ذات صلة

خطة من ثلاث نقاط لتعزيز وقف إطلاق النار بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران

بعد حرب استمرت اثني عشر يومًا في يونيو/حزيران، لا تزال الهدنة قائمة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لكنها هشّة للغاية. يبدو أن الشرق الأوسط قد نجح مجددًا في تجنّب حرب شاملة ومدمرة، غير أن هذا التوازن الهش يرسّخ ديناميكية خطيرة قد تؤدي إلى تصعيدات أكبر في المستقبل.

يدّعي كل طرف من الأطراف الثلاثة انتصاره في هذا الصراع، لكن روايات النصر التي يروّجون لها تحمل ثغرات واضحة، فيما لا يزال كل طرف يتعرّض لمخاطر حقيقية. هذا الواقع يفتح الباب واسعًا أمام المتشدّدين داخل الأنظمة السياسية الثلاثة للمطالبة باستئناف حمل السلاح، مما قد يُعيد المنطقة إلى دوامة تصعيد لا تحمد عقباها.

في هذا السياق، تظل الدبلوماسية الطريق الأكثر أمانًا وموثوقية لمنع اندلاع حرب جديدة. من الضروري التوصّل إلى اتفاق يُعالج المخاوف النووية، ويعزز الهدنة الحالية، ويحوّلها إلى تفاهم متبادل لعدم الاعتداء، بما يُساهم في مواجهة التحديات الفورية ووضع أسس ترتقي إلى استقرار طويل الأمد في المنطقة.

روايات النصر الهشّة

عندما بدأت إسرائيل حرب الاثني عشر يومًا وأطلقت عملية “الأسد الصاعد” في 13 حزيران/يونيو، كانت تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: أولاً، عرقلة ما اعتبرته برنامجًا نوويًا إيرانيًا يقترب من نقطة اللاعودة، خاصةً مع تزايد مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب والأنشطة المزعومة المتعلقة بالتسليح النووي؛ ثانيًا، تدمير عدد كبير من الصواريخ الباليستية الإيرانية؛ وثالثًا، تقليص قدرة الجمهورية الإسلامية على تعزيز نفوذها في المنطقة، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلائها.

أشار مسؤولون إسرائيليون أيضًا إلى أن هذه الضربات قد تزعزع استقرار الحكومة الإيرانية أو حتى تمهد الطريق لتغيير النظام، مستندين إلى هشاشة النظام الإيراني وحركة الاحتجاجات الشعبية داخله. وربما كان هناك هدف ضمني إضافي هو عرقلة الدبلوماسية النووية وتقويض فرص تجديد الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة أن الهجوم الإسرائيلي جاء قبل يومين فقط من الجولة السادسة من المحادثات في عُمان.

وتجسد الضربات الإرادة السياسية الإسرائيلية لاستخدام القوة العسكرية على نطاق واسع، في ظل ندرة القوى الداخلية أو الخارجية التي يمكنها كبح جماحها.

كانت عملية “الأسد الصاعد” أيضًا دليلاً على قدرة إسرائيل على جر الولايات المتحدة إلى صراع لم يكن الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، يرغب فيه، حيث سعى إلى تثبيط التدخل الأمريكي في المنطقة. ففي 22 يونيو، أسقطت الطائرات الأمريكية قنابل ضخمة خارقة للتحصينات على مواقع نووية إيرانية. وردّت إيران في اليوم التالي بهجوم صاروخي مُعدّل على قاعدة العديد في قطر، وهو هجوم لم يوقع إصابات على الأرجح بسبب تحذير مسبق من طهران للدوحة وواشنطن.

وفي 23 يونيو، أعلن ترامب، متخذًا منعطفًا مناسبًا، أن الولايات المتحدة بمساعدة قطر ضمنت وقفًا لإطلاق النار يبدأ تدريجيًا خلال الاثنتي عشرة ساعة القادمة. وبعد ذلك، هدأت الأوضاع بين إسرائيل وإيران سريعًا، عقب ضغط ترامب لإلغاء آخر هجوم جوي إسرائيلي محتمل.

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن الحرب كانت “انتصارًا مدويًا”، فيما دعم المسؤولون الإسرائيليون هذا التقييم بتقارير تشير إلى أن الضربات الإسرائيلية والأمريكية ألحقت أضرارًا كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني، حتى أن بعض التقارير أشارت إلى أنها أبطأته لسنوات عدة. بالإضافة إلى ذلك، قُتل عدد من العلماء النوويين البارزين، الذين يُعتقد أنهم كانوا يلعبون دورًا رئيسيًا في تطوير سلاح فعال، رغم أن إسرائيل لم تُقدّم دليلًا ملموسًا على وجود أنشطة تسليحية حديثة.

تزعم إسرائيل أنها دمرت بين 800 و1000 صاروخ باليستي، إضافة إلى أكثر من نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية. نفذت الطائرات النفاثة والطائرات المسيرة الإسرائيلية أكثر من ألف طلعة جوية فوق الأراضي الإيرانية خلال اثني عشر يومًا، مستهدفة مواقع نووية وعسكرية بحرية شبه مطلقة. كما حققت عمليات استهداف دقيقة أدت إلى مقتل أكثر من عشرين قائدًا عسكريًا، مؤكدة قدرة جهاز الموساد على اختراق المؤسسات الإيرانية داخل البلاد.

وأكدت إسرائيل أنها صدّت معظم الهجمات الإيرانية، مدعية إسقاط نحو 86% من أكثر من 500 صاروخ أطلقتها طهران، بالإضافة إلى جميع الطائرات المسيّرة البالغ عددها أكثر من 1000، باستثناء واحدة فقط. وترى إسرائيل أن مكانة إيران الإقليمية، التي كانت قد تراجعت سابقًا بسبب ضربات متكررة لحلفائها خلال العام الماضي، قد تقلصت أكثر نتيجة لهذه الضربات. من بين حلفاء إيران، شارك الحوثيون في اليمن فقط بمحاولات محدودة للقتال، بينما أعلن حزب الله اللبناني، أقوى حلفاء طهران سابقًا، عن موقف الحياد وعدم المشاركة.

أما في الولايات المتحدة، فقد قدمت إدارة ترامب رواية نصر مماثلة، مع ثقة متفائلة في فعالية الضربات التي نفذتها في 22 حزيران/يونيو، لا سيما الهجوم على منشأة التخصيب النووي في فوردو، باستخدام قنابل “GBU-57” الضخمة الخارقة للتحصينات والتي أُسقطت للمرة الأولى في معركة حقيقية. وأعلن البيت الأبيض أن “الرئيس دونالد ج. ترامب دمّر المنشآت النووية الإيرانية”، وهو ما عزّزه ترامب شخصيًا في خطاباته.

كما أكد مدير وكالة المخابرات المركزية، جون راتكليف، أن “البرنامج النووي الإيراني تضرر بشدة نتيجة الضربات المستهدفة”، ونشرت مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي جابارد، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن “معلومات استخباراتية جديدة تؤكد تدمير المنشآت النووية الإيرانية”. في المقابل، شككت إدارة ترامب في بعض التقييمات الأولية الأقل تفاؤلاً التي صدرت عن وكالة استخبارات الدفاع، واتهم وزير الدفاع، بيت هيغسيث، وسائل الإعلام بتحريف تقاريرها للإضرار بالرئيس.

بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن نجاتها من حملة عسكرية مكثفة شنّتها دولتان نوويتان دون أضرار تُذكر تُعتبر انتصارًا، رغم أن المراقبين الخارجيين قد يرونه انتصارًا باهظ الثمن. فرغم الخسائر التي تكبدتها، لم تستهدف إسرائيل المرشد الأعلى علي خامنئي أو أي شخصية سياسية بارزة أخرى، بالرغم من انتشار شائعات حول استهدافها.

وفقًا للرواية الإيرانية، وعلى الرغم من أن إسرائيل والولايات المتحدة حققتا مفاجأة تكتيكية وألحقتا أضرارًا جسيمة، فإن النظام لم يكتف بالصمود فقط، بل شنّ هجومًا مضادًا داخل المدن الإسرائيلية، حتى اضطر الطرف الآخر إلى قبول وقف إطلاق النار خلال أسبوعين.

تم صد معظم وابل الصواريخ الإيرانية، لكن الصواريخ التي اخترقت الحدود تسببت في أضرار ملموسة، وأظهرت طهران قدرة على ضرب أهداف استراتيجية مثل مصفاة نفط وجامعة تقنية ومنشآت دفاعية. أما إسرائيل، فكانت مضطرة لفرض رقابة مشددة، ولم تكشف حتى الآن عن تكلفة نشر دفاعاتها الجوية المتطورة التي دعمتها الولايات المتحدة وحلفاء آخرون، أو حجم استنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية.

داخليًا، كان من الممكن أن تكون تداعيات الحرب أسوأ داخل إيران، لكن أجهزة الدولة استمرت في العمل بشكل طبيعي طوال الأيام الاثني عشر، مع توفر السلع والخدمات الأساسية. ورغم وجود توترات بين الدولة والمجتمع، لم تحدث احتجاجات شعبية واسعة مع توسع إسرائيل في استهداف عناصر من أجهزة الأمن وإنفاذ القانون الإيرانية. وعلى العكس، أتاح الصراع للحكومة فرصة لحشد الدعم الشعبي خلف سيادة إيران والدفاع الوطني، رغم الإجراءات القمعية ضد المشتبه فيهم بالتسلل.

مع ذلك، وعلى الرغم من كل التصريحات والادعاءات، لا تزال كل رواية عن “النصر” تعاني من ثغرات كبيرة. صحيح أن القادة الإسرائيليين والأمريكيين تحدثوا عن تأثير الضربات، إلا أن التساؤلات تبقى حول مدى الضرر الفعلي الذي أصاب البرنامج النووي الإيراني، ومدى سرعة قدرتها على إعادة بنائه. فقد صرح رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن استئناف تخصيب اليورانيوم قد يستغرق فقط بضعة أشهر.

وكشفت تقييمات أمريكية منتصف يوليو/تموز أن الضربات ألحقَت أضرارًا جسيمة بمنشأة فوردو، لكنها أضرت بشكل أقل بالمنشآت الأخرى في أصفهان ونطنز. وحتى الآن، لم يُجرَ تقييم ميداني نهائي للأضرار، لا سيما بعد أن اضطرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى سحب مفتشيها في أوائل يوليو/تموز، إثر تعليق إيران تعاونها مع الوكالة تحت ضغط البرلمان.

في الوقت نفسه، اختفى مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وربما يكون مخبأً في منشآت مستهدفة أو قد تم تهريبه. وبرغم وفاة العديد من كبار العلماء النوويين، لم تفقد إيران خبرتها النووية المحلية التي لا يمكن القضاء عليها بسهولة.

تشعر طهران بأنها محاصرة، ومن المرجح أن تحاول إعادة بناء برنامجها النووي بسرعة، لكن مع مستوى شفافية أقل وبصمة أصغر، مع مراجعة حساباتها الاستراتيجية حول السعي نحو امتلاك سلاح نووي. كما من المتوقع أن تعزز مخزوناتها من الصواريخ الباليستية، وأنظمة الدفاع الجوي، وترسانات حلفائها الإقليميين.

مع ذلك، وعلى الرغم من سعي القيادة الإيرانية لإظهار قدرتها على الصمود، فإن وضعها ليس قوياً. فدفاعاتها الجوية تعرضت للتدمير، واختراق الاستخبارات الإسرائيلية لمؤسساتها الأمنية مكّن من مراقبة مكثفة لأنشطتها النووية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.

في المقابل، عززت هذه الأحداث ثقة رئيس الوزراء نتنياهو في استخدام القوة العسكرية، كما أرست إدارة ترامب سابقة لضرب الأراضي الإيرانية عسكريًا. وكلما أحرزت إيران تقدماً أكبر نحو استعادة قدرتها النووية السابقة، زادت احتمالية تعرضها لضربات جديدة من إسرائيل أو الولايات المتحدة.

ولا يزال من غير الواضح مدى قدرة النظام الإيراني على تحمل صدمة ضربات أخرى، ربما أشد وأوسع نطاقاً، في ظل استمرار الصراع النووي المستمر.

مخاطر الجولة الثانية

في ظل هذه الخلفية، يتزايد خطر تجدد الصراع في المنطقة. من السهل تصور أن إسرائيل، وهي تراقب إيران وهي غارقة في الأزمات لكنها لا تنحني، قد تستمر في شن ضرباتها الجوية المتكررة بهدف إحباط إعادة بناء البرنامج النووي الإيراني، وإضعاف النظام، وتقليل قدرات الصواريخ الباليستية، متبعةً سياسة “جز العشب” التي استخدمتها في مناطق أخرى بالشرق الأوسط، بما في ذلك في مواجهة حزب الله في لبنان.

رئيس الوزراء نتنياهو قد يسعى للحصول على دعم واشنطن لمزيد من الغارات الجوية، وربما يحاول استدراج الولايات المتحدة إلى صراع مجدد، معتمداً على المتشددين في إدارة ترامب، والحزب الجمهوري، ووسائل الإعلام الأمريكية التي تروج لقضيته.

إذا حدث ذلك، فمن المرجح أن ينتصر “صقور” واشنطن في هذا الملف. وراهن ترامب على مصداقية الضربات الأمريكية، وقد يشعر بأنه مضطر لإصدار أوامر بمزيد من العمليات العسكرية إذا ظهرت مؤشرات على تقدم في البرنامج النووي الإيراني. وقد تعزز هذا الموقف رد إيران الرمزي على قاعدة العديد، الذي أعطى انطباعًا بعدم رغبة طهران في تصعيد الصراع إلى مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، يلمح ترامب إلى استعداده للعودة إلى القتال، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ليست مضطرة للتفاوض مع إيران لكبح طموحاتها النووية، بل يمكنها الاعتماد على الردع العسكري وحده.

أما في إيران، فإن المتشددين يستغلون هذه التطورات لتأكيد عدم جدوى الثقة بالولايات المتحدة، مشيرين إلى أن واشنطن قصفت إيران أثناء المفاوضات، وربما تستخدم الحوار كغطاء لعمليات عسكرية قادمة. كما يعتبر البعض في طهران أن الضربات الإسرائيلية التي وقعت في منتصف يوليو/تموز على مواقع سورية تعكس أن حتى النهج التصالحي قد لا يضمن هدنة دائمة.

إذا فكّر أي من الأطراف الثلاثة في خوض جولة جديدة من الحرب، فيجب أن يعيد حساباته جيدًا. بدايةً مع إسرائيل، التي لا ينبغي لها أن تفترض أن تكتيكاتها المعروفة بـ”جزّ العشب” يمكن تطبيقها بسهولة على إيران. فبينما تتيح لها الضربات العرضية ضد فاعلين غير حكوميين في لبنان أو سوريا أو اليمن حرية أكبر، فإن إيران تختلف؛ إذ رغم تفوق إسرائيل في القوة النارية والاستخبارات، أظهرت طهران خلال حرب الأيام الاثني عشر قدرتها على شل الاقتصاد الإسرائيلي وإلحاق أضرار جسيمة بالجبهة الداخلية، واضطرت السكان للجوء إلى الملاجئ. كما كشف الهجوم الإيراني في قطر عن طرق تصعيد جديدة محتملة، سواء عبر استدراج دول أخرى أو استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.

أما بالنسبة لترامب، فإن تجدد الحرب يحمل معه مخاطر متعددة، ليس فقط جيوسياسية بسبب احتمالية انجرار الولايات المتحدة إلى صراع جديد في الشرق الأوسط بينما تفضل تركيز مواردها على المنافسة مع الصين، بل سياسيًا أيضًا. فرغم موقفه المتشدد، تواجه إدارة ترامب معارضة داخلية من قواعده اليمينية التي ترفض التدخلات الخارجية الكبيرة، ما قد يسبب رد فعل عنيف إذا انخرطت الولايات المتحدة في نزاع مفتوح مع إيران أو تكبدت خسائر. ولهذا السبب، أصرّت الإدارة على تصوير ضربات “مدمرات المخابئ” بأنها ناجحة بالكامل، ورفض ترامب خططًا عسكرية أوسع قد تطول.

أما إيران، فمن المرجح أن تستمر في سياسة الغموض النووي عبر منع وصول مفتشي الأمم المتحدة وإظهار قدرتها على تخصيب اليورانيوم كوسيلة للحفاظ على موقفها. قد تبدأ أيضًا سباقًا هادئًا نحو تطوير سلاح نووي، معتقدةً أن امتلاك القنبلة سيمنحها ردعًا يحترمه خصومها. لكن أي تحرك إيراني لتطوير وضعها النووي قد يسرّع العمل العسكري الإسرائيلي والأمريكي، لا سيما مع تراجع عتبة المواجهة وتوسع نطاق الاستهداف ليشمل الأصول الاستراتيجية وكبار المسؤولين. حتى من دون تصعيد عسكري، فإن المزيد من العقوبات الأمريكية سيزيد من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في إيران.

ومنذ حرب أكتوبر/تشرين الأول 2023، أخطأت إيران وحلفاؤها مرارًا في تقدير مدى استعداد إسرائيل لاستخدام القوة بطرق جديدة ومخاطر أكبر. لذلك، أي تجاوز للحدود في الملف النووي قد يشكل تهديدًا وجوديًا لطهران.

الوقت يلعب ضد الجميع؛ فغياب تقدم دبلوماسي في الأسابيع المقبلة يرفع احتمال تحرك القوى الأوروبية لإعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن قبل 2015، وربما تفعيل آلية “سناب باك” التي تنتهي صلاحيتها في أكتوبر/تشرين الأول. هذه الخطوة ستفرض قيودًا جديدة على تخصيب اليورانيوم، وتجارة الأسلحة، وقطاعات الشحن والبنوك في إيران، لكنها قد تدفع طهران إلى اتباع طريق كوريا الشمالية والانفصال عن معاهدة حظر الانتشار النووي، مما يزيد من حدة التوترات مع إسرائيل والغرب.

من الخل إلى العسل: خطة من ثلاث نقاط

ينبغي أن تُعتبر حرب الأيام الاثني عشر مدخلاً لمزيد من التصعيد أو المواجهات العسكرية التي قد تكون أعنف وأخطر على الصعيدين الإقليمي والدولي. فبالرغم من التوترات العالية والآثار السلبية الواضحة، ثمة فرصة حقيقية أمام الأطراف المعنية، إذا ما أبدت إرادة سياسية جريئة، لوضع ترتيبات دائمة ومستقرة تُسهّل بناء السلام وتجنب العودة إلى دائرة العنف.

تبدأ هذه العملية بضمان أن يصبح وقف إطلاق النار الحالي نقطة تحوّل نوعية، لا مجرد استراحة مؤقتة بين جولات الصراع، وإنما مرحلة انتقالية نحو انخراط جميع الأطراف في حوار جاد وفعّال. ومن أجل ذلك، يجب على الولايات المتحدة وإيران، كأطراف مركزية في هذا الصراع، استئناف قنوات الاتصال الدبلوماسية بشكل عاجل، والعمل على صياغة مجموعة واضحة من الأهداف المرحلية التي يمكن أن تهيئ الأرضية للمفاوضات الشاملة.

من بين الخيارات الواقعية التي يمكن اعتمادها، صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يُلزم الولايات المتحدة بوقف أي ضربات عسكرية إضافية، ويُشجع إسرائيل على كبح هجماتها ضمن إطار الالتزام بالوقف، وذلك مقابل تعهد إيراني بعدم استئناف أنشطة تخصيب اليورانيوم خلال فترة المفاوضات، واستئناف تعاونها الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

هذا الأمر يتطلب من إيران منح المفتشين الدوليين حرية الدخول الكامل إلى المواقع النووية، وتمكينهم من القيام بمهامهم في حصر المواد الانشطارية ومراقبة سير الأنشطة، وذلك على الرغم من التوترات الكبيرة التي شهدتها العلاقات بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي وصلت حدّ العداء بعد اتهامات إيرانية للوكالة بتحيز في تقاريرها، ورفض البرلمان الإيراني استمرار التعاون مع المفتشين، ما أدى إلى انسحابهم من البلاد.

إن استعادة دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الرقابة والإشراف سيكون أمرًا حيويًا، لأنه يعزز من شفافية الأنشطة النووية الإيرانية ويشكّل مدخلاً مهماً لكسب الثقة الدولية. في المقابل، فإن التقدم في هذه النقطة سيمنح الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) المبرر القانوني والسياسي لعدم إعادة فرض عقوبات جديدة في الوقت الراهن، ما يعزز من فرص الاستقرار النسبي في المنطقة.

على صعيد متصل، يُعدّ تمديد مجلس الأمن الدولي للمهلة المحددة في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أمراً ضرورياً للحفاظ على آلية “سناب باك” كخيار متاح للرد على أي انتهاك محتمل من قبل إيران، مع منح الوقت الكافي لمزيد من الحوارات والجهود الدبلوماسية التي تهدف إلى التوصل إلى تفاهمات أوسع. هذا التمديد يُعدّ وسيلة ضغط ضرورية تُذكر طهران بضرورة الالتزام بالاتفاقات وتقليل احتمال الانسحاب الكامل من معاهدة حظر الانتشار النووي.

في المجمل، تعتمد فرص تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط بشكل كبير على قدرة الأطراف على تجاوز الحسابات العسكرية والاعتماد على الدبلوماسية كخيار استراتيجي أول، ومن ثمّ بناء تفاهمات قائمة على المصالح المشتركة والمخاوف الأمنية المتبادلة. فالتصعيد العسكري، كما يُظهر التاريخ، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوترات، وإطالة أمد الأزمات، وربما إشعال نزاعات إقليمية أوسع.

إن الفشل في اغتنام هذه الفرصة لا يعني فقط تجديد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، بل قد يشكل أيضًا شرارة لمواجهات أوسع تشمل أطرافًا إقليمية ودولية أخرى، مما يعمّق حالة عدم الاستقرار التي تؤثر على الأمن العالمي.

وكخطوة ثانية، سيتعيّن على الطرفين معالجة الخلاف الجوهري الذي عطّل المحادثات الأمريكية-الإيرانية لأشهر عديدة، وهو مطلب الولايات المتحدة وإسرائيل بوقف إيران التخصيب الكامل لليورانيوم. هذه القضية تشكل جوهر الخلاف، إذ ترى واشنطن وتل أبيب أن استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم يشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي، بينما تصر طهران على حقها السيادي في تطوير برنامج نووي مدني، وفقاً لما تسمح به معاهدات دولية مثل معاهدة حظر الانتشار النووي.

في ظل التدهور الكبير الذي أصاب البرنامج النووي الإيراني، وضعف قدراتها العسكرية التقليدية جراء الضربات الأخيرة، لا يبدو أن الولايات المتحدة ستخفّف من شروطها بسهولة في الوقت الراهن. ومع ذلك، يمكن تصور أفضل صفقة متاحة لإيران تتضمن اعترافاً مبدئياً بحقها في تخصيب اليورانيوم، ولكن ضمن إطار جديد يقيّد هذا الحق ويضعه في سياق تعاون إقليمي متعدد الأطراف يشمل دولاً خليجية أخرى وربما حتى دولاً غربية معنية بالأمن في المنطقة.

يمكن لطهران أن توافق على تمديد تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم – التي توقفت فعلياً بسبب الأضرار التي لحقت بمنشآتها – حتى يتم تفعيل هذا الاتحاد أو التحالف النووي الإقليمي. كما يمكن لإيران أن تبدأ، بالتعاون مع جيرانها في دول الخليج العربي وأصحاب المصلحة الآخرين الراغبين، في بناء هذا التحالف تدريجياً، وهو ما قد يعزز الثقة ويخفف المخاوف الإقليمية من سباق تسلح نووي.

من المقترحات المطروحة، أن يتم تركيز عمليات التخصيب في موقع واحد، مثل جزيرة في الخليج، أو تقسيمها بين الدول المشاركة بحيث يكون ذلك تحت رقابة مشتركة دولية، ما يحقق شفافية أكبر ويمنح الجميع دوراً في ضمان الاستخدام السلمي لهذه التقنية. للحفاظ على ماء الوجه الإيراني، اقترح البعض أيضاً أن تُنتج إيران أجهزة الطرد المركزي – وهي الجزء التكنولوجي الأساسي في عمليات التخصيب – في دولة خليجية محايدة مثل عمان، مما يخفف من حدة التوترات ويعزز فكرة التعاون الإقليمي.

في المقابل، ستعرض الولايات المتحدة تخفيف العقوبات الاقتصادية المشددة التي تستهدف البرنامج النووي الإيراني، كحافز لإيران للالتزام بهذه الاتفاقية، ما قد يسهم في تحسين الوضع الاقتصادي الداخلي لطهران ويشجع على العودة إلى طاولة الحوار بشكل بناء.

أما الجزء الثالث من هذه الخطة، وهو الأكثر حداثة، فينبغي أن يتضمن جهوداً لإدارة وتخفيف العداء بين إسرائيل وإيران، وهو عداء تاريخي عميق ومعقد. يمكن أن يتخذ هذا الجهد شكل تعهّد متبادل بعدم الاعتداء، يُعتمد كتفاهم هادئ أو يُدرج في قرار ملزم صادر عن مجلس الأمن الدولي، مدعوماً بضمانات من واشنطن، التي تلعب دور الوسيط الرئيسي بين الطرفين.

من الجانب الإسرائيلي، سيقضي هذا التعهد بوضع حدّ للعمليات العسكرية السرية والعلنية ضد إيران، والتي لطالما شكلت محوراً رئيسياً في التوترات المستمرة، مثل الضربات الجوية والعمليات الاستخباراتية والتصفيات المستهدفة. أما من الجانب الإيراني، فسيُحظر توجيه ضربات مباشرة ضد إسرائيل، بالإضافة إلى وقف أي دعم عسكري أو مالي لأي جهة حكومية أو غير حكومية تعمل على تنفيذ مثل هذه الهجمات، سواء كان ذلك عبر حزب الله في لبنان أو الجماعات المسلحة الأخرى في سوريا أو اليمن.

تكمن الفكرة في أنه إذا أمكن احتواء التهديد الإيراني لإسرائيل – الشريك الإقليمي الأكثر أهمية للولايات المتحدة في المنطقة – فسوف يكون من الممكن لواشنطن تقديم تخفيف أوسع للعقوبات المفروضة على إيران، ما يفتح الباب أمام فرص دبلوماسية أوسع وأقوى. وبالنتيجة، ستلتزم الولايات المتحدة بمنع إسرائيل من مواصلة القصف أو الهجمات طالما التزمت إيران التزاماً كاملاً باتفاقاتها.

يمكن اعتماد هذه العناصر الثلاثة كجزء من خطة شاملة ومتكاملة للتعامل مع الأزمة، لكن هناك احتمال أن تتبع الأطراف نهجاً تدريجياً يبدأ بترسيخ وقف إطلاق النار الحالي من خلال قرار دولي رسمي من مجلس الأمن، يهدف إلى منع أي تصعيد وشيك قد يحمل معه مخاطر كارثية على المنطقة والعالم.

مثل هذا القرار الدولي يمكن أن يشكل منصة سياسية وقانونية لتعزيز الثقة بين الأطراف، وتهيئة الأرضية لإطلاق المفاوضات المعمقة حول القضايا النووية والأمنية الأخرى، ضمن إطار إقليمي ودولي متوازن يحافظ على مصالح جميع الأطراف ويعزز الاستقرار في الشرق الأوسط.

صعوبة بالغة

لا شك أن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق سيكون مهمة شاقة ومعقدة تتطلب إرادة سياسية قوية وتنازلات صعبة من جميع الأطراف المعنية. فالقادة في إسرائيل والولايات المتحدة وإيران لا يزالون يستخلصون الدروس من حرب الأيام الاثني عشر التي كشفت هشاشة المواقف واستعداد كل طرف للرد بقوة على أي استفزاز. كما أن تأثير الصراع الأخير ترك آثاراً عميقة على الاستراتيجيات الأمنية والسياسية لكل طرف، مما قد يجعل بعض مستشاريهم يشككون في جدوى واستمرارية المفاوضات.

مع ذلك، فإن النظرة الواقعية إلى البدائل المتاحة تُظهر أن الخيارات الأخرى قد تكون أكثر سوءًا، وأن استمرار حالة التوتر المتصاعدة قد يؤدي إلى صراعات أوسع وأخطر لا تُحمد عقباها. إذ إن العودة إلى الحرب قد تحمل معها تداعيات إنسانية واقتصادية وأمنية كارثية، ليس فقط على دول المنطقة، بل على السلم والاستقرار العالميين أيضاً.

لذلك، يبقى الحوار الدبلوماسي والبحث عن تسويات توافقية الطريق الأوفر ضماناً للحفاظ على الأمن الإقليمي والدولي، وإن كانت هذه الطريق محفوفة بالتحديات. وفي ظل تعقيد الملف النووي والصراعات الإقليمية المتشابكة، فإن الصبر، والمرونة السياسية، والرغبة الحقيقية في التفاهم، هي العوامل التي قد تصنع الفارق بين تحقيق السلام أو الانزلاق مجدداً نحو العنف والصراع.

21 تموز/يوليو 2025
مركز أسيار
رابط البحث

https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/iran-israelpalestine-united-states/three-point-plan-consolidating-israel-us-iran-ceasefire