنع تحويل السويداء إلى ساحة مواجهة عسكرية، وتعزيز التفاوض السياسي بدلاً من الحلول العسكرية.
  5. تفهم موقف إسرائيل في المعادلة الإقليمية
    إن التقارب الرمزي أو العلاقات المحدودة بين بعض الأطراف الدرزية وإسرائيل تعكس جمودًا داخليًا ناتجًا عن السياسات الإقصائية، وليست خيارًا استراتيجيًا واعيًا. بدلاً من توبيخ المجتمع الدرزي على هذا الواقع، يجب العمل على تقديم بدائل جدية داخل سوريا، تتيح اندماجًا عادلًا وآمنًا في مشروع وطني شامل.
  6. تجاوز ثنائية الحكومة والمجتمع المدني
    يجب توسيع دائرة الاهتمام لتشمل الفاعلين المحليين من خارج الإطارات التقليدية، مثل الأحزاب السياسية المحلية، النقابات المهنية، الزعماء الدينيين، والفصائل المسلحة ذات الشرعية المجتمعية. في السويداء، تتداخل السلطات الدينية مع الفصائل المسلحة والنخب السياسية في واقع معقد يتطلب أدوات سياسية مرنة وفهمًا عميقًا للهويات والانقسامات المحلية.

في ضوء هذه التحديات، لا يمكن لأي سياسة أوروبية أن تكرر الأخطاء السابقة القائمة على فرض حلول من الأعلى إلى الأسفل. بل ينبغي تبني نهج من القاعدة إلى الأعلى، يعزز نقاط القوة المحلية ويعتمد على شبكات المجتمع المحلي ورؤيته لمستقبل سوريا متعددة الهوية، متعايشة، ومستقرة.
مازن عزّي

مركز أسبار

رابط البحث

https://library.fes.de/pdf-files/bueros/beirut/22184.pdf