اندلع عنف مفاجئ في محافظة السويداء الواقعة جنوب سوريا، مما أدى إلى أزمة معقدة ومتزايدة تعكس هشاشة الاستقرار في البلاد، بعد مرور ستة أشهر فقط على انهيار الحكومة السابقة. هذه التطورات أرسلت صدمات واسعة النطاق في المنطقة، مهددة بمزيد من التصعيد الإقليمي.
شهدت السويداء خلال الأسبوع الماضي سلسلة من أعنف الاشتباكات الداخلية التي تشهدها سوريا منذ سنوات. بدأ النزاع في الأساس كصراع محلي بين الطائفة الدرزية وبعض القبائل البدوية المجاورة، لكنه سرعان ما تحوّل إلى صراع حضري واسع النطاق، شاركت فيه أيضًا قوات الحكومة السورية، مما أسفر عن مواجهات دامية في عدة مناطق.
حتى يوم الخميس، أبلغ المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يتخذ من بريطانيا مقرًا له، عن سقوط ما يقرب من 600 قتيل، من بينهم عشرات المدنيين ومئات المقاتلين من مختلف الأطراف المتنازعة، في مشهد يُظهر اتساع دائرة العنف وتصاعد وتيرته بشكل مقلق.
في سياق متصل، شنت إسرائيل، التي تروّج لنفسها كحامية للطائفة الدرزية داخل سوريا، سلسلة من الغارات الجوية على مواقع عسكرية سورية في دمشق ومحافظة السويداء. وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بأن إحدى هذه الغارات الأخيرة استهدفت ضواحي السويداء يوم الخميس، بعد غارات أخرى وصلت إلى مجمع وزارة الدفاع في قلب العاصمة دمشق لأول مرة منذ فترة طويلة.
وعلى الرغم من تصريحات إسرائيل التي تؤكد أن هذه الهجمات تهدف إلى حماية الدروز وردع أي تجمعات عسكرية على طول حدودها، إلا أن المحللين يرون أن هذه الخطوات تعكس إعادة تقييم استراتيجي أوسع للواقع العسكري والسياسي في المنطقة، ربما تهدف إلى ضمان مصالحها الأمنية في ظل الفوضى المتصاعدة داخل سوريا.
من مناوشة محلية إلى برميل بارود جيوسياسي
ما بدأ كنزاع محدود بين جماعات مسلحة محلية في محافظة السويداء، سرعان ما تحول إلى مواجهة شاملة بعدما تدخلت قوات الحكومة السورية في محاولة لاستعادة السيطرة على المحافظة التي ظلت إلى حد كبير خارج قبضتها، حتى في عهد نظام بشار الأسد. لطالما أدار مقاتلون دروز مرتبطون بشيوخ ورجال دين نافذين شؤون الأمن المحلي، في ظل وجود حكومي محدود اقتصر على المؤسسات الرسمية دون أي سيطرة فعلية.
مع سقوط النظام السابق، شرعت السلطات الجديدة في دمشق في جهود موسعة للسيطرة على المناطق التي ظلت بمعزل عن سلطة الحكومتين السابقة والحالية، وكانت السويداء من أبرز هذه المناطق. في هذا الإطار، أطلق الجيش عملية عسكرية واسعة النطاق في السويداء، ما أدى إلى اشتباكات عنيفة في شوارع المحافظة، خاصة مع المقاتلين الموالين للشيخ حكمت سلمان الهجري، الذي رفض تسليم السلاح أو الاعتراف بسلطة الحكومة الجديدة.
تنبع مقاومة هذه الفصائل إلى حد كبير من انعدام ثقة عميق في الحكومة الجديدة، خاصةً في ظل ارتباطات سابقة بين هذه السلطات وبعض الجماعات الجهادية، قبل الإطاحة بالنظام السوري. وفي هذا السياق، رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى جانب شهادات شهود عيان، واقعًا ميدانيًا قاتمًا في السويداء، حيث شهدت المحافظة إعدامات ميدانية، وهجمات على المستشفيات، وفرض حصار على التجمعات البدوية. ونتيجة لذلك، اضطرت العديد من العائلات للنزوح هربًا من المخاوف المتصاعدة من انتقام طائفي.
في محاولة لتهدئة الأوضاع، وافقت دمشق يوم الأربعاء، بوساطة أمريكية وعربية، على وقف إطلاق النار وسحبت قواتها من بعض المواقع، خاصة مع تصاعد الغارات الإسرائيلية وتهديداتها بمزيد من الهجمات. وفي خطاب متلفز يوم الخميس، قال أحمد الشرع، الرئيس السوري المؤقت: “أمامنا خياران: إما حرب مفتوحة مع إسرائيل تعرض إخواننا الدروز والاستقرار الوطني للخطر، أو السماح للقيادات المحلية بالعودة إلى رشدها وتغليب المصلحة الوطنية. اخترنا الخيار الثاني.”
ومع ذلك، وفي اليوم ذاته، اتهمت السلطات عناصر مسلحة محلية بخرق الهدنة وارتكاب انتهاكات وفظائع، مؤكدة التزامها باستعادة سلطة الدولة ومحاسبة المخالفين، في ظل استمرار “العدوان” الإسرائيلي ومحاولات القوى الخارجية لاستغلال الأزمة في السويداء.
استراتيجية إسرائيل المتطورة
في ظل تصاعد الغارات الإسرائيلية على مواقع في سوريا، والتي تبررها تل أبيب بحماية الطائفة الدرزية، يشير العديد من المراقبين الإقليميين إلى دوافع استراتيجية أعمق لهذه الضربات.
ماجد بطرس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان، يؤكد أن هذه الهجمات هي جزء من استراتيجية إسرائيلية طويلة المدى تهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في سوريا. ويشرح بطرس أن إسرائيل تسعى إلى إنشاء منطقة عازلة في الجنوب السوري عبر زرع الانقسامات بين الفصائل السورية، وتصوير القيادة الجديدة في دمشق كقوة معادية للأقليات، وعلى رأسها الدروز.
في سياق متصل، يرى المحلل السياسي وائل علوان أن إسرائيل تستخدم الضربات للضغط على الحكومة السورية لمنع ترسيخ وجود عسكري مكثف بالقرب من حدودها. ويوضح علوان أن الرسالة التي تريد تل أبيب إيصالها واضحة: “لن نتسامح مع عودة القوات السورية أو الموالية لإيران إلى الجنوب”.
ويضيف بعض المحللين أن إسرائيل تستغل هذه الاضطرابات لعرقلة أية جهود تطبيع سياسي محتملة مع دمشق. إذ قال أماتزيا برعام، أستاذ سياسات الشرق الأوسط بجامعة حيفا، إن أعمال العنف الأخيرة عطّلت الحوار المبدئي بين إسرائيل وسوريا، وزادت من تعقيد جهود التواصل مع القيادة الجديدة في العاصمة السورية.
على الصعيد الإقليمي، أثارت الغارات انتقادات واسعة. إذ أدانت جامعة الدول العربية الهجمات، ووصفتها بأنها انتهاك صارخ للسيادة السورية، متهمة إسرائيل باستغلال الاضطرابات لتحقيق مكاسب جيوسياسية. كما حذرت مصر من أن هذه الهجمات قد تؤدي إلى تأجيج التوترات في المنطقة.
في المقابل، دعا الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط إلى الوحدة بين السوريين، محذرًا من الاستقطاب الطائفي، وحثّ الدروز اللبنانيين على الابتعاد عن الصراعات الداخلية.
أما تركيا، التي تحافظ على موقف متوازن تجاه الأزمة السورية، فقد حذرت من محاولات إسرائيل لعرقلة توافق ما بعد الصراع. وأكد محللون أتراك أن الضربات الإسرائيلية تشكل تحديًا للجهود الدبلوماسية التي تقودها أنقرة، والتي تهدف إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي. وأشار باتو جوشكون، الزميل في مركز تريندز للأبحاث والاستشارات، إلى أن “لا إسرائيل ولا تركيا ترغبان في مواجهة مباشرة، لكنهما حريصتان على مستقبل سوريا”. وأضاف أن أنقرة تستخدم كافة القنوات الدبلوماسية لمنع التصعيد، معتبرةً أن مصير سوريا مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمنها القومي.
وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي، فقد أكدت واشنطن عدم دعمها للضربات الإسرائيلية الأخيرة، معبرةً عن استيائها، وداعية الحكومة السورية للعب دور قيادي في استقرار البلاد. وصرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية تامي بروس: “لم تدعم الولايات المتحدة الضربات الإسرائيلية الأخيرة، ونحن نعمل دبلوماسيًا مع كل من إسرائيل وسوريا على أعلى المستويات لإيجاد حل دائم للأزمة.”
وقف إطلاق نار هش، مسار غير مؤكد للمضي قدمًا
رغم إعلان وقف إطلاق النار رسميًا منذ يوم الأربعاء، لا تزال الأوضاع على الأرض في السويداء هشة للغاية. تستمر الطائرات الإسرائيلية في تنفيذ ضرباتها الجوية، بينما تظل الميليشيات المحلية متمركزة في مناطق مختلفة من المحافظة، ما يزيد من مخاطر تجدد العنف في أي لحظة.
يتصاعد هذا الخطر بشكل خاص مع التهديدات التي أطلقتها قبائل عربية من شمال وشرق سوريا بالرد على ما اعتُبر أعمالًا عدائية ضد القبائل البدوية في السويداء، ما يعكس تعقيدات إضافية في المشهد الأمني المتأزم.
يسلط الصراع الضوء على التحديات الجسيمة التي تواجه القيادة السورية الجديدة، التي تحاول جاهدة فرض سيطرتها على مشهد محلي مجزأ ومتشظٍ. فالسلطات السورية المؤقتة تكافح لإعادة بناء دولة مركزية قادرة على السيطرة على كامل الأراضي، غير أن غياب الثقة بين الأطراف المحلية والإقليمية والعجز عن تحقيق توافق سياسي يشكلان عائقًا رئيسيًا أمام هذا المسعى.
في الوقت نفسه، يشكل الرد الإسرائيلي المتكرر عقبة بارزة في مسار المحادثات الدبلوماسية بين دمشق وتل أبيب، والتي ورد أنها جزء من جهود جارية للتوصل إلى اتفاق سلام محتمل في المستقبل القريب.
وبينما تقف سوريا على مفترق طرق خطير، تستمر الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية في المناورة عبر قنوات دبلوماسية وأدوات الردع والقوة لتشكيل مستقبل البلاد. في ظل هذه الظروف المعقدة، يبقى سكان السويداء عالقين بين مصالح أجنبية متضاربة، وتحالفات متصدعة، وواقع الحرب وآثارها المستمرة.
وصف بارام، أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا، الأزمة الأخيرة بأنها “تعكس التناقضات العميقة في سوريا ما بعد حكم الأسد”. وأضاف: “دمشق تسعى للوحدة، وإسرائيل تطمح إلى توسيع نفوذها، والمنطقة بأسرها تتابع الوضع عن كثب. ما يحدث في السويداء لن يظل محصورًا داخل حدودها، بل سيترك أثرًا بعيد المدى في محيطها الإقليمي.”
١٨ تموز/يوليو ٢٠٢٥
همام الشيخ علي
مركز أسبار
رابط البحث
https://english.news.cn/20250718/d907b976b5e04bdcab6d98772ba12cfd/c.html

